النص المفهرس

صفحات 41-52

الإصلاح
الأسلوب القرآن في الدعوة إلى الإصلاح
تنوعت أساليب القرآن في الدعوة إلى
الإصلاح، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي:
أولًا: أسلوب الأمر:
١. أمر الله سبحانه وتعالى بالإصلاح
بين المسلمين، ورتب الرحمة في الدنيا
والآخرة على ذلك.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
قال تعالى:
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُوْتُرْهُونَ﴾
[الحجرات: ١٠].
((خافوا الله أيها الناس بأداء فرائضه
عليكم في الإصلاح بين المقتتلين من أهل
الإيمان بالعدل، وفي غير ذلك من فرائضه،
واجتناب معاصیه؛ لیرحمكم ربكم، فيصفح
لكم عن سالف إجرامكم إذا أنتم أطعتموه،
واتبعتم أمره ونهيه، واتقیتموه بطاعته)»(١).
((وإذا حصلت الرحمة حصل خير
الدنيا والآخرة، ودل ذلك على أن عدم
القيام بحقوق المؤمنين من أعظم حواجب
الرحمة))(٢).
ومن الرحمة: ((أن لا يتصدع بنيانكم،
ولا تتشتت أمتكم، وتصبح جماعات
وطوائف متعادية، يقتل بعضها بعضًا؛ ولما
لم يتق المؤمنون الله في الإصلاح الفوري
(١) جامع البيان، الطبري ٢٩٧/٢٢.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٠١.
بين الطوائف الإسلامية المتنازعة حصل
من الفساد والشر ما الله به عليم في الغرب
الإسلامي والشرق)» (٣).
وأيضًا من معاني الرحمة في الدنيا
والآخرة ((أن تجري أحوالكم على استقامة
وصلاح، وإنما اختيرت الرحمة لأن الأمر
بالتقوى واقع إثر تقرير حقيقة الأخوة بين
المؤمنين، وشأن تعامل الإخوة الرحمة،
فيكون الجزاء عليها من جنسها)) (٤).
٢. أمر الله بالإصلاح بين المسلمين
وجعله شرط الإيمان.
قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ
الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ
ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنتُم
مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١].
((أي: أحوال بينكم، يعني: ما بينكم من
الأحوال، ألفة ومحبة واتفاق))(٥). ((وتوسيط
الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى
والأمر بالطاعة لإظهار كمال العناية
بالإصلاح، بحسب المقام؛ وليندرج الأمر
به بعينه تحت الأمر بالطاعة» (٦).
٣. أمر الله تعالى بالقول الحسن
المعروف السدید.
(٣) أيسر التفاسير، الجزائري ٤/ ٢٩٤.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٥/٢٦.
(٥) تحفة الأحوذي، المباركفوري ٧/ ١٧٩.
(٦) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤ /٣.
www. modoee.com
٣٥٥

حرف الألف
قال تعالى: ﴿قَوْلُ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّن
صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَىْ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة:
٢٦٣].
فالإصلاح بين الناس من القول
المعروف.
قال الضحاك: ((نزلت في إصلاح ذات
البين))(١).
وقال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ
وَقُولُواْقَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠].
٤. أمر الله تعالى بالعفو والصفح،
وحث علیه.
الإصلاح.
قال تعالى آمرًا بالعفو الصفح: ﴿فَاعْفُوا
وَأَصْفَحُواْ حَقَّى يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ [البقرة: ١٠٩].
وقال: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوْاْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ
[النور: ٢٢].
يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
وقال: ﴿وَاَلْكَظِمِينَ الْفَيْطَ وَالْعَافِينَ
عَنِ اَلنَّاسُِ وَاَللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[آل
عمران: ١٣٤].
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمَّ
يَنَصِرُونَ ﴿ وَحَزَّوْاْ سَيِّئَّةٍ سَيِّنَّةٌ مِثْلُهَاً فَمَنْ
عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ، عَلَى اللّهِ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ اَلنَِّمِينَ﴾
(١) معالم التنزيل، البغوي ٣٢٦/١.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٣/١٤.
[الشورى: ٣٩ - ٤٠].
وقال: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤].
والآيات التي تحث على ذلك كثيرة
ومشهورة.
٥. أمر الله تعالى بالإصلاح من
خلال الدخول في السلم وعدم
المخاصمة.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
ومن معاني القول السديد: ((الإصلاح أَدْخُلُواْ فِى أَلْسِلْمِ كَأَفَّةً وَلَا تَتَّبِعُواْ
بين المتشاجرين))(٢)
خُطُوَاتِ الشَّيْطِنِّ ◌ِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾
[البقرة: ٢٠٨].
﴿أَدْخُلُواْ فِي الْسِلْمِ﴾ أي: الإيمان الذي
والعفو والمسامحة من أوسع أبواب هو ملزم لسهولة الانقياد إلى كل خير،
وهو في الأصل بالفتح، والكسر: الموادعة
في الظاهر بالقول والفعل، أي: يا من آمن
بلسانه - كهذا الألد- ليكن الإيمان أو
الاستسلام بكلية الباطن والظاهر؛ ظرفًا
محيطٌ بكم من جميع الجوانب، فيحيط
بالقلب والقالب - كما أحاط باللسان - ولا
يكون لغرامة الجهل وجلافة الكفر إليكم
سبيل ﴿كَانَّةٌ﴾، أي: وليكن جميعكم
في ذلك شرعًا واحدًا سواءً، كهذا الذي
يشري نفسه، ولا تنقسموا فيكون بعضكم
هکذا وبعضکم کذلك الألد؛ فإن ذلك دلیل
الكذب في دعوى الإيمان.
ولما كان الإباء والعناد الذي يحمل عليه
٣٥٦
الْقُرآن الكَرِيْمِ

الإصلاح
الأنفة والكبر فعل الشيطان، وثمرة كونه من [النساء: ١١٤].
ـار.
قال: ﴿وَلَا تَنَّبِعُواْ﴾ أي: تكلفوا أنفسكم
من أمر الضلال ضد ما فطرها الله تعالى
عليه، وسهله لها من الهدى ﴿خُطُوَتْ
الشَّيْطَنِ﴾ أي: طرق المبعد المحترق في
الكبر عن الحق.
قال الحرالي: فیه إشعار وإنذار بما
وقع في هذه الأمة، وهو واقع، وسيقع من
خروجهم من السلم إلى الاحتراب بوقوع
الفتنة في الألسنة والأسنة على أمر الدنيا،
وعودهم إلى أمور جاهليتهم؛ لأن الدنيا
أقطاع الشيطان، كما أن الآخرة خلاصة
الرحمن، فكان ابتداء الفتنة منذ كسر الباب
الموصد على السلم، وهو عمر بن الخطاب
رضي الله تعالى عنه، «فلم يزل الهرج ولا
يزال إلى أن تضع الحرب أوزارها))(١).
ثانيًا: الثناء على المصلحين:
١. أن الله سبحانه وتعالى رتب
الأجر العظيم على الإصلاح بين
الناس.
قال تعالی: ﴿لَاخَيْرَ فِ كَثِيرٍ مِن
نَّجْوَمُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ
إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ آبْتِغَآءَ
مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُوْنِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٣١٠/١.
أي: لا خير في كثير من المتناجين من
الناس إلا فيمن أمر بصدقة، أو معروف
أو إصلاح بين الناس، فإن أولئك فيهم
الخير (٢).
((وخص الله سبحانه الصدقة والإصلاح
بين الناس بالذكر من بين ما شمله هذا العام
إيذانًا بالاعتناء بهما لما في الأول: من بذل
المال الذي هو شقيق الروح، وما في الثاني:
من إزالة فساد ذات البين، وهي الحالقة
للدين كما في الخبر)» (٣).
وعن أبي ثابت قال: «كنت جالسًا عند
محمد بن كعب القرظي فأتاه رجل، فقال له
القوم: أين كنت؟ فقال: أصلحت بين قوم،
فقال محمد بن کعب: أصبت، لك من أجر
المجاهدین، ثم قرأ: ﴿لاخيرَ فِي كَثِيرِ
مِن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ
أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ
آبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُوْنِيهِ أَجْرًاً عَظِيمًا﴾
[النساء: ١١٤])) (٤).
قال الأوزاعي: ((ما خطوة أحب إلى الله
عز وجل من خطوة في إصلاح ذات البين،
ومن أصلح بين اثنين كتب الله له براءة من
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٨١/٧-٤٨٢.
(٣) روح المعاني، الألوسي ٥/ ١٤٤- ١٤٥.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في مداراة الناس، باب
الإصلاح بين الناس رقم ١٥١، ص ١٢٠.
www. modoee.com
٣٥٧

حرف الألف
النار))(١).
٢. حث الله تعالى على الشفاعة
الحسنة، وأنها من الإصلاح الذي
يؤدي للخير.
قال تعالى: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةً
يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةُ سَيْئَةً
يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا﴾
[النساء: ٨٥].
قال ابن عباس رضي الله عنهما:
((الشفاعة الحسنة هي الإصلاح بين الناس،
والشفاعة السيئة هي المشي بالنميمة بين
الناس))(٢).
قال القرطبي رحمه الله: ((فمن شفع
شفاعة حسنة ليصلح بين اثنين استوجب
الأجر، ومن سعى بالنميمة والغيبة أثم))(٣).
ثالثًا: العرض القصصي:
نماذج قرآنية موجزة في الإصلاح:
١. درس من القرآن في قصة ابني آدم.
قال الله تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ
بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُئِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ
يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ
اُللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ ﴿ لَيِنْ بَسَطِتَ إِلَّ يَدَكَ لِنَقْتُلَنِىِ
مَآ أَنْ يِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَ قْتُلَكَّ إِّ أَخَافُ اَللَّهَ
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٨٥/٥.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٥٦/٢.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٢٩٥/٥.
رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴿ إِنّ أُرِيدُ أَن تَبُوَأَ بِئْمِى وَإِثْكَ
فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاؤُا ◌ٌلْفَّلِينَ
﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ، قَبْلَ أَخِيهِ فَقَثَلَهُ، فَأَصْبَحَ
مِنَ الْخَسِرِينَ ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِى
اَلْأَرْضِ لِيُرِيَهُ، كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيَةٍ قَالَ
يَوَّيْلَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَّبِ
فَأَوْرِىَ سَوْءَةَ أَخِىّ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ﴾
[المائدة: ٢٧ - ٣١].
يمكننا استخلاص بعض الفوائد من
مشهد الخصومة بین فردین أخوین، ومنها:
١. المسلم رباني حتى في خصومته،
يحرص على مرضاة الله، ورضوان الله
لا يتحقق بمخالفة أمره، أو بالتمادي في
الخصومة أو بتطويرها إلى حالة فجور،
وظلم وبغي على الآخرين.
٢. عدم مقابلة السيئة بالسيئة:
لبن
بَسَطَتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِنَقْتُلَنِى مَآ أَنْ يِبَاسِطٍ
يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكٌ إِّ أَخَافُ اَللّهَ رَبَّ
الْعَلَمِينَ
٣. تذكير المخطئ بالله، وعدم الإفساد،
والبعد عن الخصومة: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ
تَبُوَأَ بِئْمِى وَإِنْكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ
وَذَلِكَ جَزَّوْ اْلقَّلِينَ﴾.
٤. عند إظهار الخصومة، قال تعالى:
لا
تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِئَةُ أَدْفَعْ بِأَّتِىِ هِىَ
أَحْسَنُ فَلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ
وَإِىُّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤].
٣٥٨
القرآن الكريم

الإصلاح
٥. إذا کانت خصومة ابني آدم قد انتهت
بمقتل الطرف الطيب التقي، فالتشريع
ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم أوجد
فقهًا وطريقةً، وأسلوبًا للتصدي لفجار
الخصومات، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِن
طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا
بَيْنَهُمَأْ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَئِلُواْ
اَلَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللّهِ فَإِنِ فَآءَتْ
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدِّلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩].
٢. قصة موسى والقبطي الذي أراد موسى
أن يقتله.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَأَسْتَوَىّ
مَنَّيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمَأْ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا
فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ هَذَا مِن شِيَعَتِهِ وَهَذَا
مِنْ عَدُوْهِهِ فَاسْتَفَتَهُ الَّذِى مِن شِيعَتِهِ، عَ الَّذِى مِنْ
عَدُوِّهِ، فَوَكَزَهُ، مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهٍ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ
الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌ مُّبِينٌ ﴾ قَالَ رَبِّ إِنِ
ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْ لِ فَغَفَرَ لَهُمْ إِنَهُ, هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِمُ (١) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُنَ
ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِنَ ﴿ فَأَصْبَحَ فِ الْمَدِينَةِ خَيِفًا
يَتَرَقَبُ فَإِذَا الَّذِى أَسْتَنَصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ.
قَالَ لَهُ مُوسَىَ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ ) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ
يَبْطِشَ بِالَّذِى هُوَ عَدُوٌ لَّهُمَا قَالَ يَمُوسَىَ أَثْرِيدُ أَن
تَفْتُلَنِى كُمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِنِّ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ
جَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾
[القصص: ١٤ - ١٩].
فوائد للإصلاح في القصة:
١. أغاث موسى عليه السلام الذي
من شيعته؛ لأن نصرة المظلوم دين
في الملل كلها، وفرض في جميع
الشرائع (١)، فهو الإصلاح بنصرة
المظلوم على الظالم، وإرجاع حقه
له، وإن لم يفعل ذلك لانتشر الظلم
والفساد الذي يؤدي إلى فساد علاقة
الناس ببعضهم.
٢. وكز موسى عليه السلام للمعتدي كان
للزجر؛ ولذلك قال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ
الشَّيْطَانِّ إِنَّهُ عَدُوٌ تُضِلُّ ◌ُبِينٌ﴾.
٣. «أن من قتل النفوس بغير حق، وزعم
أنه يريد الإصلاح في الأرض، فإنه
كاذب في ذلك، وهو مفسد كما
حكى الله قول القبطي: ﴿إِن تُرِيدُ إِلَّ
أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِ الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ
الْمُصْلِحِينَ﴾))(٢). فعلى المصلح أن يدفع
الخلاف والقتال بالتي هي أحسن:
﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص
١٩]. أي: ((فتدفع التخاصم بالتي هي
أحسن))(٣).
٤. وأن يكون متصفًا بكظم الغيظ، كما
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٦٠/١٣.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦١٨.
(٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ١ / ٢٨٧.
www. modoee.com
٣٥٩

حرف الألف
قال: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾
[القصص: ١٩]. ((وما تريد أن تكون من
المصلحين في كظم الغيظ))(١)، ولقد
كظم موسى عليه السلام غيظه ولم
يقتله.
٥. ويجب على المصلح أن يسعى بالصلح
بین الخصمین بالتراضي بینهما. قال ابن
عاشور: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾
[القصص: ١٩]. أي: ((إنك تحاول أن
تكون متصرفًا بالانتقام وبالشدة، ولا
تحاول أن تكون من المصلحين بين
الخصمين بأن تسعى في التراضي
بینھما)»(٢).
٦. أن إخبار الرجل غيره بما قيل فيه، على
وجه التحذير له من شر يقع فيه، لا
یکون ذلك نمیمة -بل قد یکون واجبًا۔
كما أخبر ذلك الرجل لموسى عليه
السلام ناصحًا له ومحذرًا.
٧. أنه إذا خاف القتل والتلف في الإقامة،
فإنه لا يلقي بيده إلى التهلكة، ولا
يستسلم لذلك، كما فعل موسى عليه
السلام.
٨. وفعله عليه السلام ودعاؤه يفيد أن
النعم تقتضي فعل الخير، وترك الشر
والإفساد(٣).
(١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٢٣١/٣.
(٢) التحرير والتنوير ٢٠/ ٩٤.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦١٨.
٩. على المصلح أن یکون حياديًا
في الإصلاح، وفي الحديث مع
المختصمين، فلما استغاثه الذي من
شيعته مرة أخرى علم أنه رجل كثير
المخاصمة، فقال له: ﴿ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ
مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨].
١٠. أن يتقبل المصلح الوعظ والتذكير
من أي أحد إذا كان فيهما خير للناس
والمجتمع. قال تعالى عن القبطي:
﴿إِن تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِ الْأَرْضِ وَمَا
تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص:
١٩].
١١. يجب حفظ المصلح من أن يمسه أذى.
قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ
يَسْعَى قَالَ يَمُوسَىَ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِّرُونَ بِكَ
لِيَقْتُلُوَكَ فَأَخْرُجْ إِ لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ﴾
[القصص: ٢٠].
٣. موقف موسی مع أخيه هارون عليهما
السلام.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِهِ
هَرُونَ أَخْلُفْنِ فِ قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَِّعْ سَبِيلَ
الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢].
ولكن القوم غيروا: ﴿وَأَّخَذَ قَوْمٌ مُوسَفي
مِنْ بَعْدِهِهِ مِنْ حُلِيِهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ
أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ، لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَچِيلاً
اَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ () وَمَا سُقِطَ
فِي أَيْدِيِهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُوا لَيْن
٣٦٠
مَوسُو ◌َ النَّسيد
القرآن الكَرِيْمِ

الإصلاح
لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ
﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَو
مِنَ الْخَسِرِينَ
إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَّ أَسِفًا قَالَ بِنْسَمَا خَلَفْتُونِي مِنْ
بَعْدِىٌّ أَعَجِتُمْ أَقْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ
وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُّهُ إِلَيْهٍ قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ
أَسْتَضْعَفُونِيِ وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِ فَلَا تُشْمِتْ
فِى الْأَعْدَآءَ وَلَا تَّجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِی وَلأَخِى وَآَدْخِلْنَا فِي
١٥٠
رَحْتِكٌَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾ [الأعراف:
١٤٨ - ١٥١].
الفوائد الإصلاحية عند اختلاف الآراء
من القصة:
﴿ قَالَ
١. أن يعلم خلفيات الموضوع:
يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُّوَأْ ( أَلَّا
تَتَّبِعَنْ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾ [طه: ٩٢ -
٩٣]. ألم أقل لك بقولي: ﴿آخلُقْنِ فِی
قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَِّعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾
[الأعراف: ١٤٢].
٢. أن ينبه خصمه على كف أذاه، وعدم
الاستعجال عليه؛ ليبين حجته: ﴿قَالَ
يَبْنَؤُّمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْتِ وَلَا بِرَأْسِّ﴾
[طه :
٩٤].
٣. ترقيق الكلام والتأدب مع
المخالف: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَ﴾، («فهذا ترقيق
لأخيه، بذکر الأم وحدها، وإلا فهو
شقيقه لأمه وأبيه))(١).
(١) المصدر السابق، ص ٣٠٣.
بوضوح:
النظر
٤ بیان وجهة
﴿أَسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِ
[الأعراف: ١٥٠]. و: ﴿إِنّ خَشِيتُ أَن
تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىِّ إِسْرَّهِيلَ وَلَمْ تَرَقُّبْ
قَوْلِيِ﴾ [طه: ٩٤].
٥. تذكير الأخوة بما يفرح الأعداء:
﴿فَلَا تُشْمِتْ فِى الْأَعْدَآءَ ﴾ [الأعراف:
١٥٠]. ((بنهرك لي، ومسك إياي))(٢).
٦. التنبيه على الفرق في المعاملة: ﴿وَلَا
◌َتْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:
١٥٠]. ((فتعاملني معاملتهم)) (٣).
٧. دعاء الأخوة المختلفين لبعضهم:
( قَالَ رَبٍّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِى وَأَدِْلْنَا فِي
رَحْمَتْكَ﴾ [الأعراف: ١٥١].
٤. قصة داود مع الخصمین.
قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَنكَ نَبُواْ الْخَصْمِ إِذْ
◌َوَّرُواْ الْمِحْرَابَ إِذْ دَ خَلُواْ عَلَى دَاوُ دَ فَفَرِعَ مِنْهُمّ
قَالُواْ لَا تَخَفّْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَأَحَكُم
بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ
(٣) إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تَسْعُ وَتَسْعُونَ نَعْجَةٌ وَلِىَ تَعْجَهُ وَحِدَةٌ
١٠٠ /٠/١٠
قَالَ لَقَدْ
فَقَالَ أَكْفِلْنِهَا وَعَزَّنِ فِ الْخِطَابِ
ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَّعْجَنِكَ إِلَى نِعَاجِهِ، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ
◌َبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّيْلِحَتِ وَقَلِلُ مَّا هُمُّ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَنَنَّهُ
فَأَسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ا فَغَفَرْنَا
(٢) المصدر السابق، ص ٣٠٣.
(٣) المصدر السابق، ص ٣٠٤.
www. modoee.com
٣٦١

حرف الألف
لَهُ ذَلِكٌ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَشَابٍ
٢٥
يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُمْ بَيْنَ
النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢١ - ٢٦].
أرسل الله سبحانه وتعالى لنبيه داود
عليه السلام ملکین للامتحان، فدخلا علیه
من غير باب المحراب، ففزع منهم نبي الله
داود عليه السلام؛ لدخولهما عليه من غير
الباب (١) والوقت(٢).
وقد ذكر المفسرون فوائد في قضية
الإصلاح عند تفسيرهم الآية، منها:
١. أن المنصوح وإن كان كبير القدر جليل
العلم لا یغضب ولا یشمئز، بل يبادر
بالقبول والشكر والعدل.
٢. استعمال الأدب في الدخول على
الحكام وغيرهم، وأن لا يمنع الحاكم
من الحكم بالحق سوء أدب الخصم،
فعليه أن يلتزم ضبط النفس، ويتغاضى،
ويلتزم الحلم والعفو، ویحکم بالعدل.
٣. نص الله تعالى على الأخوة، فإن
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٥٣-٥٤.
(٢) قال الشيخ السعدي: «وهذا الذنب الذي صدر
من داود عليه السلام لم يذكره الله تعالى،
لعدم الحاجة إلى ذكره، فالتعرض له من باب
التكلف، وإنما الفائدة ما قصه الله علينا من
لطفه به وتوبته وإنابته، فكان بعد التوبة أحسن
منه قبلها)).
انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص ٧١٢.
المخالطة بين الأقارب والأصحاب،
وكثرة المتعلقات الدنيوية والمالية
موجبة للتعدي بينهم، وبغي بعضهم
على بعض، وأنه لا يرد عن ذلك إلا
استعمال تقوى الله، والصبر على
الأمور بالإيمان والعمل الصالح (٣).
٤. على المصلح أن يتروى في الحكم
قبل إصداره، ولا ینفعل فیه تحت تأثير
قوة كلام خصم ما، وألا يأخذ بظاهر
قول واحد، قبل أن يمنح الآخر فرصة
للإدلاء بقوله وحجته (٤).
٥. ((وصية من الله عز وجل لولاة
الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق،
ولا يعدلوا عنه فيضلوا)»(٥)، ((ولا
يتم العدل إلا بعلمٍ بالواجب، وعلمٍ
بالواقع، وقدرةٍ على تنفيذ الحق))(٦).
٦. ((يحدد التوجيه المقصود من الله
لعبده الذي ولاء القضاء والحكم بين
الناس، فهي الخلافة في الأرض،
والحكم بين الناس بالحق، وعدم
اتباع الهوى، والتزام التريث والتثبت
والتبين)»(٧).
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص ٧١١-
٧١٣.
(٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب،
٣٠١٨/٥.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦٣/٧.
(٦) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٧١٢.
(٧) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٠١٨/٥.
مُوسُورُ النَّسيد
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٣٦٢

الإصلاح
٥. نموذج قصة المجادلة.
هذا النموذج يقص علينا الحق سبحانه
وتعالى أحداث خلاف حياتي أسري بين
زوجین مسلمین، فأنزل الله سبحانه وتعالى
الحكم قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة؛ ليبقى
الحل الشامل الكامل خالدًا.
قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُجَدِلُكَ
فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىَ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَا
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) الَّذِينَ يُطَِّهِرُونَ مِنْكُمْ مِّن
نِسَآِهِم مَّا هُنَ أُمَّهَتِهِمٌ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِي
وَلَّدْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُؤُ غَفُورٌ ، وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن
نِسَِّهِمْثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ
يَتَمَاسَأْ ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَّابِعَيْنِ مِن قَبْلِ
أَنْ يَتَمَاشَآ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِينَاً
ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ
وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ١ - ٤].
وقد جاءت بتفصيلاتها في السنة (١).
فمن الفوائد الإصلاحية في قصة
المجادلة (٢):
(١) أخرجها أحمد في المسند، ٤١٠/٦، رقم
٢٧٣٦، وأبو داود في سننه، كتاب الطلاق،
باب الظهار، رقم ٢٢١٥،٢٢١٤.
وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود،
رقم ٢٢١٤.
(٢) انظر: بحث قيم حول قصة المجادلة، كتبه
الدكتور حمدي شعيب، مجلة البيان، عدد
٢٠٦، شوال سنة ١٤٢٥هـ.
١. الاهتمام بالحياة الزوجية: فالتربية
القرآنية الربانية والمتحصلة من قراءة
وتدبر القرآن تقوم بدور عظيم يحافظ
على كيان الأسرة والعلاقات الزوجية
بالإصلاح والتربية والصبر والاستقرار.
٢. بيان المشكلة وسببها بوضوح: ذكرت
رضي الله عنها لرسول الله صلى الله
عليه وسلم سبب هذه المشكلة، وهي
أنها راجعت زوجها أوس بن الصامت
في شيء مما أثار غضبه.
٣. القدرة على استيعاب المشكلة الزوجية
وإدارتها: فخولة رضي الله عنها لم
تتفوه بكلمة تغضب الله ورسوله، بل
سألت عن أفضل الحلول التي تتفق مع
ظروفها، وظروف بيتها وزوجها، وهذا
يؤكد على المسؤولية في استيعاب
الخلاف العائلي بحكمة خاصة.
٤. الورع والخوف من الله تعالى:
كان موقف خولة رضي الله عنها
عظيمًا وفريدًا، فأحداث تلك الواقعة،
والملابسات الداخلية التي حدثت بين
زوجين داخل بيتهما، ميزت سلوكها
الراقي الورع الذي استوعب أخطاء
الزوج من أجل عدم الوقوع فيما يغضب
الله عز وجل، وفهمت الهدف العظيم
الذي يرنو إليه أي زوجين، وهو: حماية
كيان الأسرة، من غير إضاعة عبادة الله.
www. modoee.com
٣٦٣

حرف الألف
٥. الفقه للمرجعية في الإصلاح: جاءت
المجادلة إلى النبي صلى الله عليه
وسلم تكلمه، ومن في ناحية البيت لا
يسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل:
﴿قَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ أَتِى تُجَدِلُكَ فِيِ زَوْجِهَا﴾
[المجادلة: ١].
٦. صفات المصلح: إن تصرفه صلى الله
عليه وسلم مع خولة ومشكلتها يضع
أمامنا الضوابط المطلوب توفرها
في كل مصلح، فمن تلك الصفات:
اهتمام المصلح بالموضوع وصاحبه،
التواضع، الحيادية، والتروي، والعدل،
والرفق بالرعية.
٧. إرادتها الصلح، وهذا يتضح من خلال
سعيها إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم تريد منه الحل في المشكلة.
أثر الإصلاح في الفرد والمجتمع
بين الوحي الإلهي أثر الإصلاح على
الفرد والمجتمع، ومن تلك الآثار ما يأتي:
١. مدافعة الشر عن الناس ببعضهم.
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللّهِ
قال تعالى:
النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ
الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى
الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١].
فبين الله تعالى أن من فضله ورحمته أنه
يدفع الشر عن الناس ببعضهم، ولا شك أن
الفرقة والخلاف شر بين المسلمين، فإذا لم
تدفع ببعض جهود بعضهم ظهر الفساد في
الأرض.
٢. الالتئام وعدم التفرق والتمزق.
قال تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعًا وَلَا تَغَرَّقُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
كُنُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ»
إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وجه الشاهد: ((لما عاب سبحانه وتعالى
الكفار بالضلال ثم بالإضلال، أمر المؤمنين
بالهدی في أنفسهم، وأتبعه الأمر بالاجتماع،
وكان الأمر بالاجتماع المؤكد بالنهي عن
التفرق، ربما أفهم الوجوب لتفرد الجميع
في كل جزئية من جزئيات العبادة في كل
وقت على سبيل الاجتماع، مع الإعراض
عن كل عائق عن ذلك سواء كان وسيلة أو
٣٦٤
موضوع
القرآن الكريم

الإصلاح
لا، بالنسبة إلى كل فرد فرد؛ أتبعه بقوله:
﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
أي: جماعة تصلح لأن يقصدها غيرها،
ویکون بعضها قاصدًا بعضًا، حتى تكون
أشد شيء ائتلافًا واجتماعًا في كل وقت من
الأوقات))(١).
٣. قوة هيبتهم وعدم فشلهم وذهاب
هیبتهم.
فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا
تَزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللّهَ
مَعَ الصَّبِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وهل أخر المسلمين اليوم في هذه
الأوقات إلا تفرقهم والتعادي بينهم
وخورهم، وتقاعدهم عن مصالحهم والقيام
بشؤونهم، حتى صاروا عالةً على غيرهم.
٤. أن الإصلاح يغيظ الكفار والمنافقين.
إن أهل الشر يحاولون أن يوقعوا
المسلمين في التهلكة بإيجاد الفتنة والإفساد
بینھم.
قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُمْ مَا زَادُوكُمْ
إلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُواْ خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ
اٌلْفِتْنَةَ وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمَّ وَاللّهُ عَلِيمٌ
بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧].
أي: ((بخروجهم معكم لن يزيدوكم
﴿إِلَّا خَبَالًا﴾ إلا فسادًا وشرًا ﴿وَلَأَ وْضَعُواْ
خِلَلَكُمْ﴾ ولسعوا بينكم بالتضريب
(١) نظم الدرر، البقاعي ٢/ ٩٤.
))(٢)
والنمائم، وإفساد ذات البين)»
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى
سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ
وَالنَّسْلُ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
((فنبه تعالى على كثرة فساده بقوله:
﴿سعَى فِي الأَرْضِ﴾، أي: کلها بفعله و قوله:
﴿لِيُفْسِدَ﴾، أي: ليوقع الفساد، وهو: اسم
لجميع المعاصي ﴿فِيهَا ﴾ أي: في الأرض،
في ذات البين لأجل الإهلاك، والناس أسرع
شيء إليه، فيصير له مشاركون في أفعال
الفساد))(٣).
وقال تعالى حكاية عن أهل النار: ﴿وَقَالُواْ
مَا لَنَا لَا نَرَىْ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ﴾ [ص:
٦٢].
الأشرار أي: ((الأراذل الذين لا خير
فيهم؛ بأنهم قد قطعوا الرحم، وفرقوا بين
العشيرة، وأفسدوا ذات البين»(٤).
ولما يحصل في الخصومات والمشادات
من الأضرار العظيمة من سفك الدماء،
وذهاب الحقوق، وتجشم العداوات،
والإساءة والإيذاء.
فكل ما سبق من الأدلة دافع إلى الحرص
على الصلح بين الناس، وحل المشاكل
المتأزمة بينهم، فعلى كل مسلم أن يكون
رجلًا مجاهدًا حريصًا على أمته من التشتت
(٢) مدارك التنزيل، النسفي ١ / ٤٤٧.
(٣) نظم الدر، البقاعي ٣٠٨/١.
(٤) المصدر السابق ٢٠٨/٧.
www. modoee.com
٣٦٥

حرف الألف
والضياع، فیسعی بالصلح بین کل من تحصل
بينه وبين أخيه شحناء إذا وجد نار الغضب
تتأجج بالخلافات والمنازعات فيما بينهما،
فليحاول التدخل بالصلح؛ ليكون حكمًا
عدلًا مصلحًا بأقواله، وباذلا في ذلك ما
يستطيعه من جاهٍ، أو فعل أو مالٍ إذا تطلب
الأمر ذلك؛ حتى يطفئ تلك النار الملتهبة،
أو المشاكل المعقدة، ويحل بدلها الصلح
والسلام والوئام، ولا يقول هذا لا يعنيني!
فإن الرسول صلی الله عليه وسلم لما أخبر
بأن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة.
قال: (اذهبوا بنا نصلح بينهم)(١).
وعلى كل مسلم أن يكون مشاركًا فاعلًا
في هذه الحياة بنفع إخوانه، مسابقًا في
ميادين الإصلاح والعمل المثمر، مسارعًا
إلى ما يؤلف القلوب، ویرفع مستوى أمته،
فیسمو بین الوری بحسن الثناء، ويسعد في
آخرته عند الله.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ
قال تعالى:
الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].
فكم علاقة بين إخوة في الله كادت أن
تتمزق، وكاد أن يقع القتال بسبب خلاف
سهل، فإذا بهذا المصلح بكلمة طيبة،
ونصيحة غالية، ومال مبذول، يعيد المياه
إلى مجاريها، والحياة إلى طبيعتها.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح،
باب قول الإمام لأصحابه: اذهبوا بنا نصلح
بینهم، رقم ٢٦٩٣.
ضور
مَوَسُو ◌َرُ النفسي
القرآن الكريم
٥. دفع حركة الدعوة إلى الله تعالى
و قوتها.
فالدعوة إلى الله تحتاج إلى جهد كل
مسلم آمن بالله ربًا لكي يتم الله هذا الأمر،
وإذا حصل خلافٌ أو خصومة بين أفراد
المجتمع - وهم جزءٌ من المجتمع - يتأثر
المجتمع بما يحصل بينهم من خير أو شر،
وصرفت طاقات وأفكار وأموال وأوقات
في هذا الخلاف، ثم مثلها وأكثر منها لكي
يعوض هذا الخلل، ويرأب الصدع، وأقل
ضرره تعطيل سير الدعوة إلى الله والإنتاجية
النافعة إلى أن يصطلحا.
ولذا فالإصلاح بين الناس واجب إذا
تنازعوا، وواجب لابد منه لتستقيم الحياة،
فقد قال الله تعالى آمرًا بالإصلاح: ﴿إِنَّمَا
اٌلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
لَعَلَّكُتُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠].
موضوعات ذات صلة:
التغيير، الصلاح، الفساد
٣٦٦