النص المفهرس
صفحات 1-20
جَوْ عَدُ النفسية الموضوع لِلْقُرْآن الْكَرِيْمِ الْأَسْتَغَدَان عناصر الموضوع مفهوم الاستئذان ٢٤٠ الاستئذان في الاستعمال القرآني ٢٤١ الألفاظ ذات الصلة ٢٤٢ الاستئذان لدخول البيوت ٢٤٤ الاستئذان في النكاح ٢٥٣ الاستئذان في الجهاد ٢٥٥ ٢٦٩ الاستئذان للانصراف عن الأمر الجامع المجلدالثانى حرف الألف مفهوم الاستئذان أولًا: المعنى اللغوي: الهمزة والذال والنون أصلان أحدهما أذن كل ذي أذنٍ، والثاني العلم، وهو من استأذن يستأذن استأذانًا، والاستئذان يعني طلب الحصول على الإذن، واسم الفاعل مستأذِن، واسم المفعول مستأذن، وإذن مفرد جمعها أذون، یقال: أذن له في الدخول أي: سمح وأباح له الدخول، والأذان هو الإعلام، وبالتالي فالمقصود بالاستئذان هو طلب السماح والإباحة والرخصة والإعلام(١). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال الجرجاني في تعريف الإذن: هو ((فك الحجر وإطلاق التصرف لمن كان ممنوعًا شرعًا))(٢). والتعريف الأدق للإذن هو: السماح باعتقاد الشيء، أو قوله، أو فعله مع إمكانية ترتب ثواب أو عقاب على إتيان المأذون به، أو تركه. وبالتالي يكون تعريف الاستئذان اصطلاحًا: طلب السماح باعتقاد الشيء، أو قوله، أو فعله مع إمكانية ترتب ثواب أو عقاب على إتيان المأذون به، أو تركه. مما سبق يظهر الترابط الوثيق بين تعريفي الاستئذان اللغوي والاصطلاحي، فكلاهما ضمن إطار السعي للحصول على الرخصة، والإباحة، وعدم الممانعة. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٧٥/١، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر ٧٧/١ - ٧٩. (٢) التعريفات، ص١٦. ٢٤٠ مُوَسُولَةُ الْبَسيد جوبيو القرآن الكريم الاستدراج الاستئذان في الاستعمال القرآني ورد الجذر (أ ذن) في القرآن الكريم (١٣٣) مرة، يخص موضوع البحث منها (١٢) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٣ وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةً أَنْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَجَِهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اُسْتَنْذَنَكَ أُوْلُواْ اُلَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن ◌َّعَ اَلْقَعِدِينَ ﴾ [التوبة: ٨٦] الفعل المضارع ٩ ﴿وَإِذْ قَالَت ◌َائِفَةٌ مِنْهُمْ يَتَأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَعْذِنُ فَرِيِقٌ مِنْهُمُ النَّقَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ﴾ [الأحزاب: ١٣] وجاء الاستئذان في القرآن بمعناه في اللغة وهو: طلب الإذن (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٢٥ - ٢٦. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٧١. www. modoee.com ٢٤١ حرف الألف الألفاظ ذات الصلة الإباحة: ١ الإباحة لغة: من بوح، والباء والواو والحاء أصل واحد وهو الظهور، والإباحة مفرد، وهي ضد المحظور، وهي مصدر أباح، يقال: أباح الشيء: أي أحله، ويقال: أباح السر: أي أظهره ونشره وجهر به، ويقال: أباح الفعل: أي سمح وأجاز الإتيان به، والإباحة: هي التخيير بين الفعل والترك (١). الإباحة اصطلاحًا: هي السماح بإتيان الفعل دون قيد أو شرط(٢). الصلة بين الاستئذان والإباحة: تستخدم كلمة استئذان لكل ما يتم طلب السماح به عن طريق السماع، أما كلمة إباحة فتستخدم لما يسمح به عقلًا أو سماعًا(٣). الإجازة: ٢ الإجازة لغة: من جوز الجيم والواو والزاء أصلان أحدهما يدل على قطع الشيء والآخر يدل على وسطه، والإجازة مصدر أجاز، والإجازة مفرد وجمعها إجازات، والمقصود بها: الإذن أو الرخصة (٤). الإجازة اصطلاحًا: هي رفع الحرج عن إتيان الفعل (٥). الصلة بين الاستئذان والإجازة: الاستئذان: هو طلب السماح بالفعل قبل إيقاعه، أما الإجازة: فهي السماح بالفعل بعد إيقاعه(٦). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣١٥/١، تاج العروس، الزبيدي ٣٢٣/٦، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر ٢٦٠/١. (٢) انظر: التعريفات، الجرجاني، ص٨. (٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ١/ ٢٢٨. (٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٩٤/١، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر ٤٢٠/٢. (٥) انظر: فصول البدائع، شمس الدين الفناري ٣٥/٢. (٦) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ص٣٣. ٢٤٢ مَوَسُولَةُ النفسية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الاستدراج الاستئناس: ٣ الاستئناس لغة: من أنس الهمزة والنون والسين أصلٌ واحد، والاستئناس من أنس يأنس فهو آنس، وهو طلب الأنس، ومعنى أنس: ظهر، وألف، واطمأن، يقال: أنس بفلان، أي: اطمأن إليه (١). الاستئناس اصطلاحًا: هو عبارة عن السكينة الحاصلة من جهة المجالسة (٢). الصلة بين الاستئذان والاستئناس: يظهر من خلال تعريفي الاستئذان والاستئناس أن الاستئذان هو طلب الإذن، بينما الاستئناس هو طلب الطمأنينة، وإذا أريد بالاستئناس طلب الإذن، فهذا يعني أن يكون الطلب مصحوبًا بالطمأنة للمستأذن. المنع: ٤ المنع لغة: من منع الميم والنون والعين أصل واحد، والمنع من منع يمنع منعًا، أي: حرم، يقال: منعه من السفر، أي: حرمه إياه، ويقال: منع الشرع التدخين، أي: حرم الشرع التدخين، والمقصود بالمنع الحرمان والتحريم والصد والحجب والإمساك(٣). المنع اصطلاحًا: هو عدم السماح بإتيان الممنوع (٤). الصلة بين الاستئذان والمنع: بالنظر في تعريفي الاستئذان والمنع يمكن القول بأن الفارق بينهما هو أن الاستئذان هو طلب السماح بإتيان المأذون فيه، بينما المنع فهو عدم السماح بإتيان الممنوع. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٤٥/١، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر ١٢٨/١. (٢) انظر: الكليات، الكفوي، ص ١١٥. (٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٧٨/٥، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر ٢١٢٨/٣. (٤) انظر: تفسير ابن عرفة، ٧٧/٣. www. modoee.com ٢٤٣ حرف الألف الاستئذان لدخول البيوت مما يدركه كل عاقل أن البيت هو مكان الراحة والسكون والتستر وقضاء الحاجات المتعددة، وبالتالي فإن الإنسان يعمل في بيته الكثير مما يواريه عن أنظار الآخرين؛ لذلك فقد جعل الله تعالى أحكامًا وآدابًا خاصة تضمن عدم التعدي على خصوصيات الآخرین عند دخول بيوتهم، وبيان ذلك كما يأتي: أولًا: الاستئذان لدخول بيوت الآخرين: ١. البيوت المسكونة. شرع الله تعالى لعباده جملة من آداب الاستئذان عند الرغبة في دخول بيوت الآخرين، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَكَأَيُّاً الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيِّرَ بُوتِكُمْ حَقَّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَاَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ ﴿ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَ نَدْ خُلُوهَا حَقَّى يُؤْذَنَّ لَكُمْ وَإِنْقِيلَ لَكُمُ أَرْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزَّكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٧-٢٨]. ينهى الله تعالى في هاتين الآيتين الكريمتين عباده عن دخول بيوت الآخرين إلا بعد الحصول على الإذن منهم للدخول إلى بيوتهم، والتسليم عليهم، ثم يوجه الله تعالى عباده إلى عدم الدخول في حال لم يجدوا أحدًا في البيوت التي قصدوها للزيارة أو غير ذلك، ويوجههم كذلك إلى الرجوع في حال طلب أصحاب تلك البيوت منهم ذلك(١). ويستفاد من الآيتين السابقتين جملةً من الآداب، منها: ١. عدم جواز دخول بيوت الغير إلا بعد الحصول على موافقتهم. ٢. السلام قبل الاستئذان أو بعده. قال تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيَّرَ بُوتِكُمْ حَقَّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَاَ ذَلِكُمْ خَّرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ٢٧]. والمعنى أن الله تعالی ینھی عباده عن دخول بيوت الآخرين إلا بعد الاستئذان والسلام على أهل تلك البيوت(٢). ويلاحظ أن الله تعالى قد عطف جملة (تسلموا) على جملة (تستأنسوا) باستخدام حرف العطف (الواو)، ومن المعلوم أن الواو كحرف عطف إنما تفيد العطف والمشاركة (٣)، وهذا يعني أن السلام قد يسبق الاستئذان، وقد يلحقه، فمن ذهب إلى (١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٥٤٠/٧ - ٥٤٢. (٢) انظر: تفسير السمر قندي ٢/ ٥٠٧. (٣) انظر: أوضح المسالك إلى ألفية بن مالك، ابن هشام ٣١٧/٣. ٢٤٤ مُوسُوابَرُ الْمَشيد جوب القرآن الكريم الاستدراج أن الاستئذان يسبق السلام يكون قد وافق البصر من فوائد جمة، أهمها: تهذيب الترتيب الوارد في الآية الكريمة من سورة النفس، وتوطيد العلاقات بين أفراد النور. ومن ذهب إلى أن السلام يسبق الاستئذان یکون قد وافق ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه فیمن یستأذن قبل أن يسلم قال: (لا يؤذن له حتى يبدأ بالسلام)(١). وقيل: إذا وقع بصر المستأذن على أحد أفراد البيت المقصود قدم السلام، وإلا فيقدم الاستئذان (٢). ٣. عدم جواز النظر إلى عورات البيوت، وقد حرص الإسلام على التيسير على الناس عند قضائهم لحوائجهم المختلفة دون التسبب بالأذى أو الإحراج للآخرين، ومن ذلك تشريعه خلق غض البصر عما لا يليق بالمؤمن أن ینظر إليه. قال تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزََّى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣٠-٣١]. ومما لا يخفى على أحد ما لغض (١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب الاستئذان غير السلام ص ٣٦٦، رقم ١٠٦٦. وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد. (٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٩١/٣. المجتمع، وتعويد الأفراد على المحافظة على خصوصية الآخرين، وعدم التسبب بالإحراج لهم. والمناسبة بين آيتي غض البصر وما قبلها من الآيات التي فصلت أحكام الاستئذان هي: لما شرع الله تعالى أحكام الاستئذان لدخول بيوت الآخرين، ناسب أن يضبط الاستئذان بآداب، منها: غض البصر عن النظر إلى ما لا ينبغي للمؤمن أن ينظر إليه حین دخوله إلى بيوت الغير. وجاء في السنة المطهرة عن سهل بن سعدٍ، قال: اطلع رجلٌ من جحرٍ في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدرّی یحك به رأسه، فقال: (لو أعلم أنك تنظر، لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)(٣) . والحجر هو الثغر، والحجر جمع حجرة، والمدري حديدة يمشط بها الشعر (٤). یقول البقاعي: «إیاکم ومشتبهات الأمور، فإذا وقفتم للاستئذان فلا تقفوا تجاه الباب، (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر ٨/ ٥٤، رقم ٦٢٤١. (٤) انظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري، الكرماني ٨٣/٢٢. www. modoee.com ٢٤٥ حرف الألف ولكن على يمينه أو يساره؛ لأن الاستئذان إنما جعل من أجل البصر، وتحاموا النظر إلی الکوی التي قد ينظر منها أحد من أهل البيت ليعرف من على الباب: هل هو ممن پؤنس به فيؤذن له، أو لا فیرد»(١). ٤. عدم جواز تخويف الآخرين عند قصد بيوتهم، يفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْ خُلُواْ بُيُوتًّا غَيْرٌ بُوتِكُمْ حَقَّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾. والاستئناس هو طلب الأنس (٢)، وحصول الأنس إنما يكون في التلطف عند الاستئذان، والتسليم على من في البيوت المدخول فيها، وبالتعريف بالذات، وبتحديد الغرض من الزيارة وغير ذلك من الأمور التي تدخل الأنس لأصحاب البيوت المراد دخولها، وقد علم الله تعالى هذا الأدب الرفيع للملائكة عليهم السلام حين أرسلهم إلى نبيه إبراهيم عليه السلام. ﴿ وَنَبِتْهُمْ عَنْ ضَيْفِ قال تعالى: إِبْرَهِيمَ (١) إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ﴿ قَالُواْلَا نَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِرُكَ بِغُلَمٍ عَلِيمٍ ﴾ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَّسَّنِّىَ الْكِبَرُ فَِّمَ تُبَشِّرُونَ ﴿ قَالُواْ بَشَّرْنَكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَيِطِينَ ﴾ قَالَ وَمَن (١) نظم الدرر، ١٣/ ٢٥٢. (٢) انظر: معجم وتفسير لغوي لألفاظ القرآن، حسن الجمل ١ / ١٢٠. يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ* إِلَّ الصَّالُونَ ٥٦ قَالَ فَمَا خَطِبُّكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّا ٥٧ أُزْسِنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ) إِلَّ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَقُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ) إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَبِرِينَ﴾ [الحجر: ٥١-٦٠]. توضح هذه الآيات أن الملائكة عليهم السلام سلموا على إبراهيم عليه السلام حينما أرسلهم إليه ربهم جل وعلا، ثم ساقوا له البشرى، ثم عرفوه بما أسند إليهم من مهمات بخصوص قوم لوط المجرمين، وطمأنوه على سلامة نبي الله لوط عليه السلام من العذاب الذي سيحل بقومه(٣). ٥. وجوب الإحسان إلى الضيف الذي أحسن الاستئذان، ويتمثل ذلك الإحسان فيما يأتي: وجوب رد التحية بمثلها أو بما هو أحسن منها. قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِّيْتُم ◌ِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]. وقد علم ربنا جل وعلا عباده حسن الرد على التحية من خلال بيان أفضلية سلام نبيه إبراهيم عليه السلام من سلام الملائكة الذين أرسلوا إليه على هيئة ضيوف. قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَا قَالَ سَلَمٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥]. (٣) انظر: تفسير الشعراوي ٦٥٤٩/١١. ٢٤٦ مَوَسُو ◌َرَ النَفسِيرِ الموضوبي القرآن الكريم الاستدراج فسلام الملائكة يقدر بـ (نسلم سلامًا) فجاء على تقدير وجود الفعل (نسلم)، بينما رد إبراهيم عليه السلام للتحية فجاء بالاسم (سلام) أي: سلامٌ ثابتٌ، ومن المعلوم أن الخطاب بالاسم يدل على الثبوت بينما الخطاب بالفعل يدل على التجدد(١). وجوب إكرام الضيف، وقد علمنا ذلك ربنا جل وعلا من خلال بيان سلوك نبيه إبراهيم عليه السلام مع ضيفه. قال تعالى: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِرَهِيَ الْمُكْرَمِنَ ® إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَّا قَالَ سَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ) فَاغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَآءَ بِعِجْلٍ ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٢٦]. سَمِينٍ( كما علمنا ذلك الخلق الرفيع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلیکرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)(٢). * في حال عدم التمكن من استقبال الضیف فیجب أن یکون رده حسنًا. ٦. في حال عدم حصول المستأذن على الإذن لدخول البيت المقصود بالزيارة فعليه أن يرجع، وقد قال رسول الله (١) انظر: المصدر السابق ٦٥٤٩/١١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذٍ جاره، ١١/٨، رقم ٦٠١٨. صلى الله عليه وسلم في هذا المقام: (إذا استأذن أحدکم ثلاثًا فلم يؤذن له، فلیرجع)(٣). ٧. عدم جواز الدخول إلى البيوت المأهولة بالسکان أثناء فترة غيابهم عنها. ٨. مراعاة حال أهل البيت عند الاستئذان، ومما لا شك فيه أن أحوال العباد في تقلب مستمر، وبالتالي فقد يكون المرء في حال لا يمكنه من مخالطة الناس ومجاملتهم، وقد حصل ذلك فعلا مع نبي الله لوط عليه السلام. وقد حكى القرآن الكريم قصة ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا أُوْطَّا بِنََّ بِهِمْ وَضَافَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُواْ لَا تَخَفْ وَلَا تَّحْزَنْ إِنَّا مُنَجُوَكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا أَمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَيِنَ﴾ [العنكبوت: ٣٣]. والمعنى أنه قد أصاب لوط عليه السلام الهم والضيق لما بعث الله تعالى إليه الملائكة على هيئة ضيوف؛ لخوفه من أن يخزيه قومه في ضيفه، فما كان من الملائكة إلا أن طمأنوه وبشروه بالنجاة هو ومن صلح من أهله من الهلاك الذي سيحل بقومه الفجرة(٤). ويفهم من قصة لوط عليه السلام أنه (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب الاستئذان، ١٦٩٤/٣، رقم ٢١٥٣. (٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ٥٢، فتح البيان، القنوجي ١٨٩/١٠. www. modoee.com ٢٤٧ حرف الألف ينبغي على الناس مراعاة الظروف التي يمر أبي سعيد الخدري، قال: كنت في مجلسٍ بها الآخرين والتي قد تكون عصيبة في كثير من مجالس الأنصار، إذ جاء أبو موسى كأنه من الأحيان. ومن هذا الباب دعا القرآن الكريم الزائرين إلى عدم الإلحاح على الآخرين عند الاستئذان منهم لدخول بيوتهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَ نَّدْخُلُوهَا حَقَّى يُؤْذَنَ لَّكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُ أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُواْ هُوَ أَزَّكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ١ ويفهم من الآية الكريمة أنه في حال لم يُسمح للمستأذن بالدخول وطلب منه الرجوع، فعليه أن يلبي دون انزعاج؛ وذلك مراعاة لأحوال أهل البيت المقصود بالزيارة (١) . يقول سيد قطب رحمه الله: «ارجعوا دون أن تجدوا في أنفسكم غضاضة، ودون أن تستشعروا من أهل البيت الإساءة إلیکم، أو النفرة منكم. فللناس أسرارهم وأعذارهم. ويجب أن يترك لهم وحدهم تقدير ظروفهم وملابساتهم في کل حین))(٢). وقد علم رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم أدب مراعاة أحوال الناس عند زيارتهم فقد جاء في الحديث الصحيح عن (١) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٥١٨/٣، لباب التأويل، الخازن ٢٩١/٣. (٢) في ظلال القرآن ٢٥٠٨/٤. مذعورٌ، فقال: استأذنت علی عمر ثلاثًا، فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (إذا استأذن أحدکم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع). فقال: والله لتقيمن عليه ببينةٍ، أمنكم أحدٌ سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبي ابن كعبٍ: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك (٣). ويفهم من هذا الحديث الشريف أنه لا بد من أن يراعى عند الاستئذان أمران، هما: ١. أن يكون الاستئذان مسمعًا؛ ولذا كان التكرار ثلاثًا. ٢. عدم الإلحاح في طلب الإذن؛ ولذا كان الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجوع في عدم إعطاء الإذن بعد الاستئذان ثلاثًا. ٢. البيوت غير المسكونة. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَرَ مَسْكُونَةٍ فِيَهَا مَتَعَ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثًا، ٨/ ٥٤، رقم ٠٦٢٤٥ موسوعة النفسية القرآن الكريم ٢٤٨ الاستدراج تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ [النور: ٢٩]. يبين الله تعالى لعباده أنه يباح لهم الدخول إلى البيوت الغير مسكونة بسبب ترك أصحابها لها، وذلك للانتفاع بها من خلال النوم فيها، أو تناول الطعام بداخلها أو غير ذلك من الحاجيات المأذون بها شرعًا (١). ويستفاد من الآية السابقة جملةً من الآداب، منها: يجب تحري المباحات في حال طلب الانتفاع بالبيوت غير المسكونة، والحذر من استخدامها في المحرمات، يفهم ذلك من قوله تعالى في فاصلة الآية التي تحدثت عن جواز الانتفاع بالبيوت غير المسكونة: ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾، فذكر الله تعالى ذلك ليحذر المؤمنون من استغلال تلك البيوت لارتكاب المحرمات(٢). من الأدب المحافظة على البيوت الغير مسكونة صالحة لانتفاع الآخرين بها بعد الانتفاع بها لقوله تعالى: ﴿فِيهَا مَتَحٌ جواز الدخول إلى الأماكن العامة دون استئذان؛ لكون هذه الأماكن معدة (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٩١/٣. لاستقبال الزوار في جميع الأوقات التي تفتح هذه الأماكن أبوابها. ثانيًا: الاستئذان داخل البيت بين أفراد الأسرة وخدمهم: ١. إذا كانت الأبواب مفتوحة قبل البلوغ. علم الله تعالى عباده ضرورة المحافظة على نعمة الولد، ومن ذلك تعويدهم على عدم النظر إلى العورات، وعلى التأدب عند دخول الغرف، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُو ◌ْلِيَسْتَعْدِنَّكُمُ الَّيْنَ مَلَكَتْ أَيْمَتْكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ أَلْقُلُمُ مِنْكُرْ ثَثَ مَّتَّ مِن قَبْلِ صَلَوْقِ اَلْنَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ فِيَابَكُمْ مِنَ النَّهِيَرَةِ وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوَةِ اَلْمِشَاءِ ثَلَثُ عَوْرَتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاٌ بَعْدَ هُنَّ طَوَّفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُّكُمْ عَلَى بَعْضَِّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِـ ﴾ [النور: ٥٨]. يوجه الله تعالى في هذه الآية الكريمة عباده المؤمنين إلى ضرورة تعليم العبيد والإماء والأطفال الصغار الذين لم يبلغوا سن الاحتلام أدب الاستئذان في أوقات ثلاث، الأول وقت ارتداء الثياب قبل صلاة الفجر، والثاني وقت القيلولة حين يكون تخفيف الملابس وقت الظهيرة، والثالث في موعد النوم بعد صلاة العشاء، ثم بين (٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي الله تعالى أن الأوقات الثلاثة المذكورة هي ٥٤٣/٧. www. modoee.com ٢٤٩ حرف الألف أوقات عورة، أما في غير هذه الأوقات فلا داعي للاستئذان عند الدخول إلى الغرف ما دامت الأبواب مفتحة، فهي أوقات حركة وتنقل ومخالطة بين الآباء وأولادهم، وكذا بین الأسیاد وعبيدهم. ويستفاد من الآية السابقة ما يأتي: ١. جواز دخول العبيد والإماء والأطفال الصغار الذين لم يبلغوا سن الحلم على أسيادهم وأوليائهم دون استئذان في جميع الأوقات عدا الأوقات الثلاث التي ذكرتها الآية الكريمة. ٢. ضرورة تعويد الأطفال على عدم النظر إلى العورات والمحرمات عمومًا حتى يسهل عليهم التحلي بخلق غض البصر عند البلوغ، وهذا ما عود عليه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين، فعن عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: ((أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضل بن عباسٍ يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلاً وضيئًا، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم، وأقبلت امرأةٌ من خثعم وضيئةٌ تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل، فعدل وجهه عن النظر إليها، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج على عباده، أدركت أبي شیخًا کبیرًا، لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: (نعم)(١) ٣. ضرورة عدم إزعاج الغير في الأوقات التي تخصص للراحة بالعادة، فإذا كان من الواجب على الأطفال والعبيد والإماء أن يستأذنوا قبل الدخول على أوليائهم، فكيف بغيرهم من الناس. ٤. ضرورة مخالطة الآباء لأبنائهم، والأسياد لعبيدهم وإمائهم؛ من أجل تربيتهم على الأخلاق الطيبة، يفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ◌َمَنُواْلِيَسْتَعْدِينِكُمُالَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَشْكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَتْلُغُواْ الْقُلُمُ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَرَّتٍ﴾، وكيف للطفل أن يتعلم آداب الاستئذان إذا لم يتلق ذلك عن والديه، وكذا الأمر بالنسبة للعبد والأمة فيجب على الأسياد أن يخصصوا الأوقات الكافية لتعليمهم وتعويدهم على محاسن الأخلاق. ٥. ضرورة الإحسان عند اختيار الزوج أو الزوجة، فكيف للأب والأم أن يعلما (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب ٥١/٨، رقم٦٢٢٨. ٢٥٠ جوب القرآن الكريم الاستدراج الأبناء محاسن الأخلاق إذا لم يكونا إلى غرف آبائهم أو إخوانهم، سواءٌ أكانت ذوي أخلاق حسنة، وفي هذا المقام الأبواب مفتوحة أو مغلقة، وذلك في جميع الأوقات (٣). یقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ويستفاد من الآية السابقة ما يأتي: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه ١. وجوب استئذان الأطفال والرقيق على آبائهم وأسيادهم إذا بلغوا سن الحلم. وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض، وفسادٌ عريضٌ)(١). هذا عند اختيار الزوج، أما عند اختيار الزوجة، فقال صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك)(٢)، فكلا الحديثين الشريفين یحثان على اختيار ذي الخلق للزواج، وذلك حرصًا على إنتاج جيل صالح. ٢. إذا كانت الأبواب مفتوحة بعد البلوغ. قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَنْذِفُواْ كَمَا أَسْتَنْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٩]. يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يجب على الأبناء الذين بلغوا سن الحلم أن يلتزموا خلق الاستئذان قبل دخولهم (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب النكاح، باب إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه، ٣٨٦/٣، رقم ١٠٨٤. وحسنه الألباني. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، ٧/ ٧، رقم ٥٠٩٠. ٢. وجوب استئذان البالغين من أفراد الأسرة عند دخولهم على بعضهم البعض، فقد جاء عن عطاءٍ قال: سألت ابن عباسٍ فقلت: أستأذن على أختي؟ فقال: نعم. فأعدت فقلت: أختان في حجري وأنا أمونهما وأنفق عليهما أستأذن عليهما؟ قال: نعم أتحب أن تراهما عريانتين؟! ثم قرأ قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَعْدِنَكُمُ الَّذِينَ مَكَتْ أَيْمَنْكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْخُلُمَ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَّتٍ مِّن قَبْلِ صَلَوْقِ الْنَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ◌ِيَابَكُمْ مِنَ النَّهِيَرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوْقِ اَلْمِشَآءِ ثَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾[النور: ٥٨]. قال: فلم يؤمر هؤلاء بالإذن إلا في هذه العورات الثلاث. قال: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْحُلُمَّ فَلْيَسْتَغْذِئُواْ كَمَا أَسْتَغْذَنَ الَّذِينَ مِن ◌َّلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]. قال ابن عباسٍ: فالإذن واجبٌ. زاد بن جريج: على الناس كلهم (٤). (٣) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان، ٢٠٨/٣ - ٢٠٧. (٤) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب www. modoee.com ٢٥١ حرف الألف ٣. من السنة للزوج أن يعلم زوجته بإرادته أغلق باب غرفته على نفسه، فإنه يقصد بذلك منع الآخرين من باقي أفراد الأسرة الدخول عليها من خلال التنحنح أو الطرق على الباب أو ذكر الله تعالى والمتواجدين في البيت من النظر إليه، أو إلى ما ينوي القيام به، لذلك فإنه من الواجب على جميع من في البيت صغارًا كانوا أو كبارًا ألا يدخلوا إلى الغرف المغلقة إلا بعد الاستئذان والسماح لهم بالدخول. أو غير ذلك من سبل الإعلام، وذلك كي تستعد الزوجة لاستقبال زوجها بصورة تدخل السرور إلى قلب الزوج، وقد جاء عن الإمام أحمد بن حنبل أنه استحب لمن دخل على زوجته أن یتنحح(١). ٤. ضرورة الإقرار بكمال علم الله تعالى وحكمته من خلال التأمل في عظمة تشريعاته، والتي منها خلق الاستئذان. ٣. إذا كانت الأبواب مغلقة في أي وقت، وفي أي سن، قبل البلوغ أو بعده. شرع الله تعالى خلق الاستئذان حتى لا يقع البصر على ما لا يحل النظر إليه من العورات، وقد جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)(٢). ومن المعلوم أن الفرد من الأسرة إذا يستأذن على أخته، رقم ١٠٦٣، ص ٥٩٥. وصحح إسناده الألباني في صحيح الأدب المفرد. (١) انظر: الآداب الشرعية، ابن مفلح، ١/ ٤٠٠. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر، ٨/ ٥٤، رقم ٦٢٤١. مَوَسُولَة النفسية جوسيق القرآن الكريم ٢٥٢ الاستدراج الاستئذان في النكاح حث الله تعالى عباده المؤمنين على النكاح، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ: أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَّوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّا بِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهُ وَاللَّهُ وَمِعُ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]. كما حث عليه أيضًا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاءٌ)(١). ومعنى الباءة هو القدرة على القيام باستحقاقات الزواج، أما معنى الوجاء فهو الوقاية (٢)، وحتى يؤدي النكاح الأغراض المرجوة منه يجب أن يبنى على أصول وقواعد راسخة، ومن ضمن تلك الأصول والقواعد، النكاح بالاستئذان، أي: بطلب الإذن بنكاح المرأة من وليها، لذلك قال (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة، ٢٦/٣، رقم ١٩٠٥. (٢) انظر: الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري، الكرماني ٨٩/٩-٨٨. الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ اَلْمُؤْمِنَتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُم مِّنِ فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضَِّ فَأَنْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى اَلْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ اَلْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٥]. يبيح الله تعالى في هذه الآية الكريمة لمن لا يستطيع نكاح الحرائر من النساء بسبب قلة ذات اليد، ويخشى على نفسه الفتنة أن ينكح المؤمنات من الإماء، شريطة أن یکن عفیفات غير عاهرات ولا متسترات بالزنا مع أصدقائهن السريين، وأن يطلبهن الراغب في نكاحهن من أهلهن، وأن تدفع إليهن مهورهن بالمعروف. ثم يبين الله تعالى حكم الأمة إذا ارتكبت فاحشة الزنا وهو خمسون جلدة، ثم يعقب الله تعالى بحث المؤمنين على الصبر والتریث حتى يتمكنوا من نكاح الحرائر(٣). ويستفاد من الآية السابقة مجموعة من الأحكام، وهي كما يأتي: (٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ١/ ٣٦٤، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٧٤. www. modoee.com ٢٥٣ حرف الألف ١. من أهم وأولى أولويات التشريع الإسلامي صيانة المجتمع المسلم من انتشار الرذيلة بين أفراده. ٢. يجوز للمؤمن أن ينكح الأمة إذا خاف على نفسه العنت، أي: في حال خشي على نفسه الفتنة. ٣. وجوب دفع المهور للإماء في حال نكاحهن، ويجب ألا يقل المهر عن المتعارف عليه من مهور مثيلاتها من الإماء. ٤. وجوب الاستئذان من أهل الأمة وأخذ موافقتهم في حال الرغبة في نكاحها. ٥. تجلد الأمة خمسين جلدة إن ارتكبت الزنا. ٦. الأولى بالمؤمن أن يصبر ويتريث حتى يأتي الوقت الذي یتمکن فيه من نكاح الحرة، فنكاحها أفضل من نكاح الأمة. ولا يقتصر الاستئذان في النكاح على استئذان ولي المرأة المراد الزواج بها، وإن کان ذلك أمرًا ضروريًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأةٍ نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ)(١). (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، ٣٩٨/٢، رقم ١١٠٢. قال الترمذي: حديث حسن. وإنما يتعدى ذلك إلى ضرورة الحصول على موافقة المرأة نفسها بكرًا كانت أم ثيبًا، وفي ذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها)(٢). (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت، ١٠٣٧/٢، رقم ١٤٢١. ٢٥٤ جَوَسُو ◌َرُ النَّية القرآن الكريم الاستدااج الاستئذان في الجهاد يهدف الإسلام العظيم إلى إخراج الناس من الظلام إلى النور، ومن الجور إلى العدل، وليس لذلك أن يتحقق إلا بالقضاء على أعداء الإسلام، ولا يكون القضاء على أعداء الإسلام إلا بالجهاد في سبيل الله تعالى بالمال والنفس. أولًا: ليس من صفات المؤمنين الاستئذان في الجهاد: المؤمنون الأتقياء هم أکرم العباد عند الله تعالى. قال تعالى: ﴿يَأَيّا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُمٍ مِنْ ذَكَرٍ وَأَنْقَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآَيِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَمُكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. التقي الذي شرفه الله تعالى، ورفع قدره من بين العباد أن يتخلف عن المشاركة في الجهاد في سبيل الله تعالى، ونصرة الحق، ثم یرضی بحياة الذلة والهوان، وهذا ما أقره الحق جل وعلا في قوله: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَهَدُواْ بِأَمْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمَّ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَتِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَاَ ذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ [التوبة: ٨٨-٨٩]. وهذا الإخلاص الذي ترجمته فعال المؤمنين في كل المواطن التي كانت تتطلب البذل والفداء هو السبب الذي أکسبهم رضا الله تعالى عنهم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِىِ قُلُوبِهِمْ فَأَنَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: ١٨]. وفي سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ما يشهد للمؤمنين الأتقياء بالمسارعة والمسابقة في ميدان الجهاد في سبيل الله تعالى، وعدم خذلان الحق وأهله، ومن ذلك ما يأتي: ١. في غزوة بدر. وليس من المتوقع أبدًا من المؤمن وكان يريد رأي الأنصار منهم، (فقام سعد في غزوة بدر لما طلب النبي صلى الله عليه وسلم المشورة من الصحابة الكرام ابن معاذ رضي الله تعالى عنه، وقال: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: (أجل)، قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك علی ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة، فامض یا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجلٌ واحدٌ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبرٌ في الحرب، صدقٌّ في اللقاء. www. modoee.com ٢٥٥ حرف الألف لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله صلى على بركة الله)(١). ٢. في غزوة مؤتة. في غزوة مؤتة لما علم جيش المسلمين بما أعده لهم الروم، وأخذ المسلمون يتشاورون في أمرهم، فأشار عليهم الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة رضي الله عنه بقوله: ((يا قوم والله إن التي تكرهون التي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهورٌ وإما شهادةٌ))(٢). فعلت حينها همم المسلمين، وانطلقوا لمواجهة عدوهم ذو العدد والعدة، غير مبالين بما قد يصيبهم في سبيل الله تعالى. ٣. في غزوة تبوك. في غزوة تبوك لما حرض النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين على الإنفاق في سبيل الله تعالى، أخذ الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم بالتسابق للبذل والفداء، فجاء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بنصف ماله، وجاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه بكل ماله، ولم يبق لأهله شيئًا من المال وأو کل أمرهم لله تعالى، وجاء عثمان (١) السيرة النبوية، ابن هشام ١ / ٦١٥. (٢) السيرة النبوية، ابن كثير ٤٥٩/٣. الله علیه وسلم بألف دينار، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها في حجره ويقول: (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين)(٣). وجاء فقراء المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم راجين منه صلى الله عليه وسلم أن يحملهم معه إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، فلما اعتذر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حملهم تولوا عنه وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا على ما ظنوا أنه قد فاتهم من الأجر عند الله تعالی (٤). قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَ عَلَى الَّذِينَ لَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِةٍ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنِ سَبِيلٍّ وَاللَّهُ غَفُورٌ تَّحِيمٌ ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُمَا أَحْلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ﴾ [التوبة: ٩١-٩٢]. ولا يقتصر بذل وعطاء المؤمنين على الرجال فقط، بل تعدى الأمر ذلك ليشمل الصغار والنساء أيضًا، فهذا رسول الله صلى (٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب في مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه، وله كنيتان، يقال: أبو عمرو، وأبو عبد الله، ٦٧/٦، رقم ٣٧٠١. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. (٤) انظر: دلائل النبوة، البيهقي ٢١٨/٥. ٢٥٦ مَوسُو ◌َر التفسير الموضوع القرآن الكريم الاستدراج الله عليه وسلم يعرض عليه الغلمان يوم أحد ليأذن لهم بالمشاركة بالغزو فيردهم لصغر سنهم، فیؤتی برافع بن خديج رضي الله عنه، وكان أحد الغلمان، فيقال الرسول الله صلی الله علیه وسلم إنه رام، ويتطاول رافع رضي الله عنه على خفيه، فيأذن له رسول الله صلی الله عليه وسلم بالمشاركة في الغزوة، ثم يؤتى بسمرة بن جندب رضي الله عنه وكان أيضًا صغير السن، فيقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن سمرة يصرع رافعًا، فيطلب منهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتصارعا فيصرع سمرة رافعًا، فيأذن الرسول صلى الله عليه وسلم لكليهما بالمشاركة في الجهاد في سبيل الله تعالى(١). وهذه الصحابية الجليلة أم سليم رضي الله عنها تأتي يوم حنين ومعها خنجر، فيسألها أبو طلحة رضي الله عنه عن هذا الخنجر الذي تحمله، فتقول له: ((خنجرٌ أخذته معي، إن دنا مني أحدٌ من المشركين بعجته به»(٢) فهؤلاء هم المؤمنون الذين جمعوا بين الإيمان، والتقوى، والإحسان في طاعة الله تعالى، والتقرب إليه، والجهاد في سبيله، وذلك امتثالًا لما أمرهم الله تعالى به في (١) انظر: المغازي، الواقدي ١/ ٢١٦. (٢) المصدر السابق ٣/ ٩٠٤. قوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥]. وما كان ذلك الإقبال على الله تعالى من قبل المؤمنين الصادقين، إلا سعيًا منهم لنيل رضا الله تعالى، وإلا ليكون تعالى معهم ناصرًا ومؤيدًا، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاً وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. ثانيًا: استئذان المنافقين عن الجهاد: تحدثت آيات القرآن الكريم عن أساليب المنافقين في المرواغة للتنصل من تنفيذ ما يصدره الشارع الحكيم من أوامر وتشريعات، خصوصًا ما كان منها يعلي منزلة المؤمنين، ويحط مكانة الكافرين، وفي مقدمة تلك التشريعات الجهاد في سبيل الله تعالى الذي يعد من أبرز ما يظهر المنافقين على حقيقتهم، ويكشف زيفهم، فهم يبتكرون دائمًا الآليات التي تعفيهم من المشاركة في جهاد أعداء الله تعالى. وقد وضع القرآن الكريم حدًا لهؤلاء المنافقين الذين يستأذنون للتخلف عن الجهاد بأعذار واهية تارة، وأخرى يتظاهرون برغبتهم المشاركة في الجهاد، فبین أحوالهم، وحذر منهم، وبيان ذلك كما يأتي: www. modoee.com ٢٥٧ حرف الألف استئذان المنافقين للتخلف عن الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَأْمَنُواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَدِنَا غَفِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَنَهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ ٧ الجهاد: شرع الله تعالى الجهاد في سبيله لتبقى كلمته هي العليا، وليبقى أهل الإيمان في عزة وكرامة، ولما كان الجهاد بذل وتضحية وعطاء فقد لزم معه التمييز بين المؤمن الصادق المطمئن، وبين المنافق الكاذب المضطرب، فالمؤمن الصادق الواثق بنصر الله تعالى يقدم على البذل والتضحية في سبيل الله تعالى بلا تردد، فكان بذلك جديرًا بشهادة الله تعالی علی صدقه و ثباته. قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرِّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]. وأما المنافق الكاذب المرتاب فيبحث له عن مخرج ينفذ من خلاله إلى التهرب من البذل والتضحية في سبيل الله تعالى، كما تظهر على قسمات وجهه علامات الجبن والخوف لمجرد سماعه لآيات الدعوة إلى القتال في سبيل الله تعالى، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلَا نُزِلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِهَا اَلْقِنَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِّ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠]. وهؤلاء توعدهم الله تعالى بالعذاب الأليم في الآخرة كما في قوله تعالى: ﴿إنَّ يَكْسِبُونَ ﴾ [يونس: ٧ - ٨]. ومن الأعمال التي يعكف هذا الصنف السيئ من الناس عليها الاستئذان لعدم مشاركة المؤمنين في الجهاد في سبيل الله تعالى، وقد ذكرت غير آية من كتاب الله تعالى ذلك العمل السيء. ١. إبراز تخاذل منافقي المدينة عن الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى مع المؤمنين في غزوة الخندق. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضَُّ مَّا وَعَدَنَا ◌َللّهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَتْ تَطَاِفَةٌ مِنْهُمْ يَأَهْلَ يَغْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْ جِعُواْ وَيَسْتَعْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِىِّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلََّ فَرَارًا وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَتِهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ١٣ اَلْفِتْنَةَ لَأَنَوَّهَا وَمَا تَلَتَّقُواْ بِهَا إِلَّ يَسِيرًا )) وَلَقَدْ كَانُواْ عَنْهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُونَ اٌلْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ﴿ قُل لَّنْ يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ( قُلْ مَن ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُم مِنَ الَّهِ إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةٌ وَلَا يَدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ، قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَنِهِمْ هَلْمّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ أَلْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ أَشِخَّةً ٢٥٨ القرآن الكريم