النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرآن الكَرِّيْمِ د الأصلاء عناصر الموضوع مفهوم الإصلاح ٣١٦ الإصلاح في الاستعمال القرآني ٣١٧ الألفاظ ذات الصلة ٣١٨ ٣٢٠ مجالات الإصلاح ومظاهره ٣٤٧ مواقف الناس من الإصلاح ٣٥٥ الأسلوب القرآن في الدعوة إلى الإصلاح ٣٦٤ أثر الإصلاح في الفرد والمجتمع المُجَلَّدَ الثَالِكْ حرف الألف مفهوم الإصلاح أولًا: المعنى اللغوي: الإصلاح لغة مأخوذ من الفعل (صلح)، فالصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف الفساد، وصلح كصلح لغتان؛ فالصلاح والصُلُوح بمعنى واحد، يقال: صَلَحَ يَصْلَمُ ويَضْلُحُ صلاحًا وصُلُوحًا فهو صالحٌ وصليحٌ، والجمع صُلَحاءُ وصُلُوحٌ (١). والصلاح: الحصول على الحالة المستقيمة النافعة، والإصلاح جعل الشئ على تلك الحالة، فالإصلاح نقيض الإفساد، وهو يدل على إزالة الفساد، والاستصلاح ضد الاستفساد، وأصلحه ضد أفسده، وقد أصلح الشيء بعد فساده: أقامه، ومصلح اسم فاعل من أصلح، يقال: رجل صالح في نفسه، ومصلح في أعماله(٢). ويغلب استخدام (الإصلاح) في إصلاح ذات البين؛ يقال: أصلح بينهما أو ذات بينهما: أي: أزال ما بينهما من عداوة وشقاء، وإصلاح ذات البين يكون برأب ما تصدع منها، وإزالة الفساد الذي دب إليها بسبب الخصام والتنازع على أمر من أمور الدنيا(٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: يخضع تعريف الإصلاح اصطلاحًا لنوع الإصلاح المراد؛ فتعريف الإصلاح بأنه ضد الإفساد يختلف عن تعريف الإصلاح بين المتخاصمين، وعن تعريف الإصلاح بمعنى البناء والتقويم، وكذلك يختلف عن تعريف إصلاح دين الناس ومعاشهم، ولذلك ذكر لمصطلح (الإصلاح) تعريفات عديدة، ولا يعنينا هنا جمع تلك التعريفات؛ ويكفي الإشارة إلى بعضها: فالإصلاح هو: ((هو إزالة الخلل والفساد الطارئ على الشيء)) (٤). والإصلاح هو: ((إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله بإزالة ما طرأ عليه من الفساد))(٥). وكل هذه التعريفات تدور حول معنى إزالة الفساد الذي يطرأ على الشيء، وإعادته إلى ما كان عليه من الصلاح والاعتدال والنفع. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٠٣/٣، المحكم، ابن سيده ١٥٢/٣. (٢) انظر: العين، الفراهيدي ١١٧/٣، لسان العرب، ابن منظور ٥١٧/٢، تاج العروس، الزبيدي ٥٤٨/٦. (٣) انظر: الأضداد، الأنباري ص ٧٥، الأخلاق الإسلامية، الميداني ٢٣٠/٢. (٤) الفقه على المذاهب الأربعة، الجزيري ٢٣٩/٥. (٥) القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص٢١٥. ٣١٦ موسوعة النفسية القرآن الكريم الإصلاح الإصلاح في الاستعمال القرآني وردت مادة (ص ل ح) في القرآن (١٨٠) مرة، يخص موضوع البحث منها (٤٢) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١٤ ﴿فَمَنْ خَافَ مِن قُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِنْمَا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلّ ١٢) [ البقرة: ١٨٢] إِثْمَ عَلَيْهٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ الَّـ الفعل المضارع ٨ ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ أَنْ تَبَرُواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤] فعل الأمر ٦ ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِهِ هَدِرُونَ أَخْلُفْنِ فِ قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [الأعراف: ١٤٢] المصدر ٩ ﴿ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْبَتَىّ قُلْ إِصْلَاحٌ اسم الفاعل ٥ ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وجاء الإصلاح في الاستعمال القرآني بمعنى: إقامة الشيء وتغيير ما به من اعوجاج، والإحسان فيه(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص٦٩٩-٧٠٣. (٢) انظر: الوجوه والنظائر في القرآن العظيم، مقاتل بن سليمان، ص ٩٥- ٩٦، الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٢٩٩- ٣٠٠، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٣٩٧-٣٩٨، لسان العرب، ابن منظور ٥/٦. www. modoee.com ٣١٧ لَّْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: حرف الألف الألفاظ ذات الصلة الصلح : ١ الصلح لغة: الصلح بالضم هو السلم - بكسر السين وفتحها - من تصالح القوم بينهما، والصلح أيضًا: اسم جماعةٍ متصالحين، يقال: هم لنا صلحٌ، أي: مصالحون (١). الصلح اصطلاحًا: عبارة عن عقد وضع لرفع المنازعة بالتراضي (٢). الصلة بين الصلح والإصلاح: الصلح يختص بإزالة النفار بين الناس، يقال منه: اصطلحوا وتصالحوا؛ وعلى هذا فإن الصلح إحدى ثمرات الإصلاح بين الناس، وكذلك فإن الإصلاح أعم وأشمل من الصلح. الصلاح: ٢ الصلاح لغة: مأخوذ من الفعل (صلح)، والصلاح ضد الفساد(٣). الصلاح اصطلاحًا: الصلاح: استقامة الحال وانعدالها، وهو مما يفعله العبد لنفسه(٤). وهو معنى عام يشمل استواء الخلق والاستقامة على ما توجبه الشريعة، وحصول على الحالة المستقيمة النافعة. الصلة بين الصلاح والإصلاح: الصلاح يخص الفرد في ذاته، أما الإصلاح فمتعدٍ، يصلح العبد نفسه، ثم يسعى في إصلاح غيره، فقد يكون الرجل صالحًا في نفسه فقط، وقد يكون صالحًا في نفسه ومصلحًا لغيره، ولا شك أن الأخیر أعظم. (١) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٥٤٨/٦. (٢) انظر: أنيس الفقهاء، القونوي ص٩١. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٤٧٩/٤. (٤) انظر: الفرق اللغوية، العسكري ص٣١٧. ٣١٨ مَوَسُوع القرآن الكريم الإصلاح الفساد: ٣ الإفساد لغة: هو ضد الإصلاح (١). الإفساد اصطلاحًا: هو جعل الشيء فاسدًا خارجًا عما ينبغي أن يكون عليه وعن كونه منتفعًا به. وفي الحقيقة هو إخراج الشيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح (٢). الصلة بين الإفساد والإصلاح: إن الإفساد ضد الإصلاح، وإن الفساد هو موضع الإصلاح، ومحوره الذي يتوجه إليه المصلحون؛ لإصلاح الأرض ومن عليها؛ حتى ينعم الإنسان بخيراتها، ويحقق وظيفته في الاستخلاف في الأرض، والوصول إلى الكمال الإنساني المقدر له؛ فالمصلح هو الذي يسعى لإزالة الفساد، ويحارب الإفساد وأهله. (١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٣/٢. (٢) انظر: الكليات، الكفوي ١/ ١٥٤. www. modoee.com ٣١٩ حرف الألف مجالات الإصلاح ومظاهره تتعدد مجالات الإصلاح كما عرضها القرآن، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي: أولًا: الإصلاح في العقيدة: معالم الإصلاح في العقيدة تظهر من خلال عدد من الأمور: أولًا: إن العقيدة هي ما يجزم به الإنسان، ويعتقده ويتيقنه في قرارة نفسه يسمى عقيدة، فإن كان هذا الاعتقاد موافقًا للحق، مطابقًا للواقع فهي عقيدة صحيحة، وإن كان مخالفًا للواقع فهي عقيدة فاسدة، والعقيدة هي أساس بناء المجتمعات، فإن كانت عقيدة أفراد المجتمع سليمةً صار مجتمعًا قويًا متماسكًا، وإن كانت عقيدة أفراده منحرفةً صار مجتمعًا متفکگًا منهارًا. ثانيًا: العقيدة السليمة الصحيحة تعصم الدم والمال، والعقيدة الفاسدة تهدر الدم والمال. قال الله تعالى: ﴿لَيْنَ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ [الزمر: ٦٥]. وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]. وقال عليه الصلاة والسلام: (من بدل دينه فاقتلوه)(١) (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب لا يعذّب بعذاب الله ٢٥١/٢، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة)(٢) فلا يحل دمه ولا ماله ما دام اعتقاده صحيحًا إلا إذا ارتكب واحدة من ثلاث: الزاني بعد الإحصان، والقاتل عمدًا، والمرتد الذي فارق دينه. ثالثًا: إذا كانت العقيدة صحيحة صحت الأعمال كلها بشروطها، وجميع العبادات صحيحة؛ صحت الصلاة، والزكاة، وصح الصوم، والحج، وإذا فسدت العقيدة فسدت جميع الأعمال، وجميع العبادات؛ إذا دعا الإنسان غير الله، أو ذبح لغير الله، أو نذر لغير الله، أو طاف بغیر بيت الله؛ تقربًا لذلك الغیر، أو فعل ناقضًا من نواقض الإسلام، أو اعتقد عدم وجوب الصلاة، أو عدم وجوب الزكاة، أو عدم وجوب الحج، أو اعتقد حل الزنا، أو حل الخمر، أو حل الربا، أو حل عقوق الوالدين فسدت العقيدة، وبطلت الأعمال كلها، فلا تصح الصلاة ولا الزكاة ولا الصوم ولا الحج، فكلها تكون باطلة، وَقَدِ مْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ كما قال سبحانه : رقم ٢٨٥٤. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدیات، باب قول الله تعالى: (أن النفس بالنفس)، رقم ٦٨٧٨، ومسلم في كتاب القسامة، باب ما یباح به دم المسلم، رقم ١٦٧٦ . ٣٢٠ مَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم الإصلاح عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنْشُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. رابعًا: الشعائر التي يفرضها الله على الخلق إنما يريد بها إصلاح قلوبهم ومشاعرهم؛ لإصلاح حياتهم وواقعهم، فالله الواحد القهار في غنى عن العالمين؛ فهو سبحانه لا يريد منهم إلا التقوى والصلاح والعمل والعمارة -وفق منهجه- فيعد لهم هذا كله عبادة. قال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اَللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]. خامسًا: العقيدة الصحيحة هي الأساس الذي يقوم عليه الدين، كما قال تعالى: ﴿فَن كَانَ يَرْحُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُثْرِ بِعِبَادَةِ رَيِّدِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَأَعْبُدِ اَللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الَّذِينَ ا أَلَاَ لِلَّهِ الدِّينُ اَلْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢-٣]. وقال بعدها بآيات: ﴿وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]. فأرسل رسله دعاة إلى التوحيد وإخلاص الدين ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. سادسًا: بین الله سبحانه مقومات الأمن، وأسبابه التي يتحقق بتوفرها، ويزول بزوالها، وأولها: إصلاح العقيدة؛ بإخلاص العبادة لله، وترك عبادة ما سواه، والبراءة منها، ومن أهلها، وملازمة العمل الصالح. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَّمْ دِيْنَهُمُ الَّذِ أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُ مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَاً يَعْبُدُونَفِ لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَّن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. فربط سبحانه حصول هذه المطالب العالية: الاستخلاف في الأرض، والتمكين من الدين، وإبدال الخوف بالأمن بتحقق شيئين، وهما: عبادة الله سبحانه، وترك الإشراك به. سابعًا: اتجهت جهود الأنبياء والمصلحين إلى إصلاح عقائد المجتمعات قبل كل شيء، کل نبي أرسله الله يدعو قومه إلى إصلاح العقيدة، فأول ما يخاطب قومه: ﴿وَيَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥، هود: ٥٠، ٦١، ٨٤، المؤمنون: ٢٣، ٣٢]. وكما أخبر الله عن نوح، وهود، وصالح، وشعيب، وغيرهم، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. ونبينا محمد صلی الله علیه وسلم مکٹ في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى www. modoee.com ٣٢١ حرف الألف إصلاح العقيدة، ويقول لقومه: (قولوا لا إله ثانيًا: الإصلاح في الأخلاق: إلا الله تفلحوا)(١). ثم لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وثبتت العقيدة نزلت بقية التشريعات. جاء ذلك صريحًا في حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: ((إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل؛ فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا، لقد نزل بمكة على محمد، وإني الجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]. وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده))(٢). وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا)(٣). (١) أخرجه أحمد في المسند ٤٠٥/٢٥، رقم ١٦٠٢٣، وابن خزيمة في صحيحه، ١/ ٨٢، رقم ١٥٩. وصححه الألباني في الإرواء رقم ٨٣٤. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن رقم ٤٧٠٧. (٣) أخرجه البخاري كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى، رقم ٧٣٧٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إن الإسلام يدعو إلى إصلاح النفس، والتخلص من أمراضها، وهذا يحتاج إلى جهد يبذل، كما يحتاج إلى صبر على مشقات الطريق، أما اتباع الهوى، وما تميله النفس الأمارة بالسوء فإنه سهل ميسور، فالأول مثله مثل: من يصعد بصخرة إلى أعلى الجبل، ومثل الثاني: کمن يهوي من أعلى الجبل إلى أسفله؛ ولذلك كانت الاستجابة للشيطان كثيرة، ووجد دعاة الحق صعوبة في الدعوة إلى الله تعالى . وأهل الإسلام في باب إصلاح النفس مخالفون للأمم الذين لم يعتنوا بإصلاح الأخلاق؛ وللذين غلوا فابتدعوا طرقًا في إصلاح النفس والأخلاق. وكلمة (الأخلاق) هذه كلمة عامة، والمقصود منها الصورة الباطنة؛ لأن الخلق هو الإيجاد، من خلق يخلق خلقًا، وهذا المخلوق له صورتان، صورةٌ ظاهرة وهي الخلق، خلقه خلقته، وصورة باطنة وهي خلقه. المسألة الأولى: تعظيم الشارع الحكيم حسن الخلق في صورٍ وأساليب كثيرة. أولًا: قال الله جل وعلا لنبيه صلى الله الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، رقم ٣٠. مُوسُوبَةُ الْتَّخِّ القرآن الكريم ٣٢٢ الإصلاح عليه وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: عمران: ١٥٩]. ٤]. وصح حديث عائشة رضي الله عنها عن خلق المصطفى عليه الصلاة والسلام قالت: (كان خلقه القرآن)(١) . وقال سعد بن هشام رحمه الله قلت: (يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن. قال: فهممت أن أقوم ولا أسأل أحدًا عن شيء حتى أموت»(٢). ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (إنما ومطلوب. بعثت لأتمم صالح الأخلاق)(٣). ثانيًا: قال الله عز وجل في حقه صلی الله عليه وسلم: ﴿فَيِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الَّهِ لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُواْ مِنْ حَوْلِكٌّ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَقِّ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الَّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِلِينَ﴾ [آل (١) أخرجه أحمد في المسند، ١٤٨/٤١، رقم ٢٤٦٠١. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٤٨١١. (٢) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، رقم ٧٤٦. (٣) أخرجه أحمد في المسند، ٥١٢/١٤، رقم ٨٦٥٢. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم ٤٥. ثالثًا: وإن تصدير الآية الكريمة بالنداء ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. یشیر إلى أمرين: أحدهما: أنه ليس من مقتضى الإيمان أن تلزموا المساجد والصوامع، بل إن الإيمان أن تهذبوا نفوسكم، وترهفوا وجدانكم وتشعروا بمراقبة ربكم؛ لتكون دنياكم فاضلة، ويكون تعاملكم، وإدارة المال بينكم على نهج ديني فاضل، فالمال ليس طلبه ممنوعًا، بل إنه من طريقه الحلال مشروع الأمر الثاني: أن الإسلام ليست أوامره مقصورة على العبادات، بل جاء لتنظيم المعاملات، بل إن العبادات فيه طريق لإصلاح التعامل الإنساني وكذلك كل الأديان السماوية، فإنه من الجهل الادعاء بأن الأديان جاءت لتنظيم العلاقة بين العبد والرب فقط، ولا تتدخل في العلاقة بين الإنسان والإنسان (٤). رابعًا: وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتَكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. جمعت هذه الآية ((بين خطاب جميع العالم، وبين توبيخ عرب الجاهلية على (٤) زهرة التفاسير، أبو زهرة، ٢/ ١٠٦٧. www. modoee.com ٣٢٣ حرف الألف التحليل والتحريم بسبب الأهواء والمزاعم، أما الخطاب العام لجميع البشر فمضمونه: يا أيها الناس، قد جاءكم كتاب جامع لكل المواعظ التي يراد بها إصلاح الأخلاق والأعمال، والزجر عن الفواحش، وشفاء الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد، والهداية إلى الحق واليقين والطريق القويم المؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة. وسمي القرآن الكريم موعظة لأن الوعظ إنما هو بقول يأمر بالمعروف، ويزجر، ويرقق النفوس، ويوعد ويعد، وهذه صفة الكتاب العزيز، وهي موعظة من ربكم لم يختلقها محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره، بل هي من عند الله عز وجل))(١). ((وإن من الأعمال العريقة في الخير إنشاء المعاهد لتحفيظ القرآن وتعليم العلم، فإذا اتجه الخیرون إلى إنشاء هذه المعاهد فإن ذلك یکون دليلا على الأخذ بأسباب الإصلاح المثمرة. وأحب أن أقول للعاملين على الإصلاح: إن من وسائل الإصلاح الأخلاقي الحاسمة أن ينتشر الوعي الديني في استفاضة، ولن يتأتى ذلك إلا إذا أكثرنا من المعاهد الدينية»(٢). (١) الوسيط، الزحيلي ٢/ ٩٨٣. (٢) فتاوى عبد الحليم محمود ص١٣٢٩. المسألة الثانية: الواجب تجاه إصلاح الأخلاق. ((وقد اتفق الحكماء الذين أكرمهم الله تعالى بوظيفة الأخذ بيد الأمم في بحثهم عن المهلكات والمنجيات على أن فساد الأخلاق يخرج الأمم عن أن تكون قابلة للخطاب، وأن معاناة إصلاح الأخلاق من أصعب الأمور وأحوجها إلى الحكمة البالغة، والعزم القوي، وذكروا أن فساد الأخلاق يعم المستبد وأعوانه وعماله، ثم يدخل بالعدوی إلى كل البيوت، ولاسيما بيوت الطبقات العليا التي تتمثل بها السفلى، وهكذا يغشو الفساد، وتمسي الأمة يبكيها المحب، ویشمت بها العدو، وتبیت وداؤها عياء يتعاصى على الدواء. وقد سلك الأنبياء عليه السلام في إنقاذ الأمم من فساد الأخلاق مسلك الابتداء أولًا بفك العقول من تعظيم غير الله، والإذعان لسواه؛ وذلك بتقوية حسن الإيمان المفطور علیه وجدان كل إنسان، ثم جهدوا في تنوير العقول بمبادئ الحكمة، وتعريف الإنسان کیف یملك إرادته؛ أي حريته في أفكاره، واختياره في أعماله، وبذلك هدموا حصون الاستبداد، وسدوا منابع الفساد. ثم بعد إطلاق زمام العقول صاروا ينظرون إلى الإنسان بأنه مكلف بقانون الإنسانية، ومطالب بحسن الأخلاق، ٣٢٤ مُوسُوبَةُ الْبَقيد جوبيبو القرآن الكريم الإصلاح فيعلمونه ذلك بأساليب التعليم المقنع وبث بين قبيلتين أو حزبين أو جماعتين، وقد یکون بین شعبین أو دولتین. التربية التهذيبية. والحكماء السياسيون الأقدمون اتبعوا الأنبياء عليه السلام في سلوك هذا الطريق وهذا الترتيب؛ أي بالابتداء من نقطة دينية فطرية تؤدي إلى تحرير الضمائر، ثم باتباع طريق التربية والتهذيب بدون فتورٍ ولا انقطاع)»(١). ثانيًا: الإصلاح بين الناس: قال ابن حجر رحمه الله : ((والصلح أقسام: صلح المسلم مع الكافر، والصلح بين الفئة الباغية والعادلة، والصلح بين المتغاضبين كالزوجين، والصلح في الجراح كالعفو على مال، والصلح لقطع الخصومة إذا وقعت المزاحمة في الأملاك)»(٢). وقال ابن قدامة: ((والصلح يتنوع أنواعًا: صلح بين المسلمين وأهل الحرب، وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما))(٣). وهذا الإصلاح قد يكون فرديًا وجماعيًا: فالفردي مثلًا: كالإصلاح بين اثنين (صديقين أو زوجين أو أخوين أو أختين) ونحو ذلك. ومن الإصلاح الجماعي مثلًا: الإصلاح (١) طبائع الاستبداد، الكواكبي ص ١٠٦. (٢) فتح الباري ٣٥١/٥. (٣) الشرح الكبير ١٣/ ١٢٣. وقد يجمع بينهما مثل: الإصلاح بين الإمام والمأمومين، والإصلاح بين الراعي والرعية، فيكون أحد الطرفين فرديًا والآخر جماعيًا. وسيتم هنا تناول مجموعة من أنواع الإصلاح: النوع الأول: الإصلاح بين الزوجين. قال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَبِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَآلْأَرْحَمّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. وقال تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِّهِ أَنْ خَلَقَ لَّكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَّوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. إن السعادة الأسرية والاستقرار العائلي مطلب ضروري من ضروريات هذه الحياة، وهو سنة الله سبحانه وتعالى في الأرض، فالهدف من الأسرة هو السكن والمودة والرحمة بكل ما تحمله هذه الكلمات من معاني. ولقد كثر وقوع المنازعات والخلافات الأسرية والعائلية التي تؤدي إلى الفرقة والشقاق خصوصًا في هذا الوقت الذي بعد فيه الناس عن شرع الله وأوامره، وليس هذا www. modoee.com ٣٢٥ حرف الألف في المجتمعات الإسلامية فحسب، بل لا بين الزوجين آيتا سورة النساء: يكاد يسلم مجتمع من هذه الخلافات التي تؤدي في أسوأ الأحوال إلى حل رابطة الرحم، فيتفرق أفراد الأسرة والعائلة، فيترتب على ذلك كراهية وخصام بين العوائل والأسر المختلفة، وتشيع القطيعة بين أفراد الأسرة جميعًا. وهنا نعرض منهج القرآن في الإصلاح بين أفراد الأسرة والعائلة، محاولة للدعوة للإصلاح وفق منهج رباني متكامل مستنبط من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك من خلال المحاور التالية: المحور الأول: طرق القرآن في الإصلاح بين الزوجين. لقد أمر الله سبحانه بالإصلاح، وحث عليه، وشرع الله سبحانه وتعالى بعض التنظيمات التي تكفل الحفاظ على الحياة الزوجية قبل حدوث الخلاف، وفي أثناء الخلاف، وحتى بعد فراق الزوجين لبعضهما؛ فقد شرع الله بعض التوجيهات والأوامر التي هي محاولة لرد الزوجين إلى حياتهما الطبيعية في المجتمع. ويمكن عرض المنهج القرآني في الإصلاح بين الزوجين في النقاط التالية: ١. الإصلاح بين الزوجين عند نشوز المرأة. إن أشهر آيتين في كتاب الله في الإصلاح قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ فَالصَّلِحَثُ قَيِنَتُّ حَفِظَتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَّتِى تَّخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُ وهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَ نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٦) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَآْ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤ - ٣٥]. النشوز هو: «استعلاء النساء على أزواجهن، وارتفاعهن عن فرشهم بالمعصية منهن، فالنشوز هو: البغض ومعصية الزوج، وإرادة فراق الزوج)»(١). تبدأ عملية الإصلاح بين ركني الأسرة في قضية النشوز باتخاذ إجراءات إصلاحية، وفق ترتیب إلهي حكيم، وبوصف نبوي کریم، فمن تعدى تلك الترتيبات، أو جاوز تلك الأوصاف المقننة لتلك الإجراءات فقد ظلم وتعدى؛ ولذا جاء التحذير واضحًا في ختام الآية الأولى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَّ نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ بأي نوع من البغي، سواء کان بالقول أو الفعل فضلًا عن اليد أو السوط، وتتمثل تلك الإجراءات في النقاط (١) جامع البيان، الطبري ٦٩٨/٦. ٣٢٦ الْقُرآن الكَرِيْمِ الإصلاح التالية: الموعظة والنصيحة. قال تعالى: ﴿وَِّ تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَ﴾ [النساء: ٣٤]. فعن معاوية ابن حيدة القشيري رضي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الله عنه أنه قال: يا رسول الله ما حق امرأة («عظوهن بكتاب الله. قال: أمره الله إذا أحدنا عليه؟ قال: (أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، نشزت أن يعظها ويذكرها الله، ويعظم حقه عليها)) (١). ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت)(٦). وقال مجاهد: ((إذا نشزت المرأة عن فراش زوجها يقول لها: اتقي الله وارجعي إلى فراشك، فإن أطاعته فلا سبيل له عليها))(٢). وقال الحسن: «یأمرها بتقوى الله وبطاعته)) (٣). الهجران في المضاجع. قال تعالى: ﴿وَأَهْجُرُ وهُنَّ فِ الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]. أي: ((فإن أبين مراجعة الحق في ذلك والواجب عليهن لكم بعد الموعظة، فاهجروهن بترك جماعهن في مضاجعتكم إياهن)» (٤). على أن هناك أدبًا في الهجر في المضاجع، وهو ألا يكون هجرًا ظاهرًا في غير مكان خلوة الزوجين، فلا يكون أمام الأطفال، فیورث في نفوسهم شرًا وفسادًا، (١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٩٤٢٥/٣. (٢) انظر: المصدر السابق. (٣) جامع البيان، الطبري ٦/ ٦٩٨. (٤) المصدر السابق ٦/ ٧٠٠. ولا أمام الأهل أو الغرباء يذل الزوجة، أو يستثير كرامتها، فتزداد نشوزًا، فالمقصود علاج النشوز، لا إذلال الزوجة(٥). ثم قال ابن حجر: ((والحق أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال، فربما كان الهجران في البيوت أشد من الهجران في غيرها، وبالعكس، بل الغالب أن الهجران في غير البيوت آلم للنفوس، وخصوصًا النساء لضعف نفوسهن)»(٧). الضرب. قال تعالى: ﴿وَأَضْرِبُوهُنَ﴾ [النساء: ٣٤]. وهذا إجراء ثالث أكبر من سابقيه، ولكنه أهون وأصغر من تحطيم العلاقة الزوجية بالنشوز، وهذا الإجراء مع أنه أشد، لكنه بحدود، فقد ورد في تفسير الضرب أن يكون الضرب غير مبرحٍ ولا مؤثرٍ، لقول (٥) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٦٥٤/٢. (٦) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب حق المرأة على زوجها، رقم ٢١٤٢، وابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب حق المرأة على الزوج، رقم ١٨٥٠. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، رقم ١٨٧٦، والسلسلة الصحيحة، رقم ٦٨٧. (٧) فتح الباري ٩/ ١١٢. www. modoee.com ٣٢٧ حرف الألف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوادع: بالمصلحين. (ولكم عليهن أن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فاضربوهن ضربًا غير مبرح)(١). وقال صلی الله عليه وسلم: (فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مبرح)(٢). هذه الإجراءات جاءت لمعالجة أعراض النشوز، وأحيطت بالتحذيرات من سوء استعمالها فور تقريرها وإباحتها، وتولى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنته العملية في بيته مع أهله وبتوجيهاته علاج الغلو وتصحيح المفهومات(٣) . وفي السنة: (ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت) (٤). («فإن حصل المقصود بواحدة من هذه الأمور وأطعنكم، فاتركوا معاتبتها على الأمور الماضية، والتنقيب على العيوب التي يضر ذكرها، ويحدث بسببها الشر)»(٥) ولكن إذا استشرى النشوز جيء (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب حج النبي صلى الله عليه وسلم، رقم ١٢١٨. (٢) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، رقم ١١٦٣. وصححه الألباني في الإرواء ٧ / ٩٦. (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٦٥٤/٢- ٦٥٥. (٤) سبق تخريجه. (٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٧٧. كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَآْ إِصْلَحَا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]. قال سعيد بن جبير: ((الحكم أن يعظها أولًا، فإن قبلت وإلا هجرها، فإن هي قبلت وإلا ضربها، فإن هي قبلت وإلا بعث الحاكم حكمًا من أهله، وحكمًا من أهلها))(٦). ومعنى الآية: ((وإن خفتم الشقاق بين الزوجين والمباعدة والمجانبة حتى يكون كل واحد منهما في شق، فابعثوا حكمين: واحد من أهل الزوجة، وواحد من أهل الزوج، مکلفین مسلمین عاقلین، یعرفان ما بين الزوجين، ويعرفان الجمع والتفريق))(٧). ٢. الإصلاح عند نشوز الزوج. قال تعالى: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا ◌ُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحَاً وَاَلصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحِّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨]. عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه كبرًا أو غيره، فيريد فراقها، فتقول: أمسكني، واقسم لي ما شئت. قالت: ولا بأس إذا تراضيا))(٨). (٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧٥/٥. (٧) تيسر الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٧٧. (٨) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، ٣٢٨ مُؤْشَوَبَرُ النَّسيده القرآن الكريم الإصلاح وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من الشقاق والجفوة والنشوز والطلاق، فيقول تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ثم يذكر المانع من الصلح وهو الشح، فيقول تعالى: ﴿وَأَحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشِّحَّ﴾. (خشیت سودة أن يطلقها رسول الله صلی الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني وامسكني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ﴾﴾(١). فإذا خشيت المرأة أن تصبح مجفوة؟ أو أن تؤدي هذه الجفوة إلى الطلاق، أو إلی الإعراض، فليس هنالك حرج عليها ولا على زوجها أن تتنازل له عن شيء من فرائضها المالية، أو فرائضها الحيوية، كأن تترك له جزءًا، أو كلا من نفقتها الواجبة عليه، أو أن تترك له قسمتها وليلتها، إن كانت له زوجة أخرى، وكانت هي قد فقدت حيويتها للعشرة الزوجية أو جاذبيتها .. هذا کله إذا رأت هي -بكامل اختيارها وتقديرها لجميع ظروفها- أن ذلك خير لها، وأكرم من طلاقها (٢). أي: ((أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك، خیر من المفارقة بالكلية))(٣). ثم يعقب سبحانه بأن الصلح إطلاقًا خير باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنِ أُمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا ﴾، رقم ٢٦٩٤. (١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب سورة النساء، رقم ٣٠٤٠. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، رقم ٢٤٣٤. (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٧٦٩/٢ - ٧٧٠. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٤٣٠. ثم ينبه سبحانه في ختام هذه الآية على ما يعين ويساعد في حل المشكلة بقوله: ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨]. أي: ((وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تکرهون منهن، تقسموا لهن أسوة أمثالهن، فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء)» (٤) . ٣. الإصلاح عند عدم رغبة الزوجة في زوجھا. قال تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَنُّ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اَللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَقْتَدَتْ بِهِهُ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَنَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ولقد سلك الشارع الحكيم عددًا من الأمور لإبقاء العصمة الزوجية ومنها: · نھی رسول الله صلی الله عليه وسلم، وتوعد المرأة التي تطلب الطلاق من زوجها بغير سبب، وهذه هي الطريقة (٤) المصدر السابق. www. modoee.com ٣٢٩ حرف الألف الأولى لعلاج عدم رغبة الزوجة في ينشأ ذلك عن كراهة العشرة، إما لسوء خلق زوجها. * عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة سألت زوجها طلاقًا في غير ما بأس، فحرامٌ عليها رائحة الجنة)(١)، وهذا من باب المحافظة على رابطة الزوجية والرابطة الأسرية في المجتمع. إذا استفحل الأمر، وأحست الزوجة بسوء عشرة زوجها جاز لها أن تطلب الطلاق منه، وأن تعوضه عن ذلك برد الصداق الذي أمهرها إياه أو بعضه؛ لتعصم نفسها من معصية الله، وتعدي حدوده، وهذا ما يسمى الخلع أو الفداء. فالخلع هو: فراق الزوجة على عوض، فالآية تدل بإطلاقها على جواز الافتداء مطلقًا، ولو بكل المال، أما قوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًاْ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنًا وَإِثْمَّا قُّبِينًا﴾ [النساء: ٢٠]. فهذه الآية محمولة على الأخذ جبرًا بغير رضاها، أو التحايل على ذلك. والخلع مكروه إلا في حالة مخافة ألا يقيما - أو واحد منهما- ما أمر الله به، وقد (١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب الخلع، رقم ٢٢٢٦. وصححه الألباني في صحيح أبي داود، رقم ١٩٤٧. أو خلق(٢)، وقد يكون لغير ذلك كما في قصة الصحابية الجليلة امرأة ثابت ابن قیس. فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنه أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتردين عليه حديقته؟)، قالت: نعم، فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (اقبل الحديقة، وطلقها طلقة)(٣). ٤. الإصلاح عند ظلم الرجل لزوجاته. قال تعالى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِ لُواْ بَيْنَ النِّسَاِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلّ اُلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِّ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩]. يخبر تعالى أنه ليس في قدرة الأزواج العدل التام بين زوجاتهم، فإن العدل التام يقتضي أن يكون الداعي والحب على السواء، والميل القلبي على السواء؛ ويقتضي مع ذلك الإيمان الصادق والرغبة في مكارم الأخلاق للعمل بمقتضى ذلك، وهذا متعذر غير ممكن؛ فلذلك عذر الله (٢) انظر: فتح الباري، ابن حجر ٣٠٧/٩. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق، باب الخلع وكيف الطلاق فيه، رقم ٥٢٧٣. ٣٣٠ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الإصلاح الأزواج، وعفا عنهم عما لا يقدرون عليه، ولكنه أمرهم بالعدل الممكن فقال: ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ اُلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ﴾ أي: لا تميلوا إلى إحداهن عن الأخرى ميلًا کثیرًا، بحیث لا تؤدون حقوقهن الواجبة، بل افعلوا مستطاعكم من العدل في النفقة والكسوة والقسم في المبيت والفراش، ونحو ذلك مقدور، فعليكم العدل فيها بينهن، بخلاف الحب والوطء وتوابع ذلك، فإن العبد لا يملك نفسه فعذرهم الله، وقوله: ﴿فَتَذَّرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ يعني: أن الزوج إذا مال عن زوجته، وزهد فيها، ولم يقم بحقوقها الواجبة، فهي كالمعلقة التي لا زوج لها فتستریح، ولا ذات زوج یقوم بحقوقها، ﴿وَإِن تُصلِحُوا ﴾ فیما بینکم وبين زوجاتكم بوجه من وجوه الصلح، وبمجاهدة أنفسكم على فعل ما لا تھواه النفس احتسابًا وقيامًا بحق الزوجة ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الله بامتثال أمره، واجتناب نهيه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾(١). وقد أمر الله تعالى بالعدل بين الزوجات، وأمر من لم يستطع العدل أن لا يتزوج أكثر من واحدة، ويمكنه أن يجمع معها ملك اليمين؛ لأنه ليس لها من الحقوق كما للحرة. قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِقْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُوا فِي (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢٠٧. الْيَى فَأَنكِحُواْمَا طَابَ لَّكُمْ مِّنَ النِّسَلِ مَثْفَ وَثُكَثَ وَرُبَعَّ فَإِنْ خِفْتُمْأَلَّا نَعْدِلُواْفَوَجِدَةٌ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتَكُمْ ذَلِكَ أَدْفَ أَلَّ تَعُولُواْ﴾ [النساء: ٣]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل)(٢). وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعدل بین نسائه في القسم، ويقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك)(٣)، واستمر على ذلك حتى في مرضه صلی الله عليه وسلم ، ثم استأذنهن أن يمرض عند عائشة، فأذن له -رضي الله عنهن -(٤). (٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء، رقم ٢١٣٣، والترمذي في سننه، كتاب النكاح، باب في التسوية بين الضرائر، رقم ١١٤١، وابن ماجه في كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء، رقم ١٩٦٩ . وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح، رقم ٣٦٢٦. (٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء، رقم ٢١٣٤، والترمذي في كتاب النكاح، باب في التسوية بين الضرائر رقم ١١٤٠، وابن ماجه في كتاب النكاح، باب القسمة بين النساء، رقم ١٩٦٩. وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابیح، رقم ٣٢٣٥. (٤) أخرجه النسائي في الكبرى، كتاب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، باب ذكر ما كان يعالج به النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه، ٦/ ٣٨٣، رقم ٧٠٤٦، وابن ماجه في سننه، كتاب الجنائر، باب جاء في ذكر مرض رسول الله، رقم ١٦١٨. وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، رقم www. modoee.com ٣٣١ حرف الألف ٥. الإصلاح عند وقوع الظهار. قال تعالى: ﴿أَلَّذِينَ يُطَهِرُونَ مِنْكُم مِّن نِسَابِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِوَ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِي وَلَّدْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا [المجادلة: ٢]: (يعني وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفَوْ غَفُورٌ﴾ أن الله تعالى يحرم قول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي))(١). فهو يحرمها على نفسه کحرمة أمه عليه(٢). «فمتى شبه زوجته بمن تحرم عليه أو ببعضها إذا أراد الامتناع عن الاستمتاع بها فقد ظاهر من زوجته))(٣)، وإذا ظاهر الرجل امرأته ترتب على ظهاره حرمة إتيان الزوجة حتى يكفر كفارة الظهار ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسًا﴾ [المجادلة: ٣]. ولكن أهل الجاهلية كانوا يعتبرون هذه الكلمة طلاقًا أبديًا، والإسلام اعتبره ظهارًا له كفارة. فهذه القضية الاجتماعية فيها قسوة على المرأة، وقسوة على الأسرة، بل وقسوة على المجتمع، فبكلمة واحدة كانت المرأة تحرم في الجاهلية، ولكن الإسلام أراد أن يرتقي بالأسرة بالحفاظ عليها من الضياع في ظل منهج ينظم ويقوم حياتها، ويحفظ لها حقها، ١٣١١. (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤ / ١١٨. (٢) انظر تفاصيل مسائل الظهار في: المغني، ابن قدامة، ٥٤/١١-١١٩، بدائع الصنائع، الكاساني، ٢٤/٨-٣٩، فقه السنة، سيد سابق، ٢/ ٤٥٢ -٤٥٦. (٣) الملخص الفقهي، الفوزان، ٣٢٢/٢. ويضمن لها سعادتها في دنياها وأخراها من ناحیتین: # حرم الله سبحانه الظهار؛ لما تضمنه من تحريم ما أحل الله، وأذية للمرأة، وزور من القول والفعل لم يكلفهم الله إياه، بل مضرته غلبت مصلحته؛ ولذا لم يجعل الله فيه خيرًا وبركةً. شرع الله سبحانه لمن وقع فيه مخرجًا منه وهو كفارة الظهار؛ فكفارة الظهار على الترتيب الوارد في الآية والحديث. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنْ نِسَآءِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَلِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآْسًا﴾ [المجادلة: ٣]. فإن لم يجد فيصوم شهرين متتابعين، لا يفرق بين الأيام إلا لعذر شرعي؛ لقوله: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَّابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسًا﴾ [المجادلة: ٤]. فإن لم يكن يقدر على الصيام فيطعم ستين مسكينًا؛ لقوله: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]. ٦. طريقة القرآن في الإصلاح عند وقوع الإيلاء. قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآبِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرِّ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ () وَإِنْ عَزَبُواْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]. والإيلاء لغة: الحلف، وفي الشرع: مُوسُوبَةُ الَ القرآن الكريم ٣٣٢ الإصلاح الحلف على ترك وطء المرأة (١). فالله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم حقيقة النفس البشرية، وأهمية بقاء الزوجين مع بعضهما، فنفس عن الزوج والزوجة للمحاولة في الإصلاح بينهما، وعدم بقاء الزوجين في خصام حتى لا تتسع الفجوة، ويطول النزاع، فجعل للزوج الذي يريد أن يصالح زوجته، وأن يراجعها قبل انتهاء مدة التحريم، جعل له كفارة يستطيع إذا فعلها أن يراجع ويصالح زوجته، وهي كفارة اليمين. وقد جعل الله تعالى للزوجة المطالبة بحقها إذا زاد الإيلاء والبعد عن المدة التي قدرها رب العالمين، وهي أربعة أشهر، فضمن لكل من الطرفين حقه، وأعطاه الفسحة الكافية ليراجع نفسه، ورغبه الشارع في العودة والكفارة، وسهلها عليه تمكينًا وترغيبا في كسر حاجز القطيعة والبعاد. ((ولكن إذا استمر الرجل في الإيلاء، وجاء وقت انتهاء الفترة التي لا يجوز تجاوزها، فإما أن يراجع الرجل زوجته، أو يفارقها، فإن أبى فالقاضي له حق أن يطلقها منه))(٢)، وذلك ليحاول كل واحد منهما أن يبدأ حياة أخرى قد تكون أهدا وأقل خلافًا من التي قبلها؛ ولذا ختم الله تعالى الحكم بقوله: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلََّ مِّن (١) انظر: التعريفات، الجرجاني ص٤١. (٢) فقه السنة، سيد سابق ٢/ ١٣٣. سَعَتِهِ، وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠]. ٧. الإصلاح عندما لا ترضى المرأة بواقع زوجها المعيشي. قد أمر الله نبيه صلی الله عليه وسلم بتخيير زوجاته بقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَيِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٥) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. فعن جابر رضي الله عنه قال: ((قال عمر رضي اللهعنه : یا رسول الله لو رأيت ابنة زيد -زوجة عمر - سألتني النفقة آنفًا، فوجأت عنقها، فضحك النبي صلی الله عليه وسلم، وقال: (هن حولي يسألنني النفقة). فقام أبو بكر رضي الله عنه إلى عائشة ليضربها، وقام عمر رضي الله عنه إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده! فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلن - أي: نساءه -: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده. قال: وأنزل الله عز وجل الخيار، فبدأ بعائشة، فقال: (إني أذكر لك أمرًا ما أحب أن تتعجلي فيه حتى تستأمري أبويك). قالت: وما هو؟ قالت: فتلا عليها: www. modoee.com ٣٣٣ حرف الألف عائشة رضي الله عنها : أفيك أستأمر أبواي! بل أختار الله ورسوله، وأسألك ألا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت، فقال: (إن الله تعالى لم يبعثني معنفًا، ولكن بعثني معلمًا میسرًا، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها)(١). فسبب تخيير النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته هو أن زوجاته -رضي الله عنهن جميعًا- سألنه التوسيع عليهن في النفقة، والنبي صلى الله عليه وسلم قد اختار الله له عيشة الكفاف؛ ولذا قال عمر لهما: تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده؟ وهنا يجب التنبيه على أمور: قال ابن حجر: ((قول عائشة وجمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار هو أن من خير زوجته فاختارته لا يقع عليه بذلك طلاق))(٢). خلالها الإصلاح، وذلك بأن ينبه الزوج زوجته على أن هذا واقعه، وهذا مستواه، وهذه حياته، فإن قبلته على هذه الحياة فيها ونعمت، وإن لم تقبله فلا يوجد مجال إلا أن تختار بين البقاء معه والصبر على ما هي فيه، (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاق إلا بالنية، رقم ١٤٧٨. (٢) فتح الباري ٩/ ٢٨١. النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ﴾. قالت أو يطلقها ويسرحها سراحًا جميلًا ترتاح فیه من الوضع التي هي فیه، ومن ثم يرتاح الرجل من كثرة انتقاد الزوجة من الناحية الاجتماعية، أو من ناحية الطبائع وغيرها، ويرتاحان من الخلافات اليومية بسبب هذا الأمر. عندما تعلم الزوجة أن الأمر جدًّ، وأنه لا یوجد حل لها إلا أن تصبر أو تطلق، قد یتغیر رأيها للحفاظ على زوجها وبيتها، وتتنازل عن رأيها فتقبل الصبر، وتقبل زوجها، فيحصل الوفاق والصلح بين الزوجين، وهذا هو الذي يرنو إليه الشارع الحكيم. المحور الثاني: الطرق الإصلاحية لبقاء الحياة الزوجية عند إرادة الطلاق. قال تعالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّ مِّن سَعَتِهِ، وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠]. فالإسلام لا يمسك الأزواج بالسلاسل إجراء التخيير من الوسائل التي يتم من والحبال، ولا بالقيود والأغلال، ولكن يجمعهم بالسكن النفسي وبالمودة والرحمة، أو بالواجب والتحمل الممكن. قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ) أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَّوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمِ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١](٣). ومظاهر الإصلاح في حال اختيار طريق (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٩/٥. مَوَسُولَةُ التَّيَّ القرآن الكريم ٣٣٤