النص المفهرس
صفحات 21-34
الاستدراج عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ اَلْنَوْفُ رَّيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ الله تعالى أن الفرار من ملاقاة الأعداء تَدُورُ أَعْيُمْ كَالَّذِى يُغْشَىْ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا لا يطيل عمرًا، ولا يرد سوءًا، وأنه لا راد ذَهَبَ لَلْنَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةٌ عَلَى الْخَيْرِّ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اَللَّهُ أَعْمَلَهُمَّ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ [الأحزاب: ١٢ - ١٩]. يذكر الله تعالى لعباده ما كان من المنافقين يوم الخندق حيث إنهم أخذوا بالتشكيك بوعد الله تعالى لعباده المؤمنين بنصرهم وتمكينهم، كما أنهم قاموا ببث الفتنة بين صفوف المؤمنين من خلال تحريضهم على التراجع عن مواجهة الأحزاب، كما أنهم قاموا بالاستئذان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمح لهم بملازمة بيوتهم بحجة أن بيوتهم منكشفة للأعداء. ثم بین الحق جل وعلا أن بیوتهم لیست كذلك، وأن القضية أنهم يسعون للفرار من المشاركة مع المؤمنين في الجهاد في سبيل الله تعالى، ثم يكشف الله تعالى عن جاهزية المنافقين التامة لاعتناق أي معتقد شركي في حال كان هذا هو السبيل للنجاة من بطش الأحزاب، وذلك مع أنهم سبق لهم وأن عاهدوا الله تعالى أن يثبتوا أمام الأعداء، وألا يفروا أبدًا. ثم يبين سبحانه أن هؤلاء المنافقين سيسألون عن عهودهم يوم القيامة، وسيحاسبون عليها أشد الحساب، ثم يبين لأمره أبدًا، سواءٌ أراد لعباده شرًا من هزيمةٍ أو هلاكٍ أو نحو ذلك، أو أراد لهم خيرًا من نصرٍ أو نجاةٍ أو نحو ذلك؛ فهو سبحانه الولي والنصير. ثم يبين سبحانه أنه على علم تام بأعمال المنافقين الخبيثة وصفاتهم القذرة والتي تتمثل بتثبيط المؤمنين عن الجهاد في سبيل الله تعالى، واعتذارهم عن المشاركة فيه بأعذار واهية أو كاذبة، وعدم قتالهم للمشركين إذا تواجدوا في الغزوات مع المؤمنين، وارتعابهم الشديد عند ملاقاة الأعداء، وتعمدهم الإساءة للمؤمنين ورسولهم صلی الله عليه وسلم، وكل ذلك فضلاً عن کفرهم بالله تعالی. ثم بين سبحانه أن عقوبة أولئك المنافقين هي إحباط العمل في الآخرة، وأن تنفيذ هذه العقوبة هو أمر یسیر علیه سبحانه؛ فهو على كل شيءٍ قدير (١). ومما يستفاد من الآيات الكريمة ما يأتي: ١. يعكف المنافقون على تشكيك المؤمنين بوعد الله تعالى لهم بالنصر والتمكين، ومن أبرز الشواهد على ذلك ما كان من المنافقين يوم الأحزاب حین قاموا بعملین أساسيين هما: (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤١٦/٣ - ٤١٨. www. modoee.com ٢٥٩ حرف الألف تثبيط المؤمنين عن الرباط مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرب من الخندق. الاستئذان من رسول الله صلى الله عليه وسلم للمكوث في البيوت بحجة أنها عورة، والحق أنها ليست بعورة. ٢. المنافقون على أتم الجاهزية لاعتناق أي معتقد مخالف للعقيدة الإسلامية في حال تم عرض ذلك عليهم من قبل أعداء الإسلام. ٣. المنافقون كاذبون فيما يصدر عنهم من عهود ومواثيق في عدم التولي عن نصرة الإسلام. ٤. الفرار من أرض المعركة لا يطيل عمرًا، والبقاء فیھا لا یقصر أجلًا. ٥. النفع والضرر بيد الله تعالى وحده، ولیس لأحد أن يدفع ضررًا أو نفعًا کتبه الله تعالى. ويؤكد هذا المعنى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله ابن عباس رضي الله عنهما: (یا غلام إني أعلمك كلماتٍ، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)(١). ٦. يعمد المشركون إلى تثبيط المسلمين عن نصرة الدين، وذلك من خلال تحقير إمكانات قوى الإيمان، مقابل تعظیم إمكانات قوى الكفر. ٧. المنافقون إما أن تظهر عليهم علامات الخوف والجبن الشدیدین في أوقات الشدة، وإما أن يسلطوا ألسنتهم الحادة للسخرية من الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وكيل الشتائم لهم. ٢. إبراز تخاذل منافقي الأعراب عن الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى مع المؤمنين، والتعذر لذلك باعذار كاذبة. قال تعالى: ﴿وَجَدَّةَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ اَلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللَّهَ وَرَسُولَةٌ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٠]. يبين الله تعالى موقف الأعراب السلبي من الخروج للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث إنهم كانوا يقدمون له الأعذار الواهية ليقعدوا عن الجهاد في سبيل الله تعالى ونصرة الدين، ثم (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب رقم٥٩، رقم٢٥١٦، ٢٤٨/٤. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ٢٦٠ مَؤُهُوَالَرُ النَّفْسَيد القرآن الكريم الاستدراج توعدهم الله تعالى بالعذاب الأليم لكفرهم اُلْآَخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ وفجورهم(١). ويستفاد من الآية الكريمة ما يأتي: ضعفاء الإيمان يختلقون الأعذار للتخاذل عن نصرة الحق، وهذا ليس من صفات المؤمنين الصادقين. يسلب الله تعالى ضعفاء الإيمان الحكمة في القول، فتكون عباراتهم مضطربة، وحججهم واهية. العذاب الأليم هو المصير الذي ينتظر الكاذبين على الله تعالى، ورسوله الکریم صلی الله عليه وسلم. ٣. إبراز تخاذل منافقي المدينة عن الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى مع رسول الله صلی الله عليه وسلم والمؤمنين. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضَّا قَرِبًا وَسَفَرًّا قَاصِدًا لَّأَتَبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أَسْتَطَعْنَا ◌َخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ عَفَا ◌َللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَقَّ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ اَلْكَذِبِينَ * لَا يَسْتَئِذِئُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ أَن يُجَهِدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ آ إِنَّمَا يَسْتَعْذِئُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤١٦/١٤، الكشف والبيان، الثعلبي ٥/ ٨٠. يَتَّرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اَللَّهُ أَنَّبِعَائَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ الْقَعِدِينَ ٦ لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُمَا زَادُوكُمْ إِلََّ خَبَالًا وَلَ وْضَعُواْ خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِلظَّالِمِينَ ٤٧ لَقَدِ أَبْتَغَوْ اَلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ اُلْأُمُورَ حَتَّى جَآءَ اَلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اَللَّهِ وَهُمْ كَرِهُونَ ﴿ وَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِ وَلَا نَفْتِنِىّ أَلَا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ آ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمٌ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾ [التوبة: ٤٢- ٥٠]. يبين الله تعالى لعباده أن المنافقين لا يترددون في الخروج إلى الأسفار التي يجنون منها المرابح الدنيوية، أما الأسفار التي يبتغى فيها وجه الله تعالى ونصرة الدين فيختلقون الأعذار الواهية لعدم الخروج فيها رغبةً منهم في خذلان الحق، وفرارًا من البذل والتضحية في سبيل الله تعالى، ثم يعاتب الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم على سماحه للمنافقين بالتخلف عن الخروج في غزوة تبوك وكان الأولى هو عدم السماح لهم بالتخلف؛ لأن في ذلك كشفًا www. modoee.com ٢٦١ حرف الألف لنفاقهم، ثم يبين الله تعالى أن المؤمنين الصادقين لا يختلقون الأعذار للتخلف عن الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى، وأن الاستئذان للتخلف عن الجهاد في سبيل الله تعالى هو سمة المرتابين من الذين لا يؤمنون بالله تعالى ولا باليوم الآخر، كما يبين أن هؤلاء المرتابين يبيتون النية لعدم المشاركة مع المؤمنين في الجهاد، والدليل على ذلك هو امتناعهم عن الإعداد للخروج مع المجاهدين. ويبين أيضًا أن عدم خروج المنافقين إلى الجهاد يصب في مصلحة المؤمنين؛ لأن وجود المنافقين في صفوف المؤمنين من أبرز عوامل الاضطراب والخلل لتلك الصفوف. ثم يحذر الله تعالى المؤمنين من الانجرار خلف هؤلاء المتخاذلين عن نصرة الحق من خلال الاستماع أو التداول والنقل لأقوالهم التي يعمدون من خلالها إلى بث الفتن، وتثبيط العزائم أثناء فترات الصراع بين الإيمان والكفر من قبل أن يأذن الله تعالى للحق أن ينصر، ولكلمته أن تعلو. ثم يبرز الله تعالى خبث المنافقين من خلال عرضه لما قاله بعضهم ليستأذنوا للتخلف عن الخروج للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن أحد المنافقين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذن لي في التخلف عن المشاركة في جهاد الروم؛ لئلا أفتتن في نسائهم الجميلات فأقع في المحظور، ثم يبين الله تعالى أن المنافقين قد وقعوا أكثر المحظورات خطورة، وأشدها عقوبة حين أبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان (١). ويستفاد من الآيات السابقة ما يأتي: ١. المنافقون لا يترددون في الخروج إلى الأسفار التي يجنون منها المرابح الدنيوية، أما الأسفار التي يبتغى فيها وجه الله تعالى ونصرة الدين فيختلقون الأعذار الواهية لعدم الخروج رغبةً في خذلان الحق، وفرارًا من البذل والتضحية في سبيل الله تعالى. ٢. المنافقون يحلفون بالله تعالى الأيمان الكاذبة ليعتذروا عن الخروج للجهاد في سبیل الله تعالی. ٣. الأولى ألا يأذن القائد المسلم للمتخاذلين عن الجهاد في سبيل الله تعالى ونصرة الحق، يفهم ذلك من معاتبة الله تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم على إعطائه الإذن للمنافقين للقعود عن الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى في غزوة تبوك، وذلك في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَقَّ يَتَبَيَّنَ لَّكَ (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٦٩/٢. ٢٦٢ جوب القرآن الكريم الاستدراج الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ اَلْكَذِبِينَ﴾. ٤. المؤمن لا يستأذن للقعود عن نصرة دین الله تعالى وإعلاء كلمته. ٥. التردد في اتخاذ قرار الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى ونصرة الحق علامة من علامات النفاق. ٦. استئذان المنافقين لعدم الخروج للجهاد أمر ناجم عن حيرتهم وشکھم المصحوب بالقلق. ٧. ترك الإعداد للجهاد في سبيل الله تعالى ماديًا ومعنويًا دليل واضح على نیتهم المبيتة لخذلان الحق وأهله وهذا ما يفهم من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا اَلْخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ فلوهي أداة امتناع لامتناع، فامتنع الجواب (إعداد العدة) لامتناع الشرط (إرادة الخروج). ٨. يكره الله تعالى خروج المنافقين في صفوف المؤمنين الصادقين المجاهدين، للأسباب الآتية: لخبث نواياهم تجاه الإسلام والمسلمين. لأن موقفهم يكون متخاذلًا عند المواجهة مع الأعداء، وهذا قد يؤدي إلی انكشاف ظهر المسلمین، وربما يؤدي إلى انهزامهم أمام أعدائهم. لأنهم يبثون روح الهزيمة في نفوس المؤمنين، وربما يؤدي ذلك إلى تقاعس البعض ممن لم يستقر الإيمان في قلوبهم. ٩. المنافقون لا يفترون من السعي للقضاء على الدولة الإسلامية، يفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿لَقَدٍ أَبْتَغَوْا اَلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَبُواْ لَكَ الْأُمُورَ حَقَّ جَآءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَرِهُونَ ﴾، في هذه الآية الكريمة يذكر الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بموقف المنافقين في غزوة أحد، حیث رجع رأس النفاق عبد الله بن سلول بجزء من الجيش رغبةً منه في انهزام المسلمين والقضاء على دولتهم. ١٠. المنافقون يستاؤون من انتصار المسرات المؤمنين، وحصول لهم، وفي المقابل يفرحون بانهزام المسلمين، وحصول المكاره لهم. وقال تعالى في موضع آخر: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَعْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٩٣ يَعْنَّذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمَّ قُل لَّا تَعْتَذِرُواْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِ كُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ. ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيْنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ، سَيَعْلِفُونَ ◌ِالَّهِ لَكُمْ إِذَا أَنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ www. modoee.com ٢٦٣ حرف الألف فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ يِجْسٌ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّهُ جَزَآءْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْ عَنْهُمَّ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ اَلْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [التوبة: ٩٣ - ٩٦]. يبين الله تعالى لعباده أن الإثم في الاستئذان عن الجهاد إنما يكون على الذين يستأذنون للتخلف عن الجهاد في سبيل الله تعالى مع قدرتهم على البذل والعطاء، ليقعدوا في بيوتهم كما يقعد النساء والصبيان، ثم يعقب سبحانه ببيان أن تخلف أولئك الأغنياء مرتبط بالكفر والطغيان والغفلة عن وخامة العاقبة المترتبة على تخلف المقتدرين عن الجهاد في سبيل الله تعالی. ثم يبين سبحانه أن المنافقين يستقبلون المؤمنين العائدين من الغزو بالاعتذارات لعدم مشاركتهم في الجهاد في سبيل الله تعالى، ثم أعقب سبحانه بتلقين المؤمنين الرد على هؤلاء المنافقين، والمتمثل في تكذيبهم وإعلامهم بأن الله تعالى قد كشف أمرهم وكذبهم، وأن الله تعالى مطلع على أعمالهم في الدنيا، وأن مردهم إليه في الآخرة وحينها سيخبرهم بما قدموا من أعمال في الدنیا، ثم سیحاسبهم عليها. ثم يبين سبحانه للمؤمنين أن هؤلاء المنافقين المتخلفين عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيحلفون للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الأيمان الكاذبة لتبرير تخلفهم عن الغزو معهم، وبالتالي عدم حصول التأنيب لهم، فأرشد الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى ترك تأنيبهم، وتخليتهم وما اختاروا لأنفسهم من النفاق، وسوء العاقبة. ثم يؤكد الله تعالى أن علة الأيمان التي يحلفها المنافقون هي محاولة كسب رضا المؤمنين عنهم، ثم عقب سبحانه ببيان أنه لو رضي المؤمنون عن المنافقين، فإن ذلك الرضى لا يستلزم رضاه جل وعلا عن أولئك المتخاذلين المتخلفين عن الجهاد والبذل والتضحية(١). ومما يستفاد من الآيات السابقة ما يأتي: ١. لا عذر عند الله تعالى للذين يتخلفون عن الجهاد في سبيله بأموالهم وأنفسهم وهم قادرون على البذل والتضحية نصرة للإسلام والمسلمين. ٢. الكفر بالله تعالى، والغفلة عن جزائه، والجهل بعذابه، هي الأسباب التي أدت بالمنافقين إلى التخلف عن الجهاد في سبيل الله تعالی. ٣. اختلاق الاعتذارات الكاذبة أو الواهية هو من طباع المنافقين لتبرير تخلفهم عن الجهاد في سبيل الله (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٩٥/٢ - ٣٩٧. ٢٦٤ القرآن الكريم الاستدراج تعالی. ٤. أنسب الردود على المنافقين هو مطالبتهم بالكف عن تقديم الأعذار، ومقاطعتهم، والإعراض عنهم. ٥. الغاية من الأيمان التي يحلفها المنافقون للمؤمنين هي محاولة نيل رضاهم. ٦. لا يرضى الله تعالى عن المنافقين؛ لأنهم كفروا به، وتخلفوا عن نصرة دینه. ولا تقتصر أعمال المنافقين الخبيثة على التخلف عن الجهاد في سبيل الله تعالى، بل تتعدى ذلك إلى محاولة حث المؤمنين على التخلف عن الجهاد في سبيل الله تعالى، ومن الآيات التي تحدثت عن ذلك قوله تعالى: ﴿فَرِعَ الْمُخَلَّقُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنْفِرُواْ فِى الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّحَرَّا لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ ﴾ [التوبة: ٨١]. ومما يستفاد من الآية السابقة ما يأتي: ١. ينتاب المنافقين حالةٌ من الفرح حينما يقعدون عن المشاركة في الجهاد في سبيل الله تعالى، وعلة ذلك أنهم كارهون للإسلام الذي يحمل أتباعه مسؤولية المحافظة على أمن وعزة وكرامة المجتمع الذي وضعت أسسه، وأرست دعائمه أحكام الشريعة الإسلامية، وبالتالي فهم يبخلون على المؤمنين مع امتلاكهم لمقومات الدعم والنصرة. قال تعالى: ﴿ وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَهُمْ وَأَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِ أَلُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ ﴿ وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَجَِهِدُواْ مَعَ رَسُولِ أُسْتَعْدَنَكَ أُوْلُواْ الَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ [التوبة: ٨٥ - ٨٦]. ٨٦ مَّعَ الْفَعِدِينَ يبين الله تعالى في هاتين الآيتين الكريمتين عدم انتفاع المجرمين بأموالهم، ولا أولادهم ففي الدنیا یکونون علیھم ھما وغمًا، وعند الموت حسرةً، ويوم القيامة عند السؤال ندامةً، كما يبين الله تعالى أن موقف زعماء ووجهاء المنافقين عند نزول سورة تأمر بالإيمان والجهاد في سبيل الله تعالى، وهو الاستئذان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمح لهم بالقعود عن الجهاد في سبيل الله تعالى على الرغم من كثرة أموالهم، ورجاحة عقولهم (١). ٢. يكره المنافقون أن يكون هنالك أيًا من مصادر الدعم المادي أو المعنوي، ويسعون جاهدين لقطع كافة سبل الإمداد عنهم، يظهر ذلك جليًا من (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤١١/١٤، تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٤٤٢/٥، لباب التأويل، الخازن ٢/ ٣٩٤. www. modoee.com ٢٦٥ حرف الألف خلال أمرین، هما: الإمساك عن توفير أي دعم للمؤمنين من أجل تقوية شوکتهم. تحريض من يمكنهم تحريضه من المسلمين لعدم المشاركة في الجهاد في سبيل الله تعالى. فرح المنافقون بتخلفهم عن الجهاد في سبيل الله تعالى في غزوة تبوك، وشعروا أنهم قد حققوا إنجازًا عظيمًا على صعيد محاربة الإسلام، وزعزعة صفوف المسلمين، ولكن سرعان ما فضحت آيات سورة التوبة خباياهم، ووصفتهم بما يميزهم عن المؤمنين، وعاقبتهم على تخلفهم عن غزوة تبوك. فقال تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوَأْ أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَمَوَِّمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا نَنْفِرُواْ فِى اُلْخَرَّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّأْ لَوْكَانُواْ يَفْقَهُونَ فَيَضْحَكُوْ قَلِيلًاً وَلْيَبَّكُواْ كَثِيرًا جَزَاءٌ بِمَا فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَاِفَةٍ ٨٢ كَانُواْ يَكْسِبُونَ مِنْهُمْ فَاسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوِجِ فَقُل لَّن ◌َّخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَئِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ [التوبة: ٨١ - ٨٣]. تبيّن الآيات الكريمة موقف المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم من الجهاد والمجاهدين، أما موقفهم من الجهاد فهو الكراهية، سواءٌ أكان الجهاد بالمال أو بالنفس، أما موقفهم من المجاهدين فهو السعي لتثبيطهم عن الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى، فردت عليهم الآيات ببيان أن فرحهم وضحكهم سيعقبه الوبال والهلاك لهم في الآخرة، كما أمرت الآيات النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم ألا يسمح لهم بالخروج للجهاد في سبيل الله تعالى بسبب تخلفهم عن الجهاد في غزوة تبوك بدون أي عذر مقبول (١). ويستفاد من الآيات ما يأتي: ١. الفرح بالتخلف عن الجهاد في سبيل الله تعالى بالمال والنفس من أظهر علامات النفاق. ٢. الصبر على مشقة الجهاد في سبيل الله تعالى في الدنيا خير من الصبر على عذاب الله في الآخرة، كما أن الله تعالى يؤمن المجاهد في سبيل الله تعالى من نار جهنم في الآخرة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع غبارٌ في سبيل الله عز وجل ودخان جهنم في منخري مسلم أبدًا)(٢). (١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٤٣٩/٥-٤٤٠. (٢) أخرجه النسائي في المجتبى، كتاب الجهاد، باب فضل من عمل في سبيل الله على قدمه، ٦/ ١٤، رقم ٣١١٣. وصححه الألباني. ٢٦٦ صَوْسُورَةُ النَّطِّ القرآن الكريم الاستدراج ٣. العذاب الأليم هو المصير الذي سيلقاه المنافقون يوم القيامة، يفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوْ قَلِيلًاً وَلْيَبَّكُواْ كَثِيرًا جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾. تخلفوا عن الخروج في غزوة تبوك بعدم السماح لهم بالخروج للجهاد مع رسول الله صلی الله علیه وسلم أبدًا. قال تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اَللّهُ إِلَى طَآَيِفَةٍ مِنْهُمْ فَأَسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوِجِ فَقُل لَّنْ تَّخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًّا وَلَن نُقَدِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَأَقْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣]. ثانيًا: من يشرع لهم بالاستئذان عن الجهاد: على الرغم من أن الشريعة الإسلامية قد حثت على المشاركة في الجهاد في سبيل الله تعالى، وحذرت من مغبة ترك هذه العبادة العظيمة، إلا أنها سمحت لفئات من المؤمنين بعدم المشاركة في ما لا يطيقونه من أعمال الجهاد التي يقوى عليها غيرهم من الأقوياء، وهؤلاء الأصناف هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَاَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ٢) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَآ أَحْلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٢]. كما جاء ذكر أصناف أخرى في قوله ٤. عاقب الله تعالى المنافقين الذين تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجُ وَمَن يُطِعِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ. يُدْخِلَّهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرِّ وَمَن يَتَوَّلَّ يُعَذِّبَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٧]. وتفصيل هذه الأصناف كما يأتي: ١ . الضعفاء. يشمل لفظ الضعفاء عدة أصناف منها: صغار السن لضعف أبدانهم، والمجانين لضعف عقولهم، والطاعنين في السن لوهن أجسادهم، والنساء لعدم قدرتهن على حمل السلاح ومواجهة الأعداء، وأصحاب العاهات التي تحول دون القدرة على القيام بأعمال الجهاد الشاقة (١). وقد جاء عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى اُلْفَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥]. دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زید بن ثابت فکتبها، فجاء عبد الله ابن أم مكتوم، فشكا ضرارته(٢)، فأنزل الله تعالى: (١) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمينين ٢٢٦/٢، الكشف والبيان، الثعلبي ٥/ ٨٠. (٢) شكاضرارته أي: فقدانه البصر الذي يمنعه من الجهاد في سبيل الله تعالی. www. modoee.com ٢٦٧ حرف الألف ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥](١). ٢. المرضى. والمراد هنا بالمرضى هم أصحاب الأمراض التي تحول بينهم وبين القدرة على القيام بأعمال الجهاد في سبيل الله تعالى(٢). وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم، حبسهم المرض)(٣). ٣.الذین لا یجدون ما ينفقون. وهؤلاء هم الفقراء الذين لا يملكون التكاليف التي تمكنهم من المشاركة في الجهاد في سبيل الله تعالى، فهؤلاء معذورون شرعًا لعدم المشاركة في الجهاد حتى وإن كانت لديهم القدرة البدنية على مواجهة الأعداء. يقول سيد طنطاوي في شرح معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُفِقُونَ﴾ ((هم الفقراء القادرون على الحرب، ولكنهم لا يجدون المال الذين ينفقونه في مطالب (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: (لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ)، ٤٨/٦، رقم ٤٥٩٣. (٢) انظر: التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي ٣٧٩/٦. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر، ١٥١٨/٣، رقم ١٩١١. الجهاد، ولا يجدون الرواحل التي يسافرون عليها إلى أرض المعركة)) (٤). ٤. الذين اعتذر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اصطحابهم للجهاد في غزوة تبوك لعدم توفر ما يحملهم عليه من الركوبة. وهؤلاء قوم جاؤوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل غزوة تبوك ليحملهم معه لغزو الروم فاعتذر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدم قدرته من توفير الركوبة لهم، فتولوا وهم يبكون، وهذا ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُمَّاً أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَّنَا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢](٥). فهؤلاء لا إثم عليهم لعدم مشاركتهم في الجهاد في سبيل الله تعالی. وقد ذكر الله تعالى هذه الأصناف لتمييزهم عن الذين لم يقبل الله تعالى أعذارهم الواهية للقعود عن الجهاد في سبيل الله تعالى، ولطمئنة هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين حبسهم العذر عن الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى على أجرهم عند (٤) التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي ٣٧٩/٦. (٥) انظر: أسباب النزول، الواحدي ص٢٦٢. مَوَسُو ◌َرَ النَفسِيد القرآن الكريم ٢٦٨ الاستدراج الله تعالی. وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وهو راجع من غزوة تبوك: (إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم)، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: (وهم بالمدينة، حبسهم العذر)(١). و قوله صلی الله عليه وسلم: (إلا كانوا معکم) فیه دليل على أنه من حبسه العذر عن القيام بأعمال الخير مع نیته فيها، فقد وقع أجره على الله تعالى (٢). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، ٨/٦، رقم ٤٤٢٣. (٢) انظر: شرح صحيح البخاري، ابن بطال ٤٨/٥. الاستئذان للانصراف عن الأمر الجامع الإسلام هو دين الجماعة فهو أمر عظيم لا يقوى على تحمل أعبائه وتحقيق مقاصده الأفراد، وللحفاظ على الجماعة وصيانة حقوقها فقد حث الإسلام على لزومها، وحذر من مفارقتها، وجعل الاستئذان شرطًا للانسحاب منها لقضاء بعض الحاجيات المختلفة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ مَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَدُ عَلَى أَمْيٍ جَايِع لَّمْ يَذْهَبُواْ حَّى يَسْتَعْدِئُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَعْذِنُونَكَ أُوْلَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولٍِّ فَإِذَا أُسْتَنْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأَذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ زَّحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢]. يبين الله تعالى أن الأدب هو الصفة الأبرز للمؤمنين، فهم لا يغادرون مجلس رسول الله صلی الله عليه وسلم إلا بعد أخذ الإذن والموافقة منه صلی الله علیه وسلم، ثم یذکر الله تعالى أن التربية الإيمانية هي السبب في تأدب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم يوجه الله تعالی رسوله صلى الله عليه وسلم لإعطاء الإذن للمؤمنين إذا أراد ذلك، كما يحثه على الاستغفار للمؤمنين، ثم يعلل الله تعالى حثه نبيه صلى الله عليه وسلم على الاستغفار للمؤمنين بأنه تعالى www. modoee.com ٢٦٩ حرف الألف متصفٌ بالمغفرة والرحمة (١). ويستفاد من الآية السابقة ما يأتي: ١. وجوب المحافظة على النظام عند للانسحاب من مجالسه صلى الله عليه حضور الجماعة، وهذا يقتضي عدم الانسحاب من الجماعة إلا بموافقة زعیمھا. ٢. وجوب مراعاة ظروف أفراد الجماعة من قبل سيدهم، وهذا يقتضي إعطاءهم الإذن حال استئذانهم لقضاء بعض مصالحهم. ٣. وجوب اتصاف المسؤول عن الجماعة بالرحمة، وهذا يقتضي الدعاء لهم بالخير، وكذلك الاستغفار لهم. كما ذم الله تعالى المنافقين لانسحابهم من مجالس النبي صلى الله عليه وسلم وجعل من هذا الخلق الذميم علامة فارقة تميز بين المؤمن والمنافق. قال تعالى: ﴿لَّا تَتْعَلُواْ دُعَلَةَ الرَّسُولِ بِنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْعِكُمْ بَعْضَأَ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذَاْ فَلَيَحْذَرِ أَلَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ تُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. ينهى الله تعالى عباده عن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم كدعاء بعضهم لبعض، ثم يبين الله تعالى عادة المنافقين (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢٨/١٩، مدارك التنزيل، النسفي ٥٢١/٢. المنافية للأدب الواجب التزامه مع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وهو التسلل وسلم خفية من دون أن يطلبوا الإذن لذلك، ثم يعقب الله تعالى بتحذير أولئك الذين يخالفون أمر الله تعالی بوجوب لزوم الأدب مع رسوله صلى الله عليه وسلم، من مغبة غضبه، وقسوة عقوبته(٢). ويستفاد من هذه الآية ما يأتي: ١. وجوب توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكره، سواءٌ بالقول أو بالكتابة أو بالإشارة، وذلك بنعته برسول الله أو بأي نعت يليق به صلى الله عليه وسلم وكذا بالصلاة عليه. ٢. الذهاب من مجالس العلماء والدعاة دون استئذانهم أمر فيه سوء أدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فالعلماء هم ورثة الأنبياء، وكذا الأمر بالنسبة للدعاة، فالرسول صلى الله عليه وسلم داعية إلى الله تعالى، يشهد لذلك ما قاله الله تعالى مخاطبًا الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا ) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا ) [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]. (٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٠٧/٣، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي ٤٦٨/١٤. ٢٧٠ مَوَسُوبَةُ الَِّيَة القرآن الكريمِ الاستدراج ٣. إهانة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أبرز الأسباب الموجبة لغضب الله تعالی. موضوعات ذات صلة: البيوت، الجهاد، العلاقات الاجتماعية www. modoee.com ٢٧١