النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الأسرة ء عناصر الموضوع مفهوم الأسرة ٢٥٦ الألفاظ ذات الصلة ٢٥٧ مكانة الأسرة ومقاصدها ٢٥٩ الحقوق والواجبات الأسرية ٢٦٣ ٢٧١ مشكلات الأسرة وعلاجها ٢٨١ الأسرة في القرآن والمواثيق الدولية المُجَلَّدَ الثَالِكْ حرف الألف مفهوم الأسرة أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن فارس: ((الهمزة والسين والراء أصل واحد، وقياسُ مطرد، وهو الحبس، وهو الإمساك))(١)، والأسرة: الدرع الحصينة، وأهل الرجل وعشيرته والجماعة يربطها أمر مشترك، والأسرة من الرجل: الرهط الأدنون وعشيرته؛ لأنه يتقوى بهم، وقيل: أقارب الرجل من قبل أبيه(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: عرف د. محمد عقلة الأسرة بأنها «رابطة اجتماعية تتكون من زوج وزوجة وأطفالهما، وتشمل الجدود والحفدة، وبعض الأقارب على أن يكونوا مشتركين في معيشة واحدة))(٣). يتبين مما سبق أن كل التعريفات السابقة تؤكد على أن الأسرة هي اللبنة والوحدة الاجتماعية الأولى للمجتمع، وأن هناك علاقة وطيدة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي حيث إن من معاني كلمة الأسرة في اللغة الحبس، وهو الإمساك فكأنه لوحظ معنى الشد والربط والوثاق، حيث إن الأسرة ترابط اجتماعي وتماسك إنساني لدرجة الثبات والقرار، ومن المعاني - أيضًا -: الدرع الحصينة، وكأن الأسرة يتحقق بها حماية الإنسان مما يهدد كيانه، فبالأسرة يتقوى الفرد ويشتد عوده، كل هذه المعاني العظيمة قصدها الإسلام من تشريع الزواج وتكوين الأسرة، وذلك لحماية الأفراد والمجتمعات. ولم يرد لفظ الأسرة في الاستعمال القرآني، ولكن جذر الكلمة مادة (أس ر) موجودة في القرآن، والتي تعني: الشد بالقيد (٤). (١) مقاييس اللغة ١١٦/١. (٢) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٥١/١٠، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ١٧. (٣) نظام الأسرة في الإسلام ١٨/١. (٤) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٣٣. ٢٥٦ مُؤَسُولَة النفسية جوببو القرآن الكريمِ الأسرة الألفاظ ذات الصلة الأهل: ١ الأهل لغة: ((الهمزة والهاء واللام أصلان متباعدان، أحدهما الأهل. قال الخليل: أهل الرجل زوجه. والتأهل التزوج. وأهل الرجل: أخص الناس به. وأهل البيت: سكانه. وأهل الإسلام: من يدين به. وجميع الأهل أهلون. والأهالي جماعة الجماعة))(١). الأهل اصطلاحًا: من يجمع الفرد وإياهم نسب أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد (٢). الصلة بين الأسرة والأهل: أن الأهل أعم من الأسرة؛ حيث يكون من جهة النسب والاختصاص، فمن جهة النسب قولك: أهل الرجل لقرابته الأدنين، ومن جهة الاختصاص قولك: أهل البصيرة وأهل العلم، أما الأسرة فهي رابطة اجتماعية تتكون من زوج وزوجة وأطفالهما، وتشمل الجدود والحفدة، وبعض الأقارب على أن يكونوا مشتركين في معيشة واحدة (٣). العشيرة: ١ العشيرة لغة: ((العين والشين والراء أصلان صحيحان: أحدهما في عددٍ معلوم ثم يحمل عليه غيره، والآخر يدل على مداخلةٍ ومخالطة)) (٤) العشيرة اصطلاحًا: اسم لكل جماعة من أقارب الرجل الذين يتكثر بهم(٥). الصلة بين العشيرة والأسرة: ذكرنا أن عشيرة الرجل هم من يتكثر بهم من أقاربه، أما الأسرة فهي أخص، حيث تشمل من يشترك معهم الرجل في معيشة واحدة من الزوجة والأبناء والأقارب. (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ١٥٢. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٩٦. (٣) انظر: الفروق الغوية، العسكري ١/ ٨٤. (٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٢٤/٤. (٥) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٦٧. www. modoee.com ٢٥٧ حرف الألف الرهط: ١ الرهط لغة: ((الراء والهاء والطاء أصلٌ يدل على تجمع في الناس وغيرهم. فالرهط: العصابة من ثلاثةٍ إلى عشرة. وقيل: ما دون السبعة إلى الثلاثة نفرٌ)) (١). الرهط اصطلاحًا: («الجماعة نحو العشرة، ورهط الرجل: قومه وقبيلته))(٢). الصلة بين الرهط والأسرة: الرهط أعم من الأسرة، فهم قوم الرجل وقبيلته الأقربون، أما الأسرة: فهم من يشترك الرجل معهم في معيشة واحدة من الزوجة والأبناء والأقارب(٣). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٥٠/٢. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٦٧، الكشاف، الزمخشري ٣٧٢/٣. (٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ٥٤٨/١. ٢٥٨ مُوسُوبَةُ التَّقِين القرآن الكريم الأسرة مكانة الأسرة ومقاصدها تبرز مكانة الأسرة من خلال وظائفها والدور الذي تؤديه للأفراد والمجتمعات على حد سواء، فيجد فيها الفرد سكنه وحمايته، وأمنه، وهي تلبي الحاجات الغريزية للزوجين، والحاجات الفطرية للآباء والأمهات والأبناء، فالإنسان يتطلع بفطرته لأن يكون له نسل، والابن يسعى بفطرته إلى أحضان والديه، والأسرة تحافظ على الأنساب، وتساهم بشكل فاعل في تقوية الأواصر بين الناس، وهي منبت للفضائل ومصدر للتربية، وهي في المحصلة اللبنة الأساسية والأولى للمجتمع. أولًا: مكانة الأسرة: الفكرة الأساسية التي قامت عليها الأسرة، وهي تلبية نداء فطري غريزي في الإنسان لعبادة الله سبحانه، وأي أسرة كيفما كان شكلها ونوعها إن لم تقم على هذا الأساس فهي أسرة جاهلية، فالأسرة تقوم للمحافظة على الجنس البشري وبقائه، وبناء الأسرة في الإسلام لا يكون من أجل إشباع الغرائز فقط، ولا لأي مطلب من مطالب الدنيا الزائلة، بل يكون من أجل تطبيق الناموس الإلهي في الكون. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةٌ ﴾ [النحل: ٧٢]. والمعنى: أي جعل لكم من أزواجكم بنين وبنات، تزوجونهم فيحصل بسببهم الأختان والأصهار (١). يقول سيد قطب عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرّقٌ لَّكُمْ فَأَتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]: ((وينبثق نظام الأسرة في الإسلام من معين الفطرة وأصل الخلقة، وقاعدة التكوين الأولى للأحياء جميعًا وللمخلوقات كافة .. تبدو هذه النظرة واضحة في قوله تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩]. سُبْحَنَ اَلَّذِى خَلَقَ وقوله سبحانه: الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦]. ثم تتدرج النظرة الإسلامية للإنسان فتذکر النفس الأولى التي کان منها الزوجان، ثم الذرية، ثم البشرية جميعًا. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءٍ﴾ [النساء: ١]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُمْ مِّن ذَّكَرٍ وَأَنْقَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ﴾ [الحجرات: ١٣]. ثم تكشف عن جاذبية الفطرة بين الجنسين، لا لتجمع بين مطلق الذكران (١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣١/٥. www. modoee.com ٢٥٩ حرف الألف ومطلق الإناث، ولكن لتتجه إلى إقامة الأسر والبيوت. قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَيْهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةٌ وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. وقال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأَتُواْ حرَّكُمْ أَ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُوتِكُمْ سَكَنَا﴾ [النحل: ٨٠]. فهي الفطرة تعمل، وهي الأسرة تلبي هذه الفطرة العميقة في أصل الكون وفي بنية الإنسان، ومن ثم كان نظام الأسرة في الإسلام هو النظام الطبيعي الفطري المنبثق من أصل التكوين الإنساني، بل من أصل تكوين الأشياء كلها في الكون على طريقة الإسلام في ربط النظام الذي يقيمه للإنسان بالنظام الذي أقامه الله للکون کله، ومن بينه هذا الإنسان، والأسرة هي المحضن الطبيعي الذي يتولى حماية الفراخ الناشئة ورعايتها، وتنمية أجسادها وعقولها وأرواحها، وفي ظله تتلقى مشاعر الحب والرحمة والتكافل، وتنطبع بالطابع الذي يلازمها مدى الحياة وعلى هدية ونوره تتفتح للحياة، وتفسر الحیاة، وتتعامل مع الحياة)»(١). (١) في ظلال القرآن ٢٣٤/١. جَوَسُو ◌َة النفسية القرآن الكريم نخلص مما سبق إلى أن بناء الأسرة في الإسلام لا يكون من أجل إشباع الغرائز فقط، ولا لأي مطلب من مطالب الدنيا الزائلة، بل يكون من أجل تطبيق الناموس الإلهي في هذا الكون، وقد رفض الإسلام أن يمتنع المسلم عن ممارسة ما تقتضيه الفطرة بهدف التعبد. ويدل على ذلك ما ورد عن أنس بن مالكٍ، رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهطٍ إلی بیوت أزواج النبي صلی الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها !! فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا! وقال آخر: أنا أصوم الدهر، ولا أفطر! وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا !! فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له! لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد. وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)(٢). ثانيًا: مقاصد الأسرة: إن ما يدل على عناية الإسلام بتكوين الأسرة وإحكام بنائها، ورعايتها لتحصيل (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، رقم ٥٠٦٣، ٢/٧. ٢٦٠ الأسرة مقصودها ما يلي: ١. حصول العفة للزوجين وإشباع الغريزة في الحلال. ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ قال تعالى: ◌ِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْثَنَّ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ((جعل اللباس كناية عن الزوج؛ لكونه سترًا لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء، كما أن اللباس ستر يمنع أن يبدو منه السوأة. وعلى ذلك كنى عن المرأة بالإزار، وسمي النكاح حصنًا؛ لكونه حصنًا لذويه عن تعاطي القبيح))(١). يتبين مما سبق أنه بحصول الزواج وتكون الأسرة يحمي كل من الزوجين صاحبه من الوقوع في الفاحشة، فهو إعفاف للنفس عن الحرام وكبح جماحها حتى لا تورد صاحبها مواد الهلكة. ٢. السكن الفطري للزوجين المبني على المودة والرحمة. قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ» أَنْ خَلَقَ لَّكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمِ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. قال ابن عاشور: ((وهي آية تنطوي على (١) محاسن التأويل، القاسمي ٧٨/٢. عدة آيات منها: أن جعل للإنسان ناموس التناسل، وأن جعل تناسله بالتزاوج ولم يجعله کتناسل النبات من نفسه، وأن جعل أزواج الإنسان من صنفه ولم يجعلها من صنف آخر؛ لأن التأنس لا يحصل بصنف مخالف، وأن جعل في ذلك التزاوج أنسًا بين الزوجين، ولم يجعله تزاوجًا عنيفًا، أو مهلگا کتزاوج الضفادع، وأن جعل بین کل زوجين مودة ومحبة، فالزوجان يكونان من قبل التزاوج متجاهلين فيصبحان بعد التزاوج متحابين، وأن جعل بينهما رحمة، فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما فيصبحان بعده متراحمين كرحمة الأبوة والأمومة» (٢). نفهم مما سبق أن الله سبحانه جعل للرجل والمرأة دورين متكاملين يتمم أحدهما الآخر، ولا يتحقق هذا إلا بالتزام كل من الزوجين بشرع الله تعالى، وهدي نبيه، وذلك بالقيام بواجباتهما. ٣. إقامة البيت المسلم. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ قال تعالى: أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ [النحل: ٧٢]. يخبر تعالى عن منته العظيمة على عباده، حيث جعل لهم أزواجا؛ ليسكنوا إليها، وجعل لهم من أزواجهم أولادًا تقر بهم أعينهم ويخدمونهم، ويقضون حوائجهم، (٢) التحرير والتنوير ٣٢/٢١. www. modoee.com ٢٦١ حرف الألف وينتفعون بهم من وجوه كثيرة (١). ٤. التعارف والتعاون بين الناس على البر والتقوى. شاء الله تعالى أن يخلق الإنسان مدني الطبع، يميل إلى الجماعة ويكره العزلة، وخلق الناس ذكرانًا وإناثًا وجعلهم شعوبًا وقبائل؛ ليتعارفوا، كما ورد في قوله تعالى: ﴿ يَأَيّا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْتَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ﴾ [الحجرات: ١٣]. پخبر تعالی أنه خلق بني آدم من أصل واحد، وجنس واحد، و کلهم من ذكر وأنثى، ويرجعون جميعهم إلى آدم وحواء، ولكن الله تعالى بث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، وفرقهم، وجعلهم شعوبا وقبائل، وذلك لأجل أن يتعارفوا، فإنهم لو استقل كل واحد منهم بنفسه، لم يحصل بذلك التعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون، والتوارث، والقيام بحقوق الأقارب، ولكن الله جعلهم شعوبا وقبائل؛ لأجل أن تحصل هذه الأمور وغيرها مما يتوقف على التعارف، ولحوق الأنساب، هذا عن التعارف، أما التعاون فهو واضح؛ إذ تقوم الزوجة ببعض أعباء الحياة ويقوم الرجل بالبعض الآخر، فالزوجة تهيئ للزوج ما يحتاج إليه ويسعده بالإضافة إلى تربية الذرية، والزوج يسعى ويكدح لطلب الرزق الحلال لنفسه ولأهل بيته(٢). ٥. ابتغاء النسل الصالح والولد الصالح. والتناسل هو النتيجة الطبيعية لالتقاء الزوجين الذكر والأنثى، وهو حتمي لاستمرار حياة الكائنات، ويعتبر التناسل أهم ثمرات الزواج، ولقد أشار القرآن إلى هذا المعنى فقال تعالى: ﴿فَالْكَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. يقول سيد قطب عند تفسير الآية: (ابتغوا هذا الذي كتبه الله لكم من المتعة بالنساء، ومن المتعة بالذرية، ثمرة المباشرة، فكلتاهما من أمر الله، ومن المتاع الذي أعطاكم إياه، ومن إباحتها لكم طلبها وابتغاؤها، وهي موصولة بالله فهي من عطاياه، ومن ورائها حكمة، ولها في حسابه غاية، فليست إذن مجرد اندفاع حيواني موصول بالجسد، منفصل عن ذلك الأفق الأعلى الذي يتجه إليه كل نشاط، بهذا ترتبط المباشرة بين الزوجين بغاية أكبر منهما، وأفق أرفع من الأرض ومن لحظة اللذة بينهما، وبهذا تنظف هذه العلاقة وترق وترقى .. ومن مراجعة مثل هذه الإيحاءات في التوجيه القرآني وفي التصور الإسلامي ندرك قيمة الجهد المثمر الحكيم الذي يبذل لترقية هذه البشرية وتطويرها، في حدود (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٤٤. جَوَسُو ◌َرَ النفسية العضوي القرآن الكريم (٢) انظر: المصدر السابق ص ٨٠٢. ٢٦٢ الأسرة فطرتها وطاقتها وطبيعة تكوينها)) (١). يتضح مما سبق أن الغاية من بناء الأسرة إنجاب النسل الصالح، وحصول السكن النفسي بين الزوجين، وانسجام أفراد الأسرة في ظلال شرع الله الخالد، وبقدر ترابط الأسر یقوی تماسك المجتمع ويشتد. (١) في ظلال القرآن ١/ ١٧٤. الحقوق والواجبات الأسرية إن العلاقة بين الرجل والمرأة ليست علاقة غريزية فحسب، بل هي علاقة شراكة بالروح والجسد، ومثل هذه العلاقة المقدسة تظهر ثمرتها على الأولاد، فما أجمل أن تسود علاقتهما المحبة والاحترام والتفاهم، المنبثقة من شرع الله سبحانه . أولًا: حقوق الوالدين وواجباتهم: إن أقوى رباط في الأسرة هو رباط الولد بأبویه، المتمثل بالإحسان إليهما، لذلك قرن الله سبحانه الإحسان إليهما بعبادته سبحانه، وعدم الشرك به في أكثر من موضع في القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللّهَ وَ بِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٢]. وقال تعالى: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكُوا بِهِ. شَيْئاً وَبِالْوَالِدَ يْنِإِحْسَنًا﴾ [النساء: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الأنعام: ١٥١]. يقول سيد قطب: ((بهذه العبارات الندية، والصور الموحية، يستجيش القرآن الكريم وجدان البر والرحمة في قلوب الأبناء، ذلك أن الحياة وهي مندفعة في طريقها بالأحياء، توجه اهتمامهم القوي إلى الأمام، إلى الذرية. إلى الناشئة الجديدة، إلى الجيل المقبل. وقلما توجه اهتمامهم www. modoee.com ٢٦٣ حرف الألف إلى الوراء، إلى الأبوة، إلى الحياة المولية، إلى الجيل الذاهب! ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة؛ لتنعطف إلى الخلف، وتتلفت إلى الآباء والأمهات، إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد، إلى التضحية بكل شيء حتی بالذات، و کما تمتص النابتة الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هي فتات، ويمتص الفرخ كل غذاء في البيضة فإذا هي قشر، كذلك يمتص الأولاد کل رحیق و کل عافية و کل جهد و کل اهتمام من الوالدين، فإذا هما شيخوخة فانية - إن أمهلهما الأجل-، وهما مع ذلك سعیدان! فأما الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كله، ویندفعون بدورهم إلى الأمام، إلى الزوجات والذرية .. وهكذا تندفع الحياة، ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء، إنما يحتاج هؤلاء إلى استجاشة وجدانهم بقوة؛ ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحیقه کله حتى أدركه الجفاف! وهنا يجيء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله يحمل معنى الأمر المؤكد، بعد الأمر المؤكد بعبادة الله»(١). كما بين القرآن حقوق الآباء على الأبناء، وقد تمثل ذلك جليًا في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِنَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّمَآ أَنٍّ وَلَا نَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢) وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كما رَبََّانِ صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤]. ومعنى الإحسان إلى الأبوين أن تبلغ أقصى درجات الوفاء لهما في البر والمكافأة، وأن تزيد في المعاملة الحسنة، عما كان يكون منهما؛ احتياطًا للرعاية والشفقة فإذا بلغ الوالدان أو أحدهما سن الكبر، وصارا عندك في آخر العمر بحال من الضعف والعجز، كما كنت عندهما في بدء حياتك، فعليك اتباع الواجبات الخمسة التالية: ١. ﴿فَلَا تَقُل ◌َّمَا أُنٍ﴾: أي: لا تسمعهما قولًا سيئًا فيه أدنى تبرم، حتى ولا التأفف، وهو التضجر والتألم الذي هو أدنى مراتب القول السيء، وذلك في أي حال، ولا سيما حال الضعف والكبر والعجز عن الكسب؛ لأن الحاجة إلى الإحسان حينئذ أشد وأولى وألزم. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنقه، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة)(٢). (١) المصدر السابق ٢٢٢١/٤. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، کتاب البر والصلة، مَوسوبر البشرة القرآن الكريم ٢٦٤ الأسرة ٢. ﴿وَلَا نَنْهُرْهُمَا﴾: أي: ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح. ٣. ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ أي: وقل لهما قولًا لينَا طيبًا حسنًا مقرونًا بالتوقير والتعظيم والحياء والأدب الجم. ٤. ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أي: تواضع لهما بفعلك، والتواضع ينبغي أن یکون رحمةً بهما، وشفقةً عليهما، لا لأجل امتثال الأمر وخوف العار والنقد فقط. ٥. ﴿وَقُل رَّبِّ أَرْحَمَهُمَا كما رَبََّانِ صَغِيرًا﴾: أي: اطلب لهما الرحمة من الله في حال کبرهما وعند وفاتهما، وخصها بالذكر؛ ليتذكر العبد شفقة الأبوين وتعبهما في التربية، فيزيده ذلك إشفاقًا لهما وحنانًا عليهما(١). ثانيًا: حقوق الزوج وواجباته: نظم الإسلام الحنيف العلاقة بين الزوجين بما يكفل دوام العشرة الزوجية، ويحقق سعادة الطرفين، ويرعى الأسرة في بدايتها، وأثناء وجودها، وبعد انتهاء الرابطة الزوجية: باب رغم أنفه من أدرك أبويه أو أحدهما عند الكبر، رقم ٤،٢٥٥١/ ١٩٧٨. (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٥/ ٥٦. الولد إليه. قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُ لَنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَزْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. لا يحل للمرأة أن تكتم شيئًا مما في رحمها من حمل أو حيض إن كانت مؤمنةً بالله واليوم الآخر إيمانًا صادقًا، فإذا انتهت الزوجية وجب على المرأة شرعًا ما يسمى بالعدة، وعدة الطلاق ثلاث حيضات، وعدة الحامل بوضع الحمل، وعدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، وذلك تقديرًا لنعمة الزواج، وإظهارًا للأسى والحزن على الفراق، وللتعرف على براءة الرحم من الولد، حتى لا تختلط الأنساب(٢). ٢. القوامة في الأسرة. قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنَفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. فالزوج هو المسئول في نظام الإسلام عن النفقة عليها، ومسئوليته عن النفقة على أسرته تجعله أكثر تحفظًا واحترازًا من الاستجابة السريعة للشهوات العابرة، والانفعالات الحادة المصحوبة بالرعونة والطيش، وليس في هذا إهمال للمرأة، أو أولًا: حقوق الزوج: ١. الحفاظ على النسب، وحقه في نسبة إنقاص من أهليتها، أو الطعن في كفايتها (٢) انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي ١٤٣/١. www. modoee.com ٢٦٥ حرف الألف وعقلها وعلمها، بل إن الإسلام في هذا بالمعروف، والمخالطة بالحسنى والآداب الإسلامية (٣). أراد صون المرأة، والحفاظ على كرامتها، وعدم تعريضها للأذى والسوء، والقوامة ليست استبدادًا أو تعسفًا أو تسلطًا وترفعًا، وإنما هي تكليف بالإدارة والرعاية والولاية والنفقة، وهذا التكليف عبء على الرجال أكثر من النساء(١). ٣. ألا تكون ناشزا خارجة عن طاعته. ما لم يأمرها الزوج بما فيه معصية لله، أو هضم لحقوقها التي شرفها الله بها، وقد أرشد الإسلام إلى استخدام وسائل التربية والتأديب الحكيمة. قال تعالى: ﴿وَِّى تَخَافُونَ فُشُوزَهُرَّ فَعِظُوهُنَّ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنٌّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]. كما بين النبي صلى الله عليه وسلم حقوق الرجل على زوجته في العديد من الأحاديث، منها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير النساء: التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها)(٢). وهؤلاء ليس لكم عليهن إلا المعاشرة (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١/ ١٢٢. (٢) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، ٨٦/٤، رقم ٢٤٤٤. ثانيًا: واجبات الزوج: ١. الإنفاق على المرأة. دفع المهر وتوفير الكفاية لها من مسكن وملبس ومطعم ومشرب ومداواة ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. أي: فضلوا على النساء بما أنفقوا من أموالهم عليهن من المهر والنفقة (٤). ٢. حسن العشرة. قال تعالى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. أي: خالقوا أيها الرجال نساءكم، وصاحبوهن بما أمرتكم به من المصاحبة، وذلك: إمساکهن بأداء حقوقهن التي فرض الله -جل ثناؤه- لهن علیکم إليهن(٥)، وتتضمن هذه الحقوق أن يتزين لزوجته مثلما تتزين له، وأن يداعبها ويمازحها، وأن لا يزهد فيها بهجر مضجعها تبتلًا أو بدون سبب شرعي، وأن یحافظ علی دینھا بتوجيهها إلى السلوك السليم. ٣. العدل بين الزوجات. (٣) انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي ٣٧٠/١. (٤) انظر: تفسير السمر قندي ١/ ٣٨١. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/ ١٢١. ٢٦٦ جونير القرآن الكريم الأسرة من حق الزوجة العدل بينها وبين غيرها الزواج، ونهى عن الاعتداء عليها، وأوجب عليها العديد من الواجبات: من زوجاته. قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِ لُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَ اُلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]. فقد أخبر الله تعالى: أن الأزواج لا يستطيعون، وليس في قدرتهم العدل التام بين النساء؛ وذلك لأن العدل يستلزم وجود المحبة على السواء، والداعي على السواء، والميل في القلب إليهن على السواء، ثم العمل بمقتضى ذلك. وهذا متعذر غير ممكن، فلذلك عفا الله عما لا يستطاع، ونهى عما هو ممكن بقوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. أي: لا تميلوا ميلًا كثيرًا بحيث لا تؤدون حقوقهن الواجبة، بل افعلوا ما هو باستطاعتكم من العدل. فالنفقة والكسوة والقسم ونحوها عليكم أن تعدلوا بينهن فيها، بخلاف الحب والوطء ونحو ذلك، فإن الزوجة إذا ترك زوجها ما يجب لها، صارت کالمعلقة التي لا زوج لها فتستريح وتستعد للتزوج، ولا ذات زوج يقوم بحقوقها (١). ثالثًا: حقوق الزوجة وواجباتها: كانت المرأة قبل الإسلام مهضومة الحق، فقرر لها الله تعالى حقوقًا في شئون (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٠٧. أولًا: حقوق الزوجة: ١. تحريم التحكم في ميراث المرأة وتحريم وراثتها كالمتاع. ليست المرأة متاعًا يورث، فلا تورث زوجة المتوفى، ولا يحل لكم أيها المؤمنون تقليد أهل الجاهلية، فترثون المرأة كما ترثون الأموال والأمتعة، وتتصرفون فيها کما تشاءون، وهن كارهات لذلك. قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]. أي: لا يحل لكم أيها الذين آمنوا بالله ورسوله أن تسيروا على سنة الجاهلية في هضم حقوق النساء فتجعلوهن ميراثًا لكم كالأموال والعبيد، وتتصرفوا فيهن كما تشاءون، وهن كارهات لذلك، فإن شاء أحدكم تزوج امرأة من يموت من أقاربه، وإن شاء زوجها غيره، وإن شاء أمسكها (٢) ومنعها الزواج ٠ ٢. الزواج وعدم منعها منه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْ هَبُواْ بِبَعْضٍ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]. أي: منعها من الزواج والتضييق عليها حتى تفتدي نفسها منكم بالمال من ميراث (٢) انظر: تفسير المراغي ٤/ ٢١٢. www. modoee.com ٢٦٧ حرف الألف أو صداق ونحو ذلك، ثم استثنی الله تعالی حالة واحدة يجوز فيها العضل -أي: الحبس والتضييق-، وهي حالة إتيان الفاحشة المبينة كالزنى والسرقة والنشوز عن الطاعة، ونحو ذلك من الأمور الممقوتة شرعًا وعرفًا (١). ٣. المعاشرة بالمعروف. قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِّ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىَ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرَاً كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. قال السعدي: ((وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، من الصحبة الجميلة، وكف الأذى وبذل الإحسان، وحسن المعاملة، ويدخل في ذلك النفقة والكسوة ونحوهما، فيجب على الزوج لزوجته المعروف من مثله لمثلها في ذلك الزمان والمكان، وهذا يتفاوت بتفاوت الأحوال))(٢). ٤. حق المرأة في كامل المهر. قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدَّثُمُ أُسْتِبْدَالَ زَوْچٍ مَّكَانَ زَّوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَدُهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًاْ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنًا وَإِثْمَّا قُّبِينًا﴾ [النساء: ٢٠]. أي: إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأته ويستبدل مكانها غيرها، فلا يأخذن من (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١٠٦/٢. (٢) تيسير الكريم الرحمن ص ١٧٢. الصداق الذي أعطاها إياه شيئًا، ولو كان قنطارًا من مال (٣). ثانيًا: واجبات الزوجة: ١. وجوب طاعة الزوج. قال تعالى: ﴿وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. قال ابن كثير: ((أي: في الفضيلة في الخلق، والمنزلة، وطاعة الأمر، والإنفاق، والقيام بالمصالح، والفضل في الدنيا والآخرة))(٤). ٢. تمكين الزوج من الاستمتاع بها. قال تعالى: ﴿وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ بِالْعُروفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. أي: لهن من حقوق الزوجية على الرجال بمثل ما للرجال عليهن، فيحسن عشرتها بما هو معروف من عادة الناس أنهم يفعلونه لنسائهم، وهي: کذلك تحسن عشرة زوجها بما هو معروف من عادة النساء أنهن يفعلنه؛ لأزواجهن من طاعة، وتزين، وتحبب، ونحو ذلك(٥). ومما يؤكد ذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٣/٢. (٤) المصدر السابق ١/ ٦١٠. (٥) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣١٦/١. ٢٦٨ العضو مَوَسُولَةُ الْعُرآن الكَرِيْمِ الأسرة حتى تصبح)(١). رابعًا: حقوق الأبناء وواجباتهم: اهتم الإسلام بتربية الأبناء اهتمامًا كبيرًا، وجعل على الآباء لأبنائهم حقوقًا، كما جعل للآباء على أبنائهم حقوقًا، وهذه الحقوق هي: أولًا: حقوق الأبناء: ١. اختيار الأم الصالحة. ينبغي أن يختار الأب لأبنائه أمّا صالحة تقوم على تربية أبنائه تربية صحيحة، بحيث يكون هؤلاء الأبناء قادرين على حمل أمانة الإسلام، والوصول بها إلى غايتها، والدفاع عنها. قال تعالى: ﴿وَلَأَمَّةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌمِنْ ◌ُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]. قال الطبري: «یعني - تعالی ذکره- بقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، خيرٌ عند الله وأفضل من حرة مشركة كافرة، وإن شرف نسبها وكرم أصلها. يقول: ولا تبتغوا المناكح في ذوات الشرف من أهل الشرك بالله، فإن الإماء المسلمات عند الله خیر منکحًا منهن»(٢). ٢. الحضانة والتربية. فهي أمر له شأن عظيم، وأثر كبير في حياة (١) أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب النكاح، باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها، رقم ٤٨٩٧، ٥ / ١٨٩٣. (٢) جامع البيان ٣٦٨/٤. الطفل، ولذا جعله الله عز وجل من أعظم حقوق الأبناء على الآباء، وهو حق واجب في ذمة الأبوين معًا، وتقوم به الأم بالدرجة الأولى. قال تعالى: ﴿وَالْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. قال الزحيلي: ((على جميع الوالدات مطلقات أو غير مطلقات أن يرضعن أولادهن مدة سنتين كاملتين دون زيادة عليهما، إذا أريد إتمام المدة، ولا مانع من نقص ذلك إذا رئیت المصلحة فيه، والأمر متروك للاجتهاد والتقدير))(٣). ومما يؤكد على وجوب تربية الأبناء قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَتِكَةُّ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٦]. والمعنى: ((احفظوا أهليكم منها بأن تأمروهن بالمعروف وتنهوهن عن المنكر، وتعلموهن الخير وأوامر الشرع وتؤدبوهن بأدب القرآن، والأهل: هم الزوجة والأولاد والخدم ومن هم في حوزتك ومعيشتك)» (٤). وقال تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِوَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. قال القرطبي: ((أمره تعالى بأن يأمر أهله (٣) التفسير المنير ٣٥٩/٢. (٤) التفسير الواضح، محمد حجازي ٣/ ٧٠٥. www. modoee.com ٢٦٩ حرف الألف بالصلاة ويمتثلها معهم، ويصطبر عليها الحسن لمولودهما. ويلازمها: وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل في عمومه جمیع أمته، وأهل بيته على التخصيص))(١). ٣. النفقة والواجبات المالية. النفقة واجبة على الأب لأبنائه ذكورًا كانوا أو إناثًا ما داموا في كفالته، وذلك حتى لا يتركهم يتعرضون للضياع والانحراف، وذلك بتوفير كل ما يحتاجون إليه عادةً من غذاء وكساء ودواء ومأوى. قال تعالى: ﴿لِتُفِقْ ذُوسَعَةٍ مِنِ سَعَيْهِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنَفِقَ مِمَّآ ءَائَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ٧]. قال القرطبي: ((أي: لينفق الزوج على زوجته وعلى ولده الصغير على قدر وسعه حتى يوسع عليهما إذا كان موسعا عليه. ومن كان فقيرًا فعلى قدر ذلك، فتقدر النفقة بحسب الحالة من المنفق والحاجة من المنفق عليه بالاجتهاد على مجرى حياة العادة)» (٢). كما أكد ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول)(٣). ٤. اختيار الاسم الحسن للمولود. يجب على الوالدين اختيار الاسم (١) الجامع لأحكام القرآن ٢٦٣/١١. (٢) المصدر السابق ١٧١/١٨. (٣) أخرجه النسائي في الكبرى، كتاب عشرة النساء، باب إثم من ضيع عياله، ٢٦٨/٨، رقم ٩١٣١، والحاكم في المستدرك، كتاب الفتن والملاحم، رقم ٨٥٢٦، ٥٤٥/٤. قال تعالى: ﴿لَمْ تَجْعَل لَهُ, مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧]. وفي هذه الآية دليل وشاهد على أن الأسماء الجميلة جديرة بالأثرة، وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية؛ لكونها أنبه وأنزه عن النبز (٤). ٥. العدل بين الأولاد. تفضيل بعض الأبناء على بعض يؤدي إلى إثارة الحقد والحسد والبغض؛ مما يضر بالترابط الأسري، الذي صانه الإسلام، وحافظ عليه بكل السبل. وقد أمر الله سبحانه بالعدل في كل الأمور ومن باب أولى العدل بين الأبناء. قال تعالى: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلنَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. أي: كلما حرصتم على العدل واجتهدتم في العمل به، كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم، فإن تم العدل كملت التقوى (٥). ثانيًا: واجبات الأبناء: سبق وأن ذكرنا حقوق الآباء على الأبناء عند الحدیث عن حقوق الوالدين، من حيث طاعتهما وبرهما والإحسان إليهما، وتجنب عقوقهما، وغير ذلك من الواجبات. (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/ ٠٨٣ (٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٢٤. ٢٧٠ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الأسرة مشكلات الأسرة وعلاجها إن الأسرة التي تسير في حياتها وسلوكها وفق منهج الله سبحانه هي أسرة سعيدة مهما قلت ذات يدها، وهي أبعد ما تكون عن الخلاف بين الزوجين، ولكن الالتزام المطلق بكل هذا المنهج، ربما لا يتيسر في بعض الأسر أو لدى بعض الأشخاص في بعض الظروف والأحوال، فإذا نشأ الخلاف بينهما فإن الإسلام وضع منهجًا محددًا واضحًا، إذا ما طبقه الزوجان على هذا الخلاف تلاشی-بإذن الله- وزال أثره، وعادت الحياة الزوجية بينهما إلى سابق عهدها من الوفاق والألفة: أولًا: مشكلات الوالدين: من أهم المشكلات التي تقع بين الزوجين، أن يختار الزوج المسلم شريكة حیاته من لیس على دينه وملته، فیکون ذلك وبالًا على الأولاد الذين يتربون في أحضان أم لا تعرف شرع الله سبحانه، فيقع الأب في مشكلات قد تودي بالأسرة إلى الدمار والهلاك، لذلك رغب الإسلام في نكاح المؤمنة التي تحفظ على زوجها دينه وأبناءه. قال تعالى: ﴿وَالْخُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُخْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانِ﴾ أجاز الشرع زواج المسلم بالكتابية، ولم يجز زواج المسلمة بالكتابي؛ الأمر واضح وهو أن الكتابية لها أن تبقى على دينها بزواجها بمسلم ولا تتضرر فيما تدين به، ولأن المسلم يؤمن بدينه المتضمن الإقرار بأصول الأديان الأخرى، ومنها الدين اليهودي والدين النصراني في أصوله الأولى التي تتفق مع الإسلام في الدعوة إلى التوحيد والفضائل الإنسانية، فهي مع المسلم في دائرة متسعة تسع دینها وغيره، وربما إذا لمست روح التسامح وحسن المعاملة من زوجها عاشت سعيدة هانئة معه دون تضرر، وبما أن للرجل عادة سلطة القوامة على المرأة، وهي أقوى من سلطة المرأة، فلو تزوج الكتابي المسلمة أمكن التأثير عليها، فربما ترکت دينها، وتضررت غالبًا بمعاشرة زوجها؛ لعدم توافر الانسجام والوئام الروحي والحسي، والكتابي لا يؤمن بالإسلام، فتكون معه في دائرة ضيقة الأفق، وهي متسعة الاعتقاد، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فعزة المسلمة تأبى عليها أن تكون زوجة لكتابي، هذا ما عليه جمهور العلماء، مع القول بأن زواج المسلم بالكتابیة مکروه(١). وذكر الزحيلي في ختام حديثه عن نکاح الکتابیات کلامًا جميلًا، يؤكد الواقع (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٩٣/٢. [المائدة: ٥]. www. modoee.com ٢٧١ حرف الألف الذي نعيش فيه ويعمل على معالجة ما كظهر أمي (٢). يقبل الشباب المسلم على الافتتان به، وأخيرًا يمكن القول: إن إباحة زواج المسلم بالكتابية هو في الواقع حالة استثنائية، وليست أصلًا، ولذا فإنا نشجب إقبال الشبان على الزواج بالأجنبيات؛ افتتانًا بالجمال الأشقر، واستسهالًا للزواج، لكونه بغير مهر يذكر؛ لأن تلك الزوجات تفسد على الرجل غالبًا دينه ووطنیته، وتعزله عن انتمائه لبلاده وقومه، وتربي الأولاد على هواها ودينها، فضلًا عن نظرة الاستعلاء والفوقية عندها، واحتقار العرب والمسلمين، وقد تقتل الزوج، وقد تأخذ الأولاد إلى بلادها وتترك الزوج، وقليل جدا منهن من أسلم، فلا مطمع فیھن. وأما زواج المسلمة بغير المسلم فهو أشد وأنکی؛ إذ الزواج باطل حرام بإجماع المسلمين، والأولاد أولاد زنا، والعلاقة القائمة بينها وبين الرجل لا تجيز الاستمتاع وإن طال الأمد؛ لبطلانها أصلا، فإن استحلت المرأة ذلك فهي مرتدة كافرة(١). ثانيًا: مشكلات الزوجين: أولًا: الظهار: الظهار: قول الرجل لامرأته: أنتِ علي (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٩٦/٢. والظهار من المشكلات التي قد تقع بين الزوجين، وقد أوجد القرآن الكريم الحلول لهذه المشكلة. قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنْ نِسَابِهِمْ ثُّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاْسَا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَيرٌ )) فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَايِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاشَا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِينَاً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللهُ وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٣-٤]. وهذا هو المجمع عليه عند العلماء في الظهار قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فإذا قال لها ذلك فليست تحل له حتى يكفر كفارة الظهار التي أوجبها الله على المظاهر بعتق رقبة، فإذا لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، يعطي كل مسكين مدًا من غالب قوت أهل البلد، وهذه الكفارة لها وقعها في نفوس المحتاجين (٣). وبهذا يعالج القرآن مشكلة اجتماعية طالما أفسدت على الأسر حياتهم. ثانيًا: الإيلاء: الإيلاء: حلف على ترك قربان المرأة (٢) انظر: أنيس الفقهاء، قاسم القونوي ١/ ٥٧. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨٠/١٧. ٢٧٢ موسوبر النفسية العضوي القرآن الكريم الأسرة مدته(١). وقد تحدث القرآن عن الإيلاء، فقال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآبِهِمْ تَرَبُّهُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرِّ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]. يقول سيد قطب في سياق تفسير الآية: «إن هناك حالات نفسية واقعة، تلم بنفوس بعض الأزواج، بسبب من الأسباب في أثناء الحياة الزوجية وملابساتها الواقعية الكثيرة، تدفعهم إلى الإيلاء بعدم المباشرة، وفي هذا الهجران ما فيه من إيذاء لنفس الزوجة ومن إضرار بها نفسيًا وعصبيًا ومن إهدار لكرامتها كأنثى، ومن تعطيل للحياة الزوجية ومن جفوة تمزق أوصال العشرة، وتحطم بنيان الأسرة حین تطول عن أمد معقول. ولم يعمد الإسلام إلى تحريم هذا الإيلاء منذ البداية؛ لأنه قد يكون علاجًا نافعًا في بعض الحالات للزوجة الشامسة المستكبرة المختالة بفتنتها وقدرتها على إغراء الرجل وإذلاله أو إعناته، كما قد يكون فرصة للتنفيس عن عارض سأم، أو ثورة غضب، تعود بعده الحياة أنشط وأقوى .. ولكنه لم يترك الرجل مطلق الإرادة كذلك؛ لأنه قد يكون باغيًا في بعض الحالات يريد إعنات المرأة وإذلالها أو يريد إيذاءها لتبقى معلقة، (١) انظر: أنيس الفقهاء، قاسم القونوي ١/ ٥٦. لا تستمتع بحياة زوجية معه، ولا تنطلق من عقالها هذا لتجد حياة زوجية أخرى. فتوفيقًا بين الاحتمالات المتعددة، ومواجهة للملابسات الواقعية فى الحياة، جعل هنالك حداً أقصى للإيلاء لا يتجاوز أربعة أشهر، وهذا التحديد قد يكون منظورًا فیه إلی أقصی مدی الاحتمال؛ کي لا تفسد نفس المرأة، فتتطلع تحت ضغط حاجتها الفطرية إلى غير رجلها الهاجر، وعلى أية حال فإن الطبائع تختلف في مثل هذه الأمور، ولكن أربعة أشهر مدة كافية ليختبر الرجل نفسه ومشاعره. فإما أن يفيء ويعود إلى استئناف حياة زوجية صحيحة، ويرجع إلى زوجه وعشه، وإما أن يظل في نفرته وعدم قابليته، وفي هذه الحالة ينبغي أن تفك هذه العقدة، وأن ترد إلى الزوجة حريتها بالطلاق»(٢). يتبين مما سبق أن الله سبحانه رحيم بأمته، حيث أوجد الحلول لكل مشكلة تحاول أن تعصف بالأسرة، ومشكلة الإيلاء من المشكلات التي عالجها القرآن الكريم، وأوجد الحلول لها حتى يعيش المجتمع في استقرار وأمان. ثالثًا: الطلاق: الطلاق: إزالة عقد النكاح (٣). (٢) في ظلال القرآن ٢٤٥/١. (٣) انظر: معجم لغة الفقهاء، موقع بعسوب www. modoee.com ٢٧٣ حرف الألف ومطلقة غير مفروض لها، ولا مدخول بها، وقد عرض القرآن الكريم في بعض سوره للحديث عن هذه المشكلة التي قد وهي المذكورة هنا، فلا مهر لها، بل المتعة، وبين في سورة الأحزاب أن غير المدخول بها إذا طلقت فلا عدة عليها، ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةِ تَعْنَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. تواجه كثيرًا من الأسر، بل سمى سورة من سور القرآن باسم سورة الطلاق، وحذر منه، وأوجد العلاج الناجع للتعامل مع كل حالة من حالاته، حتى تبقى الأسرة المسلمة في أمن وأمان، ويأخذ کل صاحب حق حقه، وبالتالي يعيش المجتمع المسلم سليمًا بعيدًا عن الفوضى والاضطراب، وقد بين المفسرون أحكام الطلاق عند حديثهم عن الآيات التي تتناول ذلك، ومن هؤلاء الشوكاني الذي يقول عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى رابعًا: النشوز: الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِ قَدَرُهُ مَتَأْ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ إِلَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوْلَّذِى بِبَدِهِ، عُقْدَةُ التِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٦ -٢٣٧]. ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها وهي المذكورة بقوله سبحانه هنا: وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَمَا أَسْتَمْتَعْثُم بِهِ مِنْهُنَّ فَنَاتُهُنَّ أُجُورَهُنَ﴾ [النساء: ٢٤]»(١). النشوز: ترك المرأة بيت الزوجية من غير مبرر مشروع (٢). سبق وأن تم الحديث عن نشوز المرأة، وعلاج هذا النشوز، كما بينه قوله تعالى: ﴿وَِّ تَّخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِ الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِ بُوهُنٍّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ (واعلم أن المطلقات أربع: مطلقة مدخول بها مفروض لها، وهي التي تقدم ذكرها قبل هذه الآية: ﴿الطَّلَقُ مَنَّقَانٍّ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة: كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]. ٢٢٩]. وفيها نهى الأزواج عن أن يأخذوا مما آتوهن شيئًا، وأن عدتهن ثلاثة قروء، (١) فتح القدير ٣٣٩/١. (٢) انظر: أنيس الفقهاء، قاسم القونوي ١/ ٤٨٠. ٢٧٤ القرآن الكريم أما من ناحية نشوز الرجل فقد عالج القرآن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ ٢٩١/١.