النص المفهرس

صفحات 21-40

الاستعانة
عليه بذلك، وهو القتل في سبيل دعوة الحق راحلته وهو يقول: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّرِ
وَالصَّلَوَّةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلََّ عَلَى الْخَشِينَ﴾))(٢)
وحمايته، فقال: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتُّ بَلْ أَحْيَّةُ وَلَكِنْ لَّا تَشْعُرُونَ﴾
[البقرة: ١٥٤].
أي: استعينوا على إقامة دينكم والدفاع
عنه، وعلى سائر ما یشق علیکم من مصائب
الحياة، بالصبر وتوطين النفس على احتمال
المكاره، وبالصلاة التي تكبر بها الثقة بالله
عز اسمه، وتصغر بمناجاته فيها كل المشاق.
وإنما خص الصبر والصلاة بالذكر، لأن
الصبر أشد الأعمال الباطنة على البدن،
والصلاة أشد الأعمال الظاهرة علیه، إذ فيها
خضوع واستسلام لله، وتوجه بالقلب إليه،
واستشعار لعظمة الخالق.
وقد امتثل النبي صلی الله عليه وسلم
وأصحابه هذا الأمر الإلهي، فقد ورد عن
حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي
صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع
إلى الصلاة (١).
وورد أن ابن عباس رضي الله عنهما
«نعي إليه أخوه قُثَم وهو في سفر، فاسترجع،
ثم تنحى عن الطريق، فأناخ، فصلى ركعتين،
أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٣٢٩٧،
٣٨/ ٣٣٠، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة،
باب وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم من
الليل، رقم ٣٥/٢،١٣١٩.
وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود.
عند مواجهة الفتن الكثيرة: من شهوات
الدنيا، وحب الرياسة والظهور.
قال تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ
وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلََّ عَلَى الْخَشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
والخطاب هنا لبني إسرائيل لما أعرضوا
عن قبول رسالة النبي صلى الله عليه وسلم،
فأرشدهم الله إلى علاج ذلك بالصبر
والصلاة، أي استعينوا على ترك ما تحبون
من شهوات الدنيا، والدخول فيما تستثقله
نفوسكم من قبول الإسلام، والتقيد بتكاليفه
بفضيلة الصبر التي تحجز أنفسكم من غشيان
الموبقات، وبفريضة الصلاة التي تنهاكم عن
الفحشاء والمنكر.
# عند مواجهة شبهات الأعداء.
والخلاصة: أن الله خص الاستعانة
بالصبر والصلاة لما فيهما من المعونة على
العبادات، وتحمل المشاق.
ثانيًا: الاستعانة الممنوعة :
الاستعانة هي طلب العون من الله جل
وعلا في الحصول على المطلوب والنجاة
من المرهوب.
والاستعانة عبادة يجب صرفها لله
حده، وهي التي يصحبها معانٍ تعبدية تقوم
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٣/١.
www. modoee.com
٤٧

حرف الألف
في قلب المستعين من المحبة والخوف يجعل بينه وبينهم واسطةً في الدعاء، فقال
تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِي أَسْتَجِبّ
﴾ [غافر: ٦٠].
والرجاء والرغب والرهب، فهذه عبادة
لا يجوز صرفها لغير الله، ومن صرفها
لغيره فهو مشرك. وقد قال الله تعالى فيما
علمه عباده المؤمنين: ﴿إِنَّكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
وتقديم المعمول يفيد الحصر، فيستعان
بالله وحده، ولا يستعان بغيره.
فإذا استعان الإنسان بغيره بهذه المعاني
المذكورة فإنه يكون قد دخل في الاستعانة
الممنوعة، وهذه الاستعانة الممنوعة لها
صور عديدة، وهي:
١. الاستعانة بالأموات والمعبودين
من دون الله.
الاستعانة بغير الله فیما لا يقدر عليه إلا
الله ممنوعة، كإجابة الدعاء وكشف البلاء،
والهداية، والإغناء، ونحو ذلك، فالله
تعالى هو المتفرد بذلك، والقرآن من أوله
إلى آخره مليءٌ بالنصوص الدالة على أن
الله وحده هو الذي بيده الخفض والرفع،
والضر والنفع، والعطاء والمنع، والإعزاز
والإذلال، والهداية والإضلال.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَ إِن يَمْسَسْكَ اللهُ
بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَّ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ
فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧].
والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ جدًا.
وقد أمر الله عباده أن يدعوه وحده، ولم
وبين تعالى ضلال من دعا غيره فقال:
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا
يَسْتَجِيبُ لَهُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَيْهِمْ غَافِلُونَ
وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَمْ أَعْدَاءُ وَكَانُواْ بِبَادَتِهِمْ
كَفِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦].
ونحن في كل ركعةٍ من ركعات الصلاة
نفرد الله بالاستعانة به على كل أمورنا،
ونخصه بذلك في قولنا ﴿وَإِنَّكَ نَسْتَعِينٌ﴾
وقد وصی النبي صلی الله عليه وسلم ابن
عمه عبد الله بن عباس بوصيةٍ جامعة، وكان
من بين جملها الرائعة: ((إذا سألت فاسأل
الله، وإذا استعنت فاستعن بالله))(١).
وقد بين القرآن أن المعبودات من دون
الله لا تملك أي وسيلة من وسائل الإدراك
أو النفع أو دفع الضر عن نفسها، فضلًا
عن عابديها، فكيف يعبدونها من دون الله
تعالی؟!
فنفى القرآن العقل صراحة عن الآلهة
التي عبدها المشركون من دون الله، ونفي
العقل عنها هو بيت القصيد، والأصل لما
(١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب أبواب
صفة القيامة والرقائق والورع، باب ٥٩، رقم
٤،٢٥١٦ /٦٦٧.
وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
٤٨
القرآن الكَرِيْمِ

الاستعانة
بعده؛ إذ ما فائدة السمع والبصر والنطق من مثل قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ
اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ
غير العقل؟!
هَؤُلاءِ شُفَعَكُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَّقُونَ اللَّهَ بِمَا
لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضِّ سُبْحَنَهُ.
وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [يونس: ١٨].
فهو وحده كافٍ في نفي ألوهية هذه
الأوثان، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿أَمِـ
أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءُ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا
يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣].
وهنا ((يقول تعالى ذاما المشركين في
اتخاذهم شفعاء من دون الله، وهم الأصنام
والأنداد، التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم
بلا دليل ولا برهان، وهي لا تملك شيئا من
الأمر، بل وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع
تسمع به، ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات
أسوأ حالا من الحيوان بكثير))(١).
والبصر والنطق، ومن ثم فلم يكن لديها
أي سبب من أسباب العبادة، فعلام يعكف
هؤلاء الوثنيون على عبادتها ودعائها من
دون الله تعالى؟!
وأكثر القرآن الكريم من وصف
المعبودات بأنها لا تملك لعابدیھا دفع ضر أو
جلب نفع، حتی أربت مواطن الحديث عن
هذا الوصف على عشرة مواطن، وتنوعت
فيها الأساليب، فمنها ما ورد بصيغة الخبر،
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٢/٧.
ومنها ما ورد بصيغة النفي، مثل قوله
تعالى: ﴿وَأَخَذُواْ مِن دُونِءَالِهَةَ لَّا يَخْلُقُونَ
شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّا
وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةً وَلَا نُشُورًا﴾
[الفرقان: ٣].
ومنها ما ورد بصيغة النهي، مثل قوله
تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِمَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا
يَضُرُّكٌ فَإِنِ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:
١٠٦ ].
أما ما ورد بصيغة السؤال فكثير، ومنه
ونفى القرآن عن الأوثان أيضًا السمع قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعَّبُدُونَ مِن دُونٍ
اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرَّأَ وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ
◌ُ العَلـ
[المائدة: ٧٦]. وغيرها من
ـيمُ
السَّمِيعَ
الآيات.
ومن الصفات التي وصف بها القرآن
المعبودات من دون الله: أنها لا تستطيع
أن تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة لله رب
العالمين، فهي لا تستطيع أن تخلق شيئًا
على الإطلاق، ولا تملك مثقال ذرة من
ذلك، فكيف تملكه لعابدیها! وجاء هذا الرد
في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها قوله
www. modoee.com
٤٩

حرف الألف
تعالى: ﴿وَأَخَذُواْ مِنْ دُونِ ءَالِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ
شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّ
وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْقًا وَلَا حَيَوَةٌ وَلَا نُشُورًا ﴾
[الفرقان: ٣].
والآيات في هذا الشأن وفيرة ومتنوعة.
ومن الأدلة الظاهرة الواضحة على أن
الأموات لا يملكون نفعًا ولا ضرًا: قول
عمر بن الخطاب رضي الله عنه للعباس
عندما وقع الجدب: كنا إذا أجدبنا توسلنا
بدعاء نبينا، فقم يا عباس! وادع الله لنا، فقام
العباس ودعا(١)، ولم يذهب هو أو عمر
إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيقول:
يا رسول الله! أجدبنا فاستسق لنا؛ لأنهم
يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لا
يملك ضرًا ولا نفعًا، فهذه دلالة على أن
الأموات لا يملكون شيئًا.
وبناء على ما سبق فالاستعانة بالأموات
والمعبودات من دون الله في قضاء الحوائج
وسؤالهم والاستعانة بهم كما يفعله عباد
القبور والأولياء شرك أكبر؛ فإنه يقوم
في قلوبهم من العبوديات لمن يدعونهم
ويستعينون بهم ويستعيذون بهم ويستغيثون
بهم ما هو من أعظم الشرك والكفر بالله،
وهذا شرك أكبر يخرج من الملة؛ لأن
الاستعانة بالله تعظيم لله، فمن استعان بغير
الله تعالی فیما لا يقدر عليه إلا الله، فقد
ساواه بالله تعالى في التعظيم، وهذا شرك
أکبر.
قال تعالى: ﴿قَلَِّ إِن كُنَّا لَفِىِ ضَلَلِ مُّبِينٍ
٢) إِذْنَُوِيِكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ -
٩٨].
والموتى والمقبورون وإن كانوا من
الأولياء الصالحين، بل من الأنبياء المقربين
فإن صلاحهم لأنفسهم ونفع تقواهم لهم،
أما أن يستعان بهم في كشف الكروب
ودفع الخطوب، فهذا ما كان أهل الجاهلية
يفعلونه حين يصرفون لهم الدعاء، بزعم
أنهم يقربونهم إلى الله، وأن الله لا يرد
شفاعتهم لصلاحهم.
قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ
اللَّهِمَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ
هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا عِنْدَ اَللَّهِ قُلْ أَتُنَّقُونَ اللَّهَ بِمَا
لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضَِّ سُبْحَنَهُ.
وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨].
﴿وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مِنْ
وقال تعالى:
دُونِ= أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ
زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣].
يقول ابن القيم عن هذا المظهر من
مظاهر الشرك -أي طلب الحوائج من
الموتى والاستعانة بهم، والتوجه إليهم -:
(«وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد
انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًا
(١) انظر: المجالسة، الدينوري، رقم ٧٢٧.
٥٠
القرآن الكريم

الاستعانة
ولا نفعًا، فضلًا عمن استعان به، وسأله
قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلی الله
فيها. والمیت محتاج إلى من يدعو له،
ویترحم علیه، ويستغفر له، کما أوصانا
النبي صلی الله علیه وسلم إذا زرنا قبور
المسلمين (أن نترحم عليهم، ونسأل لهم
العافية والمغفرة)(١). فعكس المشركون
هذا، وزاروهم زيارة العبادة، واستقضاء
الحوائج، والاستعانة بهم، وجعلوا قبورهم
أوثانًا تعبد))(٢).
وخلاصة القول: أن من استعان بغير الله
فيما ما لا يقدر عليه إلا الله، فقد كفر بالله
جل في علاه؛ لأنه أنزل المخلوق منزلة
الخالق.
٢. الاستعانة بالمخلوق في أمور
غيبية.
المراد بالغيب: ما غاب عن الناس من
الأمور المستقبلة والماضية وما لا يرونه.
وقد اختص الله تعالى بعلمه.
(١) فقد ورد عن بريدة، رضي الله عنه، قال: ((كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا
خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: السلام عليكم
أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا
إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم
العافية)).
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء
لأهلها، رقم ٩٧٥، ٦٧١/٢
(٢) مدارج السالكين، ابن القيم ٣٥٣/١.
قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].
فلا یعلم الغيب إلا الله سبحانه وحده،
فلا يعلم الغيب ملك مقرب ولا نبي مرسل
فضلا عمن هو دونهما.
وقد يطلع الله عز وجل رسله على ما شاء
من غيبه لحكمة ومصلحة.
قال تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَاَ يُظْهِرُ عَلَى
غَيْبِهِ: أَحَدًا ) إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾
[الجن: ٢٦ - ٢٧].
أي: لا يطلع على شيء من الغيب إلا من
اصطفاه لرسالته، فيظهره على ما يشاء من
الغيب؛ لأنه يستدل على نبوته بالمعجزات؛
التي منها الإخبار عن الغيب الذي يطلعه الله
عليه، وهذا يعم الرسول الملكي والبشري،
ولا يطلع غيرهما؛ لدليل الحصر.
وقد قسم العلماء الغيب إلى قسمين:
الأول: الغيب المطلق أو الحقيقي: وهو
أن يغيب عن الحواس والعقول معا، وهو
المقصود عند الإطلاق، مثل الأمور الخمسة
الواردة في حديث ابن عمر رضي الله عنهما:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
: «مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمها إلا الله:
لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم
ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر
أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض
تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة
www. modoee.com

حرف الألف
إلا الله))(١).
الثاني: الغيب النسبي أو المقيد: وهو
ما یغیب عن بعض المخلوقین دون بعض،
کالذي یعلمہ الملائکة عن أمر عالمهم دون
البشر، وكالذي يعلمه بعض البشر دون
بعض، مثل: العلم بالأقطار النائية والطبقات
الأرضية، والأمور الطبية، ونحو ذلك، ومن
ذلك: أن يغيب الشيء عن حس الناس
جميعًا، ولکنه یکون في متناول عقولهم،
إما بالتجربة أو المقايسة، كعلم ما سيقع
في المستقبل من الكسوف والخسوف،
والشروق والغروب، ومنازل القمر، ونحو
ذلك، استنباطًا من التجارب الكونية والسنن
الربانية.
فمن أدعى علم الغيب بأي وسيلة من
الوسائل غیر من استثناه الله من رسله،
فهو كاذب؛ سواء ادعى ذلك بواسطة قراءة
الكف أو الفنجان، أو الكهانة، أو السحر، أو
التنجيم، أو غير ذلك، وهذا الذي يحصل من
بعض المشعوذين والدجالين؛ من الإخبار
عن مكان الأشياء المفقودة والأشياء الغائبة،
وعن أسباب بعض الأمراض، فيقولون:
فلان عمل لك كذا وكذا فمرضت بسببه،
وإنما هذا لاستخدام الجن والشياطين.
وقد يكون إخبارهم بذلك عن طريق
(١) أخرجه البخاري في صحيحه. كتاب التوحيد.
باب قول الله: (عالم الغيب فلا يظهر على
غيبه أحدًا)، رقم ٩،٧٣٧٩/ ١١٦.
التنجيم، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية
على الحوادث الأرضية، كأوقات هبوب
الرياح ومجيء المطر، وتغير الأسعار،
وغير ذلك من الأمور التي يزعمون أنها
تدرك معرفتها بسیر الکواکب في مجاريها،
واجتماعها وافتراقها. ويقولون: من تزوج
پنجم كذا وكذا، حصل له كذا وكذا، ومن
سافر بنجم کذا حصل له كذا، ومن ولد
بنجم كذا وكذا حصل له كذا؛ من السعود
أو النحوس، كما يعلن في بعض المجلات
الساقطة من الخزعبلات حول البروج؛ وما
يجري فيها من الحظوظ(٢).
وقد يذهب بعض الجهال وضعاف
الإيمان إلى هؤلاء المنجمين، فيستعين بهم
ويسألهم عن مستقبل حياته، وما يجري عليه
فيه، وعن زواجه وغير ذلك.
ومن ادعى علم الغيب أو صدق من
يدعيه، فهو مشرٌ؛ لأنه يدعي مشاركة الله
فيما هو من خصائصه، والنجوم مسخرة
مخلوقة، ليس لها من الأمر شيء، ولا تدل
على نحوس، ولا سعود، ولا موت، ولا
حياة، وإنما هذا كله من أعمال الشياطين
الذين يسترقون السمع.
وقد ورد النهي عن ذلك في بعض
أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، منها:
(٢) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي
٢٣١/١٠-٢٣٢، فتح الباري، ابن حجر
٠٢١٧/١٠
٥٢
مَوسُو
القرآن الكريم

الاستعانة
عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه
وسلم عن النبي صلی الله عليه وسلم قال:
((من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه، لا
تقبل له صلاة أربعين يومًا))(١).
وعن عمران بن حصین مرفوعًا: «ليس
منا من تَطير أو تُطير له، أو تكهن أو تُكهن
له، أو سَحر أو سُحر له، ومن أتى كاهنا
فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على
محمد صلی الله عليه وسلم))(٢).
وأما حكم هؤلاء الدجالین والمشعوذين،
ومن يدعون علم الغيب، ومن یذهب إليهم،
فحکمهم فيما يلي(٣):
أن الذین یدعون علم الغيب: إن كانوا من
أولياء الشيطان الذين تتنزل عليهم الشياطين
فهم كفار.
قال الله تعالى: ﴿هَلْ أُتَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ
الشَّيَاطِينُ ( تَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَنِمِ ) يُلْقُونَ
السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢١ -
٢٢٣].
وقد نص القرآن على أن الذين تنزل
عليهم الشياطين هم أولياء الشياطين ﴿وَإِنَّ
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام،
باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان، رقم
١٧٥١/٤،٢٢٣٠.
(٢) أخرجه البزار في مسند، ٩/ ٥٢.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
٢٢٨/٥.
(٣) انظر: شرح السنة، البغوي ١٨٣/١٢، مجموع
الفتاوى، ابن تيمية ٣٥/ ١٩٢.
الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمْ﴾
[الأنعام: ١٢١].
ومن كان وليًا للشيطان لا يمكن أن
يكون وليًا للرحمن ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ
وَلِيَا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا
قُبِينًا﴾ [النساء: ١١٩].
وإن كان من أدعياء الغيب الذين يدجلون
على الناس، ويقولون بالخرص والتخمين،
ولكنهم يخدعون الناس زاعمين أن لديهم
القدرة على الاطلاع على الغيب من خلال
الخط بالرمل، والنظر في اليد والفنجان
وما أشبه ذلك؛ فهؤلاء ضالون يستحقون
التأنيب والتعزير، ولا نحكم عليهم بالكفر
ما لم يعتقدوا حل ذلك.
ومثل هذا يقال في الذين يأتون الكهان،
فإن كانوا جازمين باستباحة ذلك، وصدقوهم
فیما يدعون فهذا كفر؛ لأن هؤلاء كذبوا الله
في خبره أنه وحده عالم الغيب ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ
مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ﴾ [النمل:
٦٥].
﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَ
و قوله:
غَيْهِهِ، أَحَدًا (٦) إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾
[الجن: ٢٦ - ٢٧].
وقوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِعُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا
إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وقد سئل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه
الله تعالى عن قوله صلى الله عليه وسلم:
www. modoee.com
٥٣

حرف الألف
((من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر الرمل ونحو ذلك ممن يدعون قراءة الكف
بما أنزل على محمد)». هل هذا الكفر ناقل والأبراج وغيرهم، فلا يستعين بهم في أمر
من الأمور، وخاصة الغيبية.
عن الملة ؟ فأجاب «اختلف أهل العلم فیه،
٣. الاستعانة بالجن:
فقيل: إنه لا يخرجه من الإسلام، بل هو من
العصاة من أهل الإسلام المتغلظة معاصيهم،
وإلا لو كان كافرًا لما قيد الوعيد بأربعين،
يعني قوله: ((لم تقبل له صلاة أربعين يوما)».
وقيل: إن هذا الحديث من أحاديث
الوعيد فيُمَرُّ كما جاء، ولا يتعرض له بتأويل،
وهذا قول أحمد وعامة السلف؛ لأن ذلك
أبلغ في الردع عن الجرائم. فالأول ليس من
التأويل، وهو تأدب في المعنى مع اللفظ،
والثاني تأدب مع اللفظ، وكلٌ مصيب))(١).
والراجح أن أحاديث الوعيد ثُمَرُ كما
جاءت، ولا يتعرض لها بتأويل؛ لأن ذلك
أبلغ في الردع عن الجرائم.
وكذلك المنجم والضارب بالحصى
والودع، لكن عدم كفر الواحد منهما ما لم
یعتقد إباحته، فإن اعتقد إباحته فهو مرتد.
وخلاصة القول: إن الواجب على كل
مسلم أن يحذر من الدجاجلة والكذابين
المدعين لعلم الغيب، المفترين على الله،
الذين ضلوا في أنفسهم وأضلوا كثيرًا وضلوا
عن سواء السبيل، كالسحرة والكذابين
والمنجمين، وقارئي الفناجين، وضاربي
(١) مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم
٠١٦٤/١
جعل الله بحكمته الباهرة بين الثقلين
حواجز، ومخاوف، واختلافًا بين الطبيعتين؛
لیعبد کل منهما ربه کما شرع له، من غير
استعانة بالآخر، وإذا ما استعان أحدهما
بالآخر ففي حدود ضيقة بما شرع لهما،
ويضوابط دقيقة لا يحسنها إلا أهل العلم
الراسخون فيه حتى لا يقع منكر، إلا أن
الشياطين من الجن والإنس خالفوا أمر
ربهم، وقالوا وعملوا ما لم يشرعه لهم،
وحرص إبليس وجنوده على هذه المسألة؛
لأنها من أعظم طرقهم في الإضلال
والتلبيس.
ولهذا التجاوز للمشروع حصل كثير من
المنكرات العظيمة في هذین البابین، ووقع
في الشرك والكفر بسبب هؤلاء الشياطين
- وهم كفرة الجن- أو فساقهم أكثر الخلق
من قديم الزمان- نسأل الله العافية-كما
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ.
فَأَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَمَا كَانَ
لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ
مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِ شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢٠ - ٢١]
ويتأمل كلام أهل العلم في مسألة
٥٤
القرآن الكريم

الاستعانة
الاستعانة بالجن نجد أنها أربعة أنواع، ولكل اُلْإِنسِّ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا أَسْتَمْتَعَ
بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِىَّ أَجَّلْتَ لَنَّأَ قَالَ
نوع حكم خاص(١):
النَّارُ مَثْوَنَكُمْ خَلِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ
، عَلِيمٌ ﴾
حَكِيمُ
[الأنعام: ١٢٨].
النوع الأول: استعانة بالجن تفضي إلى
وقوع الشرك الأكبر من أحد الطرفين، وهذا
كفر لا نزاع فيه، وهي مثل أن يستعين بهم
الإنسي أو يستغيث فيما لا يقدر عليه إلا
الله، وهذا شرك ممنوع باتفاق المسلمين.
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ
مِّنَ آلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ اَلْجِنّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾
[الجن: ٦].
قال أبو جعفر بن جرير: ((يقول تعالى
ذكره مخبرًا عن قیل هؤلاء النفر: وأنه كان
رجال من الإنس يستجيرون برجال من
الجن في أسفارهم إذا نزلوا منازلهم، وكان
ذلك من فعلهم فیما ذکر لنا».
ثم روى عن ابن عباس أنه قال: كان
رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في
الجاهلية فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي،
فزادهم ذلك إثمًا.
وروى عن الحسن أنه قال: كان الرجل
منهم إذا نزل الوادي فبات به قال: أعوذ
بعزيز هذا الوادي من شر سفهاء قومه(٢).
وقد بين تعالى أن هذه الاستعانة كانت
سببًا للخلود في النار، فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ
يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَمَعْشَرَ لَلِنِّ قَدِ أُسْتَكْثَرْتُم مِّنَ
(١) انظر في هذه الأنواع: مجموع الفتاوى، ابن
تيمية ٩١/١٣-٩٢، ٣٠٧/١١.
(٢) جامع البيان، الطبري ٣٢٢/٢٣.
النوع الثاني: استعانة بهم هي تعاون على
الإثم والعدوان لا تصل إلى الكفر، كأن يقدم
أي طرف منهما للآخر أي شيء فيه معصية،
فهو محرم بالاتفاق أيضًا.
ومثال هذا النوع، أن يسرق له الجني
مالًا، أو يتعاونا على أكل أموال الناس
بالباطل بأي نوع من أنواع الحيل أو غيرها،
أو في الفواحش.
يقول شيخ الإسلام: ((وآخرون شر من
هؤلاء يستخدمون الجن في أمور محرمة،
من الظلم والفواحش، فيقتلون نفوسًا
بغير حق، ويعينونهم على ما يطلبونه من
الفاحشة، کما یحضرون لهم امرأة أو صبيًا
أو يجذبونه إليه. وآخرون يستخدمونهم
في الكفر، فهذه الأمور ليست من کرامات
الصالحين، وأما استخدامهم في المحرمات
فهو حرام»(٣).
النوع الثالث: أن يستعين الإنسي بهم
على مباحات وبسبب مباح، ولكن استعانة
تفضي إلى محرم أو شرك، فهو حرام أيضًا
أو شرك أصغر؛ لأن ((الوسائل لها حكم
المقاصد)»، فيمنع من ذلك بناءً على القاعدة
(٣) النبوات، ابن تيمية ص١٢٥.
www. modoee.com

حرف الألف
المتينة الأصيلة قاعدة ((سد الذرائع))،
وقواعد درء المفاسد الراجحة أو المساوية
للمصلحة، فما أفضى إلى محرم فهو محرم
على التحقيق، وإن كان في الأصل مباحًا.
النوع الرابع: الاستعانة بهم على
مباحات، ويأسباب مباحة، ولا يفضي ذلك
إلى محرم، وليس ذريعة إليه؛ كالاستعانة
بالجن في الرقية والعلاج ونحو ذلك، فهذه
التي حصل فيها النزاع بين أهل العلم ما بين
مجيز بضوابط (١) ومانع (٢).
والراجح في هذه المسألة أن الاستعانة
بالجن في الرقية والعلاج ونحو ذلك محرمة
ويجب المنع منها والتحذير، وعدم التهاون
فيها؛ لأنها شديدة الخطورة، وإفضاؤها إلى
المحرم قريب، وخاصة في هذه الأزمان،
وأما في غير ذلك من المباحات فبالضوابط
التي ذكرها المجیزون، ویکون الحکم: إما
الكراهة الشديدة، وإما التحريم على القول بل للمشركين كذلك، حقيقة القوة الإلهية
الغالبة على هذا الكون ومن فيه))(٣).
الآخر.
وأختم هذه المسألة بقول سيد قطب
رحمه الله عند كلامه على قوله تعالى:
﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ أَّنْ تُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ
تُتْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢].
(١) انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية ٣٠٧/١١،
المدخل، ابن بدران ص ٤٣٨، القول المفيد
على كتاب التوحيد، ابن عثيمين ٢/ ٥٠.
(٢) انظر: الأحكام السلطانية، أبو يعلى الفراء
ص٣٠٨، المغني، ابن قدامة ٣٠٤/١٢.
فعندما أسلم نفر من الجن في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم قالوا: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن ◌َّن
تُعْجِزَ اَللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ تُمْجِزَهُ, هَرَبًا﴾.
(فهم يعرفون قدرة الله عليهم في
الأرض، ويعرفون عجزهم عن الهرب
من سلطانه سبحانه والإفلات من قبضته،
والفكاك من قدره. فلا هم يعجزون الله
وهم في الأرض، ولا هم یعجزونه بالهرب
منها. وهو ضعف العبد أمام الرب، وضعف
المخلوق أمام الخالق، والشعور بسلطان
الله القاهر الغالب. وهؤلاء الجن هم الذين
يعوذ بهم رجال من الإنس! وهم الذين
يستعين بهم الإنس في الحوائج! وهم الذين
جعل المشركون بين الله سبحانه وبينهم
نسبًا! وهؤلاء هم يعترفون بعجزهم وقدرة
الله، وضعفهم وقوة الله، وانكسارهم
وقهر الله، فیصححون، لا لقومهم فحسب
ثالثًا: الاستعانة المباحة:
من الأسباب التي شرع الله الأخذ بها
الاستعانة بالمخلوق الحاضر القادر على
أمر يقدر عليه، وهذه على حسب المستعان
عليه، فإن كانت على بر أو مباح فهي جائزة
للمستعين مشروعة للمعين.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٧٣٢.
٥٦
القرآن الكريم

الاستعانة
وهذه الاستعانة تكون في الأمور الدينية البر والتقوى.
والدنيوية، فالاستعانة الدينية: كأن يستعين
بمن تقدمه في طلب العلم أن يتعلم منه،
أو يستعين بالقارئ المتقن أن يضبط له
الحروف ويضبط له القراءات، أو يستعين
بالمفتي أن یفتي له، أو يستعين بالحاج
العالم في مناسك الحج أن يبين له مناسك
الحج.
وأما الاستعانة في الأمور الدنيوية: كأن
يقترض قرضًا، أو يأخذ مالًا، أو هبة من
أخيه، فهذه الاستعانة تجوز، وليس فيها ثمة
شيء.
والدليل على ذلك عموم قول الله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالنَّقْوَى ﴾ [المائدة: ٢].
فهذه استعانة أباحها الله جل في علاه
في كتابه، وأيضًا عموم قول النبي صلى الله
عليه وسلم: ((من استطاع منكم أن ينفع أخاه
فليفعل))(١). وهذه كأنها أمر من النبي صلى
الله عليه وسلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((اشفعوا إلى أحسن الغايات، ويوصل إلى الغرض
تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما
يشاء)»(٢). فهذه أيضًا من باب التعاون على
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام،
باب استحباب الرقية من العين والنملة، رقم
٠١٧٢٦/٤،٢١٩٩
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها،
رقم ١٤٣٢، ١١٣/٢، ومسلم في صحيحه،
كتاب السلام، باب استحباب الشفاعة فيما
ومما ذكره القرآن من أمثلة على الاستعانة
في أمور البر بالحي القادر: ما جاء في قول
موسى عليه السلام: ﴿وَأَجْعَل ◌ِّيِ وَزِيْرًا مِنْ أَهْلِىِ
(٦) مُونَآَخِی(٣) آشْدُدِهِ= آزرِی﴾ [طه: ٢٩-
٣١].
قال مقاتل بن سليمان: ((﴿أَشْدُدْ بِهِ.
آزری﴾ یقول: اشدد به ظهري، ولیکون
عونًا لي، وأشركه في أمري الذي أمرتني به،
يتعظون لأمرنا، ونتعاون كلانا جميعًا)»(٣).
وقال السعدي: ((علم عليه الصلاة
والسلام أن مدار العبادات كلها والدين
علی ذکر الله، فسأل الله أن يجعل أخاه معه
يتساعدان، ويتعاونان على البر والتقوى،
فیکثر منهما ذکر الله من التسبيح والتهليل،
وغيره من أنواع العبادات)»(٤).
وقال المراغي: ((أي أحكم به قوتي،
واجعله شريكي في أمر الرسالة؛ حتى
نتعاون على أدائها على الوجه الذي يؤدي
على أجمل السبل»(٥).
وكذلك ما قصه القرآن عن ذي القرنين.
قال تعالى: ﴿حَّ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ
مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلً ا
ليس بحرام، رقم ٢٦٢٧، ٢٠٢٦/٤.
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان ٢٦/٣.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٠٤.
(٥) تفسير المراغي ١٦ / ١٠٧.
www. modoee.com
٥٧

حرف الألف
قَالُواْ يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ما سألتموني من السد بينكم وبين هؤلاء
القوم ربي، ووطأه لي، وقواني علیه، خيرٌ
فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْمًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَا وَبَيْنَهُ سَدًّا )
قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِى خَيْرٌ فَأَعِينُونِ بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُمْ رَوْمًا﴾ [الكهف: ٩٣ - ٩٥].
من جعلكم، وأجرتكم التي تعرضونها علي
لبناء ذلك، وأكثر وأطيب، ولكن أعينوني
منكم بقوة، أعينوني بفعلة وصناعٍ يحسنون
العمل والبناء»(١).
٢٠٠٧٠٠٠
بعد أن ساهم ذو القرنين في نهوض
الشعوب البدائية الفقيرة وتنويرها في
أقصى الغرب والشرق، توجه بهذا الخير
إلى موضعٍ عبر عنه القرآن بأنه بين السدین،
منطقة يحيط بها جبلان شاهقان وعران،
حيث يتسلل المفسدون من قوم يأجوج
ومأجوج إلى البلاد المجاورة، ينهبون
ثرواتها ويعيثون فيها فسادًا، فطلب أولئك
المستضعفون المنكوبون من ذي القرنين
أن يحميهم من أولئك المعتدین، واقترحوا
عليه أن يبني سدًا منيعًا يحجزهم، على أن
يجمعوا له ما يشاء من أموال وثروات، فقال
لهم: ﴿مَا مَكِِّى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ فَأَعِينُونِىِ بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ
٥٠٠٧٠٠١٠٠
بَيْنَكُمْ وَيَّنَهُمْ رَدْمًا﴾.
أجابهم هذا القائد الزاهد والإمام الراشد
إلى مطلبهم دون مقابلٍ، فهو صاحب رسالة
إصلاح يؤديها في ربوع الكون، فهل يطمح
إلى أعراض الدنيا الزائلة أم يجنح إلى همم
قاصرة؟ وقد وهبه الله تعالى من العلم
والتمكين والفهم والتوفيق ما زاده طاعة
وانقیادًا، وعزمًا واجتهادًا؛ في غرس بذور
الخير أينما حل.
((قال ذو القرنين: الذي مكنني في عمل
((وهذا تأييد من الله تعالى لذي القرنين
في هذه المحاورة؛ فإن القوم لو جمعوا له
خرجًا لم يعنه أحد ولو كلوه إلى البنيان،
ومعونته بأنفسهم أجمل به وأسرع في
انقضاء هذا العمل، وربما أربى ما ذكروه له
على الخرج)»(٢).
ومن صور الاستعانة المباحة في أمور
البر التي وردت بها السنة: دعاء الصالح
الحي، فقد ثبت في صحيح مسلم أن أهل
الكوفة وفدوا إلى عمر، وفيهم رجل ممن
کان یسخر بأویس، فقال عمر: هل هاهنا
أحد من القرنيين؟ فجاء ذلك الرجل، فقال
عمر: إن رسول الله صلی الله عليه وسلم
قد قال: ((إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال
له أویس، لا یدع بالیمن غیر أم له، قد کان
به بياض، فدعا الله فأذهبه عنه، إلا موضع
الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر
لكم»(٣).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/ ١١٣.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/ ٦٠.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل،
باب من فضائل أويس القرني، رقم ٢٥٤٢،
مُوسُوبَةُ الَِّـ
القرآن الكريم
٥٨

الاستعانة
وورد أن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه قال للعباس عندما وقع الجدب: کنا
إذا أجدبنا توسلنا بدعاء نبينا، فقم يا عباس!
وادع الله لنا، فقام العباس ودعا (١).
خلاصة القول: إن الاستعانة المباحة
هي: استعانة بالآخرین فیما يقدرون عليه،
ولابد من ثلاثة شروط فيمن يستعان بهم: أن
يكون حيًا حاضرًا قادرًا، فلو تخلف واحد
من الثلاثة فهي استعانة شركية محرمة.
١٩٦٨/٤.
(١) انظر: المجالسة، الدينوري، رقم ٧٢٧.
أقسام الناس في الاستعانة
الناس في الاستعانة على أقسام، وبيانها
فيما يلي(٢):
الأول: أهل العبادة والاستعانة بالله
عليها:
أفضل أنواع الاستعانة وأكملها وأحبها
إلى الله: الاستعانة بالله على طاعة الله،
و کلما كان المؤمن أشد حبًا لله، ورجاء في
فضله، وخوفًا من سخطه وعقابه كان على
هذا الأمر أحرص، وعرف أن حاجته إليه
أشد.
والمؤمن مأمور بأن يستعين الله تعالى
في جميع شؤونه، حتى في شسع نعله، فإنه
إذا لم ییسره الله لم يتيسر.
وهذا هو دأب الصالحين، ودأب خيار
الناس، ودأب الصلحاء من البشر الذين
استعانوا بربهم على إقامة الدين، وهؤلاء
البشرهم الأنبياء والمرسلون الذين استعانوا
بربهم، وأظهروا لنا هذه العبادة الجليلة.
فهذا خطيب الأنبياء شعيب عليه السلام
كان يقول: ﴿وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ﴾ [هود: ٨٨].
وأيضًا قال نوح عليه السلام: ﴿يَقَوْمِ
إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِثَايَتِ اللَّهِ
(٢) انظر في هذه الأقسام: مدارج السالكين ١/
٩٠ - ٩٤.
www. modoee.com
٥٩

حرف الألف
فَعَلَى اَللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْعُوْ أَقْرَكُمْ وَشُرَّكَآءَكُمْ
ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ أَقْضُواْ إِلَىَّ وَلَا
تُنظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١].
لا يقول لهم: كفوا عنى أو ابتعدوا عنى،
ولا تؤذوني، وإنما يقول لهم: اجمعوا کل ما
عندكم أنتم وشركاؤكم، وکیدوني بکل ما
تقدرون علیه من کید ولا تؤخروني لحظة،
فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن
عليكم أمركم غمة، لا تترددوا ﴿ثُمَّ أَقْضُواْ
إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ﴾ لأنه توكل على الله عز
وجل ، واستعان بربه سبحانه وتعالى.
وقال هود عليه السلام مثلها حين قال
قومه له: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَنكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا
بِسُوءٌ قَالَ إِّ أَشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُواْ أَنِّ بَرِىٌّ مِّمَّا
تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ، فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُوَّ لَا
تُظِرُونِ ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٥].
أي اجتمعوا على كيدي
فَكِيدُوني
﴿ثُمَّ لَا نُظِرُونٍ﴾ أي لا تؤخروني ولا
تعطوني مهلة، لماذا؟
﴿إِنِّ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّ وَرَبِّكُمْ مَّا مِنْ
دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَاْ إِنَّ رَبِي عَلَى صِرَطِ
مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦
سبحان الله! هذا القدر العظيم من
التوكل على الله والاستعانة بالله جعله
پحثهم -استهتارًا بمکرهم واستهانة بملكهم
وتخطیطھم - یحثهم علی أن یکیدوا له، وأن
يجتمعوا على ذلك؛ لأنه متوكل على من
خلقهم ومستعين بمن نواصيهم بيده ﴿مَامِن
دَابَةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾.
وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
كان أكثر ما يكون في حياته اليومية أنه
يستعين بالله، وكان دائمًا يقول كما في
الترمذي بسند صحيح: ((اللهم أعني على
ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»(١).
لذلك فما من نبي وما من صالح إلا قد
استعان بالله علی طاعة الله.
وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم
على غرس هذه المعاني العظيمة في قلوب
أصحابه وأمته، فقد قال في الوصية الجامعة
لابن عباس: ((وإذا استعنت فاستعن بالله))(٢).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((احرص
على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز))(٣).
فالحرص على ما ينفع عام في أمور
الدين والدنيا.
والاستعانة بالله تكون بطلب عونه
وتأییده وتحقیق ما ينفع.
والعجز هو ترك بذل السبب مع إمكانه؛
فنھي عنه.
وقد رتب النبي هذه الكلمات الثلاث
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر،
باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة
بالله وتفويض المقادير لله، رقم ٢٦٦٤،
٤/ ٢٠٥٢.
٦٠
جوبيبو
القرآن الكريمِ

الاستعانة
ترتيبًا بديعًا لتوافق الحال؛ فإن معرفة الثاني: أهل الإعراض عن العبادة
والاستعانة به في مرضاته:
المطلوب ومعرفة نفعه والحرص عليه
متقدمة على الاستعانة على تحقيقه، وبعده
الاستعانة؛ فيطلب العون من ربه على تحقيق
ما ینفعه، وأن یھدیہ لکیفیة تحصیلہ، ثم يبذل
الأسباب التي أذن الله بها.
فالاستعانة بالله لا تعني إهمال الأخذ
بالأسباب، ولا التعلق بالأسباب على أنها
الفاعلة، إنما القلب يتعلق بالله، والجوارح
تعمل بالأسباب التي هيأها الله في الكون.
وخلاصة القول: إن أفضل الخلق
هم الذين أخلصوا العبادة والاستعانة لله
تعالى، فحققوا ﴿إِنَّكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾
[الفاتحة: ٥].
وهؤلاء بأفضل المنازل؛ فإنهم استعانوا
بالله تعالى على عبادة الله، وحققوا المعنى
الحقيقي للاستعانة، وذلك بأمرين:
أحدهما: التجاء القلب إلى الله تعالى،
والإيمان بأن النفع والضر بيده، وأنه مالك
الملك ومدبر الأمر، ما شاء كان وما لم يشأ
لم یکن، وأنه سمیع علیم وقريب مجيب،
فیستعین به راجيًا إعانته.
والآخر: بذل الأسباب التي هدى الله
إليها وبينها، فيبذل في كل مطلوب ما أذن
الله تعالى به من الأسباب.
من الناس من يغلب عليه الاستعانة
بالله لتحقيق المطالب الدنيوية حتى تشغله
عن المطالب الأخروية، فإن تحقق له ما
يطلب من أمور الدنيا فرح به، وإن حرمه
ابتلاء واختبارًا جزع وسخط؛ فهذا النوع
في قلوبهم عبودية للدنيا، وقد تعجل لهم
مطالبهم فتنة لهم، ثم تكون عاقبتهم سيئة؛
فإنهم شابهوا الكفار فیما ذمهم الله به.
فقال تعالى: ﴿مِّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ
عَبَّلْنَا لَهُ، فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُّرِيْدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ.
جَهَتَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا () وَمَنْ أَرَادَ
اَلَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ
كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ( كُلَّا نُّمِّدُّ هَؤُلَاءِ
وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكْ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ
مَخْطُورًا ، أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى
بَعْضِّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ نَفْضِيلًا﴾
[الإسراء: ١٨ - ٢١].
وقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ
لَهُ فِى حَرْئِهِ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرّثَ الدُّنْيَا تُؤِّْهِ.
مِنْهَا وَمَا لَهُ, فِ الْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى:
٢٠].
وقال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ
الذُّنْيَا وَزِينَنَّهَا نُوَقٍ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيَهَا وَهُمْ فَِهَا
لَا يُبْخَسُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ
إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلٌ مَّا
www. modoee.com
٦١

حرف الألف
كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
وأصل بلاء الكفار إيثارهم الحياة الدنيا
على الآخرة، كما قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ
اُلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ خَيَّرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:
١٦ - ١٧].
وقال: ﴿اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ
وَمَا فِى الْأَرْضُِّ وَوَيْلٌ لِلْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ
شَدِيدٍ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا
عَلَى الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢ - ٣].
وقال: ﴿فَمَّا مَنْ طَغَى ال) وَءَاثَرَ الْحَيَّوَةَ الدُّنْيَاَ
﴿ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى﴾
[النازعات: ٣٧-
٣٩].
فهذا القسم هم الذين استعانوا بربهم،
لكن ما استعانوا على العبادة، وإنما استعانوا
على رغيف العيش، واستعانوا على الدرهم
والدينار، واستعانوا على الدنيا، فهؤلاء ما
استعانوا الاستعانة الحقة، فالاستعانة الحقة:
أن يستعين بقدرة الله على عبادة الله جل في
علاه، والله قد تكفل لهم بهذا الرزق، لكنهم
لما جهلوا جهلاً مركبًا قالوا: الاستعانة نأخذ
بها على أمر الدنيا لا على أمر الآخرة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نفث
في روعي الروح الأمين أنه لن تموت نفس
حتى تستوفي أجلها ورزقها)(١). فأنت
قد تكفل الله لك بالرزق الذي خلقه لك،
(١) أخرجه الشافعي في مسنده ص٢٣٣.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
٦ /٨٦٥.
فانشغل أنت بما خلقت له وهي العبادة.
الثالث: من له نوع عبادة بلا استعانة، أو
باستعانة ناقصة:
وهم المبتدعة الضالة -وهم أهل عبادة-
وهم: القدرية والمعتزلة، فهؤلاء يجتهدون
في العبادة لله، لكنهم لا يستعينون بالله على
أداء هذه العبادة؛ لأنهم يعتقدون أن الله لا
يخلق أفعال العباد، والعبادة أفعال تخرج
منهم، وهذه الأفعال هم يخلقونها، لكنهم لا
ینکرون فضل الله علیھم کاملا، فهم يقولون:
إن الله خلق لنا آلات نستعين بها على
العبادات، كالسمع فنسمع القرآن، ونسمع
الأذان فنذهب نصلي، وكالبصر فنقرأ القرآن
ونعقل عن الله أوامره، ونقرأ أحاديث النبي
صلى الله عليه وسلم، وكالماء خلقه الله
لنتوضأ، وكالطعام نستعين به على الطعام،
فهم يريدون الاستعانة بأنفسهم، وجعلوا
أنفسهم خالقین مع الله تعالى، ولذلك قال
بعض علمائنا: إن المعتزلة أصحاب أجرة،
يقولون: الجنة لنا بأعمالنا وليست برحمة
الله جل في علاه، مع أن النبي صلى الله
عليه وسلم يقول: (لا يدخل أحدكم الجنة
بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:
ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)(٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المرضى، باب تمني المريض الموت، رقم
٥٦٧٣، ١٢١/٧، ومسلم في صحيحه، كتاب
جَوَسُولُ النَّقِين
القرآن الكْرِيْمِ
٦٢

الاستعانة
فهؤلاء قد ضلوا في باب الاستعانة،
وما حققوا قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ نَعْبُهُ وَإِنَّكَ
نَسْتَعِيرُ ﴾ [الفاتحة: ٥].
فما سددوا وما وفقوا، بل خسروا كثيرًا،
ونسأل الله جل وعلا أن يهدينا وإياهم سواء
السبيل.
وخلاصة القول: إن العباد كلهم مجبولون
على الاستعانة بالله تعالى والتوكل عليه في
شؤونهم، ولكن حسن الاستعانة والتوكل
یختلفان من قلب إلی قلب، ومن شخص
إلى شخص، فبقدر قوة الإيمان واليقين عند
العبد بقدر ما يقوي عامل الاستعانة بالله،
وحسن الظن به، وتسليم الأمر له؛ لعلم
القلب بحاجته إلى فضل الله تعالى وتيسير
أمره.
صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل
أحد الجنة بعمله، رقم ٢٨١٦، ٤ /٢١٦٩.
مجالات التعاون بين الخلق
مجالات التعاون بين الخلق كثيرة
ومتنوعة، منها ما هو مشروع، ومنها ماهو
ممنوع محرم، وبيانها فيما يلي:
أولًا: التعاون المشروع وفوائده:
من القيم الإنسانية الرائعة والأسس
الحضارية الرصينة للمجتمع المسلم التعاون
الإنساني، فالتعاون ضرورة من ضرورة
الحياة، ولولاه لما استقامت، فالإنسان لا
ینهض وحده بكل متطلبات الحياة، بل جعل
الله الناس متفاوتين متفاضلين؛ ليكمل
بعضهم بعضًا، ويخدم بعضهم بعضًا، هذا
على مستوى الأفراد والشعوب، كذلك على
مستوى الأمم.
قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكْ
◌َحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَاْ وَرَفَعْنَا
بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم
بَعْضَّا سُخْرِنَّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَا يَجْمَعُونَ﴾
[الزخرف: ٣٢].
((﴿فَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِشَتَهُمْ ﴾ أي أسباب
معيشتهم في الحياة الدنيا قسمة تقتضيها
مشيئتنا المبنية على الحكم والمصالح،
ولم نفوض أمرها إليهم، علمًا منا بعجزهم
عن تدبيرها بالكلية، ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ
بَعْضٍ﴾ في الرزق وسائر مبادئ المعاش
﴿دَرَجَاتٍ﴾ متفاوتة بحسب القرب والبعد،
www. modoee.com
٦٣

حرف الألف
حسبما تقتضيه الحكمة فمن ضعيفٍ وقوي،
وفقير وغني، وخادم ومخدوم، وحاكم عمل كل جزء من أجزائها، أيًا كان وضعه
فيها، وأيًا كانت قيمته الذاتية بين أجزائها،
بل إنهم أشبه بالجسد الإنساني في تجاوب
أعضائه جميعًا في العمل على كل ما من
شأنه أن يحفظ عليه حياته، ويوفر له أمنه
وسعادته)»(٣).
ومحكوم؛ ﴿لَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرًِا﴾؛
ليصرف بعضهم بعضًا في مصالحهم،
ويستخدموهم في مهنهم، ويسخروهم في
أشغالهم؛ حتى يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا
إلى مرافقهم)»(١).
﴿وَلَّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِنَّا وَرَحْمَتُ
رَيِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ((أي ليستعمل
بعضهم بعضًا في مصالحهم، ويستخدموهم
في مهنهم، ويسخروهم في أشغالهم، فإن
کل صناعة دنيوية يحسنها قومٌ دون آخرین،
فجعل البعض محتاجًا إلى البعض؛ لتحصل
المواساة بينهم في متاع الدنيا، ويحتاج
هذا إلى هذا وبالعكس، ويصنع هذا لهذا،
ويعطي هذا لهذا؛ حتى يتعايشوا، ويترافدوا،
ويصلوا إلى مرافقهم))(٢).
((فالناس بحكم هذا الاختلاف القائم
بينهم، وبحسب استعدادهم الفطري، وحکم
ظروفهم وأحوالهم هم جميعًا مسخرون،
أي يخدم بعضهم بعضًا، ليس فيهم خادم
ومخدوم، بل کلهم يخدم ويخدم، ويستوي
في هذا العالم والجاهل، والزارع، والصانع،
والقوي والضعيف، والحاكم والمحكوم،
إنهم جميعًا أشبه بالآلة الميكانيكية، لا
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤٦/٨.
(٢) الأنوار الساطعات لآيات جامعات، عبدالعزيز
السلمان ص ٤٩٧ .
تكون آلة عاملة، ذات قوة محركة، إلا إذا
عن قتادة قال: قال الله تبارك وتعالى:
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَيِّكَ شَخْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم
مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ ((فتلقاه ضعيف
الحيلة، عبي اللسان، وهو مبسوط له في
الرزق، وتلقاه شديد الحيلة، سليط اللسان،
وهو مقتور عليه.
قال الله جل ثناؤه: ﴿فَتْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم
مَّعِيشَتَهُمْ فِ الْحَيَوِ الدُّاَ﴾ كما قسم بينهم
صورهم وأخلاقهم، تبارك ربنا وتعالى))(٤).
لقد عرف الناس هذه الحقيقة منذ كان
لهم وجود اجتماعي، بل إن هذا الوجود
الاجتماعي نفسه إنما دعتهم إليه حاجة
بعضهم إلى بعض، وخدمة بعضهم لبعض ..
وهذا ما يشير إليه المعري بقوله (٥):
والناس بالناس من حضر وباديةٍ
بعضٌ لبعضٍ، وإن لم يشعروا خدم
والتعاون بين البشر من فطرة الله التي
(٣) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب
٣٧٥/٢.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٥٩٥.
(٥) انظر: ديوان أبي العلاء المعري ١٢٠٣/١.
موسوبر النفسية
القرآن الكريم
٦٤

الاستعانة
فطر الناس عليها.
يقول ابن خلدون في مقدمته: ((الإنسان
قد شارکته جمیع الحيوانات في حیوانیته،
من الحس والحركة والغذاء والكن وغير
ذلك، وإنما تميز عنها بالفكر الذي يهتدي
به؛ لتحصيل معاشه والتعاون عليه بأبناء
جنسه، والاجتماع المهيء لذلك التعاون،
وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالی
والعمل به، واتباع صلاح أخراه)) (١).
وقال: «قد عرف وثبت أن الواحد من
البشر غير مستقل لتحصيل حاجاته في
معاشه، وأنهم متعاونون جمیعًا في عمرانهم
على ذلك، والحاجة التي تحصل بتعاون
طائفة منهم تشتد ضرورة الأکثر من عددهم
أضعافًا، فالقوت من الحنطة مثلًا لا يستقل
الواحد بتحصيل حصته منه، وإذا انتدب
لتحصيله الستة أو العشرة من حداد، ونجار
للآلات، وقائم على البقر، وإثارة الأرض،
وحصاد السنبل، وسائر مؤن الفلح،
وتوزعوا على تلك الأعمال أو اجتمعوا،
وحصل بعملهم ذلك مقدار من القوت، فإنه
حينئذ قوت لأضعافهم مرات، فالأعمال
بعد الاجتماع زائدة على حاجات العاملين
وضروراتهم»(٢).
ولقد دعا القرآن إلى التعاون بين الأفراد
(١) مقدمة ابن خلدون ص٤٢٩ .
(٢) المصدر السابق ص ٣٦٠.
والمجتمعات والأمم.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أَلْبِ وَالنَّقْوَىّ
وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنَّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢].
((وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على
البر والتقوى، أي: ليعن بعضكم بعضًا،
وتحاثوا على ما أمر الله تعالى ، واعملوا به،
وانتهوا عما نهى الله عنه، وامتنعوا منه))(٣).
قال ابن کثیر: ((یأمر تعالى عباده المؤمنين
بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البر،
وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن
التناصر على الباطل والتعاون على المآثم
والمحارم» (٤).
وقال الماوردي: «ندب الله سبحانه
إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له؛ لأن
في التقوى رضا الله تعالی، وفي البر رضا
الناس، ومن جمع بین رضا الله تعالی ورضا
الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته»(٥).
وقال السعدي: ((فإن في اجتماع
المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم
يصلح دينهم وتصلح دنياهم وبالاجتماع
يتمكنون من كل أمر من الأمور، ويحصل
لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف
ما لا يمكن عدها، من التعاون على البر
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٦/٦.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٢.
(٥) أدب الدنيا والدين، الماوردي ص ١٨٢.
www. modoee.com
٦٥

حرف الألف
والتقوى)) (١).
وسئل سفيان بن عيينة عن قوله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أَلْبِرِ وَالنَّقْوَى﴾ فقال: ((هو
أن تعمل به، وتدعو إلیه، وتعین فیه، وتدل
عليه))(٢).
وقال ابن القيم رحمه الله في تلك الآية:
((اشتملت هذه الآية على جميع مصالح
العباد في معاشهم ومعادهم، فيما بينهم
بعضهم بعضًا، وفیما بینھم وبین ربهم، فإن
كل عبد لا ينفك عن هاتين الحالتين وهذين
الواجبين: واجب بينه وبين الله، وواجب
بينه وبين الخلق، فأما ما بينه وبين الخلق من
المعاشرة والمعاونة والصحبة، فالواجب
عليه فيها أن يكون اجتماعه بهم وصحبته
لهم تعاونًا على مرضاة الله وطاعته، التي
هي غاية سعادة العبد وفلاحه، ولا سعادة له
إلا بها، وهي البر والتقوى اللذان هما جماع
الدين كله))(٣).
ثم بين أهمية التعاون على البر والتقوى
وأنه من مقاصد اجتماع الناس فقال:
((والمقصود من اجتماع الناس وتعاشرهم
هو التعاون على البر والتقوى، فيعين كل
واحد صاحبه على ذلك علمًا وعملًا، فإن
العبد وحده لا يستقل بعلم ذلك ولا بالقدرة
عليه؛ فاقتضت حكمة الرب سبحانه أن
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٤١.
(٢) حلية الأولياء، الأصفهاني ٧ / ٢٨٤
(٣) الرسالة التبوكية، ابن القيم ص٦ - ٧ .
جعل النوع الإنساني قائمًا بعضه ببعضه،
معينًا بعضه لبعضه)) (٤)
وهذا الكلام يدل قطعًا على أن توزيع
المهمات لإنجاز الأعمال من التعاون
المطلوب، وأن هذا التعاون بين الأفراد
ينتقل بعمل كل منهم؛ ليصبح وظيفة عامة
اجتماعية، تكفل العيش لعدد كبير من
المجتمع، فالتعاون بين الأفراد وتقسيم
العمل ظاهرتان ملازمتان للإنسان، ولا غنى
له عنهما، وأن تعاون المجموعة لا ینتج ما
یکفیهم فقط، وإنما یزید ويفيض.
وهذا كلام عام في الأمور الدينية
والدنيوية، فأما بالنسبة للتعاون الشرعي فإن
الأسباب الدافعة لدى المسلم للتعاون على
البر والتقوى والمشاركة في الخير عديدة،
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم
أسوة حسنة، فلقد كان يشارك أصحابه
مشاركة فعالة في السلم والحرب.
فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله
عنه: (کنا مع رسول الله صلی الله عليه وسلم
في الخندق، وهو یحفر ونحن ننقل التراب،
ويمر بنا، فقال: اللهم لا عيش إلا عيش
الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة)(٥).
للتعامل والعلاقات
فالإسلام ينظر
(٤) المصدر السابق ص ١٣ .
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب ما جاء في الصحة والفراغ وأن لا عيش
إلا عيش الآخرة، رقم ٦٠٥١.
٦٦
القرآن الكريم