النص المفهرس
صفحات 21-32
الأخوة اتباع الهوى. قال تعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّعِ اَلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَبَعَ هَوَنُهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللّهِ﴾ [القصص: ٥٠]. فإن أصل الهوى محبة النفس، ويتبع ذلك بغضها، ونفس الهوى وهو الحب والبغض الذي في النفس لا يلام عليه؛ فإن ذلك قد لا يملك، وإنما يلام علی اتباعه. وقال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَّ إِلَهَهُ هَوَنُ وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عِلٍْ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِوِهِ غِشَوَةٌ فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ ٣)﴾ [الجاثية: ٢٣]. يقول السعدي: ((يقول تعالى: الرجل الضال الذي ﴿أَتَّخَذَّ إِلَهَهُ هَوَنُهُ﴾ فما هویه سلكه سواء کان یرضي الله أو يسخطه. ﴿ وَأَضَلَّةُ اللَّهُ عَلَى عِيمٍ﴾ من الله تعالى أنه لا تليق به الهداية ولا يزكو عليها. ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ فلا يسمع ما ينفعه، ﴿وَقَلْبِهِ﴾ فلا يعي الخير ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِوِهِ غِشَوَّةَ﴾ تمنعه من نظر الحق، ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ أي: لا أحد یهدیه وقد سد الله عليه أبواب الهداية وفتح له أبواب الغواية، وما ظلمه الله ولكن هو الذي ظلم نفسه وتسبب لمنع رحمة الله عليه ﴿أَفَلا تَذَكّرُونَ ﴾ ما ينفعكم فتسلكونه وما يضركم فتجتنبونه)»(١). والحب والبغض يتبعه ذوق عند وجود المحبوب والمبغض، ووجد وإرادة، وغير ذلك، فمن اتبع ذلك بغير أمر الله ورسوله فهو ممن اتبع هواه (٢)، فلهذا يجب على المؤمن أن يستعين بالله، ويتوكل عليه في أن يقيم قلبه ولا يزيغه، ويثبته على الهدى والتقوى، ولا يتبع الهوى، كما قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَأَسْتَهِمْ كَمَآ أُمِرْتِّ وَلَا نَِّعْ أَهْوَآءُهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنْزَلَ اَللَّهُ مِن كِتَبٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ [الشورى: ١٥]. وقد بين سبحانه وتعالى أن مخالفة الهوى سبب من أسباب الفوز والفلاح. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى )﴾ [النازعات: ٤٠-٤١]. فالغفلة والشهوة أصل الشر. قال تعالى: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ. عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ، فُرْطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. والهوى وحده لا يستقل بفعل السيئات إلا مع الجهل، وإلا فصاحب الهوى إذا علم قطعًا أن ذلك يضره ضررًا راجحًا، انصرفت نفسه عنه بالطبع؛ فإن الله تعالى جعل في (١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٧٧٧. (٢) انظر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ابن تيمية ص ١٥. www. modoee.com ١٢٥ حرف الألف النفس حبًا لما ينفعها، ويغضًا لما يضرها، حملته على الغضب والتلصص والخيانة فلا تفعل ما تجزم بأنه يضرها ضررًا راجحًا، وأخذ ما ليس له بحق؛ فإن اللذات لا تتم بل متى فعلته كان لضعف العقل(١). يقول ابن القيم: ((من سار مع العقل، وخالف طريق الهوى، ونظر إلى العواقب، أمكنه أن يتمتع من الدنيا أضعاف ما تمتع من استعمل الشهوات؛ فأما المستعجل فيفوت على نفسه حظ الدنیا والذکر الجمیل، ویکون ذلك سببًا لفوات مراده من اللذات)»(٢). إن انقياد الإنسان واتباعه للشهوة يجعله في مصاف الحيوانات، ويجلب له الخزي في الدنيا، والعذاب في الآخرة، إذا تمكنت الشهوة من الإنسان وملكته وانقاد لها کان بالبهائم أشبه منه بالناس؛ لأن أغراضه ومطلوباته وهمته تصير أبدًا مصروفة إلى الشهوات واللذات فقط، وهذه هي عادة البهائم، ومن يكون بهذه الصفة يقل حياؤه، ویکثر خرقه، ويستوحش من أهل الفضل، ويبغض أهل العلم، ویود أصحاب الفجور، ويستحب الفواحش، ويسر بمعاشرة السخفاء، ويغلب عليه الهزل وكثرة اللهو، وقد يصير من هذه الحالة إلى الفجور، وارتكاب الفواحش، والتعرض للمحظورات، وربما دعته محبة اللذات إلى اکتساب الأموال من أقبح وجوهها، وربما إلا بالأموال والأعراض، فمحب اللذة إذا تعذرت عليه الأموال من وجوهها، جسرته شهوته إلى اكتسابها من غير وجوهها، ومن تنتهي به شهواته إلى هذا الحد، فهو أسوأ الناس حالًا، ويصبح من الأشرار الذين يخاف خبثهم، ويصير واجبًا على متولي السياسات تقويمهم وتأديبهم، وإبعادهم (٣) ونفيهم (٣). قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: صاحب الهوی یعمیه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في الأمر ولا يطلبه أصلًا، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل یرضی إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، فليس قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العلياء، بل قصده الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء، ليعظم هو ویثنی علیه، أو لغرض من الدنيا، فلم یکن لله غضبه، ولم يكن مجاهدًا في سبيل الله، بل إن أصحاب الهوى يغضبون على من خالفهم وإن کان مجتهدا معذورًا لا یغضب الله علیه، ویرضون عمن یوافقهم، وإن کان جاهلًا سيء القصد، ليس له علم ولا حسن (١) انظر: الحسنة والسيئة، ص ٦١. (٢) صيد الخاطر، ص ٤٦٣. (٣) انظر: نضرة النعيم، مجموعة باحثين، ٩/ ٣٧٥٢. ١٢٦ مُوسُورُ الْبَشِمَة القرآن الكريم الأخوة قصد، فیفضي هذا إلی أن یحمدوا من لم يحمده الله ورسوله، ویذموا من لم يذمه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دين الله ورسوله (١). ٤. العبادات السرية. تعتبر العبادات السرية أحد الوسائل لتحقيق الإخلاص، فالله سبحانه وتعالى فرض علينا العبادات من صلاة وزكاة وصيام وقيام وصدقة إلى غير ذلك من العبادات، ورتب سبحانه وتعالى الأجر والثواب على من أخلص في عبادته لربه. قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ أُلْدِينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةُ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِمَةِ ﴾ [البينة: ٥]. «فما أمروا في سائر الشرائع إلا أن يعبدوا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: قاصدین بجميع عباداتهم الظاهرة والباطنة وجه الله، وطلب الزلفى لديه، ﴿حُنَفَآءَ﴾ أي: معرضين مائلين عن سائر الأديان المخالفة لدين التوحيد، وخص الصلاة والزكاة [بالذكر] مع أنهما داخلان في قوله ﴿لِيَعْبُدُواْ الَهُ مُخْلِصِينَ﴾ لفضلهما وشرفهما، وكونهما العبادتين اللتين من قام بهما قام بجميع شرائع الدین، ﴿وَذَلِكَ﴾ أي: التوحيد والإخلاص في الدين، هو ﴿رِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي: الدين المستقیم، الموصل إلى جنات النعيم، وما (١) انظر: نضرة النعيم، ٩/ ٣٧٥٣. (٢) سواه فطرق موصلة إلى الجحيم)) الواجب على الإنسان أن يكون عبدا لله، وأن يخلص العبادة لله جل وعلا، وخاصة في العبادات السرية، وألا يكون قلبه وعمله مفرقًا بین معبودات شتى، والله لا يقبل من العباد إلا أن يعبدوه وحده، وكل القرآن في هذا المعنى؛ لأن القرآن لا يخلو إما أن یکون في أوصاف الله حتی یدعو ذلك إلى تعظيمه وتوقيره، ويدخل في أوصافه أفعاله تعالى وتقدس، أو يكون الأمر صراحة أن نخلص له العبادة، كقوله: ﴿فَأَعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢]. ﴿وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا وقال تعالى: لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١]. فهذا واضح جدًا، أو يكون في الأوامر والنواهي التي هي من حقوق هذا التوحيد، مثل: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم وفعل الخيرات كلها. ٥. مخالفة الشيطان. قد بين الله تعالى في كتابه الكريم مكايد الشيطان وطرق إغوائه للإنسان، فقال في محكم التنزيل حكاية عن إبليس: ﴿قَالَ أَنْظِرْفِيٍ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ ( قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (٥) قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعَدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، ثُمّ ◌َ تِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَبْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِمْ وَعَنْ شَمَآيَلِهِمَّ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩٣١. www. modoee.com ١٢٧ حرف الألف ﴾ [الأعراف: ١٤ - ١٧]. ١٧ یقول ابن كثير في تفسيره: يخبر تعالى أنه لما أنظر إبليس ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ واستوثق إبليس بذلك، أخذ في المعاندة والتمرد، فقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: كما أغويتني، قال ابن عباس: کما أضللتني، وقال غيره: کما أهلكتني لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه على ﴿صِرَطَكَ اٌلْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: طريق الحق وسبيل النجاة، ولأضلنهم عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي(١) .. إن هذه الآيات الجليلة تبين لنا معالم حربٍ مشتدةٍ بين الشيطان وجنده من جهة، وبين أولياء الله وعباده من جهة أخرى، وهذه الحرب الشعواء لا عاصم للمؤمن منها، إلا استعانته بربه عز وجل، وبدأ الشيطان بغواية حينما أخرجه الله من الجنة، منذ أن خلق الله سبحانه نبيه آدم - عليه السلام - ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَادَمُ هَلْ أَدُلُكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لَّا يَبْلَ (٣)﴾ [طه: ١٢٠]. ومن يومها والحرب سجالٌ بين الشيطان وبين أولياء الله تعالى. (١) تفسير القرآن العظيم ، ٣/ ٣٩٣. مُوَسوبر النفسيةِالوضوء جوسى القرآن الكريمِ ومن مكايد الشيطان: ١. الوسوسة. وهي حديث النفس، والصوت الخفي، والوسوسة من أعظم مكائد الشيطان؛ إذ لا یزال بالإنسان يوسوس له ويشككه حتى يخرجه من عقيدة الإسلام، كما جاء في (الصحيحين) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ ومن خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا وجد أحدكم ذلك، فليقل: آمنت بالله ورسله، فإن ذلك یذهب عنه)(٢). ٢. النسيان. فينسي الإنسان ذكر ربه، ومجالسة الصالحين، والذب عن هذا الدين، والرد على المخالفين والمستهزئين. قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُّ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذَّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظََّلِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. ٣. التحريش وإيقاع العداوة بين المسلمين. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْتَّكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ ﴾ [المائدة: ٩١]. فتقع الشحناء بين المسلمين، وبين الإخوة والأصدقاء فيتفرقوا أحزابًا شيعًا؛ وكل ذلك من الشيطان. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ٤ / ١٢٣. ١٢٨ الأخوة ٤. التخويف. ومما سبق تبيّن أن للشيطان مكائد فيخوف الإنسان من طاعة ربه؛ فإذا أراد متعددة، ولكن الإسلام أرشدنا إلى مخالفة الشيطان وطرق الوقاية من الوقوع في غوايته ووساوسه ومن هذه الأمور ما يأتي: بذل مالٍ في سبيل الله خوفه بالفقر ووعده به. قال تعالى: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَآءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. وإذا أراد أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر خوفه الشيطان من سوء العاقبة. قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوْفُ أَوْلِيَآءَهُ، فَلَا تَّخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُمُ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. ٥. القول على الله بغير علم. قال عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِى اَلْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿ إِنَّمَا يَأْمُؤَّكُمْ بِالسُّوْءِ وَاَلْفَحْشَآِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ [البقرة: ١٦٨-١٦٩]. ٦. التزيين لفعل المعصية. بالنظر لما حرم الله؛ كالنظر مثلًا للمرأة الأجنبية، وهو بريد الزنا، ولأن النساء حبائل الشيطان؛ فيجب على الإنسان دحر کیده، بما ثبت من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته، فلیأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه)(١). (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، ١. الاستعاذة بالله سبحانه. قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرَْنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [النحل: ٩٨]. ٢. البسملة. فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أما إن أحدكم إذا أتی أهله وقال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فرزقا ولدًا لم يضره الشيطان)(٢). ٣. سجود التلاوة. فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: یا ویله - وفي رواية أبي كريبٍ يا ويلي - أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار)(٣). ٤. عدم اتباع خطوات الشيطان. باب من أبصر امرأة فوقعت في قلبه، ٤/ ١٢٩. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس، ٤ /١٢٢. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إذا قرأ ابن آدم السجدة، ١ / ٦١. www. modoee.com ١٢٩ حرف الألف ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِ قال تعالى: الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَشَّعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطِنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ ◌ُبِينٌ ﴾ [البقرة: ١٦٨]. يقول السعدي: ((نهاهم عن اتباع ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِ﴾ أي: طرقه التي يأمر بها، وهي جميع المعاصي من كفر، وفسوق، وظلم، ويدخل في ذلك تحريم السوائب، والحام، ونحو ذلك، ويدخل فيه أيضًا تناول المأكولات المحرمة، ﴿إِنَّهُلَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر العداوة، فلا یرید بأمر کم إلا غشکم، وأن تكونوا من أصحاب السعير، فلم يكتف ربنا بنهينا عن اتباع خطواته، حتى أخبرنا - وهو أصدق القائلين - بعداوته الداعية للحذر منه، ثم لم يكتف بذلك، حتى أخبرنا بتفصيل ما يأمر به، وأنه أقبح الأشياء، وأعظمها مفسدة فقال: ﴿إِنَّمَا بَأْمُرَّكُمْ بِالسُّوءِ﴾))(١). ثمرات الإخلاص إن الله سبحانه وتعالی بین في کتابه، أن من يحقق الإخلاص في دينه يجد ثمرات في الدنيا والآخرة لهذا الإخلاص؛ كقبول العمل، والتأييد الإلهي، والنجاة من الهلاك، والتمكين في الأرض، والنجاة من إضلال الشيطان وغوايته، وصرف السوء والفحشاء، والنجاة من النار، والفوز بالدرجات العلا في الجنة. أولًا: الثمرات الدنيوية: ١. قبول العمل. من ثمرات الإخلاص قبول العمل، فحينما يتقرب المسلم إلى ربه بالعبادات والأعمال الصالحة ويكون بذلك مخلصًا فيها لله تعالى فإن الله سبحانه وتعالى يقبل عمله، ويثني عليه ويمدحه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]. وقد يتقرب المخلص إلى ربه بعمل فيخطئ في تأديته، ويضعه في غير موضعه، فتأتي نیته الصالحة شفیعًا، فتصحح له خطأه، وتكمل له نقصه، وفي هذا جاء حديث الصحیحین عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال رجلٌ: لأنصدقن بصدقٍ، فخرج بصدقته، (١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٨٠. موسوبر التشيك الوضوي القرآن الكريم ١٣٠ الاختلاف فوضعها في يد سارقٍ، فأصبحوا يتحدثون: تصدق علی سارقٍ، فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقةٍ، فخرج بصدقته فوضعها في يدي زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانيةٍ، فقال: اللهم لك الحمد، على زانيةٍ؟ لأتصدقن بصدقةٍ، فخرج بصدقته، فوضعها في يدي غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على سارقٍ وعلىّ زانيةٍ وعلى غني، فأتي به فقيل له: أما صدقتك على سارَقٍ فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله)(١). ٢. التأييد الإلهي. يعتبر التأييد الإلهي ثمرة من ثمرات الإخلاص، وإن المخلص مؤيد من الله، منتصر به سبحانه، كما قال تعالى: ﴿أَلَيَّسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. وعلى قدر إخلاص المرء لربه، وتجرده له، يكون مدد الله تعالى وعونه وكفايته وولايته، وإن الإمداد على قدر الاستعداد، إمداد الله بالنصر والتأييد، أو بالتوفيق والتسديد، على حسب ما في القلوب من تجريد النية. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم، ٠١١٠/٢ قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّمَن ◌ِيّ أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىّ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّاً أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاَللّهُ :[الأنفال: ٧٠]. غَفُورٌ رَّحِيمٌ ن يقول السيوطي: ((﴿إِن يَعْلَمْ اللَّهُ فِ قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ إيمانًا وإخلاصًا ﴿يُؤْتِّكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ﴾ من الفداء بأن يضعفه لكم في الدنيا ويثيبكم في الآخرة ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾))(٢). ﴿﴿ لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ وقال تعالى: اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَوْ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَنَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: ١٨]. ١٨ يقول الواحدي في تفسيره: ((﴿لَّقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وكانوا ألفًا وأربعمائة، ﴿إِذْ يُبَابِعُونَكَ ﴾ بالحديبية على أن يناجزوا قريشًا ولا يفروا، ﴿تَحْتَ الشَّجَرَوْ﴾ يعني: سمرة كانت هنالك، وهذه البيعة تسمى بيعة الرضوان، ﴿فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾ من الإخلاص والوفاء ﴿فَأَنزَلَ﴾ الله ﴿السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ وهي الطمأنينة وثلج الصدر بالنصرة من الله تعالى لرسوله ﴿وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ أي: فتح خيبر))(٣). وقد وعد الله سبحانه المؤمنين الذين أخلصوا بالأجر العظيم. (٢) تفسير الجلالين، ص ٢٣٨. (٣) الوجيز، ص ١٠١٠. www. modoee.com ١٣١ حرف الألف قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَّ وَسَوْفَ يُؤْتِ اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرَّأَ ◌َظِيمًا (٦)﴾ [النساء: ١٤٦]. يقول ابن كثير: ﴿وَأَخْلَصُوْ دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ أي: بدلوا الرياء بالإخلاص، فينفعهم العمل الصالح وإن قل(١). ٣. النجاة من الهلاك. ومن ثمرات الإخلاص في الدنيا نزول الفرج والنجاة من الهلاك والكرب والشدة، بحسب مشيئة الله تعالى وقدره، وقد تعجب لو قلت لك: إن الله تعالى يفرج بالإخلاص عن المشرك لو أخلص لله قليلًا، مع أنه مشرك، فما ظنك بالمؤمن الذي ينبغي أن تكون حياته كلها مبنية على الإخلاص، وأن يجتهد في تحقيق الإخلاص في كل عمل، إذا كان الله تعالى يفرج عن المشرك لو أخلص قليلًا، فإنه سبحانه لا شك يفرج عن المؤمن الذي يتحرى الإخلاص في عمله، وینجیه مما ینزل به من شدائد، و کل بحسب قدر إخلاصه و تو کله. قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم ◌َّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ فَلَمَّا نَجَّنُهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْنَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِعَايَتِنَّا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ (٣٢) ﴾ [لقمان: ٣٢]. كَفُورٍ ١٥ يقول الطبري في تفسيره: يقول تعالى (١) تفسير القرآن العظيم، ٢/ ٤٤٢. ذكره: وإذا غشي هؤلاء الذين يدعون من دون الله الآلهة والأوثان في البحر -إذا ركبوا في الفلك- موج كالظلل، وهي جمع ظلة، شبه بها الموج في شدة سواد كثرة الماء، وشبه الموج وهو واحد بالظلل، وهي جماع؛ لأن الموج يأتي شيء منه بعد شيء، ويركب بعضه بعضًا كهيئة الظلل. وقوله: ﴿رَعَوْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وإذا غشي هؤلاء موج كالظلل، فخافوا الغرق، فزعوا إلى الله بالدعاء مخلصين له الطاعة، لا يشركون به هنالك شيئًا، ولا يدعون معه أحدًا سواه، ولا يستغيثون بغيره، قوله: ﴿فَلَمَّا ◌َّجَّنُهُمْ إِلَى اَلْبَرِّ﴾ مما كانوا يخافونه في البحر من الغرق والهلاك إلى البر، وقوله: ﴿فَمِنْهُم مُّقْنَصِدٌ﴾ يقول: فمنهم مقتصد في قوله وإقراره بربه، وهو مع ذلك مضمر الكفر به (٢). وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بَلْيَنَهُ. عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَكِنَّهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ پِهِ، فِی نَارٍ جَهَنَّمْ وَاللّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلَّالِمِينَ ( ١٠٩ [التوبة: ١٠٩]. يقول السعدي: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُلْيَكِنَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ﴾ أي: على نية صالحة وإخلاص ﴿وَرِضْوَنٍ﴾ بأن كان موافقًا لأمره، فجمع في عمله بین الإخلاص (٢) جامع البيان ٢٠ / ١٥٦. مَوَسُوبَةُ التَّقِين القرآن الكَرِيْمِ ١٣٢ الأذى الذي کان الواحد منهم لا یتمکن من إظهار دينه، وما هو عليه إلا بأذى كثير من الكفار، وكون جماعة المسلمين قليلين جدًا بالنسبة والمتابعة، (خَيْرٌ أَم مَنْ أَسْسَ بُنینَهُ, عَلَى شَفَا﴾ أي: على طرف، ﴿جُرُفٍ هَارٍ﴾ أي: بال، قد تداعی للانهدام، ﴿فانهَار ◌ِهِ،فِی نَارِ جَهَنَّمٌ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ لما إلى غيرهم، فوعدهم الله هذه الأمور وقت فیه مصالح دینهم ودنياهم(١). ٤. التمكين في الأرض. إن الله سبحانه وتعالى وعد عباده المؤمنين المخلصين بالنصر والتمكين. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اْأَرْضِ كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَّمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَّا يَعْبُدُونَنِ لَا يُتْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾ [النور: ٥٥]. فإن الله سبحانه وعد من أقام الإيمان وحرص على العمل الصالح من هذه الأمة، أن يستخلفهم في الأرض، يكونون هم الخلفاء فيها، المتصرفين في تدبيرها، وأنه یمکن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو الإسلام، الذي فاق الأديان كلها، ارتضاه لهذه الأمة، لفضلها وشرفها ونعمته عليها، بأن يتمكنوا من إقامته، وإقامة شرائعه الظاهرة والباطنة، في أنفسهم وفي غيرهم، لکون غیرهم من أهل الأديان وسائر الكفار مغلوبين ذليلين، وأنه يبدلهم من بعد خوفهم (١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٥٢. نزول الآية، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي، والأمن التام، بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئًا، مخلصين له في العبادة، ولا يخافون أحدًا إلا الله، فقام صدر هذه الأمة، من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقون على غيرهم، فمكنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام، فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح (٢). لذلك جعل الله سبحانه وتعالى من ثمرات الإخلاص تحقيق النصر والتمكين في الأرض، وإلا فسیکون مصيرنا في معاركنا مع أعدائنا مرهونًا بمعايير القوة الطبيعية وحدها، ونحرم أنفسنا من الفوز بمعونة الله تعالى ومعيته، انظر إلى الصحابة رضي الله عنهم، کیف فتح الله تعالی لهم البلاد، حتى بلغوا في سنوات قليلة حدود الصين شرقًا والأندلس غربًا، والقسطنطينية شمالًا، مع (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٥٧٣. www. modoee.com ١٣٣ حرف الألف أنهم لم یکن لهم من عدة الحروب وعتادها ما كان الفرس والروم، ولم تكن القوة بینهم وبین عدوهم متكافئة، فعدوهم کان يملك أضعاف ما يملكون من قوة بشرية وحربية، ولكن لأنهم أسسوا حركتهم في نشر الإسلام على الإخلاص، وأقاموها على فقه في الإعداد والتوكل، تحقق على أيديهم النصر المنشود. بالإخلاص يفتح الله لك أبواب الهداية في كل شيء. قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَهْدِيَنَّهُمْ سُبُّلْنَأْ وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. فحددت الآية أولًا طريق الجهاد والمجاهدة، فقال تعالى: ((جاهدوا فينا))، ثم بينت الآية نتيجة هذا الطريق المبني على الإخلاص: ((لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)»، والمخلص موعود بالنجاحین، النجاح في الدنيا والنجاح في الآخرة، وليس هناك من طريق يجمع النجاح في الدنيا والآخرة غير طريق الإخلاص، فقد ينال غير المخلص مراده وينجح في تحقيق هدفه الدنيوي، لكنه لن يحصل على نجاح الآخرة وثوابها. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنَّيَا وَالْآَخِرَةِّ وَكَانَ اللَّهُ (١٣٤)﴾ [النساء: ١٣٤] ((من كان سَمِيعًا بَصِيرًا يريد)» بعمله ((ثواب الدنيا))؛ ((فعند الله ثواب الدنيا والآخرة)» لمن أراده لا عند غيره. ثانيًا: الثمرات الأخروية: ١. النجاة من العذاب. قال تعالى: ﴿وَسَيُجَتَّبُهَا الْأَنْقَىِ الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ، يَتَزَّكَّى ® وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْرِىٌ إِلَّا أَبِغَاءَ وَجْهِ رَيِّهِ الْأَعْلَ وَسَوْفٌ يَرْضَى ﴾ [الليل: ١٧ - ٢١]. ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾ يبعد عن عذابها ﴿الْأَنْقَى﴾ ٠٠١٠٠ بمعنى التقي (١)، فالمؤمن الذي يقوم بالأعمال الصالحات ستكون له النجاة من العذاب الدنيوي والأخروي، وحينما يحل العذاب بقوم ظالمین، فإن الله ینجي الذین ﴿فَلَ ينهون عن السوء، كما قال تعالى: نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ الشُّوْءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَصِيٍِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. ومن ثمار الإخلاص النجاة من العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَيُنَّحِّى اللَّهُ الَّذِينَ أَثَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوْءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الزمر: ٦١]. ٦١ ومنها أن الله عز وجل ضمن لمن اتقاه أن لا يخاف مما يستقبل، ولا يحزن على ما مضى، فقال تعالى: ﴿فَمَنِ أَثَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا (١) انظر: تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي، ص ٨١١ مَوَسوبر البقية القرآن الكريم ١٣٤ الأذى خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥]. وإن مما يدلل على أهمية هذا الأمر أن عمل الصالحات، فأولئك لهم الدرجات دعاة الحق والإيمان والسنة، حینما يدعون الناس وأنفسهم إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإلى الاقتداء بمنهج السلف الصالح في كل أمورهم العلمية والعملية، فإنهم إنما يدعون الأمة إلى الدواء الذي يشفي بإذن الله تبارك وتعالى من كل داء، ويكفي عن كل علاج؛ إنه الدواء الذي يستأصل جميع الأمراض من قلوب العباد وأمراض الأمم عامة، ويمنع أسباب الانهيار التي يتعرض لها الفرد أو تتعرض لها الأمة، مما يحقق لها النجاة من العذاب في الآخرة. ٢. الدرجات العليا في الجنة. قال تعالى: ﴿وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَِّحَتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الذَّرَحَتُ اَلْعُلَىِ ٥ جَنَّتُ عَدٍّ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيَهَاً وَذَلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّى ﴾ [طه: ٧٥-٧٦]. يقول الطبري في تفسيره: ﴿وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا﴾ موحدًا لا يشرك به، ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَتِ﴾ يقول: قد عمل ما أمره به ربه، وانتهى عما نهاه عنه، ﴿فَأُوْلَكَ لَهُمُ الدَّرَجَتُ اٌلْعُلَى﴾ يقول: فأولئك الذين لهم درجات الجنة العلى. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حَنَّتُ عَدٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَاً وَذَلِكَ جَزَآءُ مَن تزگی يقول تعالى ذكره: ومن يأته مؤمنا قد العلى، ثم بين تلك الدرجات العلى ما هي، فقال: هن ﴿حَنَّتُ عَدْدٍ﴾ يعني: جنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفاد لها ولا فناء، ﴿تَجْرِی مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ﴾ يقول: تجري من تحت أشجارها الأنهار، ﴿خَلِينَ فِهَا﴾ يقول: ماکثین فیها إلى غير غاية محدودة؛ فالجنات من قوله: ﴿حَنَّتُ عَدٍْ﴾ مرفوعة بالرد على الدرجات (١). فلا بد للمؤمن أن يتطلع دائمًا إلى الدرجات العلا، وأن يجعل هدفه في الحياة هو رضى الله عز وجل، والعمل من أجل الفوز بالجنة، أو بالأحرى الفوز بالفردوس الأعلى، وأن يعمل ما استطاع جاهدًا على تحقيق هذه الأهداف السامية. موضوعات ذات صلة: التوحيد، الرياء، الشرك، الصدق (١) جامع البيان، ١٨/ ٣٤٢. www. modoee.com ١٣٥