النص المفهرس

صفحات 1-20

جَوْ عَدُ النفسية الموضوع
لِلْقُرْآن الْكَرِيْمِ
الأَرْضُ
عناصر الموضوع
مفهوم الأرض
٢٠٦
الأرض في الاستعمال القرآني
٢٠٧
الألفاظ ذات الصلة
٢٠٨
الأرض ودلائل التوحيد
٢١٠
خلق الأرض
٢١٧
الأرض والإنسان
٢٢٧
الأرض بين النعيم والعذاب
٢٣٢
الأرض يوم القيامة
٢٣٥
لمسات إعجازية في الأرض
المجلدالثانى
٢١٤

حرف الألف
مفهوم الأرض
أولًا: المعنى اللغوي:
الهمزة والراء والضاد ثلاثة أصول، الأول كل شيء يسفل ويقابله السماء، والثاني الزكمة،
يقال: رجل مأروض، أي: مزكوم، والثالث الرعدة، يقال: فلان به رعدة، أي: رعشة، والأصل
الأول هو الذي یکثر تداوله، وأما الأصلان الآخران فلا ینقاسان بل يوضع كل واحد منهما
حيث وضعته العرب، وكلمة أرض مفرد جمعها أرضون(١).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
بتتبع تعريفات الأرض اصطلاحًا، يلاحظ وجود ارتباط وثيق بين التعريف اللغوي الأول
للأرض والتعريف الاصطلاحي لها، فكلمة الأرض تعني التربة، وتعني كذلك المكان الذي
تستقر عليه القدم(٢)، وهذان المعنيان يرتبطان بالمعنى اللغوي الأول للأرض، فالتربة تقع
في الأسفل بالنسبة للإنسان والحيوان والنبات وغيرهم، وكذا الأمر بالنسبة للمكان الذي
تستقر عليه القدم، فالقدم لا تسقر إلا على ما هو أسفل منها.
وبالنظر في التعريفات الاصطلاحية للأرض يمكن القول أن أشمل هذه التعريفات هو ما
ذكره علماء الجغرافيا والبيئة، وقد وضعوا لها التعريف الآتي:
((الأرض هي أحد الكواكب التسعة التي تدور حول الشمس، وهي الثالثة بالنسبة للقرب
من الشمس، والثالثة من حيث درجة اللمعان إذا ما شوهدت من عند الشمس، والخامسة بين
المجموعة الشمسية من حيث الحجم)) (٣).
وعلى الرغم من شمولية هذا التعريف للأرض من الناحية الفلكية، إلا أنه يحتاج إلى
إضافة بعض الأمور حتى يكون أدق وأشمل، وبالتالي فإن من الممكن القول بأن التعريف
الأشمل والأدق للأرض اصطلاحًا هو: أحد الكواكب التي تدور حول الشمس، والذي
هيأه الله تعالى ليكون الإنسان فيه خليفة، وليعيش عليه العديد من المخلوقات، وهو ثالث
الكواكب من حيث القرب من الشمس، وهو الثالث من حيث درجة اللمعان، والخامس من
حيث الحجم قياسًا بكواكب المجموعة الشمسية.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٨٠، المحكم، ابن سيده ١/ ٣٦٩.
(٢) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، د.أحمد عمر ١/ ٨٤.
(٣) المدخل إلى علم الجغرافيا والبيئة، محمد محمود محمدين ص ١٠٩.
٢٠٦
مُوسُو ◌َ الْبَسيد
القرآن الكريم

الآخذ
الأرض في الاستعمال القرآني
وردت كلمة (الأرض) في القرآن الكريم (٤٦١) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا
معرفة
٤٥٩
٦٣ # [الفرقان: ٦٣]
خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْسَلَمًا
أَقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ أَطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيَكُمْ
منكرة
٢
* [يوسف: ٩]
وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ، قَوْمًا صَلِينَ
وجاءت كلمة الأرض في الاستعمال القرآني على وجهين (٢):
الأول: الجرم المعروف المقابل للسماء: ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَأَيْنِ مِّنْ ءَايَتِ فِي السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ
﴾ [يوسف: ١٠٥].
الثاني: الجنة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ، وَأَوْرَثَنَا اْأَرْضَ
(٧٤ [الزمر: ٧٤].
نَتَّبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٌ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٢٦ - ٣٣، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله
جلغوم، باب الهمزة ص ٥٣ - ٦٣.
(٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٥٣/٢ - ٥٦، الوجوه والنظائر في القرآن العظيم، مقاتل بن
سليمان، ص ١٥٨، ١٦٠، الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري، ص٧٦ - ٧٩.
www. modoee.com
٢٠٧

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
١
السماء:
السماء لغة:
السماء في اللغة: يقال لكل ما ارتفع وعلا قد سما يسمو، وكل سقف فهو سماء، ومن هذا
قيل للسحاب: السماء، لأنها عالية (١).
السماء اصطلاحًا:
سماء كلّ شيء: أعلاه، ومنه هذه السماء المعروفة التي فوقنا(٢).
الصلة بين الأرض والسماء:
صلة السماء بالأرض من حيث إن الأرض مهبط لما ينزل من السماء، والسماء مصعد
لما يرفع إليها من الأرض، وقد ذكرتا مقترنتين في القرآن الكريم بألفاظ متقاربة في مواضع
كثيرة.
قال ابن القيم: وأما الأرض فأكثر ما تجيء مقصودًا بها معنى التحت والسفل دون أن
يقصد ذواتها وأعدادها، وحيث جاءت مقصودًا بها الذات والعدد أتى بلفظ يدل على البعد
كقوله: ﴿وَمِنَ اْلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢].
وفرق ثان وهو أن الأرض لا نسبة لها إلى السموات وسعتها، بل هي بالنسبة إليها كحصاة
في صحراء فهي وإن تعددت وتكبرت فهي بالنسبة إلى السماء كالواحد القليل فاختير لها
اسم الجنس (٣).
الفلك:
٢
الفلك لغة:
كل شيء دائر، والفلك مجرى الكواكب وتسميته بذلك لكونه كالفلك، قال الله عز
وجل: ﴿كُلّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] وفلكة المغزل ومنه اشتق فلك ثدي المرأة،
وفلكت الجدي إذا جعلت في لسانه مثل فلكة يمنعه عن الرضاع (٤).
(١) تهذيب اللغة، الأزهري ١١٥/١٣.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٢٧.
(٣) بدائع الفوائد، ابن القيم ص ١٤٩.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٥٤، لسان العرب، ابن منظور ٤٧٨/١٠.
٢٠٨
مُوسُو ◌َةُ النَِّ
القرآن الكريمِ

الاستئذان
الفلك اصطلاحًا:
والفلك واحد أفلاك النجوم. وفي حديث ابن مسعود: (تركت فرسي كأنه يدور في
فلك). كأنه لدورانه شبهه بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم. قال ابن زيد: الأفلاك
مجاري النجوم والشمس والقمر، وهي بين السماء والأرض(١).
الصلة بين الفلك والأرض:
الفلك جزء كبير تحت السماء الدنيا فيه كل ما يزينها من نجوم وكواكب، والأرض كوكب
من تلك الكواكب السيارة فى الفلك.
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨٦/١١.
www. modoee.com
٢٠٩

حرف الألف
الأرض ودلائل التوحيد
إن من أبرز ما تميزت به الآيات القرآنية
التي عنيت بذكر مخلوقات الله تعالى،
وبعظيم صنعه جل وعلا في هذه المخلوقات
هو الدعوة إلى الاعتقاد بمبادئ الدين
الإسلامي الحنيف، وبالأخص ما يتعلق من
هذه المبادئ بمسألة التوحيد بأنواعه الثلاث
(الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات)،
وفيما يأتي بيان لما ركزت على إبرازه
وتقريره الآيات القرآنية التي ورد فيها ذكر
الأرض من دلائل التوحيد:
١. دليل على ربوبيته.
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِى خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى
الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيع إِلَّا مِنْ بَعْدِ
إِذْنِ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ أَفَلاَ
تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣].
وقد استدلت هذه الآية القرآنية الكريمة
على وحدانية الله تعالى من خلال تقريرها:
١. ربوبية الله تعالى من خلال بيانها أنه
سبحانه هو:
الخالق السماوات السبع التي أبهرت
بعظمتها كل من تعرف على خصائصها.
الخالق للأرض التي يعيش الناس عليها
و فيها يجدون كل مستلزماتهم التي لا
يستطيعون العيش بدونها.
٢. بعضًا من أسماء الله تعالى وصفاته،
والمتمثلة بأنه سبحانه:
# المتصف بالاستواء على العرش الذي
يفوق كافة المخلوقات عظمة وجمالًا.
* المدبر للأمور جميعها.
٣. وحدانية الله تعالى في ألوهيته.
وبذلك تكون الآية القرآنية قد بدأت
بتقرير عقيدة توحيد الربوبية، ثم قررت
بأنه سبحانه قد استوى على العرش، وأنه
مالك التدبير، ثم ختمت بتوجيه الأمر
للعباد بضرورة إفراد الله تعالى بكل صور
العبادة (١).
٢. دليل على قدرة الله تعالى على
البعث والنشور.
قال تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَُّ الْأَرْضُ الْمَنْتَةُ
أَحْبَيْنَهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ
وَحَعَلْنَا فِيهَا جَنَّتٍ مِّن ◌َّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ
وَفَجَّرْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ ﴾ [يس: ٣٣ - ٣٤].
استدلت هاتان الآيتان الكريمتان على
قدرة الله تعالى على البعث والنشور من
خلال الاستدلال بما هو مشاهد على
ما هو غيبي غير مشاهد، فاستدلت على
عقيدة البعث والنشور الغيبية، بحقيقة إحياء
الأرض الميتة التي لا نبات فيها ولا حياة
بعد نزول الأمطار عليها، فتصبح ذات زرع
(١) انظر: بيان التوحيد الذي بعث الله به الرسل،
ابن باز ص ١٧ .
٢١٠
جَوَسُوع
القرآن الكريم

الاستئذان
وبالتالي فإن الآيتين الكريمتين قد
استخدمتا الأرض لإثبات عقيدة البعث
والإيمان بالآخرة استخدامًا يقنع ذوي
الألباب بقدرة الله تعالى على الإحياء بعد
الإماتة، فكما أن الله تعالی قد أحيا الأرض
الميتة، فهو سبحانه سيحيي الأموات،
وسيبعثهم من قبورهم للحشر والحساب.
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا
أَنْزَلْنَا عَلَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن
كُلِّ زَوْجِ بَهِيج ٥ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ اَلُّْ
وَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْقَ وَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ
السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي
القبور
[الحج: ٥-٧].
V
تبرهن هذه الآيات الكريمة على عقيدة
الإيمان بالآخرة من خلال وصف حالتي
الأرض قبل نزول الأمطار وبعدها، فالأرض
في موسم الجفاف قبل أن ينزل عليها الغيث
تكون هامدة، أي: يابسة لا نبات فيها ولا
حياة (١)، أما بعد نزول الأمطار النافعة على
ذات الأرض فإنها تصبح مصدرًا للحياة
لما تخرجه من الزرع، وما تخزنه من الماء
العذب، وعملية الإحياء هذه للأرض بعد
موتها برهان على عملية البعث يوم القيامة؛
(١) انظر: تحفة الأريب، أبو حيان الأندلسي
ص٣٠٥.
وخضرة بعد أن كانت قاحلة لانبات فيها لأن الله تعالى الذي أخبر بأنه أحيا الأرض
الميتة، وجعل ذلك واقعًا مشاهدًا للخلق
ولازرع.
هو الذي أخبر بأنه سیبعث الناس من قبورها
للحساب في الآخرة، وهذا ما تم التأكيد
عليه في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ: أَنَّكَ تَرَى
اَلْأَرْضَ خَشِعَةٌ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا أَلْمَآءَ أَهْتَزَّتْ
وَرَبَتَّ إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْقَّ إِنَّهُ, عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩].
يقول ابن أبي زمنين في تفسير قوله
تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ اَلْحَقُّ وَأَنَّهُ, يُحْيِ الْمَوْقَ
وَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: ٦]: ((إن الذي
أخرج من هذه الأرض الهامدة ما أخرج من
النبات قادرٌ على أن يحيي الموتى))(٢).
٣. تسبیح الأرض.
مما لا شك فيه أن تسبيح المخلوقات
جميعها لله سبحانه دلیل علی وحدانيته جل
وعلا، فلو لم يكن سبحانه وحده الخالق
الرازق المدير لشؤون جميع المخلوقات
لما سبحت له، ولما قدسته.
قال تعالى: ﴿تُسَُّ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ
وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيْحُ بِهِ وَلَكِنْ
لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ، كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا
[الإسراء: ٤٤].
والأرض من ضمن المخلوقات العظيمة
الخلق التي تسبح بحمد الله تعالی كما هو
مبينٌّ في الآية الكريمة.
(٢) تفسير القرآن العزيز ١٧٢/٣.
www. modoee.com
٢١١

حرف الألف
يقول سيد قطب في بيان معنى فاصلة
﴿إِنَّهُ، كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا }
الآية الكريمة
((وذكر الحلم هنا والغفران بمناسبة ما يبدو
من البشر من تقصير في ظل هذا الموكب
الكوني المسبح بحمد الله، بينما البشر في
جحود وفيهم من يشرك بالله، ومن ینسب
له البنات، ومن يغفل عن حمده وتسبيحه.
والبشر أولى من كل شيء في هذا الكون
بالتسبيح والتحميد والمعرفة والتوحيد.
ولولا حلم الله وغفرانه لأخذ البشر أخذ
عزيز مقتدر. ولكنه يمهلهم ويذكرهم
ويعظهم ویزجرهم»(١).
٤. الله هو المالك المتصرف في
الأرض.
أُثبتت آیات الذکر الحکیم أن الله تعالی
هو المالك المتصرف في الأرض.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِّ
وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٩].
وتعد ملكية الله تعالى للأرض
والسماوات من أقوى الأدلة على وحدانيته
جل وعلا؛ وذلك لأنه لو كان هنالك مالك
لهما غير الله تعالى لفسدت أحوالهما.
قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِندَهُ، لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِه
وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ١ يُسَبِّحُونَ أَلَّيْلَ وَاَلنَّهَارَ
لَا يَفْتُرُونَ ، أَمِ أَتَّخَذُوَاْ ءَالِهَةٌ مِّنَ الْأَرْضِ
(١) في ظلال القرآن ٢٢٣١/٤.
هُمْ يُنِشِرُونَ لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِهَّهُ إِلَّا اللَّهُ
لَفَسَدَتَّا فَسُبْحَنَ اَللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ )﴾
[الأنبياء: ١٩-٢٢].
وبالتالي فإن صلاح أمر الأرض
والسماوات يعني أن المتصرف فيهما هو
واحد أحد لا شريك له (٢).
٥. إحاطة علم الله تعالى بما في
الأرض.
بينت آيات القرآن الكريم في غير
موضع أن الله تعالی بکل شيء علیم، قال
تعالى: ﴿أَلَآ إِنَّ لِلَّهِمَا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
قَدْ يَعْلَمُ مَّآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَبَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ
فَيُبِّتُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:
٦٤].
وقال تعالى: ﴿وَسِعَ رَبُّنَّا كُلّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾
[الأعراف: ٨٩].
وقال تعالى: ﴿قَالَ يَكَادَمُ أَنْبِشْهُم بِأَسْمَا بِهِمّ
فَلَمَّا أَنْبَأَّهُم بِأَسْمَاِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِّ أَعْلَمُ
غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا
كُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣].
وتعد هذه الآيات الكريمة غيض من
فيض إذا ما كان المراد هو الحديث عن
اهتمام القرآن الكريم بصفة العلم الثابتة لله
تعالی، ویعد علم الله تعالى بالأمور كلها
وبالأخص ما يحدث منها على وجه الأرض
(٢) انظر: معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن،
حسن الجمل ٢٦٠/٣.
٢١٢
القرآن الكريم

الاستئذان
من أقوى الأدلة على وحدانية الله تعالى، الكريمة: ((أي: نتفرد بالملك والبقاء عند
فلو أنه سبحانه لم يكن يعلم ما يحدث تعميم الهُلْك والفناء))(٢).
على الأرض للزمه شريك يزوده بما يخفى
عليه من المعلومات حتى لا يقع في الظلم
عند تقسيم الأرزاق، أوعند التشريع، أوعند
الحساب، أو .... إلخ، وبالتالي فلما ثبت
للعباد قطعًا عدم وقوع الظلم من الله تعالى
في أي أمر من الأمور، تبين أنه سبحانه واحد
لا شريك له ولا مثیل.
٦. وراثة الله تعالى للأرض.
يعد انفراد الله تعالى بميراث السماوات
والأرض من أبرز ما يدلل على وحدانيته
جل وعلا، إذ لو كان معه إله غيره لقاسمه
هذا الميراث، وبالتالي فإن تقرير آيات
القرآن بتفرد الله تعالى بميراث السماوات
والأرض دليل على وحدانيته جل وعلا.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَتِ وَالأَرْضِّ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
وتقديم الجار والمجرور (لله) يأتي
بغرض التخصيص، وبالتالي فلا منازع ولا
شريك له سبحانه في الإرث للسماوات
والأرض(١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ اَلْأَرْضَ وَمَنْ
عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠].
يقول النسفي في تفسيره لهذه الآية
(١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي
٠٣٧٣/٨
(٢) مدارك التنزيل ٢/ ٣٣٧، والهلك بمعنى
الهلاك.
www. modoee.com
٢١٣

حرف الألف
خلق الأرض
خلق الله تعالى الأرض وجعلها مهيأةً
ليعيش عليها عباده، فوفر لهم فيها كل ما
یلزمهم من مأكل ومشرب ومسكن وملبس
و ..... إلخ، وهذه النعمة لا تقتصر على
العباد المكلفين وإنما تتعدى ذلك لتعم
كافة المخلوقات التي تعيش على الأرض،
وقد ذكر القرآن الكريم عدة خصائص زود
الله تعالى بها الأرض حتى تكون صالحة
لمعيشة ما عليها من مخلوقات، ومن هذه
الخصائص ما يأتي:
١. الرتق والفتق.
الرتق لغةً هو إصلاح الفتق (١)، أما الفتق منفصلتين، وهذه الأمور جميعها هي مما
فهو الشق(٢).
ذكر القرآن الكريم أن السماء والأرض
كانتا رتقا ففتقهما الله تعالى.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَنَا رَتَّقَا فَفَتَقْنَهُمَّاً
وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾
[الأنبياء: ٣٠].
وقد ذكر المفسرون ثلاثة أقوال في معنى
الرتق والفتق هي:
أحدها: أن السماء كانت رتقًا لا تمطر،
وأن الأرض كانت رتقًا لا تنبت، ففتق الله
(١) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٣٣١/٢٥.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري ١٥٣٩/٤.
تعالى السماء بالمطر، وفتق الأرض بالنبات.
الثاني: أن السماء والأرض كانتا رتقا،
أي: متلاصقتین، ففتقهما الله تعالی.
الثالث: أن الله تعالى فتق الأرض من
الأرض ست أرضین، فصار المجموع سبعًا،
وأنه تعالى فتق من السماء ست سماوات،
فصار المجموع سبعًا (٣).
وسواءٌ أكان المراد بالرتق والفتق هو
واحد من المعاني الثلاثة السابقة الذكر،
أو كان المراد بهما جميع المعاني الثلاثة
السابقة، فإن الحاصل الآن هو أن السماء
تمطر، والأرض تنبت، وأن السماوات سبعًا،
وكذلك الأرض، وأن السماء والأرض
أنعم الله تعالی به على عباده.
٢. المد والبسط والدحو.
المد في اللغة يعني الجذب والمطل،
يقال: رجل مديد الجسد، أي: طويل(٤)،
والبسط في اللغة يعني النشر(٥)، والدحو في
اللغة يعني البسط (٦).
ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى قد مد
الأرض، وأنه قد بسطها، وأنه قد دحاها.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى مَدَّ الْأَرْضَ
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ وَأَنْهَرًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ
(٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، ١٨٩/٣.
(٤) انظر: المحکم، ابن سیده ٩/ ٢٨٧.
(٥) انظر: تاج العروس، الزبيدي ١٩/ ١٤٢.
(٦) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٤ /٢٥١.
٢١٤
القرآن الكريم

الاستئذان
فِيهَا زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِّ يُفْشِى الَّيْلَ اَلنََّارَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ بحاجاتهم.
لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣].
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩].
قال تعالى: ﴿وَاْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَتَهَا﴾
[النازعات: ٣٠].
والألفاظ الثلاثة کلها تدور حول المد
والبسط.
فأما مد الأرض؛ فهو بسطها طولًا
وعرضًا (١).
وأما بسطها؛ أي: جعلها ممهدة مهيأةً
للاستقرار (٢).
وأما دحو الأرض؛ أي: بسطها(٣).
وهذا المد والبسط للأرض من أعظم
النعم، فلولا أن الله جعلها مبسوطة لما
تمكن سكانها من التنقل بسهولة ويسر
بين الأماكن المختلفة لقضاء الحاجات
المتعددة، لذلك قال الله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ جَعَلَ
لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (٥ ) لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلًاً فِيجَاجًا﴾
[نوح: ١٩ - ٢٠].
فجملة تسكنوا في قوله تعالى: ﴿لِتَسْلُكُواْ
مِنْهَا سُبُّلًا﴾ في محل نصب مفعول لأجله،
أي: أن الله تعالى قد بسط الأرض بغرض
تمكين الناس من اتخاذ المسالك والطرق
التي تربط بين الأماكن ذات الصلة
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٢٨/١٦.
(٢) انظر: المصدر السابق ٦٣٧/٢٣.
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤٥٨/٥.
٣. التذليل.
التذليل في اللغة: هو التسهيل (٤).
ذكر القرآن الكريم أن الله عز وجل قد
ذلل الأرض.
قال تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
ذَلُولاً فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِنْ رِزْقِهِّ وَإِلَيْهِ
النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥].
وقد ذكر المفسرون أن معنى كلمة ذلولًا
الواردة في الآية الكريمة، أي: سهلة مهيأةً
للمشي في طرقاتها (٥).
وبالنظر في آية الملك يمكن القول بأن
الله تعالى لما من على عباده بأن جعل لهم
الأرض مذللة، أعقب ذلك بـ:
# الأمر بالمشي وتحصيل الرزق،
فالأمران مرتبطان مع بعضهما، فلو أن
الله تعالى لم يذلل الأرض لشق على
الناس التنقل في طرقاتها وبالتالي لشق
علیهم أيضًا کسب أقواتهم وأرزاقهم.
الدعوة إلى ضرورة توظيف هذه النعمة
في طلب الرضا من الله تعالى، وذلك
من خلال فاصلة الآية الكريمة، والتي
قال تعالى فيها: ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أي:
المرد والمرجع يوم الدين، ويتحقق
ذلك بالالتزام بما يأتي:
(٤) انظر: المصباح المنير، الفيومي ١/ ٢١٠.
(٥) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤/ ٣٢٠.
www. modoee.com
٢١٥

حرف الألف
١. السعي لطلب الرزق بالحلال، وذلك سلك طريقًا يلتمس فيه علما سهل الله له
طريقًا إلى الجنة)(٢).
امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ
فَأَنتَشِرُواْ فِ اَلْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ
وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:
١٠].
٢. إعطاء الطرقات حقوقها التي بينها
النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (إياكم
والجلوس على الطرقات)، فقالوا: ما لنا بدٌّ،
إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: (فإذا
أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقها)،
قالوا: وما حق الطريق؟ قال: (غض البصر،
وكف الأذى، ورد السلام، وأمرٌ بالمعروف،
ونهيٌّ عن المنكر)(١).
٣. بالإضافة إلى لزوم التواضع أثناء
المشي خلالها، وذلك تأدبًا بما أدب به
لقمان الحكيم ابنه وهو يعظه.
قال تعالی حکایة لأحدى مواعظه لولده:
﴿ وَلَا تُصَعِرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِ اْأَرْضِ مَرَحًاً
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ، وَأَقْصِدْ فِ
مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَتِ
لَصَوْتُ اَلْصِيرِ ﴾ [لقمان: ١٨ - ١٩].
٤. كما يضاف إلى ما تقدم ابتغاء العلوم
النافعة من خلال السير في الطرقات، قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم
والغصب، باب أفنية الدور والجلوس فيها،
والجلوس على الصعدات، رقم ٢٤٦٥،
٠١٣٢/٣
٥. إماطة الأذى عن الطريق، وذلك
لقوله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضعٌ
وسبعون - أو بضعٌّ وستون - شعبةً، فأفضلها
قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن
الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان)(٣).
٤ . السعة.
السعة في اللغة هي خلاف الضيق،
والغنى.
ذكر القرآن الکریم أن الله تعالى قد جعل
في الأرض السعة.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ يَهِدْ
فِ اَلْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِرًّاً وَسَعَةٌ وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ،
مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ أَلْوَتُّ فَقَدْ وَقَعَ
أَجْرُهُ, عَلَى اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء:
١٠٠].
والسعة في هذه الآية بمعنى وفرة في
الرزق، و تمکین للدین (٤).
وتعد السعة من أعظم ما من الله تعالى
به على عباده حيث تتيح الفرصة للمؤمنين
للانتشار في الأرض والحصول على وسائل
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب العلم، باب
فضل طلب العلم، رقم ٢٨/٥،٢٦٤٦.
قال الترمذي: حديث حسن.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب شعب الإيمان ، رقم ٦٣/١،٥٨.
(٤) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ٤٥٧.
٢١٦
جَوَبُو بَرُ النَّقِين
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الاستئذان
التمكين والعزة، وتوظيف هذه الوسائل
في بناء المجمتع المسلم الملتزم بأحكام
الشريعة السمحة، كما كان المجتمع الذي
بناه الرسول صلى الله عليه وسلم في
المدينة المنورة.
٥. الزخرف والتزيين.
الزخرف في اللغة هو الذهب، والشيء
المزخرف هو الشيء المزين (١)، والتزيين
في اللغة هو التجميل (٢).
ذكر القرآن الكريم أن الأرض تتزخرف
وتتزين وتتجمل.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ
أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا
يَأَكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَّ إِذَا أَخَذَتِاَ لْأَرْضُ زُخْرُفَهَا
وَأَزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَاْ أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا
أَتَنِهَا أَمَُّنَا لَيْلًا أَوْنَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ
لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِنَّ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَنْتِ لِقَوْمٍ
يَنَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤].
ومعنى أخذت الأرض زخرفها وازینت،
أي: تجملت بالنباتات والأزهار ذات
الألوان الجميلة الزاهية (٣).
(١) انظر: مجمع بحار الأنوار، محمد طاهر
الكجراتي ٢/ ٤٢٠.
(٢) انظر: مجعم اللغة العربية المعاصرة، أحمد
عمر مختار ٢ / ١٠١٧.
(٣) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي٦/ ٣٠.
الأرض والإنسان
خلق الله تعالى الأرض وجعلها مأوى
للإنسان، ووفر له فيها كافة مستلزماته
ومتطلباته من مأكل ومشرب و کسوة، كما
أودع فيها من الكنوز ما يكفل للبشرية
الرفاهية والسعادة، ولا تتوقف علاقة
الإنسان بالأرض عند حد المعيشة فحسب
وإنما تربطه بها عدة عناصر سيأتي بيانها
بإذن الله تعالى فيما يأتي من مطالب.
أولًا: النشأة والخلق:
خلق الله تعالى الإنسان من طين الأرض.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَئِكَةِ إِ خَلِقٌ
بَشَرًّاً مِّنِ طِينٍ ﴾ [ص: ٧١].
وقد وصف الله تعالى الطين في موضع
آخر من کتابه العزیز بأنه طين لازب، وذلك
في قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَفْنِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا
أَم مَّنْ خَلَقْنَاْ إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّن طِينٍ لَّازِي
١١
[الصافات: ١١].
والطين اللازب هو الطين اللزق (٤)،
ومعلوم أن التراب هو أصل الطين، وأن
التراب جزء من الأرض، أي: أن أصل
الإنسان ونشأته من الأرض.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَرَ الْإِثْمِ
وَالْفَوَِّشَ إِلَّ اللَّمَ إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِّ هُوَ أَعْلَمُ
(٤) انظر: معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن
الكريم، حسن الجمل ٦٧/٣.
www. modoee.com
٢١٧

حرف الألف
بِكُنْ إِذْ أَنشَأَكُ مِنَ اْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِ
بُونِ أُمَّهَتِكُمْ فَلاَ تُزَّكُواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ
أَتَّقَى ﴾ [النجم: ٣٢].
يقول الخازن في بيان معنى قوله تعالى:
أَنشَأْكُرُ مَرَب
خلق
ایعني
أَوْضٍ ﴾
أباكم آدم من التراب»(١).
وقال تعالى في بيان أصل الخلقة
للإنسان: ﴿الَّذِىَّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ، وَبَدَأَ
خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ ، تُوَّجَعَلَ نَسْلَهُ مِن
سُلَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ، ثُمَّسَوَّنِهُ وَنَّفَخَ فِيهِ مِنٍ
رُوحِدٌِّ وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفَعِدَةَ
قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ [السجدة: ٧-٩].
والمعنى: أي أن الله تعالى قد خلق
آدم من من طین فلما نفخ فيه الروح صار
لحمًا ودمًا وعظمًا(٢)، ثم صار نسله من
الماء الضعيف وهو عبارة عن مني الرجل
والمرأة(٣).
وهذه الخلقة العجيبة للإنسان تبرز مدى
الارتباط بين الإنسان والأرض، فكما أن
الأرض تحتوي على الماء والتراب، فإن
الإنسان قد خلق من الطين الذي يحتوي
على التراب والماء، و کما أن جسد الإنسان
يحتوي على المواد الصلبة كالعظم، فإن
الأرض تحتوي على أجزاء صلبة کالصخور،
وكما أن جسد الإنسان يحتوي على المواد
(١) لباب التأويل ٢١٢/٤.
(٢) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان، ٤٤٩/٣.
وصححه الألباني.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤١٨/٥.
السائلة کالدماء، فإن الأرض تحتوي عناصر
سائلة كالماء وهكذا، كما بينت نصوص
السنة أن العلاقة بين الإنسان والأرض تمتد
إلى حد التشابه والتقارب، وأن الاختلاف
في خصائص وصفات البشر إنما يعود إلى
الاختلاف في خصائص وصفات العناصر
التي تتكون منها التربة، وقد جاء في
الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: ((إن الله خلق آدم من قبضةٍ
قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على
قدر الأرض: جاء منهم الأحمر، والأبيض،
والأسود، وبين ذلك، والسهل، والحزن،
والخبيث، والطيب)) (٤)
والترابط بين الأرض والإنسان لا تقتصر
على المنشأ فحسب، وإنما يتعدى الأمر
ذلك إلى المنتهى والمستقر بعد الموت.
قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيَهَا نُعِيدُكُمْ
وَمِنْهَا تُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥].
يقول الإمام الطبري في تأويل قوله
تعالى: ﴿وَفِيَهَا نُعِيدُكُمْ﴾: ((وفي الأرض
نعیدکم بعد مماتکم، فنصیر کم ترابًا، كما
کنتم قبل إنشائنا لکم بشرًا سويًا»(٥)، كما
يتعدى الأمر ذلك ليصل إلى الإخراج
من القبور يوم القيامة للحساب، وهذا هو
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب
في القدر، رقم ٢٢٢/٤،٤٦٩٣.
(٥) جامع البيان ٣٢١/١٨.
٢١٨
جوبيبو
القرآن الكريم

الاستئذان
المراد بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهَا تُخْرِجُكُمْ تَارَةً
أُخرى ﴾، یقول الإمام النسفي في بیان معنی
الإخراج مرة أخرى: ((والمراد بإخراجهم أنه
يؤلف أجزاءهم المتفرقة المختلطة بالتراب
ويردهم كما كانوا أحياء ويخرجهم إلى
المحشر))(١).
مما سبق يمكن القول بأن علاقة الإنسان
بالأرض هي علاقة قديمة قدم الإنسان نفسه
حیث إن نشأته کانت منها، ومرقده عند موته
يكون في باطنها، وبعثته يوم القيامة يكون
من مکان قبره فيها.
ثانيًا: تهيئتها للسكن والاستقرار:
إن من أقوى الأدلة على وجود الله تعالى
ورحمته عنايته بسائر مخلوقاته، وتتجلى
عنایته جل وعلا بخلقه توفیرہ لهم كل ما
يحتاجون إليه لشؤون بقائهم ومعيشتهم،
فعلى سبيل المثال لا الحصر خلق الله تعالى
الجمل ووفر له ما يلزمه ليتمكن من العيش
في البيئة الصحراوية القاسية كالسنام الذي
يخزن فيه الغذاء، والأمعاء التي يخزن فيها
المياه، والخف الذي يعينه على السير في
الصحراء دون أن تغوص أقدامه في رمال
الصحراء، وغير ذلك مما ييسر له المعيشة
في الظروف الصحراوية القاسية، ومن
الأمثلة أيضًا أن الله تعالى لما خلق الإنسان
وفر له ما يحتاجه على هذه الأرض من
مسکن وملبس ومأكل ومشرب و دواء وغیر
ذلك، وفيما يأتي تفصيل لبعض مظاهر تهيئة
الله تعالى الأرض للإنسان:
أما عن المسكن والملبس.
فقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ
بُيُوتِكُمْ سَكَنَا وَجَعَلَ لَكُ مِّنْ جُودِ الْأَنْمِ
يُثَا تَسْتَخِقُونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ
وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَنَا
وَمَتَعًا إِلَى حِينِ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا
خَلَقَ ظِلَلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ
أَكْتَنَّا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَقِيَكُمُ
اُلْحَزَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ
يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾
[النحل: ٨٠ - ٨١].
والمعنى المستفاد من هاتين الآيتين هو
أن الله تعالی یمن على عباده بأن جعل لهم
من بيوتهم مأوی ومکانًا يستقرون فیه، كما
جعل لهم الجلود التي يأخذونها من الأنعام
بعد ذبحها بيوتها كالخيام والفساطيط تنفعهم
في حلهم وترحالهم، وجعل لهم كذلك
من أشعار وأوبار هذه الأنعام أثاثًا وأمتعةً
كالوسائد والبسط والأغطية وغير ذلك مما
يعين الناس على قضاء حوائجهم المتعددة،
كما يمن الله تعالى على عباده بأن جعل لهم
مما خلق كالأشجار والأبنية والتلال أماكن
يستظلون بها من شدة الحرارة، وأنه قد جعل
(١) مدارك التنزيل ٣٦٩/٢.
www. modoee.com
٢١٩

حرف الألف
لهم کذلك من الجبال مواضع یسکنونها،
كما جعل لهم ملابس تقيهم شدة الحر
والبرد، وذلك كالملابس القطنية والصوفية
وغيرها، وملابس تقيهم إصابات الحروب
كالدروع وغيرها مما یتقی به من ضربات
الأعداء (١).
وأما عن المأكل والمشرب .
فقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى سَخَّرَ
الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِئًا﴾ [النحل:
١٤].
وقال تعالى: ﴿فَنَادَتِهَا مِن تَحْنِهَا أَلَّا تَحْزَنِ
قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴿ وَهُزِّىَ إِلَيْكِ يَحِذْع
النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًّا جَنِيًّا فَكُلِى وَأَشْرَِ
وَقَرِى عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦].
وفي الآية الأولى يمن الله تعالى على
عباده بأن يسر لهم اصطياد ما يقتاتون عليه
من الأسماك وأنواع المأكولات البحرية من
البحار (٢).
وفي الآيات الآتية يمن الله تعالى على
مريم عليها السلام بأن رزقها ماء يسري
تحتها لتشرب منه، ورطبًا غضًا مكتمل
النضج لتأكله(٣)، ومن تمام فضل الله تعالى
على عباده أن أحل لهم الطيبات، وجعلها
كثيرة، وحرم عليهم الخبائث، وجعلها قليلة
محدودة.
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٩٣/٣.
(٢) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ١١٤/٣.
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣٨٩/٣.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَِّعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ
الْأُقِىَ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْثُوبًا عِندَهُمْ فِى
التَّوْرَكَةِ وَالْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَنْهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِّينَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
ويعتبر قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُ لَهُمُ
الطِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِيثَ ﴾نصًا فيما
يحل ويحرم من الأطعمة، فلا عبرة لمن تلذذ
بأكل ما حرم الله تعالى من المطعومات (٤)،
وقال تعالى أيضًا: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ
الْأَنْهَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١].
فالحلال لا یحتاج إلی نص لمعرفة حله،
بينما الحرام يحتاج إلى نص شرعي لمعرفة
حرمته.
وتهيئة الله تعالى للأرض لا تقتصر عند
توفيره جل علا المسكن والملبس والمأكل
والمشرب بل تعدى الأمر ذلك لیشمل حتى
الزينة.
قال تعالى: ﴿قُلَّ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّيَّ
أَخْرَجَ ◌ِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الْرِّزْقِ﴾ [الأعراف:
٣٢].
والمعنى أن الله تعالى يبين لعباده أنه
ينبغي عليهم أن يتزينوا ويتجملوا بما أباح
لهم من اللباس، وأن يتمتعوا بما أحله لهم
مما يستطيبونه من المأكل والمشرب(٥)،
(٤) انظر: لباب التأويل، الخازن ١٢/٢.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥٦/١٠.
٢٢٠
مُوسُو ◌َةُ النَِّّ
جومبو
القرآن الكريم

الاستئذان
وهذا مما يدلل على عظيم ما أنعم الله تعالى خاصة، وأرسل رسوله محمدًا صلى الله
به على عباده.
ثالثًا: الاستخلاف فيها وعمارتها:
خلق الله تعالى الأرض، وجعل الإنسان
فيها خليفة.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ
إِنِّي جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠].
ولتحقيق الخلافة في الأرض لابد من
تحقق أمرين هما:
١. العبادة الحقة.
ولا تتحقق العبادة الحقة إلا باخلاص
النية فيها لله تعالى، وفي ذلك يقول الله
تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾
[النساء: ٣٦].
ویقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما
يرويه عن ربه: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك،
من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته
وشركه))(١)، وباتباع الرسل عليهم الصلاة
والسلام؛ لأنهم مبعوثون من رب العزة جل
وعلا منذرین ومبشرین.
قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
وَكَانَ اَللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥].
وقد أرسل الله تعالى رسله إلى أقوامهم
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد
والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله،
٢٢٨٩/٤، رقم ٢٩٨٥.
عليه وسلم إلى الناس كافة، وقد جاء
ذكر ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم:
(«أعطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ من الأنبياء
قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت
لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأيما رجلٍ
من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت
لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه
خاصةً، وبعثت إلى الناس كافةً، وأعطيت
الشفاعة»(٢).
ويتصل دور الأنبياء والرسل عليهم
السلام بتحقيق العبادة الحقة، من خلال
قيامهم بدور المعلم الذي يعلم العباد
كيفية أداء العبادات التي يريدها الله تعالى
منهم، وأحكامها، ومواقيتها، وكل ما يتعلق
بها من أمور شرعية، وذلك ما دعا النبي
محمد صلى الله عليه وسلم إلى توجيه
الأمر للمسلمين من أمته بالاقتداء به عند
قیامهم بأداء العبادات، ومن ذلك على سبيل
المثال، أنه لما أراد أن يحج دعا الناس إلى
الاقتداء به قائلا: «لتأخذوا مناسککم، فإني
لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)» (٣)،
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب قول النبي صلّى الله عليه وسلم: (جعل
لي الأرض مسجدًا وطهورًا)، ١/ ٩٥، رقم
٤٣٨.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب
استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا،
وبيان قوله صلى الله عليه وسلم: (لتأخذوا
www. modoee.com
٢٢١

حرف الألف
من العبادات بطريقة تختلف مع الطريقة
التي أدی بها النبي صلی الله عليه وسلم
تلك العبادات، وأمر الناس بالالتزام بها،
کما لا يجوز لمسلم أن يبتدع عملا لم یات
على أنه من العبادات، وذلك لقوله صلى
الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا
ما ليس فيه، فهو ردًّ» (١)، وبالتالي فإن الله
تعالی لا یقبل من الأعمال ما کان غير موافق
للشرع.
٢. عمارة الأرض.
وترتبط عمارة الأرض بطلب العلوم
المختلفة، والله تعالى قد أودع في الأرض
من السنن والقوانين التي يؤدي الكشف
عنها، والتعرف على خصائصها، إلى ابتكار
الصناعات والاختراعات المتعددة التي
تعود بالنفع على البشرية، وقد أسند الله
تعالى مهمة عمارة الأرض لعباده.
قال تعالى: ﴿وَإِلَى تَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحاً قَالَ
يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم
مِنَ الأَرْضِ وَأَسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ
إِنَّ رَّ قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١].
والمراد باستعمار الله تعالى عباده
مناسككم)، ٢/ ٩٤٣، رقم ١٢٩٧.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح،
باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح
مردود، ١٨٤/٣، رقم ٢٦٩٧.
لذلك فإنه لا ينبغي لمسلم أن يؤدي شيئًا في الأرض أنه أوكل إليهم مهمة العمارة
والبناء والقيام بما يجلب النفع والسعادة
للبشرية (٢)، وقال الرسول صلى الله عليه
وسلم: (ما من مسلم يغرس غرسًا إلا كان
ما أكل منه له صدقةً، وما سرق منه له صدقةٌ،
به الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم يؤديه وما أكل السبع منه فهو له صدقةٌ، وما أُكلت
الطير فهو له صدقةٌ، ولا يرزؤه أحدٌ إلا كان
له صدقةٌ)(٣).
والحديث يفيد أن الرسول صلى الله
عليه وسلم قد حث العباد على بذل الجهود
من أجل العمل على ما يعود بالنفع على كافة
ما یدب على وجه الأرض.
رابعًا: النهي عن الإفساد فيها:
من أشد الأصناف ذمًا في القرآن الكريم
هم الذين يفسدون في الأرض، وينشرون
فيها الخراب والدمار.
قال تعالى: ﴿فَهَلَ عَسَيْتُمْ إِن قَوَلَيْتُمْ
أَنْ تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ
أُوْلَيْكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمََ
٢٢
أَبْصَرَهُمْ ﴾ [محمد: ٢٢-٢٣].
ويأتي هذا الذم الإلهي للمفسدين في
الأرض؛ نظرًا لأن هؤلاء المفسدين يقومون
بأعمال تتنافى مع الغاية التي خلق الله
(٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ١٤٩/٦.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة،
باب فضل الغرس والزرع، ١١٨٨/٣،
رقم ١٥٥٢.
مُؤَ الَرُ النَّسيد
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
٢٢٢

الاستئذان
تعالى من أجلها الإنسان على هذه البسيطة أصلحها لهم بما أنعم به عليهم فيها من مأكل
ومشرب وملبس ومسكن ومركب، وبما بينه
لهم من الشرائع والأحكام التي تنظم حياتهم
(٣)
وهي الإصلاح والتعمير والصلة، وقد ذکر
المفسرون لقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ
إِن تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا
وتجلب سعادتهم
ومما يبرز مدى أهمية الإصلاح في
الأرض ارتباط صلاح أحوال الأرض
باصلاح من علیھا، وفساد أحوالها بفساد من
عليها، ومن الأدلة على ذلك ما يأتي:
أَرْحَامَكُمْ﴾ تفسيرات مفادها أن الخراب
والفساد أمران مرتبطان بالمفسدين في
الأرض، سواءٌ أكانوا ولاً يحكمون، أو
كانوا أناسًا عاديين، فإذا كانوا ولاةً فإنهم
قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ الْبرِّوَالْبَحْرِ
بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى
عَيِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
يفسدون من خلال أخذ الرشاوى، وظلم
الناس بأكل الحقوق، وغير ذلك، وإذا كانوا
أناسًا عاديين فإنهم يفسدون في الأرض من
خلال أكل الربا، وتقطيع الأرحام، وسفك
الدماء، وغير ذلك مما يغضب الله تعالى (١).
وقد جاءت الآية التالية لتبين نتيجة
الإفساد في الأرض وهي الإبعاد عن رحمة
الله تعالى (٢)، ولتجنب هذه العقوبة المريرة
لابد من امتثال العباد لأمر الله تعالى لهم،
والذي يقضي بعدم الإفساد في الأرض.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُقْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ
إِصْلَحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاْ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ
قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
والمعنى أن الله تعالى ينهى عباده في
هذه الآية الكريمة عن الإفساد في الأرض،
سواءٌ بنشر الخراب والدمار، أو بالإعراض
عن أحكام الشريعة الإسلامية، وذلك بعد أن
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٦ /٢٤٥.
(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢/ ٦٢.
والمعنى أن الله تعالى يظهر لعباده
أسباب سوء أحوال الأماكن التي يقع فيها
ما حرم الله تعالى، وتتمثل هذه الأسباب
باقتراف الناس للذنوب والمعاصي في تلك
الأمكنة (٤).
٢- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ
ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِنَ السَّمَآءِ
وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦].
تبين هذه الآية الكريمة أن الإيمان
والتقوى هما السبيل إلى جلب البركات
من السماء والأرض، وذلك من خلال
استعمال أسلوب الشرط الذي يفيد امتناع
تحقق الجواب (جلب البركات من السماء
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢١١/٢.
(٤) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٦/ ٢٧.
www. modoee.com
٢٢٣

حرف الألف
والأرض) لامتناع تحقق الشرط (الإيمان صلى الله عليه وسلم، وذكرت الآية الأولى
الحد الذي يقام على أولئك المفسدين في
والتقوى)، وقد الله تعالى على هذا الأمر في
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَآَ
أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِّن زَّبِّهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِنْ
◌َّتِ أَرْجُلِهِمَّ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةً وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَلّة
مَا يَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: ٦٦].
الأرض في حال القبض عليهم في الدنيا،
كما ذكرت سوء عاقبتهم في الآخرة، ثم بينت
الآية الثانية من يستثنى من أولئك المفسدين
في الأرض، وهم التائبون الذین یبادرون إلى
التوبة من قبل أن يلقى القبض عليهم ويقام
عليهم حد الحرابة، فهؤلاء يقبل الله تعالى
توبتهم، ويغفر لهم زلتهم(١).
وبناءً على ما تقدم فإنه لابد للعباد من
القيام بأمرين لتجنب سخط الله تعالى
عليهم، وتبديل أحوالهم الحسنة بأحوال
سیئة، وهذان الأمران هما:
١. تحقيق العبادة، وهو الغاية التي خلق
الله تعالى الإنسان من أجلها، مع الإصلاح
في الأرض وتعميرها، ومحاربة المفسدين
فيها.
٢. المبادرة إلى التوبة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَُّؤْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ
يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ
وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنْفَوْأْ مِنَ
اَلْأَرْضِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِ الدُّنْيَا وَلَهُمْ
فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّ الَّذِينَ
تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقِّدِّرُواْ عَلَيْهِمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣-٣٤].
تتحدث هاتان الآيتان الكريمتان عن
أحد أشنع أصناف الذين يسعون في الأرض
فسادًا، ويتمثل هذا الصنف في قطاع الطرق
المحاربين لأولياء الله تعالى ورسوله الكريم
خامسًا: توريث الأرض للصالحين:
بينت آيات القرآن الكريم في غير
موضع أن الله تعالى يورث الأرض لعباده
الصالحين الذين يعلون كلمته، ويطبقون
شرعه، ويناصرون أولياءه، ويحاربون
أعداءه، ومن هذه المواضع ما يأتي:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَُّورِ
مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ
الصََّلِحُونَ﴾ [الأنبياء:
ويتضح من هذه الآية الكريمة أن الله
تعالى قد قرر في شرائعه أن وراثة الأرض
أمر يتوقف على إيمان وتقوى وصلاح
ورثتها، ومن الشواهد التي تدلل على ذلك
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ
اَلْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ
الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَهَا (٢)
(١) انظر: صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني
٣١٤/١.
٢٢٤
مُوسُون
القرآن الكريمِ