النص المفهرس
صفحات 1-20
جَوْ عَدُ النفسية الموضوع
لِلْقُرْآن الْكَرِيْمِ
الاستدراجْ
عناصر الموضوع
مفهوم الاستدراج
٢٧٤
الاستدراج في الاستعمال القرآني
٢٧٥
الألفاظ ذات الصلة
٢٧٦
الاستدراج سنة إلهية
٢٧٨
الحكمة من الاستدراج
٢٨٣
مجالات الاستدراج
٢٨٩
مظاهر الاستدراج
٢٩٦
٣٠٢
نماذج قرآنية في الاستدراج
٣٠٩
عاقبة المستدرجين
المجلدالثانى
حرف الألف
مفهوم الاستدراج
أولًا: المعنى اللغوي:
يورد أهل اللغة وأصحاب المعاجم لفظة الاستدراج تحت مادة (درج)، والتي تأتي في
اللغة بعدة معانٍ، کما يلي:
١. بمعنى المضي والذهاب والرجوع، قال ابن فارس: ((درج، الدال والراء والجيم أصلٌ
واحد يدل على مضي الشيء والمضي في الشيء، من ذلك قولهم: درج الشيء، إذا
مضى لسبيله، ورجع فلانٌ أدراجه، إذا رجع في الطريق الذي جاء منه))(١).
٢. بمعنى المنزلة والرتبة: جاء في لسان العرب: ((درج البناء ودرجه، بالتثقيل: مراتب
بعضها فوق بعضٍ، واحدته درجة ودرجةٌ مثال همزةٍ، الأخيرة عن ثعلبٍ، والدرجة:
الرفعة في المنزلة (٢).
٣. بمعنى اللف والطي والإدخال: قال في بصائر ذوي التمييز: ((والإدراج: لف شيء في
شيء، يقال: أدرج فلان في أکفانه. ودرجه في الأمر تدریجًا، أي: جره إليه قليلا قليلًا.
واستدرج الله المرء: جره قليلًا قليلًا إلى العذاب))(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف الجرجاني الاستدراج بقوله: ((الاستدراج: أن يجعل الله تعالى العبد مقبول الحاجة
وقتًا فوقتًا إلى أقصى عمره للابتدال بالبلاء والعذاب)) (٤).
وقال الكفوي: الاستدراج: «هو أن يعطي الله العبد كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه
وضلاله وجهله وعناده فیزداد کل یوم بعدًا من الله تعالی»(٥).
وتعريف الكفوي أقرب لمعنى الاستدراج في القرآن، والذي جاء في قوله تعالى:
﴾ [الأعراف: ١٨٢].
(١٨٢
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٧٥/٢.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٢٦٦/٢.
(٣) بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢/ ٥٩٢.
(٤) التعريفات، الجرجاني ص٢٠.
(٥) الكليات، الكفوي ص ١١٣.
٢٧٤
مَوَسُولَةُ النَّ
للقرآن الكريم
الاستدااج
الاستدراج في الاستعمال القرآني
ورد (الاستدراج) في القرآن مرتين(١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
﴿َسَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: ١٨٢،
الفعل المضارع
٢
القلم : ٤٤]
وجاء (الاستدراج) في القرآن الكريم بصيغة صرفية واحدة، هي صيغة الفعل المضارع،
مبدوءة بسين الاستقبال ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾، والهاء مفعوله.
ومما يلاحظ في هذه الصيغة القرآنية تناسبها واتفاقها مع مدلول الاستدراج ومعناه،
فطول الكلمة وكثرة حروفها - في تسعة حروف-، وطول فترة نطقها لوجود السكون في
السين والدال، كل ذلك يتناسب مع معنى الاستدراج وهو الإمهال والإنظار للكافرين،
ويوحي («بطول المدة، مدة عدم انصياعهم، وخصوصًا في صيغة (استفعل) ففيها تصيير لهم،
وحركة جعلية متمهلة، وهذا ما يوحي به توالي المقاطع وتعددها مما يجسم طول فترة الغفلة
التي يكون فيها الكافرون)»(٢).
وهذا كله من جمال اللفظ القرآني وإعجازه، وأيضًا فإن مجيء مادة الاستدراج بصيغة
الفعل المضارع يدل على استمرار وتجدد هذه السنة الإلهية في الخلق، وهو أمر مشاهد في
كل زمان في إمهال الله تعالى للظلمة والكافرين واستدراجهم.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبدالله جلغوم، ص ٥٠٠.
(٢) انظر: جمالية المفردة القرآنية، ياسوف ص ١٨٥.
وانظر: وظيفة الصورة الفنية في القرآن، عبدالسلام الراغب ص٣٩٠.
www. modoee.com
٢٧٥
حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
١
الإمهال:
الإمهال لغة:
من مهل، بمعنى ((التؤدة والسكون، يقال: مهل في فعله، وعمل في مهلة، ويقال: مهلًا،
نحو: رفقًا ... وأمهلته: رفقت به))(١).
الإمهال اصطلاحًا:
التؤدة والسكون(٢)، فهو يتفق مع المعنى اللغوي للكلمة.
الصلة بين الإمهال والاستدراج:
الذي يظهر أن بين الإمهال والاستدراج عمومًا وخصوصًا، فالإمهال أعم من الاستدراج
من جهة السبب، فقد یمهل الله تعالی الإنسان ليتوب، وقد يمهله ليزداد إثمًا، وهو أخص من
الاستدراج من جهة أنه نوع من أنواعه، فالاستدراج يكون بإمهال بالعقوبة وتأخيرها، ويكون
بغير ذلك كالإمداد والإنعام.
الإملاء:
٢
الإملاء لغة:
(((ملي) الميم واللام والحرف المعتل كلمةٌ واحدةٌ. هي تدل على الزمن الطويل. وأقام
مليًا، أي: دهرًا طويلًا))(٣).
الإملاء اصطلاحًا:
((هو الإمهال والتأخير)) (٤).
الصلة بين الإملاء والاستدراج:
أن الإملاء: هو الإمهال والتأخير، والاستدراج: هو أنه كلما جدد العبد خطيئة جدد الله
له نعمة، وأنساه الاستغفار إلى أن يأخذه قليلًا قليلاً، ولا يباغته، وعلى هذا بينهما عموم
وخصوص، إذ کل استدراج إملاء ولیس کل إملاء استدراجًا (٥).
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٨٠.
(٢) التوقيف، المناوي ص٣١٩.
(٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٤٦/٥.
(٤) الفروق اللغوية، العسكري ص ٧٢.
(٥) انظر: المصدر السابق.
٢٧٦
مُؤَسُولَةُ الْبَشِد
القرآن الكريم
الاستدراج
الكيد:
٣
الکید لغةً:
هو المكر والخبث، والحيلة، والحرب(١).
الکید اصطلاحًا:
((إرادة مضرة الغير خفيةً وهو من الخلق الحيلة السيئة، ومن الله سبحانه وتعالى التدبير
بالحق لمجازاة أعمال الخلق)) (٢).
.
الصلة بين الكيد والاستدراج:
الكيد هو إرادة مضرة الغير بحيلة خفية، والاجتهاد في ذلك، وهو نوع من أنواع الاستدراج.
المكر:
٤
المكرلغة:
((الخديعة والاحتيال، وقال الليث: احتيالٌ في خفيةٍ))(٣).
المكر اصطلاحًا:
قال المناوي: ((المكر: من جانب الحق: إرداف النعم مع المخالفة، وإبقاء الحال مع سوء
الأدب، وإظهار الكرامات من غير جد. ومن جانب العبد: إيصال المكروه إلى الإنسان من
حيث لا يشعر)) (٤).
الصلة بين المكر والاستدراج:
المكر من الله استدراج بالنعم، فالمكر فيه استدراج وفيه زيادة أيضًا على الاستدراج
بحيث يكون قلب ذلك المستدرج آمنًا من كل جهة (٥).
(١) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ص٣١٦.
(٢) التعريفات، الجرجاني ص١٨٩، التوقيف، المناوي ص٢٨٦.
(٣) تاج العروس، الزبيدي ١٤/ ١٤٧.
(٤) التوقيف، المناوي ص٣١٢.
(٥) التمهيد لشرح كتاب التوحيد، صالح آل الشيخ ص٣٨٤.
www. modoee.com
٢٧٧
حرف الألف
الاستدراج سنة إلهية
من سنن الله تعالى في عباده - والتي
لا تتبدل ولا تتغير - سنة الاستدراج، فالله
تعالى أمر عباده بطاعته وامتثال أوامره،
وحذرهم من معصيته ومخالفة أمره، فإن هم
أطاعوه، فازوا وسعدوا في الدنيا والآخرة،
وإن خالفوه ولم يستجيبوا لأمره، ذكَرهم
الله تعالی، وحذرهم من عقابه.
ثم سلط عليهم البلاء والضراء حتى
يردهم إليه وإلى طاعته، فإن تمادوا في
إعراضهم وكفرهم رغم تذكير الله لهم
ودعوته إياهم فإن الله تعالى يبدلهم مكان
السيئة الحسنة ويوسع عليهم ويمدهم في
طغيانهم، ويمهلهم، حتى إذا ازدادوا كفرًا
وفجورًا، ونسوا لقاء ربهم أخذهم الله بغتة
-وهم لا يشعرون- إلى عقابه الشديد، وهذا
هو معنی استدراجه تعالی و کیده ومکره بمن
عصاه و کفر به، وهي سنته الباقية في كل من
يمضي على منوالهم.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَّنٌّ
فَسِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [آل عمران: ١٣٧].
فأخبر تعالى عن سننه في الأمم الماضية
المكذبة الكافرة في إمهاله لهم واستدراجه
إیاهم حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله الذي
أجله في إهلاكهم واستئصالهم، فأحل بهم
عقوبته، وأنزلت بساحتهم نقمته، وتركهم
لمن بعدهم أمثالًا وعبرًا(١).
قال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِىِ الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ
كَيّفَ كَانَ عَقِبَةُ اٌلْمَّكَذِّبِينَ﴾، وهذه الآية نزلت
بعد معركة أحد تسلية وتعزية للمسلمين
على ما أصابهم فيها، وبيان أن ما حدث
للكفار من بعض الظفر بالمسلمين هو من
استدراج الله تعالی بهم.
قال الإمام الطبري: ((فسيروا - أيها
الظانون، أن إدالتي(٢) من أدلت من أهل
الشرك يوم أحد على محمد وأصحابه، لغير
استدراج مني لمن أشرك بي، و کفر برسلي،
وخالف أمري - في ديار الأمم الذين كانوا
قبلکم، ممن کان على مثل الذي عليه هؤلاء
المكذبون برسولي والجاحدون وحدانيتي،
فانظروا كيف كان عاقبة تكذيبهم أنبيائي،
وما الذي آل إليه غب خلافهم أمري،
وإنكارهم وحدانيتي، فتعلموا عند ذلك أن
إدالتي من أدلت من المشركين على نبي
محمد وأصحابه بأحد، إنما هي استدراج
وإمهال ليبلغ الكتاب أجله الذي أجلت
لهم، ثم إما أن يؤول حالهم إلى مثل ما آل
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢٨/٧، البسيط،
الواحدي ٥/ ٦١٢.
(٢) الإدالة: الغلبة، يقال: اللهم أدلني على فلانٍ
وانصرني عليه. و دالت الأيام، أي: دارت
والله يداولها بين الناس. و تداولته الأيدي
أخذته هذه مرةً وهذه مرةً.
انظر: مختار الصحاح، الرازي ص١٠٩.
٢٧٨
مَوَسُولُ النَّشيد
القرآن الكريم
الاستدراج
إليه حال الأمم الذين سلفوا قبلهم: من الأرزاق، وعافى أبدانهم، ورفع عنهم البلاء
﴿حَّ عَفَواْ﴾ أي: كثروا، وكثرت أرزاقهم
تعجیل العقوبة علیھم، أو ینیبوا إلى طاعتي
واتباع رسولي»(١).
وانبسطوا في نعمة الله وفضله، ونسوا ما مر
عليهم من البلاء)) (٤).
فبين تعالى أن الاستدراج سنة من سننه
مع الكافرين والعصاة من خلقه، وقد أوضح
الله تعالى معنى هذا الاستدراج في قوله:
﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا
بَلْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ) ثُمََّدَّلْنَا
مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَّةَ حَتَّى عَفَواْ وَقَالُواْ قَدْ
مَشَ ءَابََّنَا الضَّرَّاءُ وَالسََّّآءِ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً وَهُمْ
لَا يَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ
لَفَنَحْنَا عَلَّهِمْ بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَآِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن
كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾
[الأعراف: ٩٤ - ٩٦].
((أي: إن سنتنا قد جرت - ولا مبدل لها رسل))(٥).
- أننا إذا أرسلنا نبيًا في قوم وكذبوه أنزلنا
بهم الشدائد والمصائب»(٢).
قال: ﴿يَاَلْبَأْسَآِ﴾ (أي: ما يصيبهم في
أبدانهم من أمراض وأسقام، ﴿وَالضَّرَّآءِ ﴾
ما يصيبهم من فقر وحاجة، ونحو ذلك،
﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَعُونَ ﴾ أي: يدعون ويخشعون
ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل
بهم)) (٣)، ((ثم إذا لم يفد فيهم، واستمر
استكبارهم، وازداد طغيانهم، ﴿ثُمَّبَدَّلْنَا
عليهم
فأدر
مَكَانَ السَّيِّئَةِ لَلْحَسَنَةَ﴾
(١) جامع البيان، الطبري ٧/ ٢٢٨.
(٢) تفسير المراغي ٩/ ١١.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤٩/٣.
قال ابن عاشور: ((والمعنى أنا نأخذهم
بما يغير حالهم التي كانوا فيها من رخاء
وصحة، عسى أن يعلموا أن سلب النعمة
عنهم أمارة على غضب الله عليهم من جراء
تکذییھم رسولهم فلا یھتدون، ثم نردهم
إلی حالتهم الأولى إمهالًا لهم واستدراجًا
فيزدادون ضلالًا، فإذا رأوا ذلك تعللوا لما
أصابهم من البؤس والضر بأن ذلك التغيير
إنما هو عارض من عوارض الزمان وأنه
قد أصاب أسلافهم من قبلهم ولم يجئهم
قال الخازن في معنى قوله تعالى:
﴿وَقَالُواْ قَدْ مَسَ ءَابََّنَا الضَّرَّةُ وَالسَّرَّآءِ﴾،
((يعني أنهم قالوا: هكذا عادة الدهر قديمًا
وحديثًا لنا ولآبائنا ولم يكن ما مسنا من
الشدة والضراء عقوبة لنا من الله تعالى على
ما نحن علیه، فكونوا على ما أنتم عليه كما
كان آباؤكم من قبل فإنهم لم يتركوا دينهم
مما أصابهم من الضراء والسراء)»(٦).
وما أجمل ما قاله سيد قطب في تعقيبه
على هذه الآيات وبيان سنة الله تعالى في
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٩٧.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨/٩.
(٦) لباب التأويل، الخازن ٢/ ٢٣٠.
www. modoee.com
٢٧٩
حرف الألف
سياق السورة للتعقيب على ما مضى من
قصص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح،
وقوم لوط، وقوم شعيب، وقفة لبيان سنة
الله التي جرت بها مشيئته وحققها قدره
بالمكذبين في كل قرية ... وهي سنة واحدة
يأخذ الله بها المكذبين ويتشكل بها تاريخ
الإنسان في جانب منه أصیل، أن يأخذ الله
المكذبين بالبأساء والضراء لعل قلوبهم ترق
وتلین و تتجه إلى الله ...
فإذا لم يستجيبوا أخذهم بالنعماء
والسراء، وفتح عليهم الأبواب، وتركهم
ينمون ويكثرون ويستمتعون، كل ذلك
للابتلاء، حتى إذا انتهى بهم اليسر والعافية
إلى الاستهتار والترخص، وإلى الغفلة وقلة
المبالاة، وحسبوا أن الأمور تمضي جزافًا
بلا قصد ولا غاية، وأن السراء تعقب الضراء
من غير حكمة ولا ابتلاء، وأنه إنما أصابهم
ما أصاب آباءهم من قبل؛ لأن الأمور تمضي
هكذا بلا تدبير: ﴿وَقَالُواْ قَدْ مَسَ ءَابَآَتَنَا
الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾! أخذهم الله بغتة، وهم
سادرون في هذه الغفلة))(١).
وقد بيّن الله تعالى هذا المعنى لسنة
الاستدراج في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآَ
إِلَ أُمَمٍ مِّنِ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَكِ وَالضَّرِّ لَعَلَّهُمْ
﴾ فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأَسُنَا تَضَرَّعُواْ
بَّعُونَ (®
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٣٣٥/٣.
جويق
القرآن الكريم
الاستدراج، قال رحمه الله: ((هذه وقفة في وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ فَلَمَّا فَسُواْ مَا ذُكِرُوا
بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبُوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَّى إِذَا
فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ )
فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
اَلْعَلَمِينَ )﴾ [الأنعام: ٤٢ -٤٥].
ومعنى قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم
بَأَسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )﴾، أي:
((فهلا إذا ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا
وتمسكنوا إلينا، ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي:
ما رقت ولا خشعت.
وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطِنُ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ أي: من الشرك والمعاصي(٢)،
وجيء بـ (لولا) لیفید أنه لم یکن لهم عذر
في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوتهم
وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان
-ومنها الشرك- لهم.
فالاستدراك في الآية على المعنى لبيان
الصارف لهم عن التضرع. وأنه لا مانع
لهم إلا ذلك (٣)، ولما كان حالهم كذلك
من الإعراض وقسوة القلب، استدرجهم
الله تعالى بنعمه وكثرة الخيرات، وأملى
لهم، كما قال: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ
شَىْء
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٦/٣.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٥٣٤/١٢،
محاسن التأويل، القاسمي ٣٥٩/٤.
٢٨٠
الاستدراج
قال الحافظ ابن كثير: ((أي: فتحنا عليهم مِنَ السَّمَآِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا
كَانُواْيَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: ٩٦].
أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا
استدراج منه تعالی وإملاء لهم، عياذا بالله
من مكره؛ ولهذا قال: ﴿حَّى إِذَا فِحُواْ بِمَآَ
أُوتُوا﴾ أي: من الأموال والأولاد والأرزاق
﴿أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: على غفلة ﴿فَإِذَا هُم
تُبْلِسُونَ﴾، أي: آيسون من كل خير))(١).
وفي الحديث عن عقبة بن عامر رضي
الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وسلم
قال: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا
على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج).
ثم تلا رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ﴿فَلَمَّا فَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا
عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآَ
أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْنَةٌ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴾
[الأنعام: ٤٤].(٢)
فبين صلى الله عليه وسلم أن الاستدراج
هو الفتح بالنعم مع الإقامة على المعصية، أما
الفتح بالنعم مع الإيمان والتقوى فهي رحمة
من الله تعالى بالمؤمنين، وسنة من سننه في
إكرام أهل طاعته في الدنيا والآخرة، وقد
بَيَّن الله تعالى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَوْأَنَّ
أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَنَّقَوْاْ لَغَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتِ
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٦/٣.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٧٣١١،
٥٤٧/٢٨
وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير
وزيادته، رقم ١٥٨/١،٥٥٣.
فبعد أن بين تعالى أن الإنعام على سبيل
الاستدراج، بيّن أنه يكون أيضًا على سبيل
الإكرام لأهل الإيمان والتقوى.
وهكذا يبين الله تعالى لنا سنته في
استدراج المكذبين بآياته من الأمم الكافرة
والظالمة، كما صرح تعالى بذلك في قوله:
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ
وَأَمْلِ لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِی
حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (س)
مَتِينُ {١٨٣)﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣].
((قال الأزهري: أي: سنأخذهم قليلًا
قليلًا من حيث لا يحتسبون، وذلك أن الله
تعالی یفتح عليهم من النعيم ما يغتبطون به
ويركنون إليه، ثم يأخذهم على غرتهم أغفل
ما یکونون، وقال الضحاك: كلما جددوا لنا
معصية جددنا لهم نعمة)»(٣).
وَفَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بَهَذَا
قال تعالى:
اٌلْحَدِيثِّ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
[القلم: ٤٤].
قال الفخر الرازي: ((ذرني وإياه، يريد
کله إلي، فإني أکفیکه، كأنه يقول: يا محمد
حسبك انتقامًا منه أن تكل أمره إلي، وتخلي
بيني وبينه، فإني عالم بما يجب أن يفعل به
قادر على ذلك»(٤).
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ١٧٣.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٦١٥/٣٠.
www. modoee.com
٢٨١
حرف الألف
وقال ابن كثير: ﴿فَذَرْنِ وَمَن يَكَذِّبُ بِهَذَا يقابلها بالشكر، وإذا أذنب ذنبًا أن يعاجله
بالاستغفار والتوبة»(٢).
الَْدِيثِ﴾ يعني: القرآن، وهذا تهديد شدید،
أي: دعني وإياه مني ومنه، أنا أعلم به كيف
أستدرجه، وأمده في غيه وأنظر ثم آخذه
أخذ عزيز مقتدر؛ ولهذا قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم
مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: وهم لا يشعرون،
بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة، وهو في
نفس الأمر إهانة، كما قال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا
نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِنَ اتَُارِعُ لَّمْ فِ اَلْرَتِّ
بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ )﴾ [المؤمنون: ٥٥-٥٦].
ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿وَأَمَلِي ◌َُمَّ إِنَّ
كَيْدِی مَّتِينُ ﴾ [القلم: ٤٥]، أي: وأؤخرهم
وأنظرهم وأمدهم، وذلك من كيدي ومکري
بهم؛ ولهذا قال تعالی: ﴿گدِیمَتِّئُ﴾، أي:
عظيم لمن خالف أمري، وكذب رسلي،
واجترأ على معصيتي(١).
فصرح تعالى بتهديده ووعيده الأهل
التکذیب والعناد بالکید لهم واستدراجهم،
ولا شك أن من هدده رب العالمين بذلك،
فهو من أخسر الخاسرين في الدنيا والآخرة.
قال الخازن: ((وقيل في معنى الآية:
كلما أذنبوا ذنبًا جددنا لهم نعمة، وأنسیناهم
الاستغفار والتوبة، وهذا هو الاستدراج؛
لأنهم يحسبونه تفضيلاً لهم على المؤمنین،
وهو في الحقيقة سبب إهلاكهم فعلى
العبد المسلم إذا تجددت عنده نعمة أن
(١) تفسير القرآن العظيم، ٢٠٠/٨.
ومراد الإمام الخازن: أي حتى لا يكون
ذلك الإنعام استدراجًا فاشكروا الله على
نعمه، واستغفروه من ذنوبكم.
واستدراجه تعالى ليس قاصرا على الأمم
فحسب، وإنما يقع على الأفراد أيضًا.
قال تعالى مبينًا استدراجه لبعض الأفراد:
﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرَّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً
مِنَا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ, عَلَى عِلَّمَّ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ قَدْ قَالَّمَا أَلَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (
[الزمر: ٤٩ -٥٠].
فأخبر الله تعالى عن الإنسان («أنه في حال
الضراء يضرع إلى الله عز وجل، وينيب إليه
ويدعوه، وإذا خوَله منه نعمة بغی وطغى،
وقال: ﴿إِنَّمَآ أُوِّتُهُ, عَلَى عِلَّمٍ﴾، أي: لما
يعلم الله من استحقاقي له، ولولا أني عند
الله تعالى خصيص لما خولني هذا!»(٣).
وقال الخازن: ((﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ, عَلَى
عِلْمٍ﴾ يعني من الله تعالى، علم أني له أهل،
وقيل: على خير علمه الله عنده، ثم قال
تعالی في رد ما قاله: ﴿بَلْهِىَفِتْنَةٌ﴾ يعني
تلك النعمة استدراج من الله تعالى وامتحان
وبلية، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني أنها
(٢) لباب التأويل، ٣٣١/٤.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٥/٧.
٢٨٢
مَوَسُو ◌َ النَِّد
القرآن الكريم
الآخذ
استدراج من الله تعالى))(١).
ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَمَا الَّذِينَ مِنْ
قبلِهِمْ﴾، کقارون، کما ذکر تعالی ذلك عنه
في قوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوِيْتُهُ, عَلَى عِلْمٍ عِندِىّ﴾
[القصص: ٧٨].
وهكذا بين الله تعالى أن الاستدراج سنة
من سننه مع عباده أممًا وأفرادًا.
وهذه السنة الإلهية الحكيمة لها علاقة
وثيقة بالسنن الإلهية الأخرى، كعقوبة
الظالمين والانتقام منهم، فالله تعالى يملي
للظالم ويمهله ليزداد بذلك بغيًا وإثمًا، ثم
يأخذه بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر، وسنة
الابتلاء والامتحان، ليبتلي عباده في إيمانهم
وصبرهم.
(١) لباب التأويل، ٦٠/٤.
وانظر: معالم التنزيل، البغوي ٧/ ١٢٤.
الحكمة من الاستدراج
أولًا: الإمهال للتوبة.
من حكمة الله تعالی في استدراج عباده
أن یردهم إلى التوبة والإنابة إليه، وهو من
رحمته تعالى بهم، فيمهلهم الله وينظرهم،
ويبتليهم بالبأساء والضراء لعلهم يرجعون
أَوَّلَا يَرَوْنَ أَنْهُمْ
إليه، قال الله تعالى:
يُفْتَنُونَ فِي كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ
ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١)﴾
[التوبة: ١٢٦].
وهي في سياق الحديث عن المنافقين
وفضائحهم، وقد تضمنت توبيخهم
وتقريعهم والإنكار عليهم في إقامتهم على
ما هم عليه من الكفر والنفاق مع ما يصيبهم
من البلايا والأمراض.
قال السعدي رحمه الله: ((قال تعالى
-موبخًا لهم على إقامتهم على ما هم عليه
من الكفر والنفاق -: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ
يُقْتَنُونَ فِ كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾
بما يصيبهم من البلايا والأمراض، وبما
يبتلون من الأوامر الإلهية التي يراد بها
اختبارهم، ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ عما هم
عليه من الشر ﴿وَلَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ ما
ينفعهم، فیفعلونه، وما يضرهم، فیترکونه،
فالله تعالى يبتليهم -كما هي سنته في
سائر الأمم- بالسراء والضراء وبالأوامر
www. modoee.com
٢٨٣
حرف الألف
والنواهي ليرجعوا إليه، ثم لا يتوبون ولا هم قبل عذاب الآخرة لعلهم يرجعون إلى
الإيمان (٤).
يذكرون»(١).
وقال البقاعي رحمه الله: ((فالآية ذامة
لهم على عدم التوبة بإصابة المصائب لعدم
تذکر أنه سبحانه ما أصابهم بها إلا بذنوبهم
﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
کما أن أحدهم لا يعاقب فتاه إلا بذنب
وما لم يتب فهو يوالي عقابه))(٢).
وقال الواحدي: ((قال أهل المعاني: وهذه
الآية بيان عما يوجبه تقلب الأحوال مرة بعد
مرة من تذكر العبرة التي تدعو إلى إخلاص
الطاعة والتوبة من كل خطيئة لشدة الحاجة
إلى من يكشف البلية ويسبغ النعمة))(٣).
وهكذا يبين الله تعالى توبيخه وإنکاره
على من لم يعتبر بحصول البلاء ونزول
الضراء وتغير الأحوال في تجديد التوبة
والإنابة إليه.
وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ آلْبِّ وَالْبَحْرِ
بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى
عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١﴾ [الروم: ٤١].
وقال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِنَ الْعَذَابِ
اْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
﴾ [السجدة: ٢١].
أي: لنذيقنهم من عذاب الدنيا بالقتل
والأسر والجدب سنين والأمراض
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٥٦.
(٢) نظم الدرر، البقاعي ٩/ ٥٣.
(٣) البسيط، الواحدي ١٠٢/١١.
وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرِبِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ
أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَهُم ◌ِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ ﴾ [الزخرف: ٤٨].
وغير ذلك من الآيات التي توضح
استدراج الله تعالى لهم بالعقاب ليتوبوا
وينيبوا، قبل أن يدركهم العذاب الأكبر يوم
القيامة.
وهذا النوع من الاستدراج هو النوع
الأول الذي أشار إليه ابن الحاج رحمه الله
في قوله: ((الاستدراج اسم لمعنيين فأحد
المعنيين: استدراج عقوبة للسيئة تنبيهًا على
الإنابة، والمعنى الثاني استدراج لا إنابة فيه،
ولا رجوع، فنعوذ بالله من الاستدراج»(٥).
ثانيًا: الزيادة في الإثم.
ومن حكم استدراج الله تعالى للكفرة
والمجرمين من خلقه أن يزدادوا إثمًا
وجرمًا، فيزيد الله عقابهم بذلك، فالله
تعالی یمهل الكافرين وینظرهم -استدراجًا
منه تعالى - حتى يصلوا إلى درجة عظيمة من
الإثم، ثم يعاجلهم بالعقوبة.
قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
أَنَّمَا نُمْلِ لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا نُعْلِ لَهُمْ
(٤) انظر: تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي
ص٥٤٧.
(٥) المدخل، ابن الحاج ٦٩/٣.
٢٨٤
مَوَس ◌َرُ النفسية الوصيف
القرآن الكريم
الاستطاعة
لِيَزْدَادُواْ إِقْمَّأْ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ
عمران: ١٧٨].
وهذه الآية نزلت عقب غزوة أحد، تسلیة
للمؤمنين على ما وقع لهم فيها من بلاء،
وبيانًا لسنة الله تعالى في استدراج الكفرة
والمنافقين، أي: ليعلم المؤمنون أن إملاء
الله تعالى لأهل الكفر ببقائهم ونجاتهم
من سيوف المسلمين يوم أحد إنما هو من
استدارج الله تعالی لهم و کیده بهم.
وذلك أنهم يزدادون بهذا الإمهال إثمًا
وجرمًا، فيزيد الله بذلك في عقابهم، ويشهد
في الآية
لهذا المعنى قراءة الفعل «يحسبنّ
بتاء الخطاب الفوقية(١)، أي: لا تحسبن یا
محمد صلی الله عليه وسلم(٢).
وفي ذلك تحسير لأهل الكفر وتثبيط
لعزائمهم، فلا يظنون أن ما هم فيه من
الإمهال والإنظار خير لهم (٣)، بل هو
استدراج یعقبه عذاب ونکال، ويشهد لهذا
المعنى قراءة الفعل ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ في الآية بياء
الغيبة التحتية.
وكل ذلك مما يجنيه الكافر على نفسه
بإعراضه عن طاعة ربه والتزام أمره، مع
(١) قرأ حمزة بتاء الخطاب، والباقون بياء الغيبة.
انظر: البدور الزاهرة، عبد الفتاح القاضي
ص٧٣.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٤/ ٢٨٧، فتح القدير، الشوكاني ١/ ٤٦٢.
(٣) انظر: روح المعاني، الألوسي ٣٤٦/٢.
[آل إرسال الله رسله ونذره إليه، فلما أعرض
ونأى بجانبه، استدرجه الله إلى العذاب
الشديد والنكال العظيم، فأمهله وزاد في
عمره، ووسع في رزقه، والهاه بدنياه، ونعمه
فیها، حتى إذا جاءت ساعة أجله، أخذه الله
وهو على حاله غافلًا ساهيًا قد كبل بالخطايا
والآثام.
ومن أجل هذه الحكمة أخر الله تعالى
إبليس وأنظره إلى يوم البعث لما طلب من
الله تعالى ذلك.
﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْفِ إِلَى يَوْمِ
قال تعالى:
يُبْعَثُونَ ﴾ قَالَ فَإنّكَ مِنَ الْمُنَظَرِيِنَ ا إِلَى يَوْمِ
الْوَقْتِ اٌلْمَعْلُومِ ﴾ [الحجر: ٣٦-٣٨].
قال ابن كثير: «لما تحقق الغضب الذي
لا مرد له، سأل من تمام حسده لآدم وذريته
النظرة إلى يوم القيامة، وهو يوم البعث وأنه
أجيب إلى ذلك استدراجًا له وإمهالًا))(٤).
ثالثًا: الزيادة في الضلال.
ومن حكم استدراج الله تعالى للكفرة
والمجرمين من خلقه أن يزدادوا ضلالًا
وانحرافًا، وذلك عقوبة لهم على زيغهم
وانحرافهم، واختيارهم سبيل الضلال
وسلوكه.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاعُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْفَسِفِينَ (٥)﴾ [الصف: ٥].
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٣٥/٤.
www. modoee.com
٢٨٥
حرف الألف
به، أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وأسكنها
الشك والحيرة والخذلان، ولهذا قال الله
تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْفَسِفِينَ﴾(١)،
فالله تعالى لا يهدي من أراد الضلالة وسعى
لها، بل إن الله تعالى يمد أهل الضلال في
ضلالهم حتی یزدادوا بذلك عذابًا وعقابًا.
قال تعالى في وصف الكفار عند سماعهم
آياته تتلى عليهم: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا
بَيْنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ
خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) وَكَّْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم
مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَثَّا وَرِهْيَا () قُلْ مَن كَانَ فِى
الضَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدَّاً حَقَّى إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ
إِمَّالْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَشَرٌ
مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا ).
﴾ [مريم: ٧٣ -٧٥].
قال الإمام ابن کثیر رحمه الله في تفسیر
هذه الآيات: ((يخبر تعالى عن الكفار حين
تتلى عليهم آيات الله ظاهرة الدلالة بينة
الحجة واضحة البرهان: أنهم يصدون عن
ذلك، ويعرضون ويقولون عن الذين آمنوا
مفتخرين عليهم ومحتجين على صحة ما
هم عليه من الدين الباطل بأنهم: ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا
وأحْسُنِيًا﴾ أي: أحسن منازل، وأرفع دورًا،
وأحسن ندیًا وهو مجمع الرجال للحديث،
أي: نادیھم اعمر وأكثر واردًا وطارقًا،يعنون:
فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل،
أي: فلما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم وأولئك الذين هم مختفون مستترون في دار
الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من الدور
على الحق؟ كما قال تعالى مخبرًا عنهم:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرً مَّا
سَبَقُونَاْ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَا
إِفْكُ قَدِيمٌ ﴾ [الأحقاف: ١١].
وقال تعالى على لسان قوم نوح: ﴿أَنُؤْمِنُ
[الشعراء: ١١١].
لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم
بِبَعْضِ لِيَقُولُواْ أَهْتُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ
بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَّمَ بِالشَّكِرِينَ
[الأنعام: ٥٣].
ولهذا قال تعالى -رادًا عليهم شبهتهم -:
﴿وَكَّْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْدٍ﴾ أي: وكم
من أمة وقرن من المكذبين قد أهلكناهم
بكفرهم، ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَنَّاً وَرِهْيًا﴾ أي:
كانوا أحسن من هؤلاء أموالًا وأمتعة ومناظر
وأشكالاً))(٢).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِىِ الضَّلَلَةِ
فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَنَّاْ حَقَّى إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا
اُلْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ
مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾، أي: ((قل يا محمد
لهؤلاء المشركين بربهم، القائلين إذا تتلى
عليهم آياتنا: أي الفريقين منا ومنكم خير
مقامًا وأحسن نديًا، من كان منا ومنكم في
الضلالة جائرًا عن طريق الحق، ... فليطول
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٩/٨. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٧/٥.
مَوَسُورُ الْبَشِيَّة
القرآن الكريم
٢٨٦
الاستطاعة
له الله في ضلالته، ولیمله فيها إملاء»(١).
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِ الضَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ
لَهُالرَّحْمَنُ مَدًّاً حَقَّى إِذَا رَأَوْمَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا
السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ
جُندًا ﴾ [مريم: ٧٥].
قال أبو زهرة رحمه الله: ((يقول تعالى
ردًا على المشركين في غرورهم بالمال
قلمن
والبنين ومتعة الجاه والسلطان:
كَانَ فِىِ الضَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ الخطاب
لمحمد صلى الله عليه وسلم يأمره سبحانه
وتعالی بأن یبین لهم الحق وسنة الله تعالی
في أمر الضلالة والهداية، فهو سبحانه يمد
الذين أرادوا الضلالة وسلكوا سبيلها وأخذوا
في أسبابها، يمدهم فيها مدًا حتى يحسبوا أن
الأمر إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَأُتِلَهُمَّ
إِنَّ كَيْدِى مَتِّينُ (٣)﴾ [الأعراف: ١٨٣].
يمهلهم سبحانه ويتركهم في غيهم
یعمهون، ویزیدهم بالمال ويعطيهم، حتى
يفرقهم الغرور ويجعلهم يحسبون أنهم
يحسنون صنعًا.
وقال تعالى بلفظ الأمر: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ
مَدًّا﴾ جاء الخبر على صيغة الأمر؛ لبيان أن
ذلك بإرادة الله وكأنه يأمره به أمرًا، وهو
استدراج من الله تعالى لهم ... وأكد سبحانه
إمهالهم واستدراجهم بالعطاء بوفرة عليهم
(١) جامع البيان، الطبري ٢٤٣/١٨.
بالمصدر (مدًا)»(٢).
وقد بين الله تعالى في الآيات التي تلي
هذه الآية شيئًا من مدهم في ضلالهم، في
قوله تعالى: ﴿أَلَمْتَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى
اَلْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزَّا ﴾ [مريم: ٨٣].
أي: سلطناهم عليهم بالإغواء،
وقيضناهم لهم (٣)، قال الإمام الطبري:
«يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه
وسلم: ألم تر يا محمد أنا أرسلنا الشياطين
على أهل الكفر بالله (تؤزهم) يقول:
تحركهم بالإغواء والإضلال، فتزعجهم إلى
معاصي الله، وتغريهم بها حتى يواقعوها
(أزا) إزعاجًا وإغواء)» (٤).
وجعل تعالى ذلك لهم جزاءً على
إعراضهم وكفرهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَن
يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ، شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ.
﴾ [الزخرف: ٣٦].
قَرِينَ (٣)
قال الشنقيطي عند تفسير لآية سورة
مريم: «في معنى هذه الآية الكريمة وجهان
من التفسير معروفان عند العلماء، وكلاهما
يشهد له قرآن: الأول: أن الله جل وعلا
أمر نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية
الكريمة أن يقول هذه الكلمات كدعاء
المباهلة بينه وبين المشركين، أي: قل يا نبي
(٢) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٩/ ٤٦٨٠.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٥٠/١١، أضواء البيان، الشنقيطي ٥١١/٣.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٥١/١٨.
www. modoee.com
٢٨٧
حرف الألف
الله لهؤلاء المشرکین الذین ادعوا أنهم خیر
منكم، من كان منا ومنكم في الضلالة - أي
الكفر والضلال عن طريق الحق.
﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَنَّا﴾ أي: فأمهله
الرحمن إمهالا فیما هو فیه حتى يستدرجه
بالإمهال ويموت على ذلك ولا يرجع عنه،
بل يستمر على ذلك حتى يرى ما يوعده
الله، وهو: إما عذاب في الدنيا بأيدي
قَتِلُوهَم يَعَذِبِهَمَ
١٠٢٢
المسلمين، كقوله:
اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤].
اهْتَدَوْأْ هُدَى﴾ [مريم: ٧٦].
دليل على رجحان القول الثاني في
الآية المتقدمة، وأن المعنى: أن من كان في
الضلالة زاده الله ضلالة، ومن اهتدى زاده
الله هدى، والآيات الدالة على هذا المعنى
كثيرة، كقوله في الضلال: ﴿فَلَمَّا زَاعُواْ أَزَاغَ
اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].
﴿بَلَّ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾
و قوله:
[النساء: ١٥٥]»(٢).
أو بغير ذلك، وإما عذاب الآخرة إن
ماتوا وهم على ذلك الكفر، وعلى ذلك
التفسير فصيغة الطلب المدلول عليها باللام
في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدٌ﴾ على بابها، وعليه فهي
لام الدعاء بالإمهال في الضلال على الضال
من الفريقين، حتى يرى ما يوعده من الشر
وهو على أقبح حال من الكفر والضلال،
والوجه الثاني: أن صيغة الطلب في قوله:
﴿فَلْيَمْدُهُ﴾، يراد بها الإخبار عن سنة الله
في الضالين، وعليه فالمعنى: أن الله أجرى
العادة بأنه يمهل الضال ويملي له فيستدرجه
بذلك حتى يرى ما يوعده، وهو في غفلة
وكفر وضلال»(١).
ثم قال رحمه الله: (قوله جل وعلا في
هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٤٨٧/٣، بتصرف
يسير.
(٢) المصدر السابق ٤٨٩/٣.
٢٨٨
جوسين
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الاستطاعة
مجالات الاستدراج
للاستدراج مجالات عدة منها: الكفر،
والنفاق، والظلم، والفسق والمعاصي.
أولًا: الكفر:
الكافرون هم أعظم الخلق استدراجًا
إلی عقاب الله تعالى، وعذابه الأليم، وهو
الخلود في نار جهنم، وأكثر الخلق اغترارًا
بإمهال الله لهم وإنعامه عليهم، وما ذلك
إلا لكفرهم وجهلهم بربهم وسننه، فالله
تعالی یعجل لهم طیباتهم في الدنيا ویمهلهم
ويؤخرهم إلى أن يأتيهم ذلك العذاب
الألیم الذي توعدهم به، وأعده لهم، وهم
في غفلتهم وطغيانهم، ويحسبون أن ذلك
الإمهال خيرٌ لهم، قال الله تعالى مخاطبًا نبيه
صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ
يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُّواْ اللَّهَ شَيْئًاً يُرِيدُ
اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَقََّا فِىِ الْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: ١٧٦].
فمن شدة حرص النبي صلى الله عليه
وسلم على الناس كان يحزنه مبادرة الكفار
إلى المخالفة والعناد والشقاق، فقال تعالى
له: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ﴾ ذلك ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّواْ اللَّهَ
شَيْئًاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظَا فِ اَلْآَخِرَةِ﴾
أي: حكمته فيهم أنه يريد بمشيئته وقدرته
ألا يجعل لهم نصيبًا في الآخرة ﴿وَلَمْ عَذَابٌ
يؤخرون له ويستدرجون.
(١)
عَظِيمٌ
وقال تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه
وسلم أيضًا: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
فِي الْبِلَدِ (٦)﴾ [آل عمران: ١٩٦].
((أي: لا تنظروا إلى ما هؤلاء الكفار
مترفون فيه، من النعمة والغبطة والسرور،
فعما قلیل یزول هذا كله عنهم، ويصبحون
مرتهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم فيما
هم فيه استدراجًا، وجميع ما هم فيه ﴿ مَتٌَ
قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمُ وَيِئْسَ المِهَادُ
١٩٧
[آل عمران: ١٩٧]))(٢).
وقال الطبري: ((نهى الله تعالى ذكره نبيه
صلى الله عليه وسلم عن الاغترار بضربهم
في البلاد، وإمهال الله إياهم مع شركهم
وجحودهم نعمه، وعبادتهم غيره، وخرج
الخطاب بذلك للنبي صلی الله عليه وسلم،
والمعني به غيره من أتباعه وأصحابه)»(٣).
والمقصود من هذه الآية التسلية للنبي
صلی الله عليه وسلم والمؤمنين عما يحصل
للذين كفروا من متاع الدنيا، وتنعمهم
فيها، وتقلبهم في البلاد بأنواع التجارات
والمكاسب واللذات، وأنواع العز، والغلبة
في بعض الأوقات، فإن هذا كله ﴿ مَتَمُ
قَلِيلٌ﴾ ليس له ثبوت ولا بقاء، بل يتمتعون
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٧٣.
(٢) المصدر السابق ٢/ ١٩٢.
(٣) جامع البيان، الطبري ٤٩٣/٧.
www. modoee.com
٢٨٩
حرف الألف
به قليلاً ويعذبون عليه طويلاً(١).
، وَالَّذِينَ كَفَرُوا
وهذه الآية كقوله تعالى:
يَتَمَنَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَثْوَّى
أُمْ﴾ [محمد: ١٢].
وقوله: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنِكَ كُفْرُهُ،وَإِلَيْنَا
مَرْجِعُهُمْ فَتُنِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيٌ بِذَاتِ
الصُّدُورِ ٣ نُمِنِّعُهُمْ قَلِلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى
عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [لقمان: ٢٣-٢٤].
قال الشعراوي: «هذا التمتع بزينة الحياة
الدنيا ما هو إلا استدراج لهم لا تكريم،
وقلنا: إنك لا تلقي بعدوك من على الحصيرة
مثلًا، إنما تعلیه وترفعه ليكون أخذه أليمًا
وشديدًا، كذلك الحق سبحانه يمتعهم، لكن
لفترة محدودة لتكون حسرتهم أعظم إذا ما
أخذهم من هذا النعيم))(٢).
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَئِنَا
وقال تعالى:
سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
[الأعراف: ١٨٢].
Mr
وقال: ﴿فَهِّلِ اَلْكَفِرِينَ أَمْهِلَهُمْ رُوَيَّداً﴾
[الطارق: ١٧].
أي: («قليلا حتى أهلکهم»(٣)، وهي آیات
صريحة في استدراجه تعالى لهم.
وقد أخبر تعالى في كتابه عن بعض
من استدرجهم من أهل الكفر والتكذيب،
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص١٦٢.
(٢) تفسير الشعراوي، الخواطر ١١٧١٤/١٩.
(٣) البسيط، الواحدي ٢٣/ ٤٢٢.
وكيف أنه أمهلهم وأمدهم بالمال الكثير
والنعيم الكبير، من ذلك قوله تعالى عن
الوليد بن المغيرة أحد زعماء كفار قريش
وساداتهم: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ))
وَجَعَلْتُ لَهُ, مَالَّا مَّمْدُودًّا (٢) وَبَنِينَ شُهُودًا
١٣
وَمَقَّدتُّ لَهُ تَمَهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (٥) كَلَّ
إِنَّهُ كَانَّ ◌َِتِنَا عَنِيدًا (١) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا لـ
١٧
[المدثر: ١١- ١٧].
قال المفسرون(٤): نزلت هذه الآيات في
الوليد بن المغيرة يتوعده الله ويهدده.
قال: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١)﴾،
((أي: دعني واتركني وهي كلمة تهديد
ووعيد، والمعنى دعني والذي خلقته حال
كونه وحيدًا في بطن أمه لا مال ولا ولد،
هذا على أن وحيدًا منتصب على الحال من
الموصول أو من الضمير العائد المحذوف،
ويجوز أن يكون حالًا من الياء في ذرني،
أي: دعني وحدي معه)»(٥).
ثم عدد الله تعالى نعمه عليه، ﴿ وَجَعَلْتُ
لَهُ، مَا لَا مَعْدُودًا ﴾، أي: رزقه مالًا واسعًا
كثيرًا، ﴿وَبِيِنَ شُهُودًا )﴾، لا يغيبون، أي:
حضورًا عنده لا يسافرون في التجارات، بل
مواليهم وأجراؤهم يتولون ذلك عنهم وهم
قعود عند أبيهم، یتمتع بهم ویتملی بهم (٦)،
(٤) انظر: البسيط، الواحدي ٤١٦/٢٢، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ١٩ / ٧١.
(٥) فتح البيان، القنوجي ١٤ / ٤٠٦.
(٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٥/٨.
٢٩٠
مُوَسُولَةُ التَّجية
جوسو
القرآن الكريم
الاستطاعة
﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَّمَهِيدًا ﴾ أي: ((بسطت له يموتون ولا يحيون (٣)، فبين تعالى أن ما
أوتيه الوليد بن المغيرة من الأموال والأولاد
والرياسة لا يغني عنه في الآخرة شيئًا، ولا
يدل على رضا ربه عنه، وإنما هو استدراج له
حتی یبقی علی کفره وغیه.
وقال تعالى في حق أبي لهب - وهو من
سادات قريش وزعماء الكفر -: ﴿تَبَّتْ
يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ.
وَمَاكَسَبَ ﴾ [المسد: ١-٢].
فتوعده تعالی بالخسران، وبین تعالى أن
ماله لا یغني عنه من عذاب الله شيئًا، وهكذا
وهذا من استدراج الله تعالى له أن مده يبين الله تعالى استدراجه لأهل الكفر
وإمدادهم في الحياة الدنيا.
بالنعم والآلاء رغم کفره وعناده، حتى ظن
الوليد أن ذلك لمرضاة الله عنه وحبه له،
ومن ثم طمع بأمثال ذلك في الآخرة، فأنكر
الله تعالی ذلك علیه وبین بطلانه، بل وتوعد
الوليد بالعذاب الشديد في قوله: ﴿سَأُصْلِيهِ
سَقَرَ ﴾ [المدثر: ٢٦].
أي: سأغمره فیھا من جمیع جهاته، ثم
هول تعالى ذلك وفخمه فقال: ﴿وَمَّا أَدْرَ مَا
سَقَوٌ﴾ [المدثر: ٢٧].
ثم فسر ذلك بقوله:
﴿لَا تَبْقِي وَلَا نَذْرُ
٢٨
[المدثر: ٢٨].
أي: تأكل لحومهم وعروقهم وعصبهم
وجلودهم، ثم تبدل، وهم في ذلك لا
(١) محاسن التأويل، القاسمي ٩٩/٨.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٧٦.
وقد بين تعالى أن أهل الكفر والشرك
يغترون بهذا الاستدراج، ويحسبونه من
الخير لهم، ومن رضا الله عنهم وعن
طريقتهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ نَحْنُ
أَكْثَرُ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
٣٥
[سبأ: ٣٥].
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُيِّدُهُم بِه مِن
و قوله:
مَّالٍ وَبَنِينَ ) ◌َُّارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَتِّ بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ
[المؤمنون: ٥٥ -٥٦].
قال ابن كثير: ((يعني: أيظن هؤلاء
المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال
والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا؟!
كلا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: ﴿نَحْنُ
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٧/٨.
www. modoee.com
٢٩١
يَطْمِعُ أَنْ أَزِيدَ
في العيش والجاه والرياسة،
أي: من المال والولد والجاه، أو من
النعيم الأخروي. وهذا أظهر لقوله: ﴿كَلَّ﴾
أي: لا یکون ما يأمل ويرجو؛ لأن الجدير
بالزيادة من نعيم الآخرة هم المتقون، لا
هو، ﴿إِنَُّ كَانَ لِآَيَتِنَا عَنِدًا (٦)﴾ أي: معاندا
للحجج المنزلة والمرسلة))(١).
قال السعدي في معنى قوله تعالى: ﴿ثُمّ
يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴾ ((أي: يطمع أن ينال نعيم
الآخرة كما نال نعيم الدنيا))(٢).
حرف الألف
أَكْثَرُ أَقْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، لقد
أخطؤوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما
تفعل بهم ذلك استدراجًا وإنظارًا وإملاء؛
ولهذا قال: ﴿بَ لَّا يَشْعُرُونَ﴾))(١).
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تُنََّكُبِالْأَخْسَرِينَ
أَعْمَلًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ
يَحْسَبُونَ أَنَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِشَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَّآبِهِ، فَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَا تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ
اُلْقِيَمَةِ وَزْنَا (١٠٥ ◌َذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَأَّخَذُوَاْ
﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦].
ءَايَتِى وَرَسُلِى هَزَوَا
والآيات عامة في كل من عبد الله على
غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها،
وأن عمله مقبول، وهو مخطئ، وعمله
مردود، والمعنى: أي قل يا محمد: هل
نخبركم ﴿بِالْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا﴾؟
ثم فسرهم فقال: ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى
اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾، أي: عملوا أعمالا باطلة على
غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة،
يَخْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾، أي: يعتقدون
أنهم على شيء، وأنهم مقبولون محبوبون،
وهو من استدراج الله تعالى لهم، ﴿أُوْلَكَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآپِهِ﴾، أي: جحدوا
آيات الله في الدنيا، وبراهينه التي أقام على
وحدانيته وصدق رسله، وكذبوا بالدار
الآخرة، ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنًا﴾ أي: لا
(١) المصدر السابق ٤٧٩/٥.
نثقل موازينهم؛ لأنها خالية عن الخير(٢).
ثانيًا: النفاق:
ومن مجالات الاستدراج: النفاق.
قال تعالى عن المنافقين: ﴿يُخَدِعُونَ
"اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا
اللَّهُ
[البقرة: ٩] إلى قوله:
يَشْعُونَ
يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُذُّهُمْ فِي ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
١٥
[البقرة: ١٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ
وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢].
فالمنافقون يظنون أنهم بإظهارهم
الإيمان وإبطانهم الكفر يخادعون المؤمنین،
ويطلعون على أسرارهم، ويأمنونهم على
أنفسهم، ويشاركونهم في إجراء أحكام
الإسلام عليهم، وما علم المنافقون أنهم
في حقيقة الأمر لا يخدعون إلا أنفسهم، ((إذا
ضرر عملهم لا حقٌ بهم، فهم یغرون أنفسهم
بالأكاذيب ويلقونها في مهاوى الهلاك
والردى)) (٣)، فالله تعالى يمهلهم ويمدهم
في طغيانهم وغيهم استدراجًا إلى ما أعده
لهم من عذابه الألیم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْنَفِقِينَ فِ الدَّرْكِ
اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا :
١٤٥
[النساء: ١٤٥].
يقول سيد قطب: ((وهذه لمسة أخرى
(٢) انظر: المصدر السابق ٢٠٢/٥.
(٣) تفسير المراغي ١/ ٥٠.
٢٩٢
القرآن الكريم