النص المفهرس
صفحات 1-20
جَوْ عَدُ النفسية الموضوع
لِلْقُرْآن الْكَرِيْمِ
الْأَذى
١
عناصر الموضوع
مفهوم الأذى
١٧٨
الأذى في الاستعمال القرآني
١٧٩
الألفاظ ذات الصلة
١٨٠
أنواع الأذى
١٨٢
الآثار المترتبة على الأذى في العبادة
١٨٥
الأذى في سبيل الله
١٨٦
إيذاء الله ورسوله
٢٠٠
المجلدالثانى
حرف الألف
مفهوم الأذى
أولًا: المعنى اللغوي:
الأذى: كل ما تأذيت به، ورجل أذيٌّ، أي: شديد التأذي، وآذى الرجل فعل الأذى،
والأذي كغني؛ الشديد التأذي، ومصدره؛ أذىّ، وكذلك أذاةً، وأذيةً(١).
و (منه الأذى؛ وهو الموج المؤذي لركاب البحر))(٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب الأصفهاني: ((الأذى ما يصل إلى الحيوان من الضرر؛ إما في نفسه، أو جسمه،
أو تبعاته؛ دنيويًا كان أو أخرويًا))(٣).
وذکر المناوي قريبًا من ذلك؛ فقال في التوقیف: ((الأذی ما یصل إلی الحیوان من ضرر،
أو مكروه في نفسه، أو بدنه، أو فئته؛ دنيويًا أو أخرويًا)) (٤).
وعرفه الدكتور أحمد مختار في المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن وقراءته؛ بأنه
الضرر (٥).
ويظهر من تعريف الأصفهاني والمناوي أنهما قصراه على الحيوان، ولعلهما يقصدان
بالحيوان كل ما كان حيًا؛ وخاصة الإنسان، في حين أن الآيات التي ذكرت الأذى، تحدثت
عن الأذى الذي يقع على الإنسان، وعليه فإن الأذى هو الضرر الذي يلحق بالإنسان في
نفسه، أو جسمه، أو تبعاته.
فالعلاقة بين المعنيين للفظ: أنه خص في الاصطلاح بالضرر الذي يقع على الإنسان أو
الحیوان، بخلاف المعنى اللغوي فإنه یعم کل ضرر.
(١) انظر: العين، الفراهيدي، ٢٠٦/٨، مختار الصحاح، الرازي، ص١٦، لسان العرب، ابن منظور،
٢٧/١٤.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني، ١/ ٢٧.
(٣) المصدر السابق.
(٤) التوقيف، المناوي، ١/ ٤٦.
(٥) انظر: المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن وقراءاته، د. أحمد مختار، ص٦٧.
القرآن الكريم
١٧٨
الأرض
الأذى في الاستعمال القرآني
وردت مادة (أذي) في القرآن الكريم (٢٤) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٢
( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ
مِتَا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَحِيْهًا ﴾ [الأحزاب: ٦٩]
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ
٦١
الفعل المضارع
٩
[التوبة: ٦١]
فعل الأمر
٤
﴿ وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنْكُمْ فَشَاذُوهُمَا ﴾ [النساء: ١٦]
المصدر
٩
[البقرة: ٢٢٢]
﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى﴾
وجاء الأذى في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: ما يصل إلى الإنسان من الضرر (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبدالباقي ص ٢٦.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٧١.
www. modoee.com
١٧٩
حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
السوء:
١
السوء لغةً:
الشر والفساد وكل آفة، قال الكفوي في معناه: السوء جرى مجرى الشر، ويحمل معنى
الشدة والذنب والضر والفقر والزنا والشرك والهزيمة (١).
السوء اصطلاحًا:
((كل ما يغم الإنسان من الأمور الدنيوية، والأخروية، ومن الأحوال النفسية، والبدنية،
﴾(٢).
والخارجة، من فوات مال، وجاه، وفقد حميم)
٠
الصلة بين السوء والأذى:
السوء نوع من أنواع الأذى الذي يمكن أن يتعرض له الإنسان.
المصيبة:
٢
المصيبة لغةً:
تعني النائبة وكل أمر مكروه (٣)، وجاء في لسان العرب أنها تعني الشدة(٤).
المصيبة اصطلاحًا:
هي البلية وكل أمر مكروه(٥).
الصلة بين المصيبة والأذى:
أن المصيبة لا تكون إلا ضراء، والضر قد يلحق الإنسان الأذى أو لا يلحقه.
(١) انظر: الكليات، ص٥٠٣.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٤٤١.
(٣) انظر: المصدر السباق، ص٣٧٧.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١/ ٥٣٤.
(٥) انظر: المصدر السابق.
١٨٠
مَوَسُولُ النَّسيد
القرآن الكريم
الأرض
الضرر:
٣
الضرر لغة:
ضد النفع من ضر يضر ضرًا، وهو سوء الحال(١).
الضرر اصطلاحًا:
((كل ما كان من سوء حال وفقر أو شدة))(٢).
الصلة بين الضرر والأذى:
لا يلزم من الأذية الضرر؛ فالإنسان یتأذی بسماع القبيح أو مشاهدته، ولکنه قد لا يتضرر
بذلك، ويتأذى بالرائحة الكريهة كالبصل والثوم ولا يتضرر بذلك(٣).
(١) انظر: المصدر السابق، ٤ /٤٨٣.
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين ١٠/ ٨٢٣.
www. modoee.com
١٨١
حرف الألف
أنواع الأذى
بین سبحانه في كتابه العزيز الهدف من
هذه الحياة، والحكمة من تقدير الموت
والحياة، فقال عز وجل: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ
وَالْخَوَةَ لِبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَلَاً وَهُوَ الْعَزِزُ الْغَفُورُ
[الملك : ٢].
ولن يكون ابتلاء وامتحان دون معاناة،
فكانت الحياة البشرية شاقة كما أخبر
سبحانه في قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِی کَبْدٍ
[البلد: ٤].
فیعیش الإنسان في «مشقة یکابد مصائب
الدنيا وشدائد الآخرة)) (١)، التي يصدق على
كثير منها مسمى الأذى، الذي يعود بعضه
إلى طبيعة الإنسان، ويحدث بعضه الآخر
تحت ظروف صحية، أو نتيجة لسلوك معين
يصدر من الإنسان نفسه.
أولًا: الأذى الطبيعي:
الأذى الطبيعي: هو ما كان من طبيعة
الأشياء، ومن لوازمها، ومثاله: ما نراه من
طبيعة البشر، حيث خلق الله الإنسان، وجعل
منه الذكر والأنثى، وجعل من طبيعة الأنثى؛
وبما يتوافق مع دورها في الحياة، أن يأتيها
الحيض في فترات محددة، ((فالحيض خلقة
في النساء، وطبع معتاد معروف منهن))(٢).
(١) مدارك التنزيل، النسفي، ٦٤٤/٣.
(٢) الجامع لأحكام القرآنّ، القرطبي، ٨٢/٣.
وهو أذى كما أخبر القرآن في قوله
تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى
فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِى الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُهُنَّ حَتَّى
يَطْهُرْنَّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّاَ لْمُتَطَهِرِينَ ﴾
[البقرة: ٢٢٢]؛ فهو أي: الحيض من ((دواعي
الصفات البشرية، والحاجات الإنسانية))(٣)،
ولأنه أذىّ وقذر؛ وجدنا أن النفس السوية
تتحاشاه، بل كانت الأمم السابقة تغالي
في الأمر؛ فلا تخالط الحائض، وتبعدها؛
فعن أنس رضي الله عنه (أن اليهود كانوا
إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم
يجامعوهن في البيوت ... )(٤).
فجاء الإسلام ليهذب هذا الأمر الطبعي،
فحيث إنه من طبيعة الأشياء فإن خالق
الأشياء ((أراد أن تكون عملية الحيض في
المرأة عملية كيماوية ضرورية لحياتها،
وحياة الإنجاب، وأمر الرجال أن يعتزلوا
النساء وهن حوائض)»(٥).
فبين بذلك كيفية التعامل المتزن مع هذا
الأمر الطبيعي، الذي هو في حقيقته أذى
للزوج والزوجة، وعقب سبحانه بتأكيد
محبته للتائبين وللمتطهرين، فجمع بذلك
بين طهارة الباطن، وطهارة الظاهر، لترسم
(٣) روح المعاني، الألوسي، ٥١٩/١.
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب اصنعوا
كل شيء إلا النكاح، رقم ١٦٩/١،٦٢٠.
(٥) تفسير الشعراوي، الشعراوي، ١ / ٩٦٦.
١٨٢
مُوسُوبَة النَّهِية
القرآن الكريم
الأرض
الآيات منهجًا تربويًا في تهذيب النفوس مصلحة العبد، وليس عليه في ذلك من
ضرر، فإذا حصل الضرر بأن کان به أذى من
وتقويم السلوك.
مرض، ینتفع بحلق رأسه له، أو قروح، أو
قمل ونحو ذلك فإنه يحل له أن یحلق رأسه،
ولكن يكون عليه فدية)»(٢)، على تفصيل في
ذلك، فالأذى الذي يصيب الإنسان من هذا
الباب هو من الأذى المرضي.
ثانيًا: الأذى المرضي:
الأذى المرضي: والحديث هنا عن
الأذى الذي يصيب الإنسان نتيجة مرض
طارئ؛ فیسبب له الألم، والمعاناة، ومن هنا
فهذا الأذى طارئ، يصيب الجميع الصالح
والسيء، الصغير والكبير، الرجل والمرأة،
الغني والفقير، إذا توافرت مسببات المرض،
من إهمال بالنظافة، أو استهتار بطرق الوقاية
من الأمراض، أو غير ذلك من أسباب قد
تكون خارجة عن إرادة الإنسان، وتحدث
القرآن عن جانب من هذا الأذى الذي
قد يحدث أثناء أداء عبادة الحج، وذلك
في قوله تعالى: ﴿وَأَيِّقُواْ الْحَجَّ وَاَلْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ
أُحْصِرْتُمْ فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ وَلَا تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُ
حَّ ◌َ الْهَدَىُ مَّةً، فَنَ كَانَ مِنَكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهِ: أَذَّى
مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نُكِ﴾
[البقرة: ١٩٦].
((والمراد بالأذى من الرأس ما فيه من
قمل أو جراح ونحو ذلك))(١)، فالآية بينت
فيما بينت بعضًا من محظورات الإحرام،
ومنها حلق الرأس، ((وإنما منع تبارك وتعالى
من ذلك، لما فيه من الذل والخضوع لله
والانكسار له، والتواضع الذي هو عين
(١) فتح القدیر، الشوکاني، ٢٢٥/١.
ثالثًا: الأذى المشروع:
الأذى المشروع: يقع الإنسان تحت
طائلة المسائلة نتيجة تصرفاته الخاطئة،
وحسب حجم الخطأ الذي ارتكبه يتلقى
عقابًا مكافئًا، وهو وسيلة تأديبية أباح
الإسلام اللجوء إليها؛ لتقويم سلوك معوج،
ومن المؤكد أنها تسبب أذى للإنسان، ولكنه
أذى مشروع؛ لأنه من باب التأديب، ومع
ذلك فالأمر ليس على إطلاقه، إنما يتم وفق
ضوابط شرعية؛ ومن الأمثلة على الأذى
المشروع قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا
مِنكُمْ فَاذُوهُمَّاً فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا
فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَابًا رَّحِيمًا
١٦﴾ [النساء: ١٦].
حيث بينت الآية أن من يرتكب فاحشة
الزنى؛ ((يؤذى بالشتم والتعبير والضرب
بالنعال، فکان الحکم کذلك حتى نسخه الله
بالجلد والرجم»(٣).
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩٠.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/ ٢٣٥.
www. modoee.com
١٨٣
حرف الألف
فهذا سلوك خاطئ أباح الشرع إيذاء مواقفهم الإيمانية، ومبادئهم النبيلة.
صاحبه تأديبًا له، وزجرًا، ((فالأذية بالقول
والفعل والحبس، قد شرعه الله تعزيرًا
لجنس المعصية الذي يحصل به الزجر»(١)،
و کل أذى يتعرض له الإنسان -تأديبًا وعقوبة
وفق الضوابط الشرعية- هو من الأذى
الشرعي.
رابعًا: الأذى غير المشروع:
الأذى غير المشروع: هو الأذى الذي
يصيب الإنسان دون وجه حق، ولا يقره
الإسلام؛ ولهذا اعتبر غير مشروع، فقد
يتعرض الشخص للأذى من قبل أقرانه،
أو منافسيه، أو خصومه، وقد يناله الأذى
بسبب مواقفه، ومبادئه، و کل هذا أذىّ غير
مشروع، ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله
تعالى: ﴿قَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْمِن دِيَئِهِمْ
وَأُوْذُواْ فِى سَبِيلِ وَقَّتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ
عَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّتٍ ◌َّجْرِى
مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاَللّهُ عِنْدَهُ.
حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] فهؤلاء
المهاجرون كل جريرتهم أنهم آمنوا بالله
وحده؛ فتعرضوا ((للأذية من المشركين
بسبب إيمانهم بالله، وعملهم بما شرعه
لعباده))(٢)، ومثلهم عبر التاريخ الإنساني
كثير؛ تعرضوا للأذى والاضطهاد بسبب
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص١٧١ .
(٢) فتح القدير، الشوكاني، ٤٧٤/١.
ومن أمثلته أيضًا قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنّ
وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فترى المنفق يعتد
على من أحسن إليه بإحسانه، ويريه أنه
اصطنعه، وأوجب عليه حقًا له، ويتطاول
عليه بسبب ما أعطاه(٣)؛ مما يسبب له
الأذى، فالمتصدق وإن كان قدم مساعدة
لغيره؛ إلا أنه بمنه، وتطاوله في الكلام سبب
أُذیّ لصاحبه، وهو أذی غیر مشروع؛ بدليل
التحذير الإلهي ببيان أن ذلك السلوك يضيع،
ويبطل أجر الصدقة.
وخلاصة القول أن مثل هذا النوع من
الأذى؛ الواقع على الإنسان -كما في
المثالين المذكورين- يعد من الأذى غير
المشروع، الذي توعد الله فاعله بالعقاب.
(٣) انظر: مدارك التنزيل، النسفي، ١/ ٢١٧.
مُوسُو ◌َ النَِّ
القرآن الكريم
١٨٤
الأرض
الآثار المترتبة على الأذى في العبادة
إن الأذى الذي يتعرض له المكلف،
أو يصدر منه في حق الآخرین؛ ینعكس
على عبادته، فينقلها حينًا من العزيمة إلى
الرخصة، ويحولها في حين آخر من الصحة
إلى البطلان.
ومن الآثار المترتبة على الأذى ما يأتي:
أولًا: التخفيف والتيسير:
يترتب من وقوع الأذى على المكلف؛
التخفيف والتيسير في العبادة، فمثلًا: ((يحرم
على المتلبس بالإحرام أن يزيل شعر رأسه
بالحلق، أو القص أو غيرهما))(١).
لكن إذا أصابه أذىّ في رأسه من قمل
أو غيره؛ جاز له أن يحلق أو يقصر، فترتب
التخفيف والتيسير بسبب الأذى، وقد جاء
بيان ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا عَمْلِقُواْ رُءُ وسَكُمْ
◌َّ ◌َبْعَ الْهَدْىُ عَجُِّ، فَ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ يِة أَذَّى
مِن ◌َّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنِ صِيَاءٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نُكٍ﴾
[البقرة: ١٩٦].
ويؤكد هذا الفهم ما جاء في الصحيحين
من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(لعلك آذاك هوامك)(٢)، قال: نعم يا رسول
(١) الفقه على المذاهب الأربعة، الجزيري،
٥٨٤/١.
(٢) هوامك: جمع هامة بالتشديد ويطلق على ما
الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة
مساکین، أو انسك بشاة)(٣).
فكان التخفيف والتيسير بسبب العذر،
وهو الأذى الذي أصاب الصحابي رضي
الله عنه.
ثانيًا: بطلان العمل:
يترتب على الأذى غير المشروع؛ إذا
وقع من المكلف، بطلان عمله، وهذا ما
نص عليه القرآن الكريم في قوله سبحانه:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنّ
وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
فحذرت الآية المؤمن المتصدق من
المن وهو «أن يعتد بإحسانه على من
أحسن إليه)»(٤)، وكذلك حذرت من الأذى،
والمقصود به هنا «أن يتطاول عليه بسبب ما
أنعم إليه))(٥).
وقد سبق بيان الفرق بينهما حيث إن
الأذى أعم من المن؛ لأن المن جزء من
الأذى؛ لکنه نص عليه لكثرة وقوعه.
يدب من الحيوان كالقمل وشبهه.
انظر: فتح الباري، ابن حجر ٢٠٢/١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج،
أبواب المحصر، باب قول الله تعالى: (فمن
كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه)، رقم
٠١٠/٣،١٨١٤
(٤) أنوار التنزيل، البيضاوي، ١/ ١٥٨.
(٥) المصدر السابق.
www. modoee.com
١٨٥
حرف الألف
وبينت الآية أنه يؤدي إلى بطلان أجر
الصدقة، تمامًا كذلك المنافق الذي ينفق
ماله رياءً، وسمعةً؛ فلا أجر له.
والرياء هو ((القول أو الفعل الذي لا
يقصد معه الإخلاص، وإنما يقصد به
التظاهر وحب الثناء))(١)، والعلاقة بينها أن
النتيجة واحدة وهي بطلان العمل، ((فالمن
والأذى والرياء تكشف عن النية في الآخرة؛
فتبطل الصدقة؛ كما يكشف الوابل عن
الصفوان، وهو الحجر الكبير الأملس»(٢).
ولقد بينت السنة فداحة هذا الفعل
من المن، وما يترتب عليه من أذى، فكان
العقاب أن الله یعرض عنهم ولا یکلمهم
يوم القيامة.
کما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في
الحدیث الذي يرويه مسلم في صحيحه عن
أبي ذر رضي الله عنه: عن النبي صلى الله
علیه وسلم قال: ( ثلاثة لا یکلمهم الله يوم
القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم
عذاب أليم). قال: فقرأها رسول الله صلى
الله عليه وسلم ثلاث مرار، قال أبوذر رضي
الله عنه: خابوا وخسروا، من هم يا رسول
الله؟ قال: (المسبل والمنان والمنفق سلعته
بالحلف الكاذب)(٣).
(١) التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي،
٦ /١١٥.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣١٢/٣.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
القرآن الكريم
الأذى في سبيل الله
إن الأذى في سبيل الله سنة إلهية ثابتة مع
الأنبياء وأتباعهم لیمحص إيمانهم، ویزید
في درجاتهم، ولا بد من مواجهة الأذى
سواء بالصبر أو التوكل والاحتساب، أو
بالإعراض عن سفاهة المؤذین، وبيان ذلك
فیما یآتي:
أولًا: الأذى في سبيل الله سنة إلهية:
من اللحظة الأولى التي بعث فيها سيدنا
محمد صلى الله عليه وسلم اتضحت أبعاد
هذه الرسالة، ولقد صرح ورقة بن نوفل
بذلك وهو يقول: (يا ابن أخي ماذا ترى؟
فأخبره رسول الله صلی الله عليه وسلم خبر
ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي
نزله الله علی موسى، يا ليتني فيها جذع ليتني
أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول
الله صلی الله عليه وسلم: أو مخرجي هم،
قال: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به
إلا عودي)(٤).
فھي إذن سنة ثابتة فطن لها ورقة بن نوفل،
وأدركها الرسول صلى الله عليه وسلم.
باب غلظ تحريم إسبال الإزار، والمن
بالعطية، رقم ١،١٧١ /١٠٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الوحي، باب كيف كأن بدء الوحي إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم، رقم ١،٣ /٧، من
حديث عائشة رضي الله عنها.
١٨٦
الأرض
وتتابعت الآيات بعد ذلك تؤكد عظم
هذه الأمانة، وتبعاتها الثقيلة فقال سبحانه:
﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا تَقِيلًا ﴾ [المزمل: ٥].
كما بينت وجود المستهزئين، والحماية
الإلهية منهم، فقال سبحانه: ﴿فَأَصْدَعْ
بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( إِنَّا كَفَيْنَكَ
الْمُسْتَهْزِءِينَ ﴾ [الحجر: ٩٤-٩٥].
ووجه النبي صلى الله عليه وسلم
صحابته الكرام إلى هذا الفهم؛ فلقد روى
البخاري في صحيحه عن خباب بن الأرت
قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة؛
قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟
قال: (کان الرجل في من قبلکم؛ یحفر له في
الأرض فیجعل فيه، فیجاء بالمنشار فيوضع
علی رأسه فیشق باثنتين، وما یصده ذلك عن
دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه
من عظم أو عصب؛ وما یصده ذلك عن دينه،
والله لیتمن هذا الأمر؛ حتی یسیر الراكب من
صنعاء إلى حضرموت؛ لا يخاف إلا الله أو
الذئب علی غنمه، ولکنکم تستعجلون)(١).
فهذه النصوص وأمثالها تؤكد أن
تعرض مسيرة الصالحين للأذى سنة إلهية،
فمهمتهم ثقيلة والمستهزئون كثر، والمتتبع
لمواقف الأذى في سبيل الله -الواردة في
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب،
باب علامات النبوة في الإسلام، رقم ٣٦١٢،
٢٠١/٤.
القرآن- يدرك ذلك، حيث يقرر المولى
عز وجل هذه السنة التي لا تتبدل ولا
تتغير، فيقول سبحانه: ﴿﴿ لَتُبْلَوُنَّ
فِى أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ
اُلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ
الَّذِينَ أَشْرَّكُواْ أَذَى كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [آل
عمران: ١٨٦].
فالآية تؤكد أن وقوع الأذى حتمي،
وتستعرض أصنافًا منه ((كالبلاء في الأنفس؛
مثل: القتل والأسر والجراح، وما يرد عليها
من أنواع المخاوف والمصائب، وفي
الأموال؛ كالإنفاق فى سبيل الخير، وما يقع
فيها من الآفات، وكذلك ما يسمعون من
أهل الكتاب من المطاعن في الدين الحنيف،
وصد من أراد الإيمان، وتخطئة من آمن))(٢)،
كما وضحت الأطراف التي يقع منها الأذى،
سواء من المشركين، أو أهل الكتاب، وكيفية
مواجهته.
وفي موضع ثانٍ تبين الآيات كذلك؛
أن تكذيب الرسل هو ديدن الأمم السابقة؛
﴿وَلَقَدْكُذِّبَتْ رُسُلٌ
حيث يقول سبحانه:
مِّن قَبْلِكَ فَصَبَّرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوْذُواْ حَقََّ أَنَتُهُمْ
نَصْرُنَاً وَلَا مُبَّدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى
الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الأنعام: ٣٤].
((وهذا تسلية من الله تعالى ذكره؛ لنبيه
(٢) الكشاف، الزمخشري، ١/ ٤٤٩.
www. modoee.com
١٨٧
حرف الألف
محمد صلى الله عليه وسلم، وتعزيةٌ له عما يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ
ناله من المساءة بتكذيب قومه إياه؛ على ما في مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨].
جاءهم به من الحق من عند الله))(١).
فأكد لنبيه صلی الله عليه وسلم أنه قد
كذبت رسلٌ من قبله أرسلهم إلى أممهم،
فنالوهم بمكروه، فصبروا على تكذيب
قومهم إياهم، ولم يثنهم ذلك من المضي
لأمر الله الذي أمرهم به من دعاء قومهم
إلیه، حتی حکم الله بينهم وبينهم(٢).
وفي موضع آخر تؤكد الآيات تعرض
الرسل للأذى على يد أقوامهم، فقال
سبحانه: ﴿وَصْبِرَنَ عَلَى مَآ ءَا ذَيْتُمُونَا ﴾
[إبراهيم: ١٢].
وفي بيان إصرار هؤلاء الأقوام على
محاربة رسلهم قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَتُخْرِحَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَاً
أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم: ١٣].
فهذه أنواع من الأذى الذي تعرض له
الرسل عبر مسيرة الدعوة إلى الله فبين
سبحانه ((أن الكفار توعدوا الرسل بالإخراج
من أرضهم، والنفي من بين أظهرهم إن لم
يتركوا ما جاءوا به من الوحي))(٣)، وهذا
ما فصلته الآيات في مواضع أخرى، فقوم
شعيب عليه السلام هددوه بالطرد، وأخبر
القرآن عن ذلك في قوله تعالى: ﴿لَنُخْرِجَّكَ
(١) جامع البيان، الطبري، ٣٣٥/١١.
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي، ٢/ ٢٤٤.
والموقف ذاته مع لوط عليه السلام كما
مَا كَانَ جَوَابَ
أخبر سبحانه:
قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُواْ عَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ
إِنَّهُمْ أُنَاسِ يَنَطَهَّرُونَ ﴾ [النمل: ٥٦].
وتكرر الموقف نفسه من كفار قريش
فوصفت الآيات ذلك في قوله تعالى:
﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ
لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا
قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: ٧٦].
وذكرت به تارة أخرى في قوله تعالى:
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوَكَ أَوْ
يَقْتُّلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ
خَيرُ الْمَكِرِينَ ﴾ [الأنفال: ٣٠].
وموسی علیه السلام من قبل یتهم ویشھر
به في محاولة لتلويث سمعته؛ حتى يعجز
عن تبلیغ دعوة الله، وأشار القرآن إلی ذلك
في قوله تعالى: ﴿وَإِذْقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ،
يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَِ وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِ رَسُولُ
اَللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥].
إن الأمثلة السابقة تبين بوضوح أن
الأمم السالفة كذبت المرسلين، وأتباعهم،
وتناولتهم بصنوف الأذى المختلفة، فهي
سنة الله التي تتمثل في دعوة صادقة؛ تتعرض
للأذی من المدعوين، ويقابل أصحابها ذلك
بالصبر، والتقوى، والتوكل على الله؛ حتى
١٨٨
مَوَسُوبَةُ النَّسيد
القرآن الكريم
الأرض
تکتمل أرکانها بالنصر الموعود منه سبحانه.
ثانيًا: أسباب الأذى في سبيل الله:
يمكن استعراض أسباب الأذى الذي
يتعرض له الدعاة المصلحون فيما يلي:
١. الأذى بسبب الإيمان بالله.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ
يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [البروج: ٨].
ولعله من أبرز الأسباب؛ حيث ينقم
الطغاة دومًا من المؤمنين؛ بسبب إيمانهم
بالله عز وجل، ومن هنا يتفننون في أساليب
الأذى، التي قد تصل إلى حد الإبادة
الجماعية، وحفر الخنادق للحرق والتنكيل،
كما صورت ذلك سورة البروج؛ فبعد أن
ذكرت فظائع المجرمين؛ بينت بوضوح
سبب ذلك التنكيل في قوله سبحانه: ﴿وَمَا
نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
[البروج:٨].
(«فهؤلاء الكفار الجبابرة ما أنكروا عليهم
ذنبًا إلا إيمانهم، ولا عابوا على المؤمنين
إلا أنهم صدقوا بالله))(١)، وهذا الفعل
منهم (- أي: حضورهم الإحراق- دليل
على أنهم قوم غلاظ الأكباد، قساة القلوب،
تمكن الكفر والباطل منهم، وتجردوا عن
الإنسانية، وفقدوا الرحمة))(٢)، وقد جاءت
(١) التفسير المنير، الزحيلي، ١٥٩/٣٠.
(٢) المصدر السابق.
الآيات تبین ذلك في مواضع أخرى، وقرنتها
بالأذى الواقع على المؤمنين، ففي معرض
الحديث عن سحرة فرعون، وردهم على
تهديداته بالصلب والتنكيل، يقول سبحانه
على لسانهم: ﴿وَمَا نَنِقِمُ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَا
◌ِشَايَتِ رَيِّنَا لَمَّا جَتْنَاْرَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَقَناً
مُسْلِمِينَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٢٦].
فما أنکر منهم فرعون، وما وجد عليهم،
إلا من أجل أن آمنوا (٣)، فبينوا بقولهم
السابق أن عقاب فرعون لا غضاضة عليهم
منه، لأنه لم یکن عن جنايةٍ تصمهم؛ بل كان
على الإيمان بآياتٍ؛ لما ظهرت لهم (٤).
وهذا يؤكد بجلاء سبب الأذى الواقع
على المؤمنين، وهو إيمانهم بالله عز وجل.
وكذلك عند بيان سبب عداء أهل الكتاب
للمؤمنين وضحت الآيات ذلك في قوله
تعالى: ﴿قُلّ ◌َأَهْلَ اَلْكِتَبِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّ أَنْ
ءَامَنَّا بِاللّهِ وَمَّا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْتَكُمْ
فَسِقُونَ ﴾ [المائدة: ٥٩].
فهذا هو سبب النقمة، وحقيقة العداء
بينهم وبين المسلم، الذي يتولد عنه الأذى
بكافة أشكاله فهم «يعادونه لعقيدته و دينه،
قبل أي شيء آخر، وهم يعادونه هذا العداء
الذي لا يهدأ؛ لأنهم هم فاسقون عن دین
الله، ومن ثم يكرهون كل من يستقيم على
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٥/١٣.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٩/ ٥٦ - ٥٧.
www. modoee.com
١٨٩
حرف الألف
دین الله))(١).
وتمثل الأذى في هذه الحالة في
الاستهزاء بشعائر الدين، ويبين ذلك قوله
تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ الَّذِينَ أَّخَذُواْ
دِينَكُمْ هُزُومٌ وَلَعِبَّا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ
وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءُ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنْ كُمْ مُؤْمِنِينَ () وَإِذَا
نَدَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ أَّخَذُوهَا هُزُوً وَلَعِبَأْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [المائدة: ٥٧ -٥٨].
((والدين هو ما عليه المرء من عقائد
وأعمالِ ناشئةٍ عن العقيدة، فهو عنوان
عقل المتدين، ورائد آماله، وباعث أعماله،
فالذي يتخذ دین امرئ هزؤًا؛ فقد اتخذ ذلك
المتدين هزؤًا، ورمقه بعين الاحتقار؛ إذ عد
أعظم شيءٍ عنده سخريةً، فما دون ذلك
أولى)»(٢).
وهذا الاستهزاء في حقيقته محاولة
لتشويه الإسلام، كخطوة أولى في الصد
عنه.
٢. الأذى بسبب العجز عن مواجهة
منطق الدعاة.
يتصور العصاة دومًا أن بإمكانهم مواجهة
منطق الحق؛ الذي ينادي به المصلحون؛
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٩٠٨/٢.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٤١/٦.
فيعمدون في البداية إلى مقارعة الحجة
بالحجة، إما اعتقادًا بصواب منطقهم؛ نتيجة
الغفلة التي عاشوا فيها تحت موروثات
الآباء والأجداد؛ كما وصفهم سبحانه:
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أُنْذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ
٥)) [يس: ٦].
أو اغترارًا بأنفسهم، كما حدث مع
أصحاب القرية الذين ضربهم الله مثلًا في
سورة يس، بل قد يصل الأمر بهم إلى تهيئة
الأجواء لتلك المناظرة الفكرية، كشأن
فرعون عندما دعا الناس وحشرهم في يوم
الزينة ليروا فشل موسى عليه السلام حسب
ظنه.
فأما أصحاب القرية فقد حاججوا
الرسل؛ اعتقادًا منهم بأن الله لا يبعث رسلًا
من البشر، وتصوروا بهذا الفهم المغلوط أن
حجتهم قوية، ونقلت الآيات هذا في قوله
﴿ قَالُواْ مَآ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا
تعالى:
أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ﴾
[يس: ١٥].
فحاججوا الرسل قائلين: ((ما أنتم أيها
قال تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَيْنِ
لَّمْ تَنْتَهُواْ لَتَّجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ أَلِي القوم إلا أناس مثلنا، ولو كنتم رسلًا كما
﴾ [يس: ١٨].
١٨
تقولون، لكنتم ملائكة))(٣)، ((وهذه شبهة
كثيرٍ من الأمم المكذبة)» (٤)، فرد عليهم
الرسل ببيان أن الله سبحانه يعلم حقيقتهم،
(٣) جامع البيان، الطبري، ٥٠١/٢٠.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/ ٥٦٩.
١٩٠
مَوَسُوبَةُ الَفي
القرآن الكريم
الأرض
وأكدوا من جديد أنهم لمرسلون، وبينوا وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ أَ﴾﴾ [يس: ١٨].
بكل تواضع، ومنطق سليم، أن مهمتهم
تقتصر على البلاغ، والبلاغ المبين، كما
أخبر القرآن عنهم في قوله تعالى: ﴿قَالُواْ
رَُّنَا يَعْلَمُ إِنَّ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴿ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا
الْبَلَغُ اَلْمُبِينُ ﴾ [يس: ١٦-١٧].
((فراجعتهم الرسل بأن ردوا العلم إلى
الله وقنعوا بعلمه، وأعلموهم أنهم إنما
عليهم البلاغ فقط، وما عليهم من هداهم
وضلالهم»(١)، دون أن يسألوهم أجرًا، أو
مقابلًا ماليًا، أو شيئًا من الزعامة أو السلطان
أو الجاه، كما حاجج عنهم الرجل الصالح؛
الذي جاء من أقصی المدینة، تاركًا مصالحه؛
لينافح عن الدعاة، ((فوصفهم بما يرغبهم في
اتباعهم من التنزه عن الغرض الدنيوي))(٢).
وذكرت الآيات ذلك في قوله تعالى:
أَتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسْتَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُهْتَدُونَ
٢﴾ [يس: ٢١].
وهنا عندما أدرك أصحاب القرية أنهم
عاجزون عن مواجهة منطق الحق، لجأوا
-وبدون مواربة- إلى منطق القوة، فكان
التهديد الواضح، والتصريح بالرجم،
والعذاب الأليم؛ إن لم يتوقف الرسل عن
ممارسة مهمتهم، كما أخبر سبحانه عنهم:
﴿قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّنَا بِكُمْ لَيْن ◌َّْ تَنْتَهُواْ لَّجُمَتَّكُمْ
(١) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، ٥٣/٩.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٧/ ١٦٣.
((أي: لئن لم تتركوا هذه الدعوى،
وتعرضوا عن هذه المقالة؛ لنرجمنكم
بالحجارة، وليمسنكم منا عذابٌ شديدٌ
فظيعٌ»(٣).
وهكذا «لما ضاقت بهؤلاء المكذبين
الحیل، وأعیتهم الحجج؛ لجئوا إلى التهدید
والوعيد))(٤)، فهذا هو أسلوب المخالفين
العاجزين دومًا، إذا شعروا بعجزهم عن
مواجهة منطق الحق الصارخ، تحولوا دون
وازع من ضمير، أو خلق، أودين، أو حتى
مبادئ - تعارفوا عليها بينهم - إلى القمع
والقتل والتنكيل.
وهذا المشهد يتكرر مع فرعون؛ الذي
صور له صلفه، وغروره، أنه قادر على
دحض منطق موسى عليه السلام فحشد
الناس وجمعهم، «لميقات يوم معلوم
وهو يوم الزينة، وجلس فرعون على سرير
مملكته، واصطف له أكابر دولته، ووقفت
الرعايا يمنة ويسرة وأقبل موسى، عليه
السلام، يتوكأ على عصاه، ومعه أخوه
هارون، ووقف السحرة بين يدي فرعون
صفوفًا، وهو يحرضهم ويحثهم، ویرغبهم
في إجادة عملهم في ذلك اليوم، ويتمنون
علیه، وهو یعدهم ویمنیهم»(٥).
(٣) فتح القدير، الشوكاني، ٤ /٤١٨.
(٤) تفسير المراغي، ٢٢/ ١٥٢.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٠١/٥.
www. modoee.com
١٩١
حرف الألف
في مشهد سجله القرآن في قوله قَالَ سَنُقَيِّلُ أَبْتَهُمْ وَنَسْتَعِ نِسَآءَ هُمْ وَإِنَّا
فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٢٧].
تعالى: ﴿فَلَتَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا تُخْلِفُهُ، فَْنُ وَلَّ أَنْتَ مَكَانًا
سُوَّى قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ
النَّاسُ ضُحَى ) فَتَوَلَى فِرْعَوْنٌ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ
أَقَ ﴾ [طه: ٥٨ - ٦٠].
ثم كانت المواجهة الحاسمة التي
اجتثت ما یأفکون، کما أخبر سبحانه:
وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ
تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٢) فَوَقَعَ الْحَىُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ
(١١٨) ﴾ [الأعراف: ١١٧- ١١٨].
يَعْمَلُونَ !
((فلما عجز فرعون عن دفع الحجة
بالبرهان؛ عدل إلى البطش والفتك بالسنان،
وهكذا حال كل ضال مبتدع؛ إذا أعيته
الحجة مال إلى التهديد والوعيد))(١)،
فكشر عن أنيابه، وتوعد السحرة بالصلب
والتنكيل، وحرضته حاشيته على قتل
المسلمين بقولهم: ((أتترك موسى وجماعته
ليفسدوا في الأرض؛ بالخروج عن دينك،
وترك عبادة آلهتك !! وفي هذا إغراءٌ لفرعون
بموسى وقومه، وتحريضٌ له على قتلهم،
وتعذيبهم))(٢)، فوعدهم بأن يطالهم البطش،
وبيّن القرآن هذا التعنت والطغيان في قوله
تعالى: ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَي
وَقَوْمَهُ، لِيُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَنَّكَّ
(١) صفوة التفاسير، الصابوني، ١/ ٤٣٢.
(٢) المصدر السابق.
إن هذه المشاهد وغيرها تبين أن العجز
عن مواجهة حجة الأنبياء والمصلحين كان
سببًا من أسباب الأذى الذي وقع، ولا زال
يقع على الدعاة والمصلحين في كل زمان
ومكان.
٣. الأذى بسبب تأييد أهل الحق.
قال تعالى: ﴿اقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مَعَهُ، وَأَسْتَحْيُواْفِسَآءَ هُمْ﴾ [غافر: ٢٥].
إن من الأسباب التي تدفع الطغاة إلى
إيقاع الأذى بالناس؛ تأييدهم لأهل الحق،
حيث كان الأذى عقابًا لهم على مواقفهم
النبيلة، ومحاولة لدفعهم للتخلي عن هذه
المواقف، وكذلك للحيلولة دون أن يلحق
بهم آخرون.
وهذه المعاني واضحة في النموذجين
السابقين، نموذج أصحاب القرية ونموذج
فرعون، ففي نموذج فرعون كان التنسيق بينه
وبین حاشیته على تعذیب من آمن مع موسی
عليه السلام بتقتيل الأبناء واستحياء النساء،
عقابًا لهم على مواقفهم، كما أخبر سبحانه:
﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُواْ
أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ، وَأَسْتَحْيُواْنِسَآءَ هُمَّ
وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ
٢٥
[غافر: ٢٥].
فقالوا غيظًا وحنقًا وعجزًا عن المعارضة:
مَوسُوبَةُ المَش
القرآن الكريم
١٩٢
الأرض
أعيدوا عليهم ماكنتم تفعلونه بهم أولًا؛ کي ومواصلة مهمتهم، كما أخبر سبحانه عنه؛
وهو يكمل رسالتهم: ﴿أَتَّبِعُواْ مَنْ لَّا يَسَّْلُكُ
تصدوهم عن مظاهرة موسى عليه السلام(١).
أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿ وَمَا لَِ لَآَ أَعْبُدُ أَلَّذِى
إذن هي المظاهرة لموسى عليه السلام
وتأييده، التي أججت حقد فرعون وحاشيته،
ودفعتهم إلى هذا الكيد، والتآمر، المحكوم
بالضلال والفشل.
فَطَرَبِىِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢) ،َأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ»
ءَلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرِّ لَّا تُغْنِ عَنِّى
شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ ( إِنّ إِذَّا
لَّفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِنِّي ءَامَنتُ بِرَبِكُمْ
فَأَسْمَعُونِ (٥﴾ [يس: ٢١ -٢٥].
وكذلك في ذات النموذج، ومع السحرة
كان العقاب بسبب تأييدهم لموسى -عليه
السلام- كما قال سبحانه على لسان فرعون
﴿لَأُقَطِّمَنَّ أَيْدِيَكُمْ
وهو يتوعد السحرة:
وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلَفٍ ثُمَّ لَأَصَلِبَّكُمْ أَجْمَعِينَ
[الأعراف: ١٢٤]. (فرجع فرعون
في مقالته هذه إلى الخذلان، والغشم(٢)،
وعادة ملوك السوء إذا غولبوا))(٣)، فيلجأون
إلى ((التعذيب والتشويه والتنكيل، وسيلة
الطواغيت في مواجهة الحق، الذي لا
يملكون دفعه بالحجة والبرهان، وعدة
الباطل في وجه الحق الصريح)) (٤).
وأما في نموذج أصحاب القرية؛ كان
الصدح بالحق من الرجل المؤمن؛ متمثلاً في
الدفاع عن الرسل، وبيان صواب موقفهم،
حتی ارتفع بمستوى التأیید إلى تبني رأيهم،
(١) انظر: روح المعاني، الألوسي، ٣١٥/١٢.
(٢) الغشم: الظلم والغصب.
انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٤٣٧/١٢،
والمراد عاد فرعون إلى ظلمه.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٢/ ٤٤٠.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب، ١٣٥١/٣.
فتاله منهم ما ناله؛ عقابًا له على موقفه
الداعم للحق، فكان الأذى في واحدة من
أشنع صور التنكيل، كما ذكر الطبري في
تفسيره أنهم ((وثبوا عليه، فوطئوه بأقدامهم
حتی مات)»(٥).
وفي مثال ثالث: يتضح كيف يتفنن
الحاقدون على الإسلام في إلحاق الأذى
بكل من يساند الحق ويتبناه، فيقدمون - في
أسلوب خسيس - على محاصرة الصالحين؛
بمحاربتهم في أرزاقهم، عقابًا لهم على
تبنيهم للحق، فكان حصار قريش الجائر
لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم
وصحابته الكرام رضوان الله عليهم في
شعب أبي طالب، وامتد الحصار ليشمل کل
من يتوقع منه مساندة المسلمين من الكفار
أنفسهم، واستمر هذا الأسلوب الخسيس
يستخدم على مدى الأيام؛ في محاولة
التجويع المسلمين؛ ليسهل من ثم تركيعهم،
(٥) جامع البيان، ٥٠٨/٢٠.
www. modoee.com
١٩٣
حرف الألف
فكان تواصي المنافقين بعدم الإنفاق، وأخرى يشوهون حقيقة الدعوة؛ فأما الداعية
فكانوا يقولون لأهل المدينة: لا تنفقوا على
أصحاب رسول الله صلی الله علیه وسلم
من فقراء المسلمين، ومن كانوا في رعايته
من أهل الصفة، ومن كانوا يلحقون بالمدينة
من الأعراب (١).
کما أخبر سبحانه وتعالى عنھم في قوله:
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ
رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّواْ وَلِلّهِ خَزّآيِنُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ
[المنافقون: ٧].
فكانت هذه المحاولات عقابًا للمسلمين
على مواقفهم وتأييدهم للحق.
إن هذه الأمثلة -وكثير غيرها- لتبين
بجلاء، أن من أسباب الأذى الواقع على
المسلمین؛ مساندتهم وتأییدهم لأهل الحق
من الدعاة والمصلحين، فالداعية أوذي
بسبب دعوته، وأتباعه أوذوا بسبب اتباعهم
للحق الذي يدعو إليه.
٤. الأذى بهدف تشويه الدعوة
والداعية.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَّوْمِهِ،
يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِ وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِى رَسُولُ
اَللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥].
وينصب هذا الأذى على الدعوة والداعية
على حد سواء، فتارة يشوهون صورة الداعية،
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٤٦/١٣.
فإن النيل من عرضه وشرفه وسمعته، شكل
من أشكال الأذى؛ يهدف إلى تعطيله عن
ممارسة رسالته الشريفة، وبث الإشاعات
للطعن في نزاهته، وبالتالي لا يلتفت لكلامه
أحد، ولا یثق في دعوته مدعو.
ومن الأمثلة الواضحة على هذا اللون
من الأذى؛ ما وقع في حق موسى عليه
السلام من قومه بني إسرائيل بهدف
تشويه شخصيته، للحيلولة بينه وبين دعوة
الناس، وقد ذكر سبحانه ذلك الأذى تارة
في موضع تحذير المؤمنين من الوقوع في
مثل ذلك السلوك الشيطاني من الإساءة
لنبيهم، كما أساء اليهود من قبلهم؛ فقال:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى
فَبْرََّهُ اللهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللّهِ وَحِيهًا (٢)﴾
[الأحزاب: ٦٩].
وتارة أخرى على لسان موسى عليه
السلام وهو يعاتب قومه على هذا الاتهام
الباطل، رغم معرفتهم بحقيقته وصدق
رسالته، فقال سبحانه: ﴿وَإِذْقَالَ مُوسَى
لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِ وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِى
رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥].
أما محاولات تشويه الدعوة؛ فمن الأمثلة
عليها ما فعله اليهود (( ليلبسوا على الضعفاء
من الناس أمر دينهم، وهو أنهم اشتوروا
بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويصلوا
١٩٤
القرآن الكريم
الأرض
مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر وتتلقى هذا الأذى بسبب ما تنادي به، وتدعو
إليه من مبادئ فاضلة؛ فمن باب أولى أن تتبناه
النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من
الناس: إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم على
نقيصة وعيب في دين المسلمين» (١).
منهجًا في حیاتك، وأن تحرص عليه قبل
الآخرين الذين تدعوهم إليه، استجابة لقوله
سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا
لَا تَفْعَلُونَ ) كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ
مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: ٢-٣].
فیکون ذلك دافعًا للآخرين ليحجموا
عن الدخول في الإسلام وقد فضح القرآن
أسلوبهم الرخيص هذا في مواجهة منطق
الحق فقال سبحانه: ﴿وَقَالَت طَآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ
اَلْكِتَبِ مَاِنُواْ بِالَّذِىّ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ
[آل
النَّهَارِ وَأَكْفُرُوْ ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ {
عمران: ٧٢].
ثالثًا: أساليب مواجهة الأذى:
إن تعرض أصحاب الدعوات
الصالحة للأذى؛ هو سنة إلهية على مر
الأزمان والعصور، والله سبحانه لم يترك
أولياءه يواجهون كل هذا الكيد، والمكر،
ویتعرضون لأشكال شتی من الأذى؛ دون
أن يمنحهم عدة المواجهة، فدلهم سبحانه
على طرق، وأساليب مقاومة هذا الأذى،
ويتضح ذلك من خلال الآيات التي تحدثت
عن الأذى في سبيل الله؛ حيث نستقرئ منها
بعض الأساليب، وبيان ذلك فيما يلي:
١. التقوى.
إن اعتبار التقوى من أساليب مواجهة
الأذى أمر بدهي؛ فما دمت تصدح بالحق،
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥٩/٢.
وهذا يعني وأنت الداعي إلى الحق أن
تکون أکثر من الآخرین قربًا إلى الله وخشية
منه وتقوى له سبحانه، فالتقوى هي التي
تمنحك القدرة على تحمل الأذى في سبيل
فكرتك ولهذا «ندب الله تعالى عباده إلى
الصبر والتقوى، وأخبر أنه من عزم الأمور،
أي: من أشدها وأحسنها»(٢).
﴿﴿ لَتُبْلَوَ فِىّ
فقال سبحانه:
أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ
الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرٌأَ وَإِن تَصْبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [آل
عمران: ١٨٦].
ويمكن فهم دور التقوى في مجال
مواجهة الأذى في سبيل الله من خلال ما
يلي:
١. صاحب التقوى يلازمه شعور بأنه يتلقى
الأذى بسبب قضيته العادلة، وبقدر ما
یکتنفه من خشية لله وخوف من عقابه
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٥٥١/١.
www. modoee.com
١٩٥
حرف الألف
ورجاء لمغفرته بقدر ما يزداد صلابة
وقدرة على التحمل، فهي ((دليل على
قوة الإرادة، ومضاء العزيمة، وعلو
الهمة))(١).
٢. صاحب التقوى يدرك أن أي ضعف
أو رضوخ تحت وطأة الجلاد سيكون
على حساب قضيته العادلة، وقد يؤدي
إلى سيطرة الظلم وضياع الحقوق ولن
يبقى للمتقين مكان لممارسة منهج الله
وشعائره التي تعكس مدى تقواهم لله،
فهي إذن دعوة إلى ((أن تتخذوا الوقاية
بطلب رضا الله تعالى، ورجاء ما
عنده، وأن تستعدوا، وتدفعوا الاعتداء
بالحق، وتعملوا على الخروج من
المحنة، فلیس شأن المؤمن استسلامًا
للمصائب تنزل به، بل شأنه صبر من
غیر جزع، وعمل من غير طمع، وجد
وجهاد ودفع للشر)»(٢).
٣. التقوى تحول بين صاحبها وبين تجاوز
الحد في الرد على المعتدي المؤذي
فتحميه من الهبوط إلى مستواه،
فالأصل أن ((تتقوا الله في ذلك الصبر
بأن تنووا به وجه الله والتقرب إليه،
ولم تتعدوا في صبركم الحد الشرعي
من الصبر في موضع لا يحل لكم فيه
الاحتمال، بل وظيفتكم فيه الانتقام من
أعداء الله)»(٣).
٤. يمارس الطغاة الأذى على الصالحين
ليدفعوهم للتخلي عن إيمانهم خوفًا
من الأذى، فإذا تحلى الداعية بالتقوى
فهو لا يخشى إلا الله، ومن يخشى الله
لا یهاب أحدًا سواه، فكيف سيوثر فيه
الأذى؟ ومن هنا كانت التقوى خير
معين على مواجهة الأذى، فقد بين
سبحانه أن التقوى والصبر من الأمور
التي أمر بها؛ لأنها تؤدي إلى النجاح،
فالصبر والتقوى بهما النجاح في
الأمور (٤).
وهناك من يتحمل الأذى؛ دون أن يعود
ذلك إلى تقواه، بل حرصًا على مصالحه،
كما تحدثت الآيات عن الذين ينفقون
أموالهم في الصد عن سبيل الله، فیکابدون
معاناة فقد الأموال، ويتحملون ذلك لا عن
تقوى؛ وإنما عن حقد، وغيظ دفين، فقال
سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ
لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ
عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى
﴾ [الأنفال: ٣٦].
جَهَنَّمَ مُحْشَرُونَ
وهذا يجعل التقوى فارقة؛ بين دائرة
الذين يؤذون في سبيل الله، وغيرهم من
(١) التفسير المنير، الزحيلي، ١٩٦/٤.
(٢) زهرة التفاسير، أبو زهرة، ١٥٤١/٣.
جوبيبو
القرآن الكريم
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص١٦٠.
(٤) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة، ١٥٤١/٣.
١٩٦