النص المفهرس
صفحات 21-30
أسماء الله الحسنى ◌ِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيَةٍ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. قال السعدي في هذه الآية: ((فهو الغني عن جميع المخلوقين، وهو الغني عن نفقات المنفقين، وعن طاعة الطائعين. وإنما أمرهم بها وحثهم عليها، لنفعهم، محض فضله علیهم، ومع كمال غناه، وسعة عطاياه، فهو الحميد فيما يشرعه لعباده من الأحکام الموصلة لهم إلى دار السلام»(١). وقال ابن القيم رحمه الله : ((فإن الغنى صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغنى مع الحمد کمال آخر، فله ثناء من غناه، و ثناء من حمده، وثناء من اجتماعهما)) (٢). الخلاصة: الآيات التي اقترن فيها هذان الاسمان نجد أن اقترانهما ورد في ختام الآيات التي فيها إخبار عن إعراض المعرض؛ إما عن الإيمان بالكلية أو عن طاعة من الطاعات. كما جاء أيضًا في ختام الآيات التي تشير إلى عظمة ملك الله سبحانه وتعالى. (١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٣٠. (٢) بدائع الفوائد، ١/ ١٦١. أحكام تتعلق بأسماء الله الحسنى هذا الجزء من البحث يوضح أهم الأحكام المتعلقة بأسماء الله عز وجل، کوقفیتها، والدعاء بها، والإلحاد فيها. أولًا: أسماء الله الحسنى توقيفية: وبيان ذلك في النقاط الآتية: ١. معنى الوقف في أسماء الله تعالی. معنى الوقف في أسماء الله سبحانه وجوب الوقوف على ما جاء نصًا في الكتاب والسنة دون زيادة أو نقصان، والاقتصار في هذا الباب على ذلك، فلا يجوز أن نسمي الله عز وجل باسم من عندنا؛ لأن فتح هذا الباب يوقع الإنسان في الخطأ، وقد ناظر أبو الحسن الأشعري رحمه الله شيخه حین أجاز أن یطلق علی الله اسم (العاقل) فقال له شيخه: وأنت تطلق عليه (الحكيم) والحكيم يطلق على المخلوق، فأجابه أبو الحسن بقوله: المسألة عندي ليست بالقياس، أنا أطلقت حكيمًا؛ لأن الشرع أطلقه، ومنعت عاقلًا؛ لأن الشرع منعه(٣). (٣) انظر: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، ابن عثيمين ص ١٣. www. modoee.com ٣٠٥ حرف الألف ٢. الأدلة على أن أسماء الله توقيفية. في الكتاب أو السنة الصحيحة))(٣)، فمعنى الآية: ((ذروا من لا يتوقفون على ذلك عند حدود النص الوارد في كتاب الله عز وجل (٤) أو سنة رسوله صلی الله عليه وسلم)» قال السفاريني(١): لنا بذا أدلة وفية لكنها فى الحق توقيفية قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَأَدْعُوهُ [الأعراف: ١٨٠]. ◌ِهَا هذه الآية دلت على أن أسماء الله توقيفية من وجھین: الأول: أن الله سبحانه قال فيها: ﴿وَللَّهِ آلْأَسْمَاءُ ﴾، فالأسماء هنا جاءت مقترنة بأل، وهي هنا للعهد، فالأسماء بذلك لا تكون إلا معهودة. الوجه الثاني: قوله: ﴿لَلَُّسْنَى﴾ يعني: وصف الله عز وجل لأسمائه بالحسنى؛ لأن هذا الوصف يدل على أنه ليس في الأسماء الأخرى أحسن منها، وأن غيرها لا يقوم مقامها ولا یؤدي معناها، ودليل آخر من هذه الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُّلْحِدُونَ فِي أَسْمَّبِهِ، سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. قال الإمام البغوي: ((قال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله تعالى: تسميته بما لا یسمی به، ولم ینطق به کتاب الله، ولا سنة رسوله صلی الله عليه وسلم)»(٢). وقال ابن حجر: ((أهل التفسير: ذكروا أن من الإلحاد في أسمائه تسمیته بما لم يرد (١) لوامع الأنوار البهية ١/ ١٢٤. (٢) معالم التنزيل ٣٠٦/٣. شد العضوي القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم من أعرف الناس بالله عز وجل وأعلم الناس به، وقد بین لأمته كل ما تحتاج إليه، فعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أصاب عبدٌ قط همٍّ ولا غمِّ ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدلٌّ في قضاؤك؛ أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحد من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)(٥). الشاهد في هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك). هذا المقطع من الحدیث شاهد ودليل على أن أسماء الله عز وجل توقيفية. ٣. أسباب وقفية الأسماء الحسنى. أنها من أمور الغيب التي لا يعلمها الخلق (٣) فتح الباري، ١١ / ٢٢١. (٤) انظر: الدر المصون، الحلبي ٥٢٢/٥. (٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند، رقم ٣٧١٢، ٢٤٦/٦. وصححه الألباني في التعليقات الحسان ٢٩٧/٢. ٣٠٦ أسماء الله الحسنى إلا أن يعلمهم الله إياها من خلال الوحي إلى الأنبياء والرسل. قال تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيّهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ، وَصَدًا (١) [ الجن: ٢٦ - ٢٧ ]. أن عقل الإنسان قاصرٌ لا یمکنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء. قال تعالى: ﴿وَلا مُحِيطُونَپهِ،عِلمًا﴾ [طه: ١١٠ ]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا أحصي ثناء عليك)(١)، لذلك يجب الوقوف في معرفة أسماء الله على الشرع. قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ" إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أَوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٦]. أن القول على الله بغير علم من أشد المحرمات، فتسمية الله تعالى بما لم يسم به نفسه، أو إنکار ما سمى به نفسه جنایة في حقه تعالى وتوعد الله من فعل ذلك بالعذاب الشديد في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِىَ الْفَوَِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِلَّ بِهِ، سُلْعَنَّا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: ٣٣]. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، ٣٥٢/١، رقم ٤٨٦. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن ◌ُجَدِلُ فِ اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَنِ مَّرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ، وَيَدِيهِ إِلَى حَذَابٍ السَّعِيرِ ﴾﴾ [الحج: ٣-٤]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار)(٢). هذا عقاب الكاذب على النبي صلى الله علیه وسلم، فکیف بمن یکذب على الله عز وجل. ثانيًا: الدعاء بأسماء الله الحسنى: دعاء الله تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ثلاثة أنوع: الأول: دعاء الإيمان والعبادة: كما في قوله تعالى عن نبيه إبراهيم عليه السلام: ﴿وَأَعْتَزِّلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِّى عَسَى أَلَّ أَكُونَ بِدُعَِّ رَبِى شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨]. قال ابن كثير رحمه الله: ((أي: أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله: ﴿وَأَدْعُواْ رَبٍِ﴾ أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له))(٣). وكما في قوله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِّ وَلَا أُشْرِكُ بِهَ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٠]. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، ١/ ٣٣، رقم ١٠٨. (٣) تفسير القرآن العظيم، ١١٩/٣. www. modoee.com ٣٠٧ حرف الألف قال ابن كثير رحمه الله: ((أي: إنما لكم رجاءً (٤). أعبد ربي وحده لا شريك له، وأستجير به، وأتوكل عليه ولا أشرك به أحدًا))(١). الثاني: دعاء الحمد والثناء: أفضل ما يقوله أهل الجنة -وهم في أعظم نعمة، وأكمل رحمة، وقد امتلأت قلوبهم بحب ربهم - هو: ﴿اَلْحَمْدُ لِلّهِ﴾ قال تعالى: ﴿دَعْوَنُهُمْ فِيهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ وَغَمِيَّئُهُمْ فِيهَا سَلَمْ وَءَاخِرُ دَعْوَنُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. دعاؤهم هنا أن يقولوا: ﴿سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ ﴾ أي: تنزيها لك وتقديسًا يا الله، فإذا ما طلبوه وجدوه عندهم، فهم يدعون الله ويطلبونه باسمه المعروف(٢). قال الإمام القرطبي: ((ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن التھلیل، والتسبيح، والحمد یسمی دعاء»(٣). الثالث: دعاء المسألة والطلب: قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠ ]. هذا أمر من الله عز وجل لعباده المؤمنين أن یکثروا من التضرع إليه بالدعاء، والمعنى: تضرعوا إلي أيها المؤمنون بالدعاء، وتقربوا إلي بالطاعات، أستجب لكم، ولا أخيب (١) المصدر السابق. (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١١٣/١١،. (٣) الجامع لأحكام القرآن، ٣١٣/٨. هذه الآية عامة في قضية الدعاء بأسماء الله عز وجل، وهناك آيات يكون فيها الدعاء بأسماء معينه من أسماء الله عز وجل منها: دعاء سليمان عليه السلام ربه باسم الوهاب. قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِی وَهَبِّلِى مُلَكًا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىِّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ ص: ٣٥ ]. ومن دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُعْ قُلُوبْنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ اُلْوَهَّابُ ﴾ [ آل عمران: ٨]. الإلحاد في أسماء الله: قال تعالى: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيّ أَسْمَيْهِ، سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. قال الإمام الطبري: ((واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ فقال بعضهم: یکذبون، وقال آخرون: یشرکون، وكان إلحادهم في أسماء الله، أنهم عدلوا بها عما هي عليه، فسموا بها آلهتهم وأوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، فسموا بعضها (اللات) اشتقاقًا منهم لها من اسم الله الذي هو (الله)، وسموا بعضها (العزى) اشتقاقًا لها من اسم الله الذي هو (العزیز)»(٥). (٤) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٠٤/١٢. (٥) جامع البيان ٢٨٢/١٣. ٣٠٨ جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة لِلْقُرآن الكَرِيْمِ أسماء الله الحسنى قال ابن السكيت: ((الملحد هو: المائل عن الحق، المدخل فيه ما ليس منه. والإلحاد في اللغة: هو الزيغ والميل والذهاب عن سنن الصواب، ومنه يمسي الملحد ملحدًا؛ لأنه مال عن طريق الحق))(١). قال ابن القيم رحمه الله(٢): أسماؤه أوصاف مدح کلها إياك والإلحاد فيها إنه كفر معاذ الله من كفران وحقيقة الإلحاد فيها الميل بالإشراك والتعطيل والكفران (١) غرائب القرآن، النيسابوري ٣٥٢/٣. (٢) الكافية الشافية ص ٢١٦. صور الإلحاد في أسماء الله هناك عدة صور للإلحاد في أسماء الله عز وجل، منها: ١. أن تسمي الأصنام بها. فسمى المشركون الأحجار، والأشجار، والأوثان، التي كانوا يعبدونها (آلهة)، مشتقة قد حملت لمعان وسموا اللات من (الإله)، والعزى من (العزيز)، ومناة من (المنان)، فهذا إلحاد؛ لأنهم عدلوا ومالوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة. ٢. وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص. كقول اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة: ((إنه فقير))، وقولهم: ((إنه استراح بعد أن خلق الخلق))، وقولهم: ((يد الله مغلولة)). قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِهِمْ وَلُعِنُواْبِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ [المائدة: ٦٤]. ٣. تسمية الله عز وجل بما لم يسمِ به نفسه. كأن يطلق بعض الناس على الله اسم (الموجود)، أو (المقصود)، أو (المهدي)، وكذلك اسم (العال)، ولكن الذي ورد (العلي، والأعلى، والمتعال)، كذلك www. modoee.com ٣٠٩ حرف الألف (الونيس)، و(المتجلي)، أو كما يدعي الجهلاء من عباد القبور أن من أسمائه كلمة (هو)، و(هو) معلوم أنه ضمير قد يضاف إلى أي غائب، وهو ليس من أسماء الله تبارك وتعالى. إنكار شيء من الأسماء، أو مما دلت عليه من الصفات، ومثاله: من ينكر أن اسم (الرحمن) من أسماء الله تعالى كما فعل أهل الجاهلية، أو يثبت الأسماء، ولکن ینکر ما تضمنته من الصفات، كما يقول بعض المبتدعة: إن الله تعالى رحيم بلا رحمة، وسمیع بلا سمع(١). (١) انظر: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه، ابن عثيمين ص ٢٦. ثمرات الإيمان بأسماء الله الحسنى إن للتعبد بالأسماء والصفات فضائل وثمرات كثيرة على قلب العبد وعمله. قال العزبن عبد السلام: ((اعلم أن معرفة الذات والصفات مثمرة لجميع الخيرات العاجلة والآجلة، ومعرفة كل صفة من الصفات تثمر حالًا علية، وأقوالًا سنية، وأفعالًا رضية، ومراتب دنيوية، ودرجاتٍ أخروية، فمثل معرفة الذات والصفات كشجرة طيبة أصلها-وهو معرفة الذات- ثابت بالحجة والبرهان، وفرعها-وهو معرفة الصفات- في السماء مجدًا وشرفًا ﴿تُؤْقِ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَيِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥]. وهو خالقها؛ إذ لا يحصل شيء من ثمارها إلا بإذنه وتوفيقه، منبت هذه الشجرة القلب الذي إن صلح بالمعرفة والأحوال صلح الجسد كله»(٢). وفيما يلي بعض الفضائل والثمرات الإيمان بأسماء الله تعالى: ١. الخشية من الله تعالى. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُا﴾ [فاطر: ٢٨]. يقول البحر ابن عباس رضي الله عنه (٢) شجرة المعارف والأحوال، ص ١٤ -١٥. ٣١٠ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ أسماء الله الحسنى في معنى الآية: ((إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني))(١)، وقال والصفات أن يعتمد القلب على الله، ويخلص في تفويض أمره إليه، وذلك حقيقة التوكل على الله. الطبري: «إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته - العلماء بقدرته على ما يشاء من شيء، وأنه يفعل ما يريد))(٢). وقال ابن كثير: ((إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم، القدير، العليم، الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى -كلما كانت المعرفة به أتم، والعلم به أكمل، وكانت الخشية له أعظم وأكثر))(٣). ٢. التوكل عليه سبحانه. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَ كَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اَللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩]. أي: ومن يكل أمره إلى الله، ويثق به ينصره سبحانه على أعدائه، فإنه عز وجل عزیز لا يغلبه شيء، حکیم فیما یدبر من أمر خلقه (٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: ٣]. أي: ومن يفوض أمره إلى الله تعالى ويتوكل عليه وحده، فهو سبحانه كافيه في جميع أموره(٥). (١) زاد المسير، ٥١٠/٣ . (٢) جامع البيان ٢٢/ ٨٧. (٣) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٥٤٣. (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٢٣. (٥) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٦٣/٢٨. إن من أجل ما يثمره التعبد بالأسماء والتوكل من أعظم العبادات تعلقًا بالأسماء والصفات، ذلك أن مبناه على أصلین عظيمين: الأول: علم القلب، وهو يقينه بعلم الله و کفایته، وكمال قيامه بشأن خلقه، فهو القيوم سبحانه الذي كفى عباده شئونهم، فبه يقومون وله يصمدون. والثاني: عمل القلب، وهو سكونه إلى العظيم الفعال لما يريد، وطمأنينته إليه، وتفويض أمره إليه، ورضاه وتسليمه بتصرفه وفعله؛ إذ كل شيء يمضي ويكون فبحكمه وحكمته وقدرته وعلمه، لا ينفذ شيء في الأرض ولا في السماء عن قدرته، فله الحكم كله، وإليه يرجع الأمر كله (٦). ٣. الإخلاص له تعالى. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ حُنَفَآءَ ﴾ [البينة: ٥]. إن إدراك معاني الأسماء يحمل العبد على إفراد الله بالقصد، والابتعاد عن صرف شيء من العبادة لغيره تعالى، ولذا كان من أعظم ما يخلص العبد من دنس الرياء ملاحظة أسماء الله وصفاته، فمن لاحظ من (٦) انظر: طريق الهجرتين، ابن القيم ص ٤٢٦. www. modoee.com ٣١١ حرف الألف أسماء الله الغني دفعه ذلك إلى الإخلاص، لغنى الله تعالى عن عمله وفقره هو إلى الله عز وجل، قال الله تبارك وتعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تر كته وشر كه)(١). ومن تأمل اسم الله العليم، فإنه يعلم أن ما أخفاه عن أعين الناس من ملاحظة الخلق لا يخفى على الله لعلمه التام بكل شيء، ومن تأمل اسم الله (الحفيظ) حمله ذلك على ترك الرياء؛ لأن كل ما يفعله العبد محفوظ عليه سيوافى به يوم القيامة. ٤. محبته عز وجل . عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ﴿قُلُ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ ا اللَّهُ الْضَمَدُ ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ. كُفُواْ أَحَدُّ ﴾ [الإخلاص: ١-٤]. فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟) فسألوه، فقال: «لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها))، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخبروه أن الله يحبه)(٢). (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، رقم ٢٩٨٥، ٤ /٢٢٨٩. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه فمن تأمل أسماء الله وصفاته وتعلق قلبه بها طرحه ذلك على باب المحبة، وفتح له من المعارف والعلوم أمورًا لا يعبر عنها (٣)، وإن من عرف الله أورثه ذلك المحبة له سبحانه وتعالى. قال ابن الجوزي: («فينبغي الاجتهاد في طلب المعرفة بالأدلة، ثم العمل بمقتضى المعرفة بالجد في الخدمة، لعل ذلك يورث المحبة، ذلك الغنى الأكبر)» (٤). ومراده أن من عرف الله أحبه، ومن أحب الله أحبه الله، وذلك والله هو الفوز العظيم والجنة والنعيم، والمحبة هي المنزلة التي «فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبوب، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال، والتي متى خلت منها فهي کالجسد الذي لا روح فيه»(٥). وسلم، رقم ١١٥/٩،٧٣٧٥. (٣) انظر: مفتاح دار السعادة، ابن القيم ٢٨٦/١. (٤) صيد الخاطر، ١/ ١١٠. (٥) مدارج السالكين، ابن القيم ٨/٣. صَوَسُو ◌َةُ النَّفِّ القرآن الكريم ٣١٢ أسماء الله الحسنى دعاء الله بأسمائه الحسنى أعظم أسباب تفريج الكروب وزوال الهموم: عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما أصاب أحدًا قط همّ ولا حزنٌ، فقال: ((اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدلٌ في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي)) إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدل مكانه فرحًا)، فقيل: يا رسول الله، أفلا نتعلمها؟ فقال: (بلی ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها)(١). کان النبي صلی الله عليه وسلم يدعو عند الکرب یقول: (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم)(٢). من عرف الأسماء الحسنى كما ينبغي فقد عرف حقيقة الأشياء: (١) أخرجه أحمد في المسند، رقم ٣٧١٢، ٦/ ٢٤٦. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ١/ ٣٣٧. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الكرب، رقم ٨،٦٣٤٥/ ٠٧٥ إن أسماء الله الحسنى كلها حسن وبركة، ومن حسنها أنها تعرفك بكل شيء على حقيقته من غير إفراطٍ ولا تفريط، فمن عرف أن الله عز وجل هو الخالق، عرف أن كل ما دونه مخلوق. قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقٌ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَجِدُ اُلْقَهَّرُ﴾ [الرعد: ١٦]. ومن عرف أن الله عز وجل هو الرزاق علم أن کل ما دونه مرزوق. قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآَبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. و کذلك یعلم أنه لا يملك الرزق سواه. قال تعالى: ﴿وَمَن يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِّ ◌َِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ومن عرف أن الله تبارك وتعالى هو وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الملك، عرف أن كل ما دونه مملوك. قال تعالى: ﴿وَإِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَأْ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٧]. فمن عرف الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، علم أنه بالكمال موصوف، وبالإحسان والجمال والجلال معروف، وعرف أيضًا نفسه بكل نقص وعيب، إلا أن يرزقه الله عز وجل كمال الإيمان وصالح الأعمال فيورث له ذلك عبوديةً صادقةً بالانكسار بين يدي الجبار تبارك وتعالى، فيذل لعزته ويخضع لقوته. www. modoee.com ٣١٣ حرف الألف ٥. التلذذ بالعبادات. إن من أعظم ما يحصل به لذة العبادة هو تأمل الأسماء والصفات وتعبد الله بها، ومراعاتها في كل عبادة يأتي بها العبد أو يتركها. فإذا تصدق العبد بالقليل مستشعرًا أن الله شكور لا يضيع عمله، بل يبارك له فيه -ولو كان قليلاً - كان ذلك مدخلًا على قلبه الفرح والسرور بربه، ووجد في قلبه حلاوةً عظيمةً لعمله. ومن صلى لله تعالى متذكرًا حينما قام لله صافًا قدميه، تذكر قیومیة الله تعالى، وأن الله قائم بذاته وعباده لا يقومون إلا به- سبحانه وتعالى-، ثم إذا كبر ورفع يديه استشعر أن الله أكبر من كل شيء، وشاهد کبریاء الله وعظمته وجلاله، ثم إذا قرأ دعاء الاستفتاح استشعر ما فيه من تنزيه الرب عن كل نقص، وإذا استعاذ وبسمل التجأ بقلبه إلى الركن الركين، وتبرأ من كل حول، واعتصم بالله من عدوه واستعان به لا بغيره، ثم إذا قرأ الفاتحة استشعر ما فيها من استحقاق الله لكل المحامد وألوهيته وربوبيته ورحمته بخلقه وملكه لكل شيء، واستحضر أنه يناجي ربه، وأن ربه يجيبه على مناجاته كما في الصحيح: قال الله تعالى: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ((الحمد لله رب العالمين)). قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ((الرحمن الرحيم)). قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ((مالك يوم الدين)). قال: مجدني عبدي، فإذا قال: ((إياك نعبد وإياك نستعين)). قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ((اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)). قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل)(١). وكل عبادة يقدم عليها العبد مستشعرًا هذه المعاني، وقد امتلأ قلبه بالحب للخالق العظيم، فإنه ولا بد يحصل لذتها والأنس بها، وفي الحديث: (ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)(٢). موضوعات ذات صلة: الألوهية، التوحيد، صفات الله (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة، رقم ٣٩٥، ٢٩٦/١. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان خصال الإيمان، رقم ٤٣، ٦٦/١. ٣١٤ صَوَهُو القرآن الكريم