النص المفهرس

صفحات 21-32

الإسراف
المؤمنون والإسراف
أثنى الله تعالى في كتابه على المؤمنين
بتوسطهم في الإنفاق، وسوف نتناول ذلك
في النقاط الآتية:
أولًا: التوسط في الإنفاق:
ذكر لنا سبحانه وتعالى صفات المؤمنين
الذين هم عباد الرحمن، وجعل من صفاتهم
الحميدة التي يتصفون بها هي: عدم
الإسراف في الإنفاق، وعدم الإقتار فيه.
قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْلَمْ يُسْرِقُواْ
وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾
[الفرقان: ٦٧].
وفي قراءة نافعٍ وابن عامٍ: (ولم يُقْتِرُوا)
بضم الياء المثناة التحتية وكسر التاء، مضارع
أقتر الرباعي، وقرأه ابن کثیرٍ وأبو عمرٍو:
(ولم يَقْتُرُوا) بفتح المثناة التحتية، وكسر
المثناة الفوقية، مضارع قتر الثلاثي كضرب،
وقرأه عاصمٌ وحمزة، والكسائي: ﴿وَلَمْ
يَقْتُرُوا﴾ بفتح المثناة التحتية، وضم المثناة
الفوقية، مضارع قتر الثلاثي كنصر، والإقتار
على قراءة نافعٍ وابن عامٍ، والقتر على قراءة
الباقين معناهما واحدٌ، وهو التضييق المخل
بسد الخلة اللازم(١).
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٧ /٤٤،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧٢/١٩،
وأضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ٧٥.
هذا وقد اختلف المفسرون في تأويل
هذه الآية. فقال النحاس: ((ومن أحسن ما
قيل في معناه: أن من أنفق في غير طاعة الله
فهو الإسراف، ومن أمسك عن طاعة الله عز
وجل فهو الإقتار، ومن أنفق في طاعة الله
تعالى فهو القوام)»، وقال ابن عباسٍ: ((من
أنفق مائة ألفپٍ في حقٍ فلیس بسرفٍ، ومن
أنفق درهمًا في غیر حقه فهو سرفٌ، ومن
منع من حقٍ عليه فقد قتر)). وقاله مجاهدٌ
وابن زيدٍ وغيرهما. وقال عون بن عبد الله:
((الإسراف أن تنفق مال غيرك))(٢).
ولكن هذه التأويلات ونحوها غير مرتبطٍ
بالآية؛ وخلط الطاعة والمعصية بالإسراف
والتقتير فيه نظر؛ ولأن الإسراف هو مجاوزة
كل أمر سواء أكان محمودًا أو مذمومًا؛ ولأن
النفقة في معصية أمرٍ قد حظرت الشريعة
قليله وكثيره، وكذلك التعدي على مال الغير،
وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك،
ولكن أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة
أن الله يمدح عباده الصالحين بتوسطهم
في الإنفاق، فلا يجاوزن الحد بالإسراف
في الإنفاق ولا يقترون، أي: ولا يضيقون
فيخلون بإنفاق القدر اللازم، والإسراف
وضده الإقتار مذمومان، والاستواء هو
التوسط؛ ولذلك قيل: دين الله بين القصور
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٧٢/١٣-٧٣.
www. modoee.com
٢٤٣

حرف الألف
والغلو.
قال ابن عطية: ((والوجه أن يقال: إن
النفقة في معصية أمرٍ قد حظرت الشريعة
قليله وكثيره وكذلك التعدي على مال الغير،
وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك،
وإنما التأديب في هذه الآية هو في نفقة
الطاعات في المباحات، فأدب الشرع فيها
ألا يفرط الإنسان حتى يضيع حقًا آخر أو
عیاًا ونحو هذا، وألا یضیق أيضًا ويقتر حتى
يجيع العيال ويفرط في الشح، والحسن في
ذلك هو القوام، أي: العدل، والقوام في كل
واحدٍ بحسب عياله وحاله، وخفة ظهره
وصبره وجلده علی الکسب»(١).
قال ابن كثيرٍ رحمه الله: ((﴿وَأَلَّذِينَ
إِذَا أَنَفَقُواْلَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ الآية، أي:
ليسوا مبذرين في إنفاقهم، فيصرفوا فوق
الحاجة، ولا بخلاء على أهلیهم، فيقصروا
في حقهم فلا یکفوهم بل عدلًا خیارًا، وخير
الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا)) (٢).
وكأن المعنى: من أراد أن يكون في
وصف هؤلاء المؤمنين الموصوفين
بعبوديتهم للرحمن فعليه أن لا يسرف في
الإنفاق ولا يقتر، بل عليه بالقوام وهو
الوسط بين الإسراف والإقتار.
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /٢٢٠.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
١٢٣/٦-١٢٤، أضواء البيان، الشنقيطي ٦/
٧٥.
ويؤيد صحة هذا التفسير قوله تعالى:
﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا
كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩].
فنهاه عن البخل بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ
مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِكَ﴾ ونهاه عن الإسراف بقوله:
﴿وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ اَلْبَسْطِ﴾، فيتعين الوسط
بین الأمرین، كما بينه سبحانه وتعالى بقوله:
﴿وَأَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِقُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].
فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود
والتبذير، وبين البخل والاقتصاد. فالجود
غير التبذير، والاقتصاد غير البخل. فالمنع
في محل الإعطاء مذمومٌ. وقد نهى الله عنه
نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿وَلَا تَّجْعَلْ
يَدَكَ مَعْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِكَ﴾، والإعطاء في محل
المنع مذمومٌ أيضًا وقد نهى الله عنه نبيه
صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿وَلَا نَبْسُطُهَا
كُلَّ الْبَسْطِ﴾. كما قال الأديب أبو بكر
الخوارزمي في الوزير الصاحب بن عباد (٣):
لا تمدحن ابن عبادٍ وإن هطلت
يداه کالمزن حتى تخجل الدیما
فإنها فلتاتٌ من وساوسه
يعطي ويمنع لا بخلًا ولا كرم
وقد بين تعالى في مواضع أخر: أن
الإنفاق المحمود لا يكون كذلك، إلا إذا
(٣) انظر: غرر الخصائص الواضحة، الوطواط
ص ٣٥١، زهر الأكم في الأمثال والحكم،
نور الدين اليوسي ٨٧/٢.
٢٤٤
جوبي
القرآن الكريم

الإسراف
كان مصرفه الذي صرف فيه مما يرضي الله.
كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ
وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥].
وصرح بأن الإنفاق فيما لا يرضي الله
حسرةٌ على صاحبه في قوله: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا
ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةَ﴾ [الأنفال: ٣٦](١).
فالتوازن هو القاعدة الكبرى في المنهج
الإسلامي، والغلو كالتفريط يخل بالتوازن،
وهذه سمة الإسلام التي يحققها في حياة
الأفراد والجماعات ويتجه إليها في التربية
والتشريع، يقيم بناءه كله على التوازن
والاعتدال، والإسراف والتقتير يحدثان
اختلالًا في المحيط الاجتماعي، والمجال
الاقتصادي، وحبس الأموال يحدث أزمات
ومثله إطلاقها بغير حساب، ذلك فوق فساد
القلوب والأخلاق، والإسراف مفسدة
للنفس، والمال والمجتمع، والتقتير مثله
حبس للمال عن انتفاع صاحبه به، وانتفاع
الجماعة من حوله، فالمال أداة اجتماعية؟
من أجل تحقيق خدمات اجتماعية (٢).
ثانيًا: الدعاء بطلب المغفرة لما بدر
منهم:
فالمؤمن يعيش دائمًا بين الخوف
والرجاء، يخشى عذاب الله تعالى ويرجو
رحمته، فالخوف والرجاء للمؤمن
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ٧٥-٧٦.
(٢) في ظلال القرآن: ٢٥٧٩/٥.
كالجناحين للطائر، لا يستطيع أن يطير في
الهواء بدونهما، وكذلك المؤمن لا يستطيع
العیش إلا بهما.
وقد ضرب الله لنا مثلًا لحال أوليائه
المؤمنين الذين يطلبون من الله تعالى أن
يغفر لهم إسرافهم من أمرهم وزلاتهم.
فيقص القرآن علينا خبر قوم من الربانيين
المجاهدين الصابرين يلجأون إلى الله،
ويدعونه أن يغفر لهم ذنوبهم، وإسرافهم في
أمرهم.
قال تعالى: ﴿وَكَيِّن مِّن نَّبِّ قَتَلَ مَعَهُ
رِبِيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَمَا ضَعُفُواْوَمَا أَسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِينَ (٥)
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
وَإِسْرَافَنَا فِىّ أَمْرِنَا وَثَيِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُْنَا عَلَىَ
اَلْقَوْمِ الْكَفِرِينَ ﴿ فَهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا
وَحُسْنَ ثَوَابٍ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل
عمران: ١٤٦- ١٤٨].
طلبهم التثبيت بتقدیم الاستغفار حريًا
بالإجابة، وذنوبنا وإسرافنا متقاربان من
حیث المعنی، فجاء ذلك علی سبیل التأكید.
وقيل: الذنوب ما دون الكبائر، والإسراف
الكبائر. وقال أبو عبيدة: ((الذنوب هي
الخطايا، وإسرافنا أي: تفريطنا». وقال
الضحاك: ((الذنوب عامٌ، والإسراف في
الأمر الكبائر خاصةً»(٣).
(٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٣٧٤/٣،
www. modoee.com
٢٤٥

حرف الألف
وقال ابن عاشور: ((ويجوز عندي أن ربهم عن زكاء وطهارة وخضوع، وأقرب
إلى الاستجابة فآتاهم الله ثواب الدنيا من
النصرة والغنيمة والعز، وطيب الذكر)) (٣).
يكون المراد بالإسراف في الأمر التقصير
في شأنهم ونظامهم فيما يرجع إلى أهبة
القتال، والاستعداد له، أو الحذر من العدو،
وهذا الظاهر من كلمة أمرٍ، بأن يكونوا
شكوا أن يكون ما أصابهم من هزيمتهم في
الحرب مع عدوهم ناشئًا عن سببين: باطنٍ
وظاهرٍ، فالباطن هو غضب الله عليهم من
جهة الذنوب، والظاهر هو تقصيرهم في
الاستعداد والحذر، وهذا أولى من الوجه
الأول))(١).
فالذنوب والإسراف في الأمور من
أسباب البلاء والخذلان، وأن الطاعة
والثبات والاستقامة من أسباب النصر
والفلاح؛ ولذلك سألوا الله أن يمحو من
نفوسهم أثر كل ذنبٍ وإسرافٍ، وأن يوفقهم
إلى دوام الثبات (٢).
((فهذا هو حال أهل الإيمان يضيفون
الذنب لأنفسهم هضمًا لها؛ خشية أن
يصيبهم العجب بحالهم؛ فهم قالوا ذلك
القول وهو إضافة الذنوب والإسراف
إلی أنفسهم مع کونھم ربانیین، هضمًا لها
واستقصارًا. والدعاء بالاستغفار منها مقدمًا
على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب
والنصرة على العدو؛ ليكون طلبهم إلى
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤ / ٢٣١.
(١) انظر: التحرير والتنوير ٤ /١٢٠.
(٢) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٤ / ١٢٤.
ثالثًا: عدم طاعة المسرفين:
يذكر لنا الله تعالى في كتابه موقفًا آخر
لمواقف المؤمنين من أهل الإسراف، وهو
التحذير من أهل الإسراف وعدم طاعتهم
فیما يأمرون به، وكان ذلك الموقف من نبي
الله صالح عليه السلام لقومه في تحذيره
لقومه أن لا يطيعوا أمر المسرفين.
فقد جاء في معرض حديث القرآن عن
قوم صالح في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُطِيعُوا
أَمَ الْمُسْرِفِينَ { الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ وَلَا
يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥١-١٥٢].
أي: ولا تطيعوا أمر المسرفين الكافرين
المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، ولا
تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم
الذين يفسدون في الأرض بالإسراف فى
الكفر والمعاصي، ولا يصلحون بالإيمان
والطاعة. فهولاء القوم فسادهم خالص، لا
يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال
بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح.
فالدعوة إلى الكفر والشرك ومخالفة الحق
من أعظم الفساد في الأرض، وفسادهم هذا
فسادٌ مصمتٌ ليس معه شيء من الإصلاح،
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤٢٥/١.
مَوَسُولَهُ الَّهـ
القرآن الكريم
٢٤٦

الإسراف
وجعل عملهم كله الإفساد في الأرض(١).
والمراد بالمسرفين أئمة القوم وكبراؤهم
الذين يغرونهم بعبادة الأصنام ويبقونهم في
الضلالة استغلالًا لجهلهم وليسخروهم
لفائدتهم. والإسراف: الإفراط في شيءٍ،
والمراد به هنا: الإسراف المذموم كله في
المال وفي الكفر، ووصفهم بأنهم يفسدون
في الأرض، فالإسراف منوطٌ بالفساد.
وعطف ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ على جملة:
﴿يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ﴾ تأكيدٌ لوقوع الشيء
بنفي ضده، مثل قوله تعالى: ﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ
قَوْمَهُ، وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩].
ولأن نفي الإصلاح عنهم يؤكد إثبات
الإفساد لهم، فيتقرر ذلك في الذهن، ويتأكد
معنى إفسادهم بنفي ضده(٢).
فهذا هو حال الأنبياء وأهل الإيمان
يحذرون قومهم من طاعة أهل الإسراف
والكفر والمعاصي، الذين وصفهم ودأبهم
الإفساد في الأرض بعمل المعاصي
والدعوة إليها إفسادًا لا إصلاح فيه، وهذا
أضر ما يكون؛ لأنه شر محض، وكأن أناسًا
عندهم مستعدون لمعارضة نبيهم موضعون
في الدعوة لسبيل الغي فنهاهم صالح عليه
السلام عن الاغترار بهم، وطاعة أمرهم (٣).
(١) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ١٥٥/٤.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٦/١٩.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٩٦.
المسرفون والتوبة
الأصل في الإنسان عدم العصمة، ولا
تکون العصمة إلا لمن عصمه الله من جنس
الذنوب، وليس جميع الذنوب؛ ولذلك
قد يخطئ الإنسان ويقع في أخطاء تتطلب
اللجأ إلى الله لطلب التوبة والمغفرة، روى
مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي
بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء
بقومٍ يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم) (٤).
وقد نادى الله تعالى في كتابه هذا الصنف
من الناس بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[الزمر: ٥٣].
وكان سبب نزول هذه الآية ما جاء عن
سعيد جبير، عن ابن عباس: ((أن ناسًا من
أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا، وزنوا
وأكثروا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم ،
وقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسنٌ لو تخبرنا
أن لما عملنا كفارة. فنزلت: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ
الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَُّواْ مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ
إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ، هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[الزمر: ٥٣]))(٥)
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب
سقوط الذنب بالاستغفار، رقم ٢٧٤٩.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
www. modoee.com
٢٤٧

حرف الألف
فسبب نزول هذه الآية يوضح لنا سعة
رحمة الله تعالى وعظيم هذا النداء من الله
تعالی لکل من أسرف على نفسه بالذنوب
والمعاصي وغيرهما؛ فنزلت في أناس
من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا، وزنوا
وأكثروا.
ففي هذه الآية نداءٌ من الله لكل مسرفٍ
أن يرجع عن غیه ومعصیته، ویتوب إلی الله
وینیب إليه قبل أن یصیبه الله بالعذاب، ویا
له من نداءٍ عظيم لو سمعه العصاة المصرون
علی معاصیھم، ورجعوا إلى الله، وقال علي
بن أبي طالب رضي الله عنه: ((ما في القرآن
آية أوسع من هذه الآية)»(١).
﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا
نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاً
إِنّهُ هُوَالْغَفُورُالرَّحِيمُ﴾، أي: قل أيها الرسول:
يا عباد الله الذين أفرطوا في المعاصي
واستكثروا منها، لا تيأسوا من مغفرة الله
تعالى، فإن الله يغفر كل ذنب إلا الشرك
الذي لم يتب منه صاحبه، لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨].
إن الله كثير المغفرة والرحمة، فلا
يعاقب بعد التوبة. وقال ابن كثير: «هذه الآية
الكريمة دعوةٌ لجميع العصاة من الكفرة
تفسير سورة الزمر، رقم ٤٨١٠.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ١٦.
وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبارٌ بأن الله
يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع
عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت
وكانت مثل زبد البحر. ولا يصح حمل هذه
الآية على غير توبةٍ؛ لأن الشرك لا يغفر لمن
لم يتب منه))(٢).
وقال الشوكاني: ((واعلم أن هذه الآية
أرجى آيةٍ في كتاب الله سبحانه لاشتمالها
على أعظم بشارةٍ، فإنه أولًا أضاف العباد
إلی نفسه لقصد تشریفهم، ومزید تبشیرهم،
ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي،
والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك
بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء
المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط
للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى،
ویفحوی الخطاب، ثم جاء بما لا يبقي بعده
شكٌ ولا يتخالج القلب عند سماعه ظنِّ،
فقال: إن الله يغفر الذنوب فالألف واللام
قد صیرت الجمع الذي دخلت عليه للجنس
الذي يستلزم استغراق أفراده)»(٣).
وقوله: ﴿لَا نَقْنَطُواْ﴾، القنوط هو:
اليأس، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُن مِّنَ
الْقَنِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٥].
وجملة ﴿إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ هي
تعلليل للنهي عن اليأس من رحمة الله (٤).
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ١٠٦/٧.
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٥٣٨/٤.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤١/٢٤ .
جَوَسُوبة النفسية
القرآن الكَرِيْمِ
٢٤٨

الإسراف
((وقرأ الجمهور ﴿يَجِبَادِىَّ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾
بفتح ياء المتكلم، وقرأه أبو عمرٍو وحمزة
والكسائي ويعقوب بإسكان الياء)»(١). ولعل
وجه ثبوت الياء في هذه الآية دون نظيرها
وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ يَحِبَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أنَّقوا
﴾ [الزمر: ١٠].
((فالخطاب هنا للذين أسرفوا، وفي
مقدمتهم المشركون، وكلهم مظنة تطرق
اليأس من رحمة الله إلى نفوسهم، فكان
إثبات (يا) المتكلم في خطابهم زيادة تصريح
بعلامة التكلم تقويةً لنسبة عبوديتهم إلى
الله تعالى إيماءً إلى أن شأن الرب الرحمة
بعباده، والإسراف: الإكثار. والمراد به هنا:
الإسراف في الذنوب والمعاصي)»(٢).
(١) انظر: العنوان في القراءات السبع، السرقسطي
ص ١٦٥، إتحاف فضلاء البشر، البنا ص
٤٨٢.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤١/٢٤.
عاقبة المسرفين
للمسرفين عاقبة وخيمة في الدنيا
والآخرة نتناولها فيا يلي:
أولًا: عاقبة المسرفين في الدنيا:
فلقد ذكر الله تعالى لنا في القرآن الكريم
عن أنواع العذاب الذي يلحق أهل الإسراف،
وهذا العذاب في الدنيا والآخرة.
١. حرمان الهداية للحق والصواب.
((إن إضلال أهل الإسراف وحرمانهم
الهداية للحق والصواب، من أحد العقوبات
التي يعاقب الله تعالى بها أهل الإسراف،
وفي هذا النوع من العقاب يخبرنا الله
سبحانه وتعالى فيقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ
هُوَ مُسْرِفٌ كَنَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨].
أي: إن الله لا يوفق للحق من هو متعدٍ
إلی فعل ما ليس له فعله، کذابٌ علیه یکذب،
ويقول عليه الباطل وغير الحق. ﴿كَنَّابٌ﴾
بنسبته ما أسرف فيه إلى الله، فهذا لا يهديه
الله إلى طريق الصواب، لا في مدلوله ولا في
دليله، ولا يوفق الصراط المستقيم، أي: وقد
رأیتم ما دعا موسى إليه من الحق، وما هداه
الله إلى بيانه من البراهين العقلية والخوارق
السماوية، فالذي اهتدی هذا الهدی لا یمکن
أن يكون مسرفًا ولا كاذبًا))(٣).
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٧٧/٢١، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٣٦ .
www. modoee.com
٢٤٩

حرف الألف
الإسراف الذي ذكره الله تعالى في هذا
الموضع، فقال بعضهم: عني به الشرك،
وأراد: إن الله لا يهدي من هو مشركٌ به
مفترِ عليه. فعن قتادة: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَهْدِى
مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾: مشرك أسرف على
نفسه بالشرك. وقال السدي: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ قال: المسرف:
هو صاحب الدم، ويقال: هم المشركون.
والصواب من القول في ذلك، وهو اختيار
ابن جرير الطبري أن يقال: إن الله أخبر
عن هذا النوع من الإسراف أنه عم جميع
أهل الإسراف بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ
هُوَ مُسْرِفٌ كَنَّابٌ﴾ فالشرك من الإسراف،
وسفك الدم بغير حق من الإسراف، وقد
اجتمعا في فرعون الأمران كلاهما، فالحق
أن يعم))(١).
فهذه هي سنة الله تعالى قد اقتضت أنه
سبحانه لا يهدي إلى الحق والصواب من
كان مسرفًا في أموره، متجاوزًا الحدود التي
شرعها الله تعالى، ومن كان مسرفًا أو كذابًا
لا يهديه الله تعالى للحق والصواب.
٢. تزیین الباطل.
قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢].
أي: زين للمسرفين ما كانوا يعملون
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ٣٧٧.
((وقد اختلف المفسرون في معنى من الانهماك في الشهوات والإعراض
عن العبادات، فهم قد نسوا حال خلقهم
وتكوينهم والإيمان بربهم، وزين لهم الغرور
والإسراف فيه ما كانوا يعملونه من شرور
وآئام وظلم للعباد وطغيان في أنفسهم،
وإسرافهم في الشر يجترعونه اجتراعًا،
وعبر الله عنهم بالمسرفين لأنهم أسرفوا
على أنفسهم فاعتقدوا الباطل، واعتقدوا أن
الحياة الدنيا هي الوجود کله، وأسرفوا على
الناس فطغوا، وبغوا في البلاد وأكثروا فيها
الفساد، وهكذا التزيين الشيطاني زين لهم
ما كانوا يعملون من أعمالهم في ماضي
أزمانهم في الدعاء وغيره من ضلالاتهم (٢).
قال الشوكاني: ((والتزيين هو إما من جهة
الله تعالى على طريقة التحلية وعدم اللطف
بهم، أو من طريق الشيطان بالوسوسة، أو
من طريق النفس الأمارة بالسوء. والمعنى:
أنه زين لهم الإعراض عن الدعاء، والغفلة
عن الشكر، والاشتغال بالشهوات»(٣).
٣. الهلاك.
هذا وقد حكم الله على أهل الإسراف
بالهلاك.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَهُمُ الْوَعْدَ
فَأَنْجَيْنَهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ
[الأنبياء: ٩].
(٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٠٧/٣،
البحر المديد، ابن عجيبة ٤٥٥/٢.
(٣) انظر: فتح القدير، ٤٨٨/٢.
٢٥٠
مُوسْو ◌َر النفسية
جوبيى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الإسراف
((والمراد بالمسرفين: المجاوزون للحد عليه، وتكذييه، وإيذائه والمؤمنين معه)) (٣).
المفرطون في التكذيب والكفر والمعاصي،
وبالإصرار والاستمرار على إسرافهم؛
حتى حل بهم العذاب، ولذلك يكثر في
القرآن إطلاق المسرفين على الكفار
والمشركين))(١).
((فإن الله تعالى أرسل رسله من البشر
وصدقهم وعده فنصرهم على المكذبين،
وأنجاهم ومن آمن معهم، وأهلك الذين
أسرفوا على أنفسهم بتکذیب رسل الله»(٢)؛
ولهذا جاء بعد هذه الآية خبر إهلاك الكفار
المسرفين في كفرهم وعصيانهم، فقال
تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةٌ
وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ﴾ [الأنبياء:
١١].
فبين جل وعلا أنه أرسل الرسل إلى
الأمم فكذبوهم، وأنه وعد الرسل بأن لهم
النصر، وأهلك المسرفين وهم الكفار
المكذبون للرسل.
((فهذه هي سنة الله تعالى في إهلاك
أهل الإسراف الذین کانوا یسرفون علیھم،
ويتجاوزون الحد معهم، فهذه السنة يخوف
الله بها المشركين الذين كانوا يواجهون
الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسراف
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٧٥، أنوار
التنزيل، البيضاوي ٤ / ٤٧ .
(٢) انظر: تفسير المراغي ١٧/ ١٠ .
هذا وقد بين الله تعالى في كتابه في
موضع آخر الطريقة التي قد أهلك الله تعالی
بها المسرفين، وكان ذلك الموضع مختصًا
بالمسرفين من قوم لوط عليه السلام ، فقال
تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْرٍ تُجْرِمِينَ )
لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (٢) تُسَوَّمَةٌ عِندَ رَيْكَ
لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢-٣٤].
والحجارة: اسم جمعٍ للحجر، ومعنى
كون الحجارة من طينٍ: أن أصلها طينٌ،
وهي في غاية الشدة والقوة. والمسومة: التي
عليها السومة، أي: العلامة، كما قال ابن
عباس في قوله: ﴿ُسَوَّمَةٌ﴾ قال: ((المسومة:
الحجارة المختومة، يكون الحجر أبيض
فيه نقطةٌ سوداء، أو یکون الحجر أسود فيه
نقطةٌ بيضاء)»(٤). أي: عليها علاماتٌ من
ألوانٍ تدل على أنها ليست من الحجارة
المتعارفة. والدليل على قوتها وشدتها: أن
الله ما عذبهم بها في حالة غضبه عليهم إلا
لأن النكال بها بالغٌ شديدٌ (٥).
فهذه هي نهاية الذين أسرفوا على
أنفسهم بفعل الفاحشة؛ فأهلكهم الله تعالی
واستأصلهم في الدنيا؛ من أجل ما ارتكبوه
من فعل الفواحش.
(٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٣٦٩/٤.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٢٩/٢٢.
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦/٢٧،
أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ١٩٢.
www. modoee.com
٢٥١

حرف الألف
ثانيًا: عذاب أهل الإسراف في الآخرة: الله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَغَحْشُرُهُ يَوْمَ
الْقِيَمَةِ أَعْمَى﴾ .
١. المسرفون يعذبون في قبورهم
ویحشرون عميًا.
تعذيبهم في القبور.
فقد أخبرنا تعالى في كتابه أن من عقوبة
المسرفين في الأخرة بأن لهم معيشةً ضنكًا؛
وذلك نتيجة إسرافهم في معصية الله تعالى
والإعراض عن أمر الله تعالى، وعدم طاعة
رسله.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ
لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى
قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِّ أَعْمَى وَقَدْكُنْتُ بَصِيرًا
١٢٤
﴿ قَالَ كَذَلِكَ أَنْتَكَ ءَايَتُنَا فَنَسِيْنَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ
١٢٥
تُنسَى ) وَكَذَلِكَ نَجْرِى مَنْ أَشْرَفَ وَلَّمْ يُؤْمِنُ بِشَايَتِ
رَبِّهِ،ّ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَ﴾ [طه: ١٢٤ -
١٢٧].
فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى
أي: کتابي الذي یتذکر به جميع المطالب
العالية، وأن يتركه على وجه الإعراض عنه،
أو ما هو أعظم من ذلك، بأن يكون على
وجه الإنكار له، والكفر به ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً
ضَنكاً﴾، أي: فإن جزاءه، أن نجعل معيشته
ضیقة مشقة، ولا یکون ذلك إلا عذابًا.
وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر،
وأنه يضيق عليه قبره، ويحصر فيه ويعذب،
جزاء إعراضه عن ذكر ربه، وهذا أصح
الأقوال. فتلك المعيشة الضنكة التى قال
وعن النعمان ابن أبي عياش، عن أبي
سعيد الخدري مرفوعًا. ولفظه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (معيشة
ضنكا قال: عذاب القبر)(١).
وقد رجح الطبري هذا التفسير مستندًا
إلى قوله في آخر الآيات: ﴿وَلَعَذَابُ اُلَْخِرَقْ
أَشَدُّ وَأَبْقَ﴾.
قال: ((فكان معلومًا بذلك أن المعيشة
الضنك التي جعل الله لهم قبل عذاب
الآخرة. ثم قال: وهذا العذاب ليس في
الحياة الدنيا أيضًا، فإن هناك كثيرًا ممن
أعرض عن ذكر الله من الكفار أوسع معيشة
من كثير من المقبلين على ذكر الله، فبقي أن
ذلك في البرزخ))(٢).
وبعض المفسرين يرى أن المعيشة
الضنك، عامة في دار الدنيا، بما يصيب
المعرض عن ذكر ربه، من الهموم والغموم
والآلام، التي هي عذاب معجل، وفي دار
البرزخ، وفي الدار الآخرة، لإطلاق المعيشة
الضنك، وعدم تقييدها. ﴿وَغَحْشُرُهُ.
أي: هذا المعرض عن ذكر ربه ﴿یَوْمَ
اَلْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ البصر على الصحيح،
(١) أخرجه الحاكم في مستدركه ٢/ ٣٨١.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
ولم يتعقبه الذهبي.
(٢) انظر: جامع البيان، ٢٢٨/١٦.
٢٥٢
القرآن الكريم

الإسراف
كما قال تعالى: ﴿وَنَخْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى
وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُڭئًا وَصُمًا﴾. قال ابن كثير:
(قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى﴾
أي: خالف أمري، وما أنزلته على رسولي،
أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه
﴿فَإِنَّ لَهُ,مَعِيشَةً ضَنگًا﴾ أي: في الدنيا، فلا
طمأنینة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره
ضیقٌ حرچ لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس
ما شاء وأکل ما شاء، وسكن حيث شاء،
فإن قلبه ما لم یخلص إلی الیقین والهدى،
فهو في قلقٍ وحيرةٍ وشكٍ، فلا يزال في ربيةٍ
يتردد. فهذا من ضنك المعيشة))(١).
يحشرون يوم القيامة عميًا.
فقد ذكر الله تعالى لنا أيضًا أن من عقوبة
المسرفين في الآخرة أنهم يحشرون يأخذ
الله بأبصارهم وأعينهم، ولا يكون لديهم
قدرة على الرؤيا؛ وذلك نتيجة إسرافه في
الكفر والمعاصي والإعراض عن ذكر الله
تعالى. قال الله تعالى: ﴿وَغَخْشُرُهُ يَوْمَ
اٌلْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
فذكر جل وعلا فى هذه الآية الكريمة: أن
من أعرض عن ذكره يحشره يوم القيامة في
حال كونه أعمى هذا أصح التفاسير. وقال
مجاهدٌ، وأبو صالحٍ، والسدي: أعمى أي:
لا حجة له. وقال عكرمة: عمي عليه كل
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ٣٢٢/١٦-
٣٢٣.
شيءٍ إلا جهنم(٢).
ولكن الصحيح أن الله تعالى يحشره
يوم القيامة في حال كونه أعمى، ويؤيد
صحة هذا التفسير أن في نفس الآية الكريمة
قرينةً متصلةً دالةً على خلاف قول مجاهدٍ
وأبي صالح، وعكرمة. وأن المراد بقوله:
﴿أَعْمَى﴾، أي: أعمى البصر لا يرى شيئًا.
والقرينة المذكورة هي قوله تعالى: ﴿قَالَ
رَبِّ لِمَ حَشَرْتَفِي أَعْمَى وَقَّذْكُنْتُ بَصِيًا﴾ [طه:
١٢٥].
فصرح بأن عماه هو العمى المقابل
للبصر وهو بصر العين؛ لأن الكافر كان في
الدنيا أعمى القلب كما دلت على ذلك آياتٌ
كثيرةٌ من كتاب الله، وقد زاد جل وعلا في
سورة «الإسراء)» أنه مع ذلك العمى يحشر
أصم أبكم أيضًا، وذلك في قوله تعالى:
﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَنْ
◌َجِدَ لَمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ، وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ
عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمَّا مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمٌ
[الإسراء:
كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾
٩٧](٣).
ثم يخبرنا تعالى أن هذا العذاب ﴿وَكَذَلِكَ
تَهْزِى﴾، أي: مثل ذلك الجزاء ﴿يَجْرِى مَنْ
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢٨/١٦-
٢٢٩.
(٣) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي
١٦/٢، أضواء البيان، الشنقيطي ١٢٧/٤-
١٢٨.
www. modoee.com
٢٥٣

حرف الألف
أَشْرَفَ﴾ أي من جاوز الحد في المعصية،
فهذا هو أحد أنواع عذاب الكفار المسرفين
يوم القيامة، فهذا الجزاء الأليم كان لعلة
إسراف الكافر على نفسه في الطغيان
والمعاصي والتكذيب بآيات الله سبحانه
وتعالى، ونسيانه لآيات الله تعالى تركها،
وعدم الإيمان بها.
٢. أن المسرفين هم أصحاب النار.
حکم الله تعالى في كتابه بأشد العذاب
على أهل الإسراف، وأنهم هم أصحاب
النار الذين لايخرجون منها إن ماتوا على
الكفر والشرك بالله.
﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ
قال تعالى:
أَصْحَبُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣].
قال قتادة وابن سيرين: يعني المشركين.
وقال ابن مسعود ومجاهدٌ والشعبي: هم
السفهاء والسفاكون للدماء بغير حقها.
وقال عكرمة: الجبارون والمتكبرون. وقيل:
هم الذين تعدوا حدود الله. قال القرطبي:
((وهذا جامعٌ لما ذكر))(١).
فبهذا يتبين شدة عقاب الله تعالى لأهل
الإسراف، وأنهم في الآخرة من أصحاب
النار.
موضوعات ذات صلة:
الاستطاعة، الاقتصاد، الإنفاق، السعة
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٥٩/١١.
مَ شَبُوَالَرُ النَّقِيَّةُ
القرآن الكريم
٢٥٤