النص المفهرس
صفحات 21-40
الإحسان
تُشْرِكُواْ بِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى
بامتثالهم لأوامر الله، وبترضيتهم لنفوس
هؤلاء المطلقات اللاتي تأثرن بسبب هذا
اَلْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَاَلْمَسَلِكِينِ وَالْجَارِ
الفراق. فالآية الكريمة ترفع الإثم عن ذِى الْقُرْبَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ
بِالْجَنْبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمُّ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا
﴾ [النساء: ٣٦].
الرجال الذين يطلقون النساء قبل الدخول
بهن وقبل تسمية المهر لهن، متى كانت
المصلحة تستدعى ذلك، وتبين الحقوق
التي للمرأة على الرجل في هذه الحالة (١).
بل نبه الله تعالى الزوج بأن لا ينسى
الإحسان إلى الزوجة حتى بعد الطلاق فقال
سبحانه في آخر الآية: ﴿وَلَا تَنسَوأُ اَلْفَضْلَ
بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيٌُّ﴾ [البقرة: فعله(٣)؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَذِى الْقُرْبَ﴾
٢٣٧].
والمعنى كما قال الإمام البيضاوي:
﴿وَلَا تَنسَوَأْ اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ((أي: ولا
تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض، ﴿إِنَّ
اَللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيِّ﴾، لا يضيع تفضلكم
وإحسانكم»(٢).
أما الإحسان إلى الأولاد، فيدل عليه
عموم قوله تعالى: ﴿وَإِذْأَ خَذْنَا مِثَقَ بَنِيّ
إِسْرَِّ يلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا
وَذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَشَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ
لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ
الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنِكُمْ
وَأَنْتُم مُّعْرِضُونَ ﴾ [البقرة: ٨٣].
﴿ وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا
وقوله تعالى:
(١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١ / ٥٤٢.
(٢) أنوار التنزيل ١/ ١٤٧.
فقد أمر الله بالإحسان إلى ذوي القربى
بعد الوالدين، ويشمل ذلك جميع الأقارب،
قربوا أو بعدوا، بأن يحسن إليهم بالقول
والفعل، وأن لا يقطع برحمه بقوله أو
عام يشمل الأصل وهو الأبوان وما يتصل
بالمرء من ناحيتهما من أصولها وفصولهما،
ويشمل الفصل وهو الأبناء والبنات وما
يتصل به منهما من فصول، غير أن الوالدين
لمزيد العناية بهما خصصا بالذكر في
الآيات المتقدمة، وإن كانا داخلين في هذا
(٤)
العموم(٤).
فيكون الإحسان إلى الأولاد بجميع
أنواع الإحسان المادية والمعنوية من
تربيتهم تربية حسنة وتعليمهم والتلطف بهم
ورحمتهم والإنفاق عليهم والعدل بينهم في
العطايا والهبات.
لما رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه،
قال: تصدق على أبي ببعض ماله، فقالت
(٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢ / ٥٠،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٧٨ .
(٤) انظر: تفسير ابن باديس، ص ٧٩.
www. modoee.com
٤٣٩
حرف الألف
أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضی حتی تشهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق أبى
إلى النبي صلى الله عليه وسلم لیشهده على
صدقتي، فقال له رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (أفعلت هذا بولدك كلهم؟) قال:
لا، قال: (اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم)،
فرجع أبي، فرد تلك الصدقة (١).
٣. الإحسان إلى الأقارب.
إن المراد بالأقارب: من تربطك بهم صلة
القرابة سواء أكانوا من المحارم أم لا(٢).
وقد أمر الله بالإحسان إلى ذوي القربى
بعد الوالدين، ويشمل ذلك جميع الأقارب،
قربوا أو بعدوا، بأن يحسن إليهم بالقول
والفعل، وأن لا يقطع برحمه بقوله أو فعله.
قال تعالى: ﴿﴿ وَأَعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ
بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ
وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ
وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَّبِ وَأَبْنِ
السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
[النساء:
مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٦)﴾
٣٦](٣) .
وإنما أمر بالإحسان إلى ذي القربى
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الهبات،
باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة،
رقم ٣،١٦٢٣ / ٠١٢٤٢
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٣١/٨.
(٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢ / ٥٠
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١٧٨.
استبقاء لأواصر الود بين الأقارب، إذ كان
العرب في الجاهلية قد حرفوا حقوق القرابة
فجعلوها سبب تنافس وتحاسد وتقاتل (٤).
قال الرازي: ((ومعلوم أن الإحسان إلى
هؤلاء إنما يكون بالمال، ثم ذم المعرضين
عن هذا الإحسان فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن
كَانَ مُخْتَالً فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]))(٥).
وقد جعل الله تعالی لذوي القربی حقًا
في مال القريب، قال تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا
اُلْقُرْبَ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ اُلسَّبِيلِ وَلَا نُبَذِرْ
تَبْذِيرًا (٦)﴾ [الإسراء: ٢٦].
قال ابن عطية: ((اختلف المتأولون في
((ذي القربى))، فقال الجمهور: الآية وصية
للناس كلهم بصلة قرابتهم، خوطب بذلك
النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد: الأمة،
وألحق في هذه الآية ما يتعين له من صلة
الرحم وسد الخلة والمواساة عند الحاجة
بالمال والمعونة بكل وجه، قال بنحو هذا
الحسن وعكرمة وابن عباس وغيرهم، وقال
علي بن الحسين في هذه: هم قرابة النبي
عليه السلام، أمر النبي عليه السلام بإعطائهم
حقوقهم من بيت المال))(٦).
قال ابن الجوزي: في قوله تعالى:
﴿ وَءَاتِ ذَاالْقُرْبَ حَقَّهُ﴾ «فيه قولان:
أحدهما: أنه قرابة الرجل من قبل أبيه
(٤) التحرير والتنوير ٥/ ٤٩.
(٥) مفاتيح الغيب ١٠/ ٧٨.
(٦) المحرر الوجيز ٣/ ٤٥٠.
٤٤٠
مُوسُوبَةُ الَِّ
القرآن الكريمِ
الإحسان
وأمه، قاله ابن عباس، والحسن، فعلى هذا المواساة، قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ
مَاذَا يُنفِقُونٌّ قُلْ مَآ أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَ لِدَيْنِ
في حقهم ثلاثة أقوال:
وَالْأَقْرَبِينَ وَالْبَى وَالْسَكِيْنِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا
أحدها: أن المراد به: برهم وصلتهم.
تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة:
٢١٥](٣).
والثاني: النفقة الواجبة لهم وقت
الحاجة.
والثالث: الوصية لهم عند الوفاة))(١).
وإن من حكمة التربية أن يبدأ من الأوامر
بما تعين فطرة النفوس الإنسانية على قبوله
ببداهة الفكرة أو بشعور العاطفة، وكلتا
هاتين يحبب للنفس إيتاء حق القريب
فابتدى به في الأمر لیکون تقبلها له أسهل
أسرع، فاذا سخت
ومبادرتها للامتثال
النفوس بإيتاء حق القريب ومرنت عليه
اعتادت الإيتاء وصار من ملكاتها فسهل
عليها إيتاء كل حق، ولو كان لأبعد الناس.
وشيء آخر، وهو أن الأقارب قد تكون بينهم
المنافسات والمنازعات لقرب المنازل، أو
تصادم المنافع أو التشاح على المواريث ما
لا يكون بين الأباعد، فيقطعوا حق القرابة
ويهدموا بناء الأسرة، ويعود ذلك عليهم
أولًا بالوبال، ويرجع ثانيًا على مجتمعهم
بالتضعضع، فكان هذا من جملة ما يقتضي
الابتداء بحقهم إلى المقتضيات المتقدمة
الأخرى(٢).
وللقرابة حقان: حق الصلة، وحق
(١) زاد المسير ٣/ ٢٠.
(٢) انظر: تفسير ابن باديس ص ٧٩.
قال أبو جعفر الطبري: ((يعني بذلك جل
ثناؤه: يسألك أصحابك یا محمد، أي شيء
ينفقون من أموالهم فيتصدقون به؟، وعلى
من ينفقونه فيما ينفقونه ويتصدقون به؟
فقل لهم: ما أنفقتم من أموالكم وتصدقتم
به، فأنفقوه وتصدقوا به واجعلوہ لآبائكم
وأمهاتكم وأقربيكم، ولليتامى منكم،
والمساكين، وابن السبيل، فإنكم ما تأتوا
من خير وتصنعوه إليهم فإن الله به عليم،
وهو محصیه لكم حتى يوفيكم أجوركم
عليه يوم القيامة، ويثيبكم على ما أطعتموه
بإحسانكم عليه، والخير الذي قال جل ثناؤه
في قوله: ﴿قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْخَيْرٍ﴾، هو المال
الذي سأل رسول الله صلی الله عليه وسلم
أصحابه من النفقة منه، فأجابهم الله عنه بما
أجابهم به في هذه الآية)» (٤).
٤. الإحسان إلى اليتامى والمساكين.
أمر الله تعالى بالإحسان إلى اليتامى
والضعفاء والمساكين في قوله تعالى:
وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥/ ٧٦.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٤ / ٢٩١.
www. modoee.com
٤٤١
حرف الألف
وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَنَمَى
وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ وَالْجَارِ
اٌلْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَتْبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ
وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمُّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ
مُخْتَالًا فَخُورًا (٦)﴾ [النساء: ٣٦].
قال ابن عادل في تفسير قوله تعالى:
﴿وَإِذْ أَ خَذْنَا مِيثَقَ بَنِيَّ إِسْرَّهِيلَ لَا تَعْبُدُونَ
إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَ
وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ﴾ [البقرة: ٨٣]:
((وظاهر الآية يدل على أن الإحسان إلى ذي
القربى واليتامى والمساكين كان واجبًا على
بني إسرائيل في دينهم، وكذا القول الحسن
للناس كان واجبًا عليهم؛ لأن أخذ الميثاق
يدل على الوجوب، وذلك لأن ظاهر الأمر
للوجوب، والأمر في شرعنا أيضًا كذلك من
بعض الوجوه)) (١).
والمسكين: هو المتخشع المتذلل من
الفاقة والحاجة، والمسكنة هي ذل الحاجة
والفاقة(٢).
وفي الآيتين السابقتين يبين به الله
سبحانه أصحاب الحقوق الواجبة على
الإنسان نحوهم، إما لصلة قرابة تجمعهم
إليه، وتجعلهم بعضًا منه، أو تجعله بعضًا
منهم .. وإما لصلة إنسانية عامة، تلك الصلة
التي تقوم على أساس أن الفرد عضو فى
(١) اللباب في علوم الكتاب ٢٤٠/٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢/ ٢٩٢.
الجسد الاجتماعي کله، وأن کل عضو سلیم
فى هذا الجسد من واجبه أن يحمل بعض
أعباء الأعضاء المريضة فيه، شأن الجسد
حين تضعف فيه حاسة، أو تعجز عن العمل،
فتتولی أقرب الحواس إليها، وأشکلها بها،
أداء وظيفتها بوجه أو بآخر حتى يستقيم
للجسد أمره(٣).
٥. الإحسان إلى الجيران.
أمر الله تعالى بالإحسان إلى الجيران،
فقال سبحانه: ﴿﴿ وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ
بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ
وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ
وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَتُِّ وَأَبْنِ
السَبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
[النساء:
مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٦)﴾
٣٦].
فقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى
وَالْجَارِ الْجُنُّبِ﴾ أما الجار فقد أمر الله
تعالى بحفظه والقيام بحقه والوصاة برعي
ذمته في كتابه وعلى لسان نبيه. ألا تراه
سبحانه أكد ذكره بعد الوالدين والأقربين
فقال تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ﴾ أي:
القريب، يعني: الذي بينك وبينه قرابة
﴿وَالْجَارِ الجُنُبِ﴾ أي: الغريب الذي ليس
بينك وبينه قرابة، قاله ابن عباس، وقال نوف
الشامي: ﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ﴾ المسلم
(٣) انظر: المصدر السابق ٢/ ٢٩٣.
٤٤٢
مَوَسُوع
لِلْعَرَآن الكَرِيْمِ
الإحسان
اليهودي والنصراني،
وَالْجَارِ الْجُنَبِ
وقال جابر الجعفي عن الشعبي عن علي
وابن مسعود رضي الله عنهم: ﴿وَالْجَارِذِى
اَلْقُرْبَ﴾ يعني: المرأة، وقال مجاهد أيضًا
في قوله: ﴿وَالْجَارِ الجُنُبِ﴾ يعني: الرفيق
في السفر(١).
بالجار مأمور بها مندوب إلیھا مسلمًا کان أو
کافرًا، وهو الصحیح، والإحسان قد يكون
بمعنی المواساة، وقد یکون بمعنی حسن
العشرة وكف الأذى والمحاماة دونه. روی
البخاري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (ما زال یوصیني جبريل بالجار،
حتى ظننت أنه سيورثه)(٢)»(٣).
والجوار ضرب من ضروب القرابة، فهو
قرب بالمكان والسكن، وقد یأنس الإنسان
بجاره القريب أكثر مما يأنس بالنسيب،
فيحسن أن يتعاون الجاران، ويكون بينهما
الرحمة والإحسان، فإذا لم يحسن أحدهما
إلى الآخر فلا خير فيهما لسائر الناس، وقد
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٪
٢٦١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب الوصاة بالجار، رقم ٦٠١٤، ١٠/٨،
ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب الوصية بالجار والإحسان إليه،
رقم ٢٠٢٥/٤،٢٦٢٥.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥/
١٨٣.
حث الدين على الإحسان فى معاملة الجار
عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه،
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من
كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى
جاره))(٤).
وإكرام الجار من شيم العرب قبل
قال القرطبي: ((وعلى هذا فالوصاة الإسلام، وزاده الإسلام توكيدًا بما جاء فى
الكتاب والسنة، ومن إكرامه إرسال الهدايا
إليه، ودعوته إلى الطعام، وتعاهده بالزيارة
والعيادة إلى نحو ذلك(٥).
٦. الإحسان إلى عموم الناس.
أمر الله تعالى بالإحسان إلى عموم
مِيثَقَ
وَإِذْأْخَذْنَا
الناس، فقال سبحانه:
بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ
إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ
وَقُولُوْلِلنَّاسِ حُسْنًّا وَأَقِمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ
الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْكُمْ
وَأَنْتُم مُّعْرِضُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٨٣].
فقوله تعالى: ﴿وَقُولُوْلِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
[البقرة: ٨٣].
أي: کلموهم طيًا، ولینوا لهم جانبًا.
ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الحث على إكرام الجار والضيف، ولزوم
الصمت إلا عن الخير وكون ذلك كله من
الإيمان، رقم ٦٩/١،٤٨.
(٥) انظر: تفسير المراغي ٥/ ٣٦.
www. modoee.com
٤٤٣
حرف الألف
عن المنكر بالمعروف(١).
وقوله تعالى: ﴿وَقُل لِعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى
هِىَ أَحْسَنُّ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنَزَعُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ
كَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوًّا مُّبِينًا ﴾ [الإسراء: ٥٣].
والمعنى: قل لعبادي المؤمنين يقولوا
للكافرين الكلمة التي هي أحسن، قال
الحسن: يقولون له: يهديك الله، إن الشيطان
هو الذي يفسد بينهم؛ لأنه عدو للإنسان
ظاهر العداوة (٢).
وفي الآية يأمر تبارك وتعالى عبده
ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر
عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم
ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة
الطيبة، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك، نزع
الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال،
وأوقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإنه
عدو لآدم وذريته من حين امتنع عن السجود
لآدم، وعداوته ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن
يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن
الشيطان ينزع في يده، أي: فربما أصابه
بها(٣).
﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
وقوله تعالى:
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِأَلَِّ
هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير١/
٢٠٩.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٣/ ١١٢.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٨٠.
سَبِيلٍِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
١٢٥].
١٢٥)
[النحل:
قال ابن كثير: ((يقول تعالى آمرًا رسوله
محمدًا صلی الله عليه وسلم أن يدعو الخلق
إلى الله بالحكمة، قال ابن جرير الطبري:
((وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة
والموعظة الحسنة، أي: بما فيه من الزواجر
والوقائع بالناس، ذکرهم بها ليحذروا بأس
الله تعالى، وقوله: ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ
أَحْسَنُ﴾ أي: من احتاج منهم إلى مناظرة
وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين
وحسن خطاب، كقوله تعالى:
تُجَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلََّّ بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
فأمره تعالى بلين الجانب كما أمر به
موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما
إلى فرعون في قوله: ﴿فَقُولَا لَّهُ، قَوْلاً لَّيْنَا لَّعَلَّهُ.
يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طه: ٤٤]))(٤).
٧. الإحسان في الجهاد.
إن الإحسان في الجهاد من صفات
المحسنين.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُ واْ فِينَا لَنَهْدِيَنَهُمْ
﴾ [العنكبوت:
سُبُّلْنَا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
٦٩].
يقول تعالى: والذين قاتلوا هؤلاء
المفترين على الله كذبًا من كفار قريش،
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم ٤ / ٥٢٦.
٤٤٤
مُوسُو ◌َر البقية
القُرآن الكَرِيْمِ
الإحسان
المكذبين بالحق لما جاءهم فينا، مبتغين
بقتالهم على كلمتنا، ونصرة ديننا ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ
سُبُّلْنَا﴾ أي: لنوفقنهم لإصابة الطريق
المستقيمة، وذلك إصابة دين الله الذي هو
الإسلام الذي بعث الله به محمدًا صلی الله
عليه وسلم ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ يقول:
وإن الله لمع من أحسن من خلقه، فجاهد
فيه أهل الشرك، مصدقًا رسوله فيما جاء به
من عند الله بالعون له، والنصرة على من
جاهد من أعدائه(١).
وقد تكفل الله تعالى بأنه لا يضيع من
أحسن في الجهاد.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ
وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ اْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ
اللّهِ وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ وَلَا نَصَبٌّ وَلَا مَخْمَصَةٌ
فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَعُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ
الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوِّ نَّيْلًا إِلَّا
كُتِبَ لَهُمِ عَمَلٌ صَلِحُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ
﴾ [التوبة: ١٢٠].
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
کما یکون الإحسان في الجهاد بالإنفاق
في سبيل الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
وَلَا تُلْقَُّا بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَُّكَّةِ وَأَحْسِنُوْاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
أي: أنفقوا في سبيل الله فمن أنفق في
وَأَنفِقُواْ فِى
سبيل الله فهو محسن، فقوله:
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٦٣.
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وكل ما أمر الله به
من الخیر فهو في سبيل الله وأكثر ما يستعمل
في الجهاد، لأنه السبيل الذي يقاتل فيه(٢).
﴿وَأَحْسِنُواْ﴾ أي: بالإنفاق على من
تلزمكم مؤنته ونفقته. وقيل: أحسنوا في
الإنفاق ولا تسرفوا ولا تقتروا، نهوا عن
الإسراف والإقتار في الإنفاق. وقيل:
معناه: وأحسنوا في أداء فرائض الله تعالى.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، أي: يثيبهم على
(٣)
إحسانهم
..
كما يكون الاحسان في الجهاد بالالتزام
بتعاليم الإسلام في قتال أعدائه، وذلك
بعدم المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان
والشیوخ، الذین لا رأي لهم ولا قتال فيهم،
والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق
الأشجار، وقتل الحيوان لغیر مصلحة، لما
رواه بريدة رضي الله عنه، قال: كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا على
جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى
الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال:
(اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من
كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا
تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك
من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال
- أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم،
(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٦٦/١،
التفسير الوسيط، الواحدي ١/ ٢٩٣.
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ١ / ١٢٣.
www. modoee.com
٤٤٥
حرف الألف
وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء
والصبيان)(٢).
أجابوك، فاقبل منهم، و کف عنهم، ثم ادعهم
إلی التحول من دارهم إلى دار المهاجرین،
وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما
للمهاجرین، وعلیهم ما على المهاجرین، فإن
أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنھم یکونون
کأعراب المسلمین، یجري علیھم حکم الله
الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم
في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع
المسلمین، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن
هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن
هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت
أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله،
وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله، ولا ذمة
نبیه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك،
فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم
أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله،
وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم
علی حکم الله، فلا تنزلهم على حكم الله،
ولکن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري
أتصیب حکم الله فيهم أم لا)(١).
وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله
عنه قال: (إن امرأة وجدت في بعض مغازي
النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر
(١) أخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب
تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيته
إياهم بآداب الغزو وغيرها، رقم ٣،١٧٣١/
٠١٣٥٧
وكذلك فعل الخلفاء الراشدون، ففي
وصية أبي بكر رضي الله عنه لأسامة بن
زيد حين بعثه إلى الشام: «لا تخونوا، ولا
تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا
طفلًا صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأة،
ولا تعقروا نخلًا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا
شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا
بعیرًا إلا لمأکله، وسوف تمرون بأقوام قد
فرغوا أنفسهم له))(٣).
رابعًا: الإحسان في الأخلاق:
إن الإحسان في الأخلاق يكون بالتخلق
بالقرآن الكريم في الأقوال والأفعال وجميع
التصرفات، فإن أحسن الناس خلقًا هو من
یتخلق بالقرآن، کما کان رسول الله صلى
الله عليه وسلم، قال عنه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى
خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: ٤].
والمعنى: أنت على الخلق الذي أمرك الله
به في القرآن (٤)، أي: على الخلق الذي أدبك
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب قتل الصبيان في الحرب،
رقم ٣٠١٤، ٦١/٤، ومسلم في صحيحه،
كتاب الجهاد والسير، باب تحريم قتل
النساء والصبيان في الحرب، رقم ١٧٤٤،
١٣٦٤/٣.
(٣) انظر: روائع البيان تفسير آيات الأحكام،
الصابوني ٢/ ٤٦٠.
(٤) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٥/
مَوَسُوبَةُ النَّهِ
القرآن الكريم
٤٤٦
الإحسان
الله به مما نزل به القرآن من الإحسان إلى
الناس، والعفو، والتجاوز، وصلة الأرحام،
وإعطاء النصفة، والأمر بالمعروف، والنهي
عن المنكر، وما أشبه ذلك.
وفي حديث سعد بن هشام، قال: أتيت
عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين، أخبريني
بخلق رسول الله صلی الله عليه وسلم،
قالت: (كان خلقه القرآن). أما تقرأ القرآن،
قول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[القلم: ٤](١) (٢)
وما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص
رضي الله عنهما: ((أن هذه الآية التي في
القرآن: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا
وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٤٥].
قال في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك
شاهدًا ومبشرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي
ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا
غليظ، ولا سخاب بالأسواق، ولا يدفع
السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن
يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن
٢٠٤.
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٤٦٠١،
١٤٨/٤١، والحاكم في المستدرك على
الصحيحين، رقم ٢،٣٨٤٢/ ٥٤١.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه.
ولم يتعقبه الذهبي، وصححه الارناؤوط في
تحقيقه لمسند أحمد ١ ٤ / ١٤٩.
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨ / ٢٠٦.
يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينًا عميًا،
وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا))(٣).
وقال تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
[البقرة: ٨٣] أي: كلموهم طيبًا، ولينوا لهم
جانبًا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر بالمعروف كما قال
الحسن البصري في قوله تعالى ﴿وَقُولُواْ
لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فالحسن من القول يأمر
بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويحلم
ويعفو ويصفح، ويقول للناس حسنا كما قال
الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله (٤).
وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا حُبِّيْتُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ
بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
حَسِيبًا ﴾ [النساء: ٨٦].
فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُبِّيْتُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ
بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.
التحية: هي دعاء بطول الحياة، والمراد
بالتحية هاهنا: السلام، يقول: إذا سلم
علیکم مسلم فأجيبوا بأحسن مما سلم أو
ردوها كما سلم، فإذا قال: السلام عليكم،
فقل: وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا قال:
السلام عليكم ورحمة الله، فقل: وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، وإذا قال:
(٣) أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب
(إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا)، رقم
٤٨٣٨، ٠١٣٥/٦
(٢) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٦ / ١٨، (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير١/
٢٠٩.
www. modoee.com
٤٤٧
حرف الألف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الله
بالحكمة، وهو ما أنزله عليه من الكتاب
والسنة والموعظة الحسنة، أي: بما فيه
من الزواجر والوقائع بالناس، ذکرهم بها
لیحذروا بأس الله تعالی.
مثله، روي أن رجلًا سلم على ابن عباس
رضي الله عنهما، فقال: السلام عليكم
ورحمة الله وبركاته، ثم زاد شيئًا، فقال ابن
عباس: إن السلام ينتهي إلى البركة (١).
وقال تعالى: ﴿وَقُل لِعِبَادِى يَقُولُواْ أَلَّتِى
هِىَ أَحْسَنٌ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنِزَعُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَنَ
كَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣].
يأمر تبارك وتعالى عبده ورسوله صلى
الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله المؤمنين
أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاوراتهم
الكلام الأحسن والكلمة الطيبة، فإنهم إن
لم يفعلوا ذلك، نزع الشيطان بينهم، وأخرج
الكلام إلى الفعال، وأوقع الشر والمخاصمة
والمقاتلة، فإنه عدو لآدم وذريته من حین
امتنع عن السجود لآدم، وعداوته ظاهرة
بينة، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه
المسلم بحديدة، فإن الشیطان ینزع في يده،
أي: فربما أصابه بها(٢).
﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
وقال تعالى:
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِى
هِىَ أَحْسَنُّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن
سَبِيلِةٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل:
١٢٥].
((يقول تعالى آمرًا رسوله محمدًا صلى
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١ / ٦٦٩،
النكت والعيون، الماوردي ١/ ٥١٣.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٨٠.
وقوله: ﴿وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾
أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال
فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن
وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ
خطاب، كقوله تعالى: ﴿
اَلْكِتَبِ إِلَّا بِأَلَِّ هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ
مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
فأمره تعالى بلين الجانب كما أمر به
موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما
إلى فرعون في قوله: ﴿فَقُولَا لَّهُ قَوْلاً لَِّنَا لَّعَلَّهُ.
يَتَذَّكَّرُ أَوْيَخْشَى ﴾ [طه: ٤٤]))(٣).
(٣) المصدر السابق ٤/ ٥٢٦.
٤٤٨
مُوسُوبَة النشـ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الإحسان
جزاء المحسنين
إن جزاء المحسنين يكون في الدنيا:
بالإحسان من الله تعالى، ورضاه ومحبته،
ومعيته، ورحمته، والذكر الحسن في
العالمین، وبأن الله لا يضيع أجر المحسنين،
وبالبشارة بالخير، والمجازاة بأحسن ما كانوا
يعملون، ويكون جزاء المحسنين في الآخرة
بالجنة ونعيمها، وبيان ذلك في المطلبيين
الآتيين:
أولًا: جزاء المحسنين في الدنيا:
١. الإحسان من الله تعالى.
إن الله تعالى أحسن على الإنسان بجميع
النعم تفضلا منه و کرمًا.
قال تعالى: ﴿وَءَاتَنْكُمْ مِّن كُلِّ مَا
سَأَلْشُهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لَا تُخْضُوهَاً
إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
[إبراهيم: ٣٤].
﴿وَإِنْ تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ
وقال سبحانه:
لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾
[النحل: ١٨].
وقال عز وجل: ﴿أَلَوْ تَّرَوْاْ أَنَّ اللَّهُ سَخَّرَ
لَكُمْ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ
نِعَمَدُ ظَاهِرَةَ وَبَاطِنَّهُ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِي
اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى وَلَا كِتَبٍ مُنِيرٍ ﴾
[لقمان: ٢٠].
يقول تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ أيها
الناس ﴿أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَوَتِ﴾
من شمس وقمر ونجم وسحاب ﴿وَمَا فِى
الْأَرْضِ﴾ من دابة وشجر وماء وبحر وفلك،
وغير ذلك من المنافع، يجري ذلك كله
لمنافعکم ومصالحکم، لغذائكم وأقواتکم
وأرزاقكم وملاذکم، تتمتعون ببعض ذلك
كله، وتنتفعون بجميعه، ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ.
ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةٌ﴾(١).
والإسباغ: الإفاضة والشمول، عن سعة
وكثرة. والنعم السابغة: الكثيرة المتعددة
والنعم الظاهرة: ما يعرفها الإنسان، ويلمسها
بحواسه، أو يدركها بعقله والنعم الباطنة،
هى ما لا يعلمه الإنسان من أسرار هذا
الوجود الذي يعيش فيه (٢).
وقد أحسن الله للإنسان في خلقه، قال
تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ◌َلْإِنسَنَ فِيّ ◌َحْسَنِ تَغْوِيمٍ (
٤
[التين: ٤].
وأحسن إليه بالصحة والعافية، وذلك
على المعنى الوارد في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ
لِلَّذِينَ أَتَّقَوْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرَاً لِّلَّذِينَ
أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّهُ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ
ج
وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴾ [النحل: ٣٠].
وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِ الَّذِينَءَامَنُواْ
أَنَّقُواْ رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةُ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ١٤٧.
(٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب ١١ / ٥٧٦.
www. modoee.com
٤٤٩
حرف الألف
وَأَرْضُ اَللَّهِ وَسِعَةُ إِنَّمَا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرٍ من عبد من دون الله وهو لله طائع ولعبادة
من یعبده کاره(٤).
حِسَابٍ ﴾ [الزمر: ١٠].
فحسنة الدنيا المذكورة في الآيتين هي
الحسنة: الصحة والعافية (١).
قال الماوردي: ((وفيما أريد بالحسنة التي
لهم في الدنيا أربعة أوجه: أحدها: العافية
والصحة، قاله السدي. الثاني: ما رزقهم الله
من خير الدنيا، قاله يحيى بن سلام، الثالث:
ما أعطاهم من طاعته في الدنيا وجنته في
الآخرة، قاله الحسن، الرابع: الظفر والغنائم،
حكاه النقاش. ويحتمل خامسًا: إن الحسنة
في الدنيا الثناء وفي الآخرة الجزاء))(٢).
ومن إحسان الله تعالى على العبد
الإحسان المعنوي المتمثل في السعادة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا
[الأنبياء:
الْحُسْفَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١)
١٠١].
قال المفسرون: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم
مِنَا الْحُسْوَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾: عني به:
كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه
أنه عن النار مبعد(٣).
وقيل: الآية عامة في کل من سبقت لهم
من الله السعادة.
وقال أكثر المفسرين: عني بذلك: كل
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ٢٦٩،
معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣/ ١٩٦.
(٢) النكت والعيون ٥/ ١١٨.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨/ ٥٣٨.
والحسنى: الخصلة المفضلة في الحسن
تأنيث الأحسن؛ إما السعادة، وإما البشرى
بالثواب وإما التوفيق للطاعة، یروی أن علیًا
رضي الله عنه قرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم،
وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير
وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف رضي
الله عنه(٥).
ومن المفسرين من قال: إن المراد:
﴿أُوْلَيْكَ﴾ يعني: عزيرًا والمسيح والملائكة
﴿عَنْهَا﴾ عن جهنم ﴿مُبْعَدُونَ﴾ لأنهم لم
﴿إِنَّ
يرضوا بعبادتهم، وقيل: المراد بقوله:
الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَ﴾: جميع
المؤمنين لما روي أن عليا رضي الله عنه
قرأ هذه الآية ثم قال: « أنا منهم وأبو بكر
وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد
الرحمن بن عوف)»(٦).
والواجب على العبد تجاه إحسان الله
تعالى في الدنيا ما يأتي:
١. الإحسان في الاعتقاد والعبادة وجميع
الأعمال.
قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا
[الرحمن: ٦٠].
٦٠
الْإِحْسَنُ
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣/ ٣١٨.
(٥) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣/ ١٣٧.
(٦) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٢/ ٤٢٢،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣١/٥.
٤٥٠
مَوَسُوع
القرآن الكريم
الإحسان
وفي معناها وجوه:
أحدها: هل جزاء التوحيد غير الجنة،
أي: جزاء من قال: لا إله إلا الله إدخال
الجنة.
ثانيها: هل جزاء الإحسان في الدنيا إلا إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].
الإحسان في الآخرة.
ثالثها: هل جزاء من أحسن إليكم في
الدنيا بالنعم وفي العقبى بالنعيم إلا أن
تحسنوا إليه بالعبادة والتقوى.
وأما الأقرب فإنه عامٌ، فجزاء كل من
أحسن إلى غيره أن يحسن هو إليه أيضًا (١).
٢. الشكر للمحسن سبحانه وذلك
بالاعتراف بذلك.
كما قال يوسف عليه السلام: قال تعالى:
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوالَهُ، سُجَّدٌ وَقَالَ
يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُهْيَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ
حَقَّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِيِّ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السّجْنِ وَجَّةَ
بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدٍ أَنْ تَّزَعَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ
وَبَيْنَ إِخْوَتِيَّ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ
الْعَلِيِمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: ١٠٠].
أي: وقد أحسن بي ربي إذ أخرجني
من السجن، وسما بي إلى عرش الملك،
وجاء بكم من البادية حيث كنتم تعيشون
فى شظف العيش وخشونته، ونقلكم إلى
الحضر حيث تعيشون في نعم الاجتماع
ونشر الدين الحق، وتتعاونون على ترقي
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٧٧/٢٩.
العلوم والصناعات(٢).
وكذلك ببذل الإحسان إلى الآخرين من
المستحقين والمساكين.
قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اللهُ
٢. رضا الله سبحانه.
بین سبحانه أنه يرضى عن المحسنين في
إتباع السلف الصالح.
قال تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ
الْمُهَجِينَ وَالْأَنَصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم يإِحْسَنِ
رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَذَلَهُمْ جَنَّتٍ
تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ
اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: ١٠٠].
قال أبو جعفر الطبري: ((يقول تعالى
ذكره: والذين سبقوا الناس أولًا إلى
الإيمان بالله ورسوله من المهاجرين، الذين
هاجروا قومهم وعشيرتهم، وفارقوا منازلهم
وأوطانهم والأنصار الذين نصروا رسول
الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من
أهل الكفر بالله ورسوله ﴿وَالَّذِينَ آَتَّبَعُوهُم
بإحْسَنٍ﴾، يقول: والذين سلكوا سبيلهم
في الإيمان بالله ورسوله، والهجرة من دار
الحرب إلى دار الإسلام، طلب رضا الله
﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾))(٣).
(٢) تفسير المراغي ١٣ / ٤٤.
وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /
٣٥٣.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤/ ٤٣٤.
www. modoee.com
٤٥١
حرف الألف
قال الزجاج: ((﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ
عَنْهُ﴾ تأويله: والله أعلم أن الله رضي
أفعالهم، وأنهم رضوا ما جازاهم الله به))(١).
هو عرض كاشف لمنزلة هؤلاء الصفوة
من عباد الله، وأن الله رضي عنهم، بما كان
منهم من إحسان، وأنهم رضوا، بما أرضاهم
الله به، ونعموا فيه.
وفي قوله تعالى: ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾
رضوان فوق رضوان من عند الله، يحفهم
به، ويزيدهم نعيمًا إلى نعيم؛ إذ جعل الله
سبحانه وتعالى رضاهم عنه بما أعطاهم
معادلًا لرضاه عنهم، حتى لكأنه سبحانه
وتعالى، يتبادل الرضا معهم، فیرضی عنهم،
ويرضون عنه. فسبحانه، ما أعظم لطفه،
وما أوسع فضله، وما أكرم عطاءه، وأسبغ
إحسانه(٢).
٣. محبة الله تعالى.
أثبت الله تعالى محبته للمحسنين في
فَانَتُهُمْ
الدنيا بصفة عامة، قال تعالى:
اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابٍ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ
المُحْسِنِينَ ﴾﴾ [آل عمران: ١٤٨].
وذلك جزاء من قال: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ
إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا
وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
(١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢/
٤٦٦.
(٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب ٦ / ٨٨٢.
فَائَهُمُ اللَّهُ تَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ
١٤٧
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٨)﴾ [آل عمران: ١٤٧ -
١٤٨] (٣).
وفي معرض الحث على الإنفاق في
سبیل الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَآَنفِقُواْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوَ بِأَبْدِيَّكُمْ إِلَى النَّهُكَةِ وَأَحْسِنُوْ إِنَّ اللّهَ
يُحِبُّالْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: ١٩٥].
والمعنى: أحسنوا أيها المؤمنون في أداء
ما ألزمتكم من فرائضي، وتجنب ما أمرتكم
بتجنبه من معاصي، ومن الإنفاق في سبيلي،
وعود القوي منكم على الضعيف ذي الخلة،
فإني أحب المحسنين في ذلك(٤)، أي:
أنفقوا في سبيل الله فمن أنفق في سبيل الله
فهو محسن (٥).
وهذا مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْطَ
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
(١٣٤ ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
فإن الله يحب من عمل بهذه الأمور
التي وصف أنه أعد للعاملين بها الجنة التي
عرضها السماوات والأرض، والعاملون
بها هم المحسنون، وإحسانهم، هو عملهم
بها، أي: وذلك الإحسان، وأنا أحب من
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ١ / ٣٠٦.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٣/ ٥٩٥.
(٥) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١/
٢٦٦، التفسير الوسيط، الواحدي ١/ ٢٩٤.
جَوَبُو حَرَ النَّفْسِنِ الوضوح
القرآن الكريم
٤٥٢
الإحسان
عمل به (١)، لفظ: (الْمُحْسِنِينَ ﴾ للجنس،
فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء
المذكورون، وقد تكون للعهد فتكون إشارة
إلى هؤلاء(٢).
وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ
لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ يُحَرِّقُونَ
اَلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهٌ وَنَسُواْ حَظًا مِّمَّا
ذُكِرُواْ بِةٍ، وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَيْنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا
قَلِيلًا مِنْهُمّ فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ
﴾ [المائدة: ١٣].
الْمُحْسِنِينَ (١٣)
قال أبو جعفر الطبري: ((وهذا أمر من الله
عز ذکره نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم
بالعفو عن هؤلاء القوم الذين هموا أن
یبسطوا أیدیهم إليه من اليهود. يقول الله جل
وعز له: اعف، يا محمد، عن هؤلاء اليهود
الذين هموا بما هموا به من بسط أيديهم
إليك وإلى أصحابك بالقتل، واصفح لهم
عن جرمهم بترك التعرض لمكروههم، فإني
أحب من أحسن العفو والصفح إلى من أساء
إليه)» (٣).
﴿فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
اَلْمُحْسِنِينَ﴾ ظاهره الأمر بالمعروف
والصفح عنهم جميعهم، وذلك بعث على
حسن التخلق معهم ومكارم الأخلاق.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١٥/٧.
(٢) انظر: الموسوعة القرآنية، جعفر شرف الدين
٩/ ٢٥٩.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ١٣٤.
قال الإمام أبو جعفر الطبري: يجوز أن
يعفو عنهم في غدرة فعلوها ما لم ينصبوا
حربًا، ولم يمتنعوا من أداء جزية (٤).
٤. معية الله تعالی.
أخبر الله تعالى بأنه مع المحسنينِ في
قوله تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَالَّذِينَ
هُم مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: ١٢٨].
يقول تعالى ذكره ﴿إِنَّ اللَّهَ ﴾ يا
محمد ﴿مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ ﴾ الله في محارمه
فاجتنبوها، وخافوا عقابه عليها، فأحجموا
عن التقدم عليها.
﴿وَأَلَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ﴾ يقول: وهو
مع الذين يحسنون رعاية فرائضه، والقيام
بحقوقه، ولزوم طاعته فیما أمرهم به ونهاهم
عنه (٥).
والمراد من هذه المعية: المعية بالحفظ
والنصرة والحراسة والمعونة (٦)، وهذه معية
خاصة كقوله: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ
أَنِى مَعَكُمْ فَشَبِّتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الأنفال: ١٢].
قَالَ لَا تَخَافَآ
وقوله لموسى وهارون:
إِنَّفِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ [طه: ٤٦].
الله عليه وسلم
وقول النبي صلى
للصديق وهما في الغار: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ
اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة: ٤٠].
(٤) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤ / ٢٠٦.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ /٣٢٧.
(٦) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٦ / ٥١، تفسير
القرآن، السمعاني ٣/ ٢١١.
www. modoee.com
٤٥٣
حرف الألف
﴿الَّذِينَ أَتَّقَواْ﴾ أي: تركوا
ومعنی
إن من جزاء الإحسان في الدنيا، أن یکون
العبد قريبًا من رحمة الله.
﴿وَّالَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ﴾
المحرمات،
أي: فعلوا الطاعات، فهؤلاء الله يحفظهم
ويكلؤهم، وينصرهم ويؤيدهم، ويظفرهم
على أعدائهم ومخالفيهم (١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُّلْنَا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[العنكبوت: ٦٩].
أي: إن الله لمع من أحسن من خلقه،
فجاهد فيه أهل الشرك، مصدقًا رسوله فيما
جاء به من عند الله بالعون له، والنصرة على
من جاهد من أعدائه(٢).
وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ تأويله
إن الله ناصرهم؛ لأن قوله: ﴿وَأَلَّذِينَ
جَهَدُواْ فِینَا ﴾ الله معهم، يدل على نصرهم،
والنصرة تكون في علوهم على عدوهم
بالغلبة بالحجة والغلبة بالقهر والقدرة(٣).
وروي عن ابن عباس: والذين جاهدوا
في طاعتنا لنهديننهم سبل ثوابنا. وإن الله
لمع المحسنين، بالنصر والمعونة في دنياهم
وبالثواب والمغفرة في عقباهم(٤).
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /
٥٢٨.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٦٣.
(٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤/ ١٧٤
التفسير الوسيط، الواحدي ٣/ ٤٢٦.
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣ / ٥٦٨،
مدارك التنزيل، النسفي ٦٨٨/٢.
٥. رحمة الله تعالی.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ
بَعْدَ إِصْلَحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاً إِنَّ رَحْمَنَ
اَللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأعراف:
٥٦].
في الآية تنبيه ظاهر على أن فعل هذا
المأمور به هو الإحسان المطلوب منكم،
ومطلوبكم أنتم من الله هو رحمته القريبة
من المحسنين الذين فعلوا ما أمروا به من
دعائه خوفًا وطمعًا، فقرب مطلوبكم منكم
وهو الرحمة بحسب أدائكم لمطلوبه منكم
وهو الإحسان الذي هو في الحقيقة إحسان
إلى أنفسكم.
قال ابن القيم(٥): في قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ
اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: ((له دلالة
بمنطوقه، ودلالة بإیمائه وتعلیله، ودلالة
بمفهومه:
فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من
أهل الإحسان.
ودلالته بتعليله وإيمائه على أن هذا
القرب مستحق بالإحسان، فهو السبب
في قرب الرحمة منهم.
ودلالته بمفهومه على بعد الرحمة من
غير المحسنين.
(٥) انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم ٨٦١/٣.
مَوَسُوبَةُ النَّفيده
القرآن الكريم
٤٥٤
الإحسان
فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة، وإنما
اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة منهم؛
لأنها إحسان من الله أرحم الراحمين،
وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان؛
لأن الجزاء من جنس العمل، فكما أحسنوا
بأعمالهم أحسن إليهم برحمته، وأما من
لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن
الإحسان بعدت عنه الرحمة، بعدًا ببعد،
وقربًا بقرب، فمن تقرب بالإحسان تقرب
الله إليه برحمته، ومن تباعد عن الإحسان
تباعد الله عنه برحمته، والله سبحانه يحب
المحسنین، ویبغض من لیس من المحسنين،
ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه، ومن
أبغضه فرحمته أبعد شيء منه.
والإحسان هاهنا: هو فعل المأمور به،
سواء كان إحسانًا إلى الناس، أو إلى نفسه.
فأعظم الإحسان: الإيمان والتوحيد، والإنابة
إلى الله، والإقبال عليه، والتوكل عليه، وأن
يعبد الله كأنه يراه إجلالاً ومهابةً وحياءً
ومحبةً وخشیةً، فهذا هو مقام الإحسان كما
قال النبي صلی الله عليه وسلم: وقد سأله
جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال: (أن
تعبد الله كأنك تراه)(١).
وإذا كان هذا هو الإحسان فرحمة الله
قریب من صاحبه، فإن الله إنما يرحم أهل
توحيده المؤمنين به وإنما كتب رحمته:
للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم باياتنا
یؤمنون، والذین یتبعون رسوله، فهؤلاء هم
أهل الرحمة، كما أنهم هم المحسنون،
وكما أحسنوا جوزوا بالإحسان، وهل جزاء
الإحسان إلا الإحسان؟ يعني: هل جزاء من
أحسن عبادة ربه إلا أن یحسن ربه إليه؟
قال ابن عباس: هل جزاء من قال: لا إله
إلا الله، وعمل بما جاء به محمد صلى الله
عليه وسلم إلا الجنة؟)).
٦. الذكر الحسن في العالمين.
إن من جزاء الإحسان في الدنيا: أن الله
تعالى يجعل للمحسن ذكرًا جميلًا، وثناء
حسنًا في الناس في حياته وبعد موته.
قال تعالى مبينًا بقاء ذكر المحسنين،
وعلى رأسهم الأنبياء عليهم السلام، فقال
في نوح عليه السلام: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ,هُ الْبَاقِينَ
٧٧
سَلَمُ عَلَى نُوج فِی
وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ اْآَخِرِينَ (ن)
الْعَلَمِينَ { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ) إِنَّهُ,
﴾ [الصافات: ٧٧-٨١].
٨١
مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
وتركناعليهِ فِي الآخِرِينَ ﴾ أي: لقينا له ثناء
حسنًا وذكرًا جميلًا فيمن بعده من الأنبياء
والأمم. وقيل: أن يصلى عليه إلى يوم
القيامة(٢).
قال الماوردي في قوله عز وجل: ﴿وَتَرَكْنَا
عَلَيْهِ فِ الْآَخِرِينَ﴾)) فيه ثلاثة أوجه: أحدها:
(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤/
٣٠٨، الكشف والبيان، الثعلبي ٨/ ١٤٧.
(١) سبق تخريجه.
www. modoee.com
٤٥٥
حرف الألف
معناه أبقى الله الثناء الحسن في الآخرين، يَاسِينَ (٣) إِنَّا كَذَلِكَ تَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (١٧) إِنَّهُ مِنْ
عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الصافات: ١٢٧-١٣٢].
قاله قتادة. الثاني: لسان صدق للأنبياء کلهم،
قاله مجاهد، الثالث: هو قوله: ﴿سَلَمُ عَلَى تُوج
فِ الْعَلَمِينَ﴾، قاله الفراء))(١).
أي: وأبقينا عليه الثناء الحسن في
الآخرين من الأمم بعده(٥).
وعلل مجازاة نوح عليه السلام بتلك
التكرمة السنية من تبقية ذكره، وتسليم
العالمين عليه إلى آخر الدهر بأنه كان
محسناً، ثم علل کونه محسنًا بأنه كان عبدًا
مؤمنًا؛ ليريك جلالة محل الإيمان، وأنه
القصارى من صفات المدح والتعظيم،
ويرغبك في تحصيله والازدياد منه(٢).
وقال في إبراهيم عليه السلام: ﴿وَتَرَّكْنَا
١٠٨
سَلَمْ عَلَى إِبْرَهِيمَ (١٨)
عَلَيْهِ فِىِ الْآخِرِينَ
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا
كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الصافات: ١٠٨- ١١١]
﴿وَتَرَكِنَا عَلَيْهِ فِ الآخِينَ ﴾ يقول
و قوله:
تعالی ذکره: وأبقینا علیه فیمن بعدہ إلی یوم
القيامة ثناء حسنًا (٣).
قال الإمام الماوردي: ((فيه قولان:
أحدهما: الثناء الحسن، قاله قتادة. الثاني:
هو السلام على إبراهيم ، قاله عكرمة)) (٤).
وقال تعالى في إل ياسين: ، ﴿قكذّبُوهُ
فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٦) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
١٢٩
سَلَمُ عَلَى إِلَ
وَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآخِرِينَ
١٢٨
(١) النكت والعيون ٥/ ٥٣.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤ / ٤٨.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ٩٠.
(٤) النكت والعيون ٥/ ٦٣.
وقال في موسى وهارون: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا
عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ (١٨) وَنَجَّيْنَهُمَا وَقَوْمَهُمَا
وَنَصَرْنَهُمْ فَكَانُواْ
مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
﴾ وَءَانَيْنَهُمَا الْكِتَبَ الْمُسْتَّبِينَ
١١٦
هُمُ الْغَلِينَ
١١٨
﴿ وَهَدَيْنَهُمَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
سَلَمُ عَلَى
وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِمَا فِىِ الْآَخِرِينَ لـ
مُوسَى وَهَرُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى
الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الصافات: ١١٤-١٢١].
أي: وتركنا عليهما في الآخرين بعدهم
الثناء الحسن عليهما: وذلك أن يقال: سلام
على موسى وهارون.
ثم جعل سبحانه ذلك الذكر والثناء
عامًا لكل محسن، وذلك في قوله: ﴿إِنَّا
كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: هكذا نجزي أهل طاعتنا، والعاملين
بما يرضينا عنهم ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
(١٢٢) [الصافات: ١٢٢] يقول: إن موسى
وهارون من عبادنا المخلصين لنا الإيمان (٦).
أي: مثل ذلك الجزاء العظيم نجزي من
انقاد لأمر الله؛ إنه من عبادنا المؤمنين أي:
الذين أعطوا العبودية حقها، ورسخوا في
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١ / ٩٩، تفسير
القرآن، السمعاني ٤ / ٤٠٣.
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١ / ٩٥.
مَوَسُوبَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكْرِيْمِ
٤٥٦
الإحسان
الإيمان بالله وتوحيده(١)، وهذه سنته تعالى رجاء جزيل ثواب الله على ذلك، فإن الله
في المحسنين، أن ينشر لهم من الثناء على
حسب إحسانهم(٢).
قال ابن عاشور: «والمعنى: إنا مثل
ذلك الجزاء نجزي المحسنين. وفي هذا
تنويه بنوح عليه السلام بأن جزاءه كان هو
المثال والإمام لجزاء المحسنين على مراتب
إحسانهم وتفاوت تقاربها من إحسان نوح
عليه السلام وقوته في تبليغ الدعوة. فهو
أول من أوذي في الله فسن الجزاء لمن
أوذي في الله، وكان على قالب جزائه، فلعله
أن يكون له كفل من كل جزاء يجزاه أحد
على صبره إذا أوذي في الله، فثبت لنوح
بهذا وصف الإحسان، وهو النعمة السابعة.
وثبت له أنه مثل للمحسنين في جزائهم على
إحسانهم)» (٣).
٧. لا يضيع الله أجر المحسنين.
أخبر الله تعالى في آيات كثيرة أنه لا
يضيع أجر المحسنين، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ
فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٥)﴾ [هود:
١١٥].
قال أبو جعفر الطبري: ((يقول تعالى
ذكره: واصبر، يا محمد، على ما تلقى من
مشرکي قومك من الأذى في الله والمكروه،
(١) انظر: فتح القدير الشوكاني ٤ / ٤٦٥.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٧٠٥.
(٣) التحرير والتنوير ٢٣ / ١٣٤.
لا يضيع ثواب عمل من أحسن فأطاع الله
واتبع أمره، فيذهب به، بل يوفره أحوج ما
یکون إليه)»(٤).
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَمَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى
الْأَرْضِ يَتَبَوَأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَأَّهُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا
مَنْ نَشَآَةٌ وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[يوسف: ٥٦].
قَالُواْ لُونَكَ
وكذلك قوله تعالى:
لَأَنْتَ يُوسُفُّ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِىّ قَدْ
مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّنَاً إِنَّهُ, مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ
اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (
٩٠].
﴾ [يوسف:
قال أبو جعفر الطبري: ((يقول تعالى
ذكره: وهكذا وطأنا ليوسف في الأرض،
يعني: أرض مصر ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ
يَشَآءُ﴾، يقول: يتخذ من أرض مصر منزلًا
حيث يشاء، بعد الحبس والضيق ﴿نُصِيبُ
بِرَحْمَتَنَا مَن نَّشَآءُ﴾ من خلقنا، كما أصبنا
يوسف بها، فمكنا له في الأرض بعد العبودة
والإسار، وبعد الإلقاء في الجب ﴿وَلَاتُضِيعُ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، يقول: ولا نبطل جزاء
عمل من أحسن فأطاع ربه، وعمل بما أمره،
وانتهى عما نهاه عنه، كما لم نبطل جزاء
عمل يوسف إذ أحسن فأطاع الله)) (٥).
(٤) جامع البيان ١٥ / ٥٢٦.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري١٦ / ١٥١.
www. modoee.com
٤٥٧
حرف الألف
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ للمحسنين بحسن عاقبتهم بسبب إيمانهم
وإحسانهم.
الصَّلِحَتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
[الكهف: ٣٠].
قال تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِ كِتَبُ مُوسَى
أي: أن الذين صدقوا الله ورسوله، إِمَامًا وَرَحْمَةٌ وَهَذَا كِتَبٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا
◌ِيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ
[الأحقاف: ١٢].
وعملوا بطاعة الله، وانتهوا إلى أمره ونهيه،
﴿إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ فأطاع
الله، واتبع أمره ونهيه، بل نجازيه بطاعته
وعمله الحسن جنات عدن تجري من
تحتها الأنهار(١)، کما في الآية التي بعدها:
﴿ أُوْلَكَ لَمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَخِْمُ الْأَنْهُرُ
◌ُعَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ نِيَابًا خُضْرًا
مِّنِ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِينَ فِيَهَا عَلَى الْأَرَابِئِّ نِعْمَ
الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف: ٣١].
قال ابن الجوزي: ((ومعنى: ﴿لَا نُضِيعُ
أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ أي: لا نترك أعماله
تذهب ضياعا، بل نجازيه عليها بالثواب»(٢).
٨. البشارة بالخير.
إن البشارة هي: إعلام الرجل بما لم
يكن به عالمًا مما يسره من الخبر، قبل أن
یسمعه من غيره، أو يعلمه من قبل غيره(٣)،
والأغلب في البشارة إطلاقها على الإخبار
بالخير المنتظر في المستقبل (٤).
فقد جعل الله تعالى القرآن الكريم بشارة
انظر: المصدر السابق، ١٨ / ١٦.
(١)
(٢) انظر: زاد المسير ٣ / ٨٢.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢/ ٣٩٣.
(٤) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١ / ٣٨٢،
تفسير الشعراوي ١٤ / ٨٨٣٥.
﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ الأجود أن يكون
(بشرى) في موضع رفع على الابتداء،
والمعنى: وهو بشرى للمحسنين، ويجوز أن
يكون بشرى في موضع نصب على المصدر
على معنى: لينذر الذين ظلموا ويبشر
المحسنين بشرى (٥).
أي: وهذا القرآن الذي أنزلناه على نبينا
محمد صلی الله عليه وسلم مصدق لكتاب
موسى الذي هو إمام ورحمة، ومصدق لغيره
من الكتب السماوية السابقة وأمين عليها،
وقد أنزلناه بلسان عربي مبين، امتنانًا مِنَا على
من بعث الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم
وهم العرب.
وجعل الله تعالى من وظيفة هذا الكتاب:
الإنذار للظالمين بسوء المصير إذا ما أصروا
على ظلمهم، والبشارة للمحسنين بحسن
عاقبتهم بسبب إيمانهم وإحسانهم(٦).
وقد أمر الله تعالى نبيه الكريم أن يبشر
المحسنين بالخير.
(٥) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤/
٤٤١.
(٦) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٣ / ١٨٨.
مَوَسُوبَة البقية
القرآن الكْرِيْمِ
٤٥٨