النص المفهرس
صفحات 21-34
لأخوة بها ما هو من مقتضيات النفوس، وغلبات الطباع، فإن الله لا يوليه نفسه وشيطانه بل پتدار كه بلطفه، ويمن عليه بحفظه ويعصمه من السوء(١). قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. هذه الآية فيها إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، سبحانه أعدل العادلين لا يعذب أحدًا حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ثم يعاند الحجة، وأما من انقاد للحجة أو لم تبلغه حجة الله تعالى فإن الله تعالى لا يعذبه، فسبحانه منزه عن الظلم، فعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اختصمت الجنة والنار فذكر الحديث إلى أن قال: (وأما الجنة فلا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأنه ينشئ للنار خلقًا فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ ثلاثًا ... )(٢)، فإن هذا إنما جاء في الجنة؛ لأنها دار فضل، وأما النار؛ فإنها دار عدل، لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه(٣). (١) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ٤٠١/٥، تیسیر الكريم الرحمن، السعدي، ص٢٠٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب ما جاء في قوله تعالى: (إن رحمة الله قريب من المحسنين)، رقم ١٣٤/٩،٧٤٤٩. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥٢/٥، تیسیر الکریم الرحمن، السعدي، ص٤٥٥. ٤ . يؤاخذ عند انتهاء الأجل المقدر. قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ تُسَتَّىٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَنْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [النحل: ٦١]. لما حکی سبحانه عن القوم عظيم كفرهم بين أنه يمهل هؤلاء الكفار ولا يعاجلهم بالعقوبة؛ إظهارًا الفضل والرحمة والكرم، فقال: ولو يؤاخذ الله الكفارَ بكفرهم ومعاصيهم ما ترك عليها، أي: على الأرض وإن لم یذکر فقد دل عليها ذکر الناس وذكر الدابة، فإن الجميع مستقرون على الأرض، لأهلك المباشرين للمعصية وغيرهم، من أنواع الدواب والحيوانات فإن شؤم المعاصي يهلك به الحرث والنسل، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى معلوم عنده وهو منتهى حياتهم وانقضاء أعمارهم أو أجل عذابهم، وفي هذا التأخير حكمة بالغة منها الإعذار إليهم وإرخاء العنان معهم، ومنها حصول من سبق في علمه من أولادهم فإذا جاء أجلهم الذي سماه لهم حقت عليهم كلمة الله سبحانه في ذلك الوقت من دون تقدم عليه ولا تأخر عنه، والساعة المدة القليلة، فليحذروا ما داموا في وقت الإمهال قبل أن يجيء الوقت الذي لا إمهال فيه (٤). (٤) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٦١٣/٢، مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٠/ ٢٢٧. www. modoee.com ٩١ حرف الألف قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اَللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥]. بعد أن هدد المشركين بجريان سنته فيهم، بإهلاكهم كما أهلك المكذبين من قبلهم، ذکر حلمه بعباده وأنه لو آخذهم بما کسبوا من الذنوب وعملوا من الخطایا، ما ترك على ظهر الأرض من دابة من الدواب التي تدب كائنة ما كانت، أما بنو آدم فلذنوبهم، وأما غيرهم فلشؤم معاصي بني آدم، قال ابن مسعود: «كاد الجُعَل أَن یعذب في جحره بذنب ابن آدم))، ولكن يؤجل عقابهم إلى وقت محدد، وهو يوم القيامة، فإذا جاء أجلهم فإن الله يحاسبهم ويوفي کل عامل جزاء عمله إن خیرًا فخیر، وإن شرًا قشر، فهو البصير بحال عباده لا يخفى عليه شيء من أمرهم، دق أو جل، ظهر أو بطن، وفي هذا تسلية للمؤمنين ووعيد للكافرين، وتذكير لهم عن أن يغرهم تأخير المؤاخذة فیحسبوه عجزًا أو رضًا من الله بما هم فيه، اللهم أحسن أعمالنا ظواهرها وبواطنها، وتقبل منا ما نعمل مما يرضيك إنك أنت الخبير البصير (١). (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٠٣٦١/١٤ قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَثَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَّ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْبِلًا ﴾ [الكهف: ٥٨]. والمعنى: وربك يا محمد الساتر على ذنوب عباده بعفوه إذا تابوا منها ذو الرحمة بهم، ولو آخذ هؤلاء المعرضين عن آياته بما اكتسبوا من الذنوب والآثام بالعذاب في الدنيا لعجل لهم ذلك، لكنه برحمته وعفوه لم يعجل لهم ذلك، بل لهم موعد، يجازون فیه بأعمالهم، لا بد لهم منه، وهذه سنته في الأولین والآخرین، أن لا یعاجلهم بالعقاب، بل يستدعيهم إلى التوبة والإنابة، فإن تابوا وأنابوا، غفر لهم ورحمهم، وأزال عنهم العقاب، وإلا فإن استمروا على ظلمهم وعنادهم، وجاء الوقت الذي جعله موعدا لهم، أنزل بهم بأسه (٢). ثانيًا: موانع المؤاخذة: ١. لا يؤاخذ باللغو في الأيمان. قال تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِّ أَيْمَنِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥ اللغو من اليمين: هو الساقط الذي لا يعتد به، وما تعوده الناس في الكلام ((لا والله)) و((بلى والله))، فأما إذا حلف على شيء أنه کان حاصلاً جدّا ثم ظهر أنه لم یکن (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨/ ٥٢. مَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم ٩٢ الأخوة فقد قصد الإنسان بذلك اليمين المتصل تصديق قوله وربط قلبه بذلك فلم يكن لغوًا لا يقصد به اليمين، وما لا تكسبه القلوب، البتة، وقد ذكر سبحانه وتعالى قبل هذه الآية النهي عن كثرة الحلف فذكر عقيب ذلك حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام على سبيل القصد ٢. لا يؤاخذ بالنسيان غير المتعمد الخطأ. إلى الحلف، وبين أنه لا مؤاخذة عليهم ولا كفارة؛ لأن إيجاب الكفارة والمؤاخذة قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلََّ وُسْعَهَأَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. عليهم يفضي إما إلى أن يمنعوا عن الكلام أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين، ويؤيد هذا المعنى ما روته عَائِشَةُ رَضِيَ اللَهُ عَنْهَا: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِ أَيْمَنِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. فِي قَوْلِ الرَجُلِ: لاَ وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ(١)، فهذه الآية تبين أن الله لا يؤاخذ بما يجري على الألسنة من الأيمان اللاغية، التي يتكلم بها العبد، من غير قصد منه ولا کسب قلب، ولكنها جرت على لسانه(٢). قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِّ أَيْمَنْكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. تؤكد هذه الآية أن الله عز وجل لا يؤاخذنا على أيمان اللغو أيضًا، فاللغو ما ولا يوثَق به الكلام بالامتناع عن الفعل، أو توكيد إيقاع الفعل في المستقبل، لا مؤاخذة عليه، فهو يجري على الألسنة من غير قصد الحلف (٣). توضح الآية الكريمة أن الله عز وجل لا يكلف نفسًا إلا ما يسعها فلا يجهدها، ولا يضيق عليها في أمر دينها، فيؤاخذها بهمة إن همت، ولا يؤاخذها بوسوسة إن عرضت لها، ولا بخطرة إن خطرت بقلبها (٤). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَ اللَهَ تَجَاوَزَّ عَنْ أُمَتِي مَا حَدَثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَمْ) (٥). وقوله: ﴿رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم)، رقم ٤٦١٣، ٥٢/٦. (٢) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري، ٦١٨/١، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص١٠١، فتح القدير، الشوكاني، ٢٦٤/١. (٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ١٤١/٢، زهرة التفاسير، أبو زهرة، ٢٣٣٨/٥. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٣١/٦. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق والكره، رقم ٥٢٦٩، ٤٦/٧. www. modoee.com ٩٣ حرف الألف أخطأنا﴾ المرادهنا أي: لا تعاقبنا بما أدى بنا إلى النسيان أو الخطأ من تفريط وقلة مبالاة؛ لأن المؤاخذة إنما هي بالمقدور، والنسيان والخطأ ليس بمقدورين، ويجوز أن يراد النسيان نفسه والخطأ، أي: لا تؤاخذنا بهما كما آخذت به من قبلنا(١). وأما الأحكام الدنيوية المتعلقة بهما فالصحيح أنها تختلف بحسب الوقائع، فقسم لا يسقط باتفاق؛ کالغرامات والدیات والصلوات المفروضات، وقسم يسقط باتفاق؛ كالقصاص والنطق بكلمة الكفر، وقسم ثالث مختلف فیه؛ کمن أكل ناسيًا في رمضان أو حنث ساهیًا، وهذا يدل على أن أحكام العباد وحقوق الناس ثابتة (٢)، وعلى ذلك فإن الخطأ والنسيان والإكراه معفو عنها بأمر الله تعالى، لكن ينبغي معرفة أن ما نسي من الواجبات فإنه يقضى إذا لم يفت سببه، فإذا نسي الإنسان أن يصلي فإنه يصلي إذا ذكر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)(٣). (١) انظر: السراج المنير، الشربيني، ١٩١/١، فتح القدير، الشوكاني، ٣٥٣/١. (٢) التفسير المنير، الزحيلي، ٣/ ١٣٤. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر، رقم ٠١٢٢/١،٥٩٧ أخذ الظالمين والمترفين يتناول هذا المبحث نماذج من أخذ الظالمين والمترفين؛ كفرعون وقومه، وعاد وثمود، وأقوام لوط، ونوح، وشعيب، وموسى، وتوضيح وسائل أخذهم وإهلاكهم الذي حل بهم لكفرهم وطغيانهم وتكذيبهم لآيات الله ورسله؛ كالغرق، والصيحة، والصاعقة، والريح الصرصر العاتية، وفي هذا كله عبرة وعظة وآيات للجاحدين والظالمين والعاصین الله ورسله. أولًا: نماذج من أخذ الظالمين والمترفين: ١. أخذ فرعون وقومه وجنوده: قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَذَّبُواْبِشَايَدِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِمٌّ وَاَللَّهُ شَدِيدُ الْمِقَابٍ ﴾ [آل عمران: ١١]. بين الله تعالى أن الكفار به وبرسله، الجاحدین بدينه و کتابه، قد استحقوا العقاب وشدة العذاب بكفرهم وذنوبهم، وأنه لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شیئا عند حلول العقوبة بهم، کسُنة آل فرعون وعادتهم، فقد كذبوا بآيات الله و جحدوا ما جاءت به الرسل، فأخذهم الله بذنوبهم عدلًا منه لا ظلمًا، والله شديد العقاب على من كفر وأتى الذنوب على اختلاف أنواعها مَشَِرُ النَفسِيد الْقُرآن الكَرِيْمِ ٩٤ الأخوة وتعدد مراتبها، وهو أخذ الانتقام في الدنيا، والمخزي، ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ من اختيار الضلالة(٢). وهذه سنته الجارية في الأمم السابقة، وقد ضرب الله هذا المثل عبرة وموعظة؛ لأنهم إذا استقروا الأمم التي أصابها العذاب، وجدوا جميعهم قد تماثلوا في الكفر، وكفى بهذا الاستقراء موعظة لأمثال مشركي العرب، وقد تعين أن يكون المشبه به هو وعيد الاستئصال والعذاب في الدنيا (١). ٢. أخذ ثمود: ٠١٠٠/١٠٠ قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُواْ أَلْعَمَى عَلىَ الْمُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ اُلْعَذَابِ أَلْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [فصِلت: ١٧]. بین الله تعالى في هذه الآية مصير ثمود وهم قوم صالح عليه السلام، فقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُوُدُ فَهَدَيْنَهُمْ﴾ أي: بينا لهم طريق الهدى، وأنا قادرون على البعث وعلى كل شيء فلا شريك لنا، وكان بيان ذلك بالناقة البيان فأبصروا ذلك بأبصارهم، فکرهوا ذلك لما يلزمه من ترك طريق آبائهم، ﴿فَاسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَى﴾ والضلال الناشئ عن عمى البصر أو البصيرة أو هما معًا ﴿عَلَى الْمُدَى﴾ أي: أوجدوا من الأفعال والأقوال ما يدل على حب ذلك وعلى طلب حبه فعموا فضلوا، ﴿فَلَخَذَتْهُمْ﴾ أي: بسبب ذلك داهيةُ العذابِ وقارعةُ ﴿الْعَذَابِ اَلَمُونِ﴾ أي: المهين (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢٣/٦، التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٧٤/٣. ٣. أخذ عاد: قال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأَهْلِكُواْ بِرِيج صَرْصَرٍ عَلِيَةٍ *سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيَهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلِ خَاوِيَةٍ *فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦-٨]. هذه الآيات بينت العذاب الذي وقع علی عاد، وهم قوم هود، حیث أهلكهم الله تعالى هلاكًا ساحقًا بریح شديدة الصوت، شديدة البرد، قاسية شديدة الهبوب، ووصفها بالعاتية: التي عتت عن الطاعة فلم يقدروا على ردها لشدة هبوبها، بل أهلكتهم حيث سلطها عليهم سبع ليال وثمانية أيام لا تنقطع ولا تهدأ، وكانت تقتلهم بالحصباء، متابعات، تحسمهم حسومًا وتفنيهم وتذهبهم موتى كأنهم أعجاز نخل خاوية ساقطة، فلم يبق لهم أثرًا، وذلك العقاب نتيجة تكذيبهم بيوم القيامة، وكفرهم بالله وبرسله وآياته، وفي هذا تخويف لأهل مكة وغيرهم، فهذا هو مصير كل من يسلك (٣) طريقهم (٣). (٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ١٧ /١٦٦، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٨/ ٩. (٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٣٣٤/٥، التفسير المنير، الزحيلي، ٢٩/ ٨٤. www. modoee.com ٩٥ حرف الألف ٤. أخذ قوم لوط: قال تعالى: ﴿ قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ * إِلَّ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ *... فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ *فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ﴾ [الحجر: ٥٨- ٧٤]. لما كثر فساد قوم لوط عليه السلام وعظم شرهم، أرسل الله الملائكة بالعذاب الذي كانوا يشكون فيه، ويكذبون لوط عليه السلام حين يعدهم به، ونجى الله لوط وأهله وأمرهم أن يخرجوا من المدينة والناس نيام، فامتثل أمر ربه وسرى بأهله ليلًا فنجو، أما قوم لوط فقد أقسم الله أنهم لفي سکرتهم یعمهون في ضلال وغفلة، وأوقع العذاب على قومه وامرأته، فأخذتهم صيحة العذاب وقت شروق الشمس حين كانت العقوبة عليهم أشد، فقلب عليهم مدينتهم وأمطر عليهم حجارة من سجيل تتبع فيها من شذ من البلد منهم، وفي هذا عبرة وعظة للمتأملين المتفكرين، الذين لهم فکر وروية وفراسة، يفهمون بها ما أريد بذلك، من أن من تجرأ على معاصي الله، خصوصًا هذه الفاحشة العظيمة، وأن الله سيعاقبهم بأشنع العقوبات، كما تجرأوا على أشنع السيئات(١). ٥. أخذ قوم نوح: (١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، ٥٣٧/٥. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوَجِ وَالْأَخْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمٌ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهٌ وَجَدَلُواْ يَلْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ اَلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمَّ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ﴾ [غافر:٥]. ذكر الله تعالى في الآيات السابقة لهذه الآية أن القرآن هداية الله للعالمين، ثم أعقبه بذكر المجادلين المعاندين، وبيّن أنه لا يجادل في هذا القرآن بعد وضوح آياته وظهور إعجازه إلا الجاحدون لآيات الله، المعاندون لرسله، فيجب على العاقل ألا يغتر بتصرفهم وتقلبهم في هذه الدنيا ونعيمها، فما هم عليه من النعيم متاع زائل، فالله یمهلهم ولا یهملهم، بل إن أخذه بعد ذلك النعيم أخذ عزيز مقتدر. وفي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، ووعيد شديد للكفار، فإنما هم صائرون إلى ما صارت إليه أحزاب المکذبين قبلهم؛ کقوم نوح و قوم عاد وثمود وفرعون وأمثالهم، حیث همت كل أمة من الأمم المكذبين أن يقتلوا رسولهم ويبطشوا به وجادلوا رسلهم بالباطل ليزيلوا ويبطلوا به الحق. فأخذهم الله وأهلكهم بعقاب يستحق العجب والإعجاب، ومع الأخذ في الدنيا فإن عذاب الآخرة ينتظرهم هناك(٢)، فهذا (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، مَوَسُولُ اللَِّد القرآن الكريم ٩٦ الأخوة هو حال كل المكذبين بالرسل في كل زمان. مُوسَىَّ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعِقَةُ بِظُلْمِهِمَّ ثُمَّ أَّخَذُواْ ٦. أخذ قوم شعيب: اَلْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَّيِّنَتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَنَّا قُّبِينًا﴾ [النساء: ١٥٣]. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآَّةَ أَمْرُنَا ◌َّتْنَا شُعَيْبًا وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ﴾ [هود : ٩٤]. في الآيات السابقة لهذه الآية ذكر لقصة شعيب عليه السلام مع قومه أهل مدين، کیف أنهم كانوا في ضلال وشرك، يتهالكون على كسب الحطام بأنواع الرذائل، فنهاهم عن ذلك، وأمرهم بعبادة الله وتوحيده، ونهاهم عن أن يبخسوا الناس أشياءهم في الكيل والميزان، فهم في نعمة كبيرة وسعة، فقد كان يخشى عليهم زوال هذه النعمة، فلم يستجيبوا له بل كانت ردودهم استهزاء به وبدعوته، فهو لا یرید إلا إصلاح نفوسهم، ولكنهم أصروا على ما هم عليه، فأخبرهم أن ينتظروا عذابًا من الله يهلكهم نتيجة كفرهم، ولما جاء أمر الله تعالی نجَی شعيبًا والذين آمنوا معه وذلك رحمة من الله، وأخذت الذين ظلموا الصيحة، فهلكوا وأصبحوا في ديارهم ميتين(١). ٧. أخذ قوم موسى : قال تعالى: ﴿يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِنَبًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ ٣٠٦٦/٥. (١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ١٢٣/٦. تبيّن هذه الآية أن اليهود سألوا النبي صلی الله علیه وسلم أن ينزل عليهم كتابًا من السماء مكتوبًا؛ كما جاء موسى بني إسرائيل بالتوراة، قالوا له: إن موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقك، وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد، فأعلمه الله عز وجل أنهم قد سألوا موسى عليه السلام أكبر من هذا ﴿فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي: رؤية منكشفة ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّحِقَةُ﴾ أي: صعقوا بطغيانهم ويغيهم، وعتوهم وعنادهم، وعظيم ما سألوا موسى عليه السلام مما ليس لهم أن يسألوا مثله(٢). (٢) انظر: الهداية، مكي بن أبي طالب، ١٥١٤/٢، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/ ٤٤٦. www. modoee.com ٩٧ حرف الألف ثانيًا: وسائل أخذ الظالمين والمترفين: ١. أخذ المجرمين والمترفين في الدنيا. # الأخذ بالجدب ونقص الثمار. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاَ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِاَلْسِنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠]. أراد بالسنين هنا القحط والجدب، أي: ولقد أخذنا آل فرعون بالجدب والقحط والجوع سنة بعد سنة ونقص من الثمرات يعني: وإتلاف الغلات بالآفات، لعلهم يتعظون وترق قلوبهم؛ فإن الشدة تجلب الإنابة والخشية ورقة القلب، وترغب فيما عند الله عز وجل من الخير (١). الأخذ بالغرق. قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ, فَنَبَذْتَهُمْ فِ أَلْيَوِّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠]. بینت الآيات عاقبة فرعون وقومه، بعد أن استكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم لا يرجعون إلى الله؛ فأخذ فرعون وجنوده فنبذناهم في اليم. ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُم قال تعالى: مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا﴾. [الإسراء: ١٠٣]. (١) انظر: لباب التأويل، الخازن، ٢٣٩/٢. فكانت شر العواقب وأخسرها عاقبة أعقبتها العقوبة الدنيوية المستمرة، المتصلة بعقوبة الآخرة، فهذه هي دعوة للتأمل في حال وعاقبة الظالمين المتكبرين (٢). الأخذ بالربح. قال تعالى: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأَهْلِكُواْ بِرِيجِ صَرْصَرٍ حَاتِيَةٍ ل سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيَهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ غَْلٍ خَاوِيَةٍ ، فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِيَةٍ ﴾ [الحاقة: ٦-٨]. وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر، أي: باردة تحرق ببردها كإحراق النار، قطعتهم وأذهبتهم، فهي القاطعة بعذاب الاستئصال، فلم تبق منهم أحدًا(٣)، كما قال تعالى في قوم عاد: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِبِحًا صَرْصَرً فِ يَوْمِ غَحْسِ مُسْتَمِرٍ﴾ [القمر: ١٩]. الأخذ بالطوفان. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ اُلْتُطُوفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ١٤]. وهنا يحكي عاقبة قوم نوح، فبالرغم من طول مقامه فيهم إلا أن هذا المكوث ما زادهم إلا شكّا في أمره، وجهلا بحاله، (٢) انظر: النكت والعيون، تفسير الماوردي، ٤/ ٢٥٣، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٦١٦. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٥٩/١٨. مُوسُوة البشير القرآن الكريم ٩٨ الأخوة ومريةً في صدقه، واستمر نوح في نصحهم، يرضاها الله من المعاصي، فابتلاهم الله عز وجل بالقحط حتى أكلوا الكلاب فأمره الله باتخاذ السفينة، وأغرق الكفار ولم يغادر منهم أحدًا، وصدق وعده، ونصر عبده، سبحانه فلا تبديل لسنته في نصرة دینه(١). والجيف، والمترفون أشد الناس استغراقًا في المتاع والانحراف والذهول عن المصير، وها هم يفاجؤون بالعذاب الذي أخذ الظالمين بالرجفة. ٥ يأخذهم أخذًا، فإذا هم يرفعون أصواتهم ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قال تعالى: فَأَصْبَحُواْ فِ دَارِهِمْ جَثِمِينَ﴾ [الأعراف:٧٨]. بالجوار، مستغيثين مسترحمين، وذلك في مقابل الترف والغفلة والاستكبار والغرور، فبذلك يتضح للجميع مصير من یکفر بالله ویتکبر علی رسله ویکذبهم إلى قيام الساعة، وهذا المصير واقع لا محال في يوم من الأيام(٣). توضح الآية ما حل بثمود قوم صالح علیه السلام بعد أن عقروا الناقة، واستعجلوا العذاب، ((جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة ﴿فَأَصْبَحُواْ فِ دَارِهِمْ جَثِمِينَ ﴾ أي: صرعى لا أرواح فيهم، ولم يفلت منهم أحد»(٢). كما أخبر عن حال قوم شعيب في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دَارِهِمْ جَئِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١]. أخذ المترفين بالعذاب. قال تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِهِم بِالْعَذَابِ إِذَاهُمْ يَجْتَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤]. بينت الآية السابقة أن المشركين يحسبون أن إمداد الله لهم بالمال والبنين هو خیر یسوقه إليهم ورضا منه عنهم، وبينت أن لهؤلاء الكفار أعمالاً لا (١) انظر: لطائف الإشارات، القشيري، ٩١/٣. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣/ ٤٤٢. # أخذ المجرمين بالصاعقة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَقَّ نَزَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الضَّحِقَةُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥]. تبيّن الآية جراءة قوم موسى على الله وعلى رسوله، حيث إنهم قالوا بأنهم لن يؤمنوا حتى يروا الله جهرة، فأخذتكم صاعقة الموت أو الغشية العظيمة، ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ وقوع ذلك، كلٌّ ينظر إلى صاحبه (٤). ومن الآيات قوله تعالى: ﴿فَعَنَّوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٤]. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤٨/١٩، معالم التنزيل، البغوي، ٤٢٢/٥. (٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٢. www. modoee.com ٩٩ حرف الألف : أخذ الظالمين بالصيحة. قال تعالى: ﴿وَأَخَذَ اَلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ جَثِينَ﴾ [هود: ٦٧]. من الأقوام الذين أخذهم الله بالصيحة ثمود قوم صالح عليه السلام، وقوم شعيب عليه السلام، والصيحة: المرة من الصوت الشديد، والمراد بها هنا صيحة الصاعقة التي نزلت بقوم صالح عليه السلام فأحدثت رجفة في القلوب وزلزلة في الأرض، وصعق بها جميع القوم، فأصبحوا في ديارهم ساقطين على وجوههم مصعوقين لم ينج منهم أحد (١). كما قال تعالى فيما أصاب مدين قوم شعيب: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ◌َّتْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَارِهِمْ جَشِينَ﴾ [هود: ٩٤]. الأخذ بالريح العقيم. قال تعالى: ﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَّهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيَمَ﴾ [الذاريات: ٤١]. يقول تعالى ذكره: وَفِي عَادٍ آية وعبرة، إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِيحَ العَقِيمَ يعني بالريح العقيم: التي لا تلقح الشجر (٢)، ((ولا السحاب ولا رحمة فيها ولا بركة ولا (١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ١٠٤/١٢. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢/ ٤٣٣. منفعة، ثم قيل: هي الْجَنُوب، وقيل: هي الدَبُور)»(٣)، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (نُصِرْتُ بِالصَبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَبُورِ)(٤). فهذه هي قدرة الله تعالى وهذا هو عذابه الذي يوقعه على الأمم الظالمة والكافرة، فعلى أمثال هذه الأمم أن يأخذوا العبرة والعظة من الأمم السابقة. ثانيًا: أخذ المجرمين والمترفين في الآخرة. توعد الله عز وجل المجرمين والمترفين بالعذاب الأليم في الآخرة؛ لكفرهم به وتكذيبهم أنبياءه، وفيما يلي توضيح لألوان من العذاب الذي ينتظرهم يوم القيامة. ١. أخذ المجرمين بالنواصي والأقدام: بين الله تعالى أن الملائكة تعرف المجرمين يوم القيامة بعلامات تميزهم عن غيرهم، فتأخذهم الملائكة من شعورهم وأقدامهم وتلقي بهم في نار جهنم والعياذ بالله، وهذا هو مصيرهم لظلمهم أنفسهم بالكفر والتمادي في الظلم. قال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ (٣) الجامع لأحكام القرآن ، القرطبي، ٤٦/١٧. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هودًا)، رقم ٢،٣٣٤٣ /١٠٣٠. ١٠٠ مُوسُو ◌َةُ التَّقِيَّة جوسو القرآن الكريم الأخوة فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَصِىِ وَالْأَقْدَاءِ﴾ [الرحمن: ٤١]. قال تعالى: ﴿ُّدُوهُ فَعُلُوهُ * ثُمَّ الْبَحِيمَ صَلُوهُ (يقول تعالى ذكره: تعرف الملائكة *ثُمَّ فِ سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠ -٣٢]. المجرمين بعلاماتهم وسيماهم التي يسومهم الله بها من اسوداد الوجوه، وازرقاق العيون)»(١). فتأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رؤوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار، قيل: تسحبهم الملائكة إلى النار تارة تأخذ بناصيته وتجره على وجهه وتارة تأخذ بقدميه، وتسحبه على رأسه(٢)، وهو مشهد عنيف ومع العنف الهوان، حيث تجمع الأقدام إلى الجباه، ثم يقذف المجرمون على هذه الهيئة إلى النار، فهل حينذاك من تكذيب أو نكران(٣)، هذه هي نهاية المجرمين يوم القيامة والعياذ بالله. ٢. أخذ المجرمين والمترفين إلى جهنم بالأغلال: توعد الله عز وجل المجرمين بالعذاب الأليم في جهنم يوم القيامة، ووصف في كثير من الآيات هذا العذاب، ورسم الصورة والحال التي سيكون عليها المجرمون عند تعذيبهم، يوم لا ينفع مال ولا بنون، والآيات التالية توضح ذلك العذاب: (١) جامع البيان، الطبري، ٥٢/٢٣. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٥١/١٧. (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٣٤٥٧/٢٧. تتحدث هذه الآيات عن المجرمين يوم القيامة، فتصف مصيرهم في هذا اليوم، وتبين العذاب الذي كان ينتظرهم لكفرهم بالله، فمصيرهم جهنم التي سعرت لهم ولأمثالهم، تلتهمهم فلا تشبع، (تتصاعد حسراتهم، ويتضاعف أنينهم ليلهم ونهارهم، فليلهم ويل ونهارهم بعاد، تكدرت مشاربهم، وخربت أوطان أنسهم، ولا بكاؤهم یُرحم، ولا أنینھم یُسمع»(٤). فيأمر الله عز وجل الزبانية بأخذ كل مجرم وكافر للعذاب فيقول: ((خُذُوهُ فَغُلُوهُ بالأغلال الضيقة الثقيلة، ثُمَ الْجَحِيمَ المسعر العظيم المعهود الذي يعد لأصحاب الثروة والجاه من الكفرة، صَلُوه اطرحوه))(٥)، (( ليصلى حرها، ثم أدخلوه في سلسلة حلق منتظمة طولها سبعون ذراعاً تلف على جسمه، لئلا يتحرك)) (٦). فكل آية من هذه الآيات كأنها تحمل ثقل السماوات والأرض، وتنقض في جلال مذهل، وفي هول مروع، ثم (٤) لطائف الإشارات، القشيري، ٣ / ٦٢٦. (٥) الفواتح الإلهية، النخجواني، ٢ / ٤٤١. (٦) التفسير المنير، الزحيلي، ٢٩/ ٩٩. www. modoee.com ١٠١ حرف الألف يعقب ذلك كلمة القضاء الجليل، من قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾، والوبيل بيان لموجبات الحكم الرهيب ونهاية هو: الشر، والمعنى: أخذناه أخذًا شديدًا، ((وكيف لا يعذب الكافر المذنب (١). وأهلكناه ومن معه جميعًا، فأُغرق فرعون وعُذب هو ومن معه، وأقروا في عذاب مستقر حتى يُبعثوا إلى النار يوم القيامة كما توعدهم الله(٣). كذلك؛ إِنّهُ من غاية نخوته وتجبره قد كانَ لا يُؤْمِن ولا يذعن بالله الْعَظِيم المستحق للعبودية والإيمان عتوًا وعنادًا، ولا شك أن من تعظم على الله العلي العظيم قد استحق أسوأ العذاب وأشد النكال)) (٢). فهذا عقاب كل المجرمين والمترفين يوم القيامة، فقد توعدهم الله في الدنيا وسيقع وعيده يوم القيامة. ثالثًا: صفات أخذ الظالمين والمترفين: ١. أَخْذًا وَبِيلًا. قال تعالى: ﴿فَعَصَىْ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَهُ أَخْذَا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦]. بعد أن أرسل الله رسوله موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه، ولم يستجيبوا لدعوته، بل امتنعوا عن الإجابة، وعصوا موسى عليه السلام وكذبوه، والمعصية هي الكفر، فكان عقابهم من الله واقع لا محال، فهذا وعده لكل من يعصون رسله ويكذبونهم، وتبيّن هذه الآية ما وقع على فرعون وقومه نتيجة عصيانهم الرسول حيث (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٠٣٦٧٥/٢٩ (٢) الفواتح الإلهية، النخجواني، ٩٩/٢. وهذه الآية توضح عاقبة كل من عصى الرسل، وخاصًا رسولنا صلى الله عليه وسلم فهو المبعوث للناس كافة، وتبين أن عذاب الله واقع لا محالة وإن أَمْھَلهم، كما وقع علی فرعون وقومه من قبل. ٢. أَخْذَةَ رَابِيَّةً. قال تعالى: ﴿فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَيِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةٌ رَّبِيَّةً﴾ [الحاقة: ١٠]. تحدثت الآيات السابقة لهذه الآية عن حال عاد وثمود، ومن قبلهم فرعون وقومه، حيث أرسل لهم موسى عليه السلام وأراهم من الآيات البينات ما تيقنوا بها الحق، ولكنهم مع ذلك جحدوا وكفروا ظلمًا وعلوًا، وجاء من قبله من المكذبين قوم لوط، حيث وقع منهم الكفر والتكذيب والظلم والمعاندة، وارتكاب الفواحش والفسوق، كل أولئك وقع عليهم العذاب من الله تعالى نتيجة كفرهم وعصيانهم الرسل، فلم يبق لهم باقية، بل أخذهم أخذة (٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٣ /٦٩٣، التفسير المنير، الزحيلي، ٢٠٤/٢٩. مُوسُو ◌َر النفسية جومبو لِلْقُرْآن الكَرِيمِ ١٠٢ الأخوة رابية، أي: أخذة نامية بالغة الشدة، زائدة والآيات، فقد أخذهم الله أخذ غالب في انتقامه، قادرٍ علی إِهلاکهم لا يعجزه شيء، على الأخذات وعلى عذاب الأمم(١). فأبادهم وأغرقهم الله ولم يبق لهم مخبرًا ٣. إِنَ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ. ولا عينًا ولا أثرًا، وفي هذا تحذير الناس المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم من عاقبة تكذيبهم وكفرهم(٣). قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيْكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]. هذه الآية الكريمة تشير إلى استئصال القرى الظالمة الكافرة، فقد أخذهم الله أخذًا موجعًا لا يطاق، وهذا تهدید وتحذير من عاقبة الظلم لكل أهل قرية ظالمة من كفار مكة وغيرها، بل لكل من ظلم غيره أو نفسه، ولیحذر کل ظالم و کل کافر أخذ ربه الأليم الشديد، فيبادر التوبة ولا يغتر بالإمهال (٢). ٤. أَخْذَ عَزِيزِ مُقْتَدِرٍ. قال تعالى: ﴿كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْنَدِرٍ﴾ [ القمر: ٤٢]. أرسل الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام لفرعون وقومه، فكانوا رسل الله ونذره لهم، ولكنهم كذبوهم وكذبوا بآيات الله ومعجزاته العظيمة الدالة على صدقهم وصدق ما جاءوا به، فوقع عليهم عقاب الله تعالى نتيجة تكذيبهم الرسل (١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي، ٢٧/١٠، فتح القدير، الشوكاني، ٣٣٥/٥، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٨٨٢. (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٤٢٧/٢، أيسر التفاسير، الجزائري، ٥٧٩/٢. موضوعات ذات صلة: الجزاء، الحساب، العذاب، الميثاق (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٤٥/١٧، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٨١/٧، صفوة التفاسير، الصابوني، ٢٧١/٣. www. modoee.com ١٠٣