النص المفهرس
صفحات 41-60
الاجتماع وفي الآية وجوب الإعراض عن مجالس والكفر، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكُو إِذَّا مِثْلُهُمْ﴾ أي: لا فرق بينكم أيها المؤمنون وبین هؤلاء الأئمة الذین یهزءون بآيات الله، ويسخرون منها، إذا أنتم استمتعتم إلى هذا المنکر ولم تنكروه. المستهزئين بآيات الله، أو بحججه، أو برسله، وأن لا يقعد معهم؛ لأن في القعود إظهار عدم الكراهة؛ وذلك لأن التكليف عام لنا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يجب الإعراض، وترك الجلوس معهم إذا لم يطمع في قبولهم، فإذا انقطع طمعه إذًا فلا فائدة في دعائهم، ويجب القیام عن مجالسهم إذا عرف أن قيامه یکون سببًا في ترك الخوض، وأنهم إنما يفعلونه مغايظة للواقف إذا كان وقوفه يوهم عدم الكراهة (١) ففي قوله تعالى: ﴿فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ نهي للمسلمين عن الجلوس في هذا المجلس القائم على تلك الصفة، وليس نهيًا عامًا مطلقًا على تجنب الجلوس مع المنافقين والكافرين، ففي ذلك إعنات للمؤمنين، فقد تستدعي أحوالهم أن يكونوا بحيث لا منصرف لهم عن الحياة مع هذه الجماعة، وتبادل المنافع معها! على أن من السلامة لدين المؤمن أن يتجنب مجالس هؤلاء القوم ما استطاع، فإذا مست هذه المجالس دینه بما يسوء كان أمرًا لازمًا علیه أن يتحول عن هذه المجالس في الحال، ولا يخلط نفسه بها، وإلا حمل وزره من الإثم الذي يتعاطاه فيها أهل النفاق (١) محاسن التأويل، القاسمي ٣٩٣/٤. وفى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ تهديد ووعيد بهذا المصير المشئوم الذي ينتظر الكافرين والمنافقين، ومن يلوذ بالكافرين والمنافقين، ويركن إليهم، ويستمع للزور الذي يدور بينهم (٢). يريد: كما أنهم اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا؛ فكذلك يجتمعون في عذاب جهنم يوم القيامة (٣). وهذا هو حضور الزور المنهي عنه، والزور كلُ مَا خالف الحق، فمعنى: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] أي: لا يحضرون الباطل، في أي لون من ألوانه، قولًا أو فعلًا أو إقرارًا. لذلك يقول الحق سبحانه في موضع آخر: ﴿ وَإِذَا سَِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَّ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمْ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى ﴾ [القصص: ٥٥]. الْجَهلِينَ وفي قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِ الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ مَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُّ ◌ِهَا وَيُسْتهزأُ بِهَا﴾ إشارة إلى ما نزل قبل هذا من (٢) التفسير القرآني للقرآن ٩٣٨/٣. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ٢٤٧. www. modoee.com ٣٦١ حرف الألف قرآن في مثل هذا الموقف، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَّ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْهِ﴾. فهذه الآية هي توكيد لهذا التنبيه الذي سبق نزول القرآن به من قبل، وتحذير جديد لأولئك الذين لم ينتهوا عما نهوا عنه، والخطاب في الآية موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أمر ملزم لأتباع النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان النبي إمامهم (١) وقدوتهم(١). ٤. الاجتماع على الخمر والميسر. ومن الاجتماع المذموم الاجتماع على الخمر والميسر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنْهُم ﴾ [المائدة: ٩١]. مُنْثَهُونَ فلما كان الظاهر فيمن يشرب الخمر أنه يشربها مع جماعة، ويكون غرضه من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه، ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم، فكان غرضه من ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة إلا أن ذلك في الأغلب ينقلب إلى الضد؛ لأن الخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أولئك الأصحاب، وتلك المنازعة ربما أدت إلى (١) التفسير القرآني للقرآن ٣/ ٩٣٧. الضرب والقتل والمشافهة بالفحش؛ وذلك يورث أشد العداوة والبغضاء، فالشيطان يسول أن الاجتماع على الشرب يوجب تأكيد الألفة والمحبة، وبالآخرة انقلب الأمر، وحصلت نهاية العداوة والبغضاء. وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين الإجحاف بأرباب الأموال؛ لأن من صار مغلوبًا فى القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه عن رجاء أنه ربما صار غالبًا فيه، وقد یتفق أن لا یحصل له ذلك إلى أن لا یبقی له شيء من المال ... ، ولا شك أنه بعد ذلك يبقى فقيرًا مسكينًا، ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا غالبين له، فظهر من هذا الوجه أن الخمر والميسر سببان عظيمان في إثارة العداوة والبغضاء بين الناس، ولا شك أن شدة العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال مذمومة من الهرج والمرج والفتن، وكل ذلك مضاد لمصالح العالم(٢). والمقصود: أن كل اجتماع لم يؤسس على طاعة الله، ولم یکن على نور من الله، فهو اجتماع مذموم، واجتماع يؤول إلى الحسرة والندامة، وتنقلب الألفة إلى نفرة، والمحبة إلى عداوة، والكثرة إلى قلة. وقد أخبر الله تعالى عن بعض أهل الأعراف أنهم ينادون رجالًا من المشركين يعرفونهم بعلاماتهم، فيقولون لهم: ﴿مَّ (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ٤٢٤. مَوَسُوبَةُ النَفسِير القرآن الكْرِيْمِ ٣٦٢ الاجتماع أَغْفَ عَنكُمْ جَمْتُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْرُونَ ﴾ [الأعراف: ٤٨] يعني: ما أغنى عنكم جمعكم واجتماعكم وكثرتكم، ولا استكباركم عن الإيمان. قال الرازي: والمراد بالجمع: إما جمع المال، وإما الاجتماع والكثرة ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكُونَ ﴾ والمراد: استکبارهم عن قبول الحق، واستکبارهم على الناس المحقین، وهذا كالدلالة على شماتة أصحاب الأعراف بوقوع أولئك المخاطبين في العقاب، وعلی تبکیت عظیم یحصل لأولئك المخاطبین بسبب هذا الكلام، ثم زادوا على هذا التبكيت وهو قولهم: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: ٤٩] فأشاروا إلى فريق من أهل الجنة، كانوا یستضعفونهم، ويستقلون أحوالهم، وربما هزأوا بهم، وأنفوا من مشاركتهم في دينهم، فإذا رأى من كان يدعي التقدم حصول المنزلة العالية لمن كان مستضعفًا عنده قلق لذلك، وعظمت حسرته وندامته على ما كان منه في نفسه(١). (١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٢٥١. معوقات الاجتماع المحمود ١. اتباع الهوى. من أسباب عدم الاجتماع ومعوقاته: اتباع الهوى. ﴿فَلِكَ فَادْعٌ تعالى: قال وَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتٌ وَلَا نَبِعْ أَهْوَهُمْ﴾ [الشورى: ١٥]. فقوله: ﴿وَلَا نََّّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فيه إشارة إلى أن الأهواء والبدع تفرق؛ ولقد جاء الأمر صریحًا لمحمد صلی الله عليه وسلم باتباع الشرع الحنيف، والنهي عن اتباع الهوى كما في الآية السابقة، وكما في قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَتَبِّعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ١٨ [الجاثية: ١٨]. ولهذا كان السلف يعدون كل من خرج عن الشريعة في شيء من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء، ویذمونهم بذلك. قال أبو العالية: ((تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم، فإنه الإسلام، ولا تحرفوا الإسلام يمينًا وشمالاً، وعليكم بسنة نبيكم، والذي كان عليه أصحابه، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء»(٢). (٢) انظر: ذم الكلام وأهله، الهروي ١٧/٥. www. modoee.com ٣٦٣ حرف الألف وصدق أبو العالية رحمه الله، فهذه الأهواء المذمومة قد فرقت الأمة، وفككت كيان الجماعة المسلمة، والمتأمل لأسباب الفرقة يجد أنها تدور في رحاها بين الجهل وبين اتباع الهوى، والظلم؛ لذلك لا اجتماع للأمة إلا بوحدتها على كتاب الله تعالى، وسنة نبيه الكريم، والتزام صراطه المستقيم علمًا وعملًا، حقًّا وعدلًا، وترك الأهواء. ٢. اتباع السُبُل: ومن معوقات الاجتماع: اتباع السبل المتفرقة، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَّطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهٌ وَلَا تَفَيِعُوا السُّبُلَ فَتَغَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلٍِ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ [الأنعام: ١٥٣]. تَنَّقُونَ (١٣) فقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطى ﴾ الإشارة إلى معهود لدى المخاطبين، أو إلى ما جاء في السورة، وهو الإسلام والقرآن، وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. ونلحظ إضافة الصراط إلى الله في کثیر من الآيات، كما في هذه الآية ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى﴾ [الأنعام: ١٥٣]. ﴿وَهَذَا صِرَطُ رَيِّكَ﴾ و قوله: [الأنعام: ١٢٦]. وقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَمُمْ صِرَطَكَ﴾ [الأعراف: ١٦ ]. وقوله: ﴿إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١]. ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى صِرَاطِ لَلَْمِيدِ﴾ وقوله: [الحج: ٢٤]. ﴿وَيَهْدِىّ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ و قوله: اٌلْحَمِيدِ﴾ [سبأ:٦]. وقوله: ﴿صِرَّطِ اللَّهِالَّذِى لَهُ, مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣]. وكأنه يقول: ولأن هذا صراطي فهو علة للاتباع(١). و﴿مُسْتَقِيمًا﴾ حال من ﴿صِرَطِى﴾ مؤكدة لمعنى إضافته إلى الله(٢). ﴿فَتَّبِعُوهٌ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ﴾ والسُبُلَ الأديان المختلفة، أو الطرق التابعة للهوى، فإن مقتضى الحجة واحد، ومقتضى الهوى متعدد؛ لاختلاف الطبائع والعادات (٣). فذکر تعالی أن له سبيلا واحدة سماها: صراطًا مستقيمًا؛ لأنها أقرب طريق إلى الحق والخير والسلام، وأن هناك سبلًا متعددة، يتفرق متبعوها عن ذلك الصراط، وهي طرق الشيطان، فطريق الحق هو الوحدة والإسلام، وطرق الشيطان هي مثارات التفرق والخصام، وهي معروفة في كل الأمم، ولكن الشيطان يزين طرقه، ويسول للناس المنافع والمصالح في التفرق. قال القاسمي: ((فجمع سبل الباطل، ووحد سبيل الحق، ولا يناقض هذا قوله: ﴿يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَنَهُ. (١) مدارك التنزيل، النسفي ١ / ٥٤٨. (٢) التحرير والتنوير ٨/ ٦٢. (٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢/ ١٨٩. ٣٦٤ مَوَسُولَةُ العَرَآن الكَرِيمِ الاجتماع سُبُلَ السَّلَمِ ﴾ [المائدة: ١٦]. فإن تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد وصراطه المستقيم، فإن طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد، وسبيل واحد، وهي سبيله التي لا سبيل إليه إلا منها))(١). وقد بين العلة في ذلك ابن القيم في أحسن بيان، حيث قال: وذكر الصراط وتشعبه(٣). المستقيم منفردًا، معرفا تعريفين: * تعريفًا باللام. * وتعريفًا بالإضافة. وذلك يفيد تعينه واختصاصه، وأنه واحدًا غير متشعِب السبل ناسبه التوحيد؛ صراط واحد، وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها، كقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُبُلَ فَنَغَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِ ﴾ فوحد لفظ الصراط وسبيله، وجمع السبل المخالفة له ... ، وهذا لأن الطريق الموصل إلی الله واحد، وهو ما بعث به رسله، وأنزل به کتبه، لا یصل إلیه أحد إلا من هذه الطریق، ولو أتى الناس من كل طريق، واستفتحوا من كل باب، فالطرق عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة، إلا من هذا الطريق الواحد، فإنه متصل بالله، موصل إلى الله(٢). وكذلك وحد تعالى لفظ النور وجمع (١) محاسن التأويل، ١/ ٢٦٢. (٢) التفسير القيم ص ١٨. الظلمات؛ لأن الحق واحد والكفر أجناس ﴿وَجَعَلَ كثيرة، وكلها باطلة، كما قال: القُّلُمَتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]. وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآِلِ﴾ [النحل: ٤٨]. إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق، وانتشار الباطل وتفرده والحاصل: أنه تعالى وحَد لفظ (صراطه) و(سبيله) وجمع (السبل) المخالفة؛ ووجه المناسبة في ذلك أنه لما كان الهدي شيئًا ولما كان الضلال له طرقٌّ متشعبةٌ ناسب الجمع. والمقصود: أن من الأسباب المانعة من الاجتماع اتباع السبل، وهي الطرق المختلفة في الدين، وأن السبيل الوحيد للنجاة من ذلك هو اتباع صراط الله الذي وصفه بالاستقامة، فلا يضل سالكه، ولا يهتدي تاركه، فاتبعوه وحده، ولا تتبعوا السبل الأخرى التي تخالفه، وهي كثيرة، فتتفرق بكم عن سبيله، بحیث یذهب کل منکم في سبيل ضلالة منها ينتهي بها إلى الهلكة؛ إذ ليس بعد الحق إلا الضلال، وليس أمام تارك النور إلا الظلمات. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٦٨٥ بتصرف. www. modoee.com ٣٦٥ حرف الألف ٣. التحزَب. ومن معوقات الاجتماع: التحزب والتعصب. قال تعالى: ﴿ فَتَقَطَّعُوْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرّ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَتِهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [المؤمنون: ٥٣] وقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَقًّا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )) [الروم: ٣٢]. يعني: كان الناس أمة واحدة على دين واحد، وهو دين الإسلام، كما قال: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُسَتَكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَنَّقُونِ [المؤمنون: ٥٢]. والمعنى: وإِنَ دینکم -يا معشر الأنبياء- دين واحد، وهو الإسلام، وأنا ربكم، فاتقوني بامتثال أوامري، واجتناب زواجري، فتفرق الأتباع في الدین إلى أحزاب وشیع، جعلوا دينهم أديانًا، بعدما أُمروا بالاجتماع، كل حزب معجب برأيه، زاعم أنه على الحق، وغيره على الباطل، وفي هذا تحذير من التحزب والتفرق في الدين. ولهذا قال هنا: ﴿فَتَقَطَّمُوْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ والتقطع يقتضي التحزب، وقديمًا كان التحزب مسببًا لسقوط الأديان والأمم، وهو من دعوة الشيطان التي يلبس فيها الباطل في صورة الحق، والحزب: الجماعة المجتمعون على أمر من اعتقاد أو عمل، أو المتفقون علیه(١). وجيء بفاء التعقيب في قوله: فَتَقَطَّعُواْ﴾ لإفادة أن الأمم لم يتريثوا عقب تبليغ الرسل إياهم بقولهم: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أَمَّتَكُمْ أَمَّةُ وَحِدَةً وَأَنَّا رَبُّكُمْ فَأَنَّقُونِ [المؤمنون: ٥٢]. ٥٢ بل تقطعوا أمرهم بينهم سريعًا، فاتخذوا آلهة كثيرة، فصار دينهم متقطعًا قطعًا، لکل فريق صنم، وعبادة خاصة به. والكلام مسوق مساق الدم؛ ولذلك قد تفيد الفاء مع التعقيب معنى التفريع، أي: فتفرع على ما أمرناهم به من التوحيد أنهم أتوا بعكس المطلوب منهم، فيفيد الكلام زيادة على الذم تعجبًا من حالهم، ومما يزيد معنى الذم تذييله بقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: وهم ليسوا بحال من يفرح(٢). والتفرق والتباين يُعد من العذاب الذي تصاب به الأمم، وهو الداء العضال الذي أصاب أهل الإسلام-، كما قال تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] هذا عذاب للأمم يحل وحدتها، وينثر جمعها، وهو أشد أنواع العذاب عندما يتفاقم، ويكون الهوى المتبع، والشح المطاع، وإعجاب كل امرئٍ وكل جماعة ﴿قُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ بنفسها وطريقتها (١) انظر: التحرير والتنوير ٧٣/١٨ بتصرف. (٢) التحرير والتنوير ١٨/ ٧٣. ٣٦٦ القرآن الكريم الاجتماع ﴾ [المؤمنون: ٥٣] فعندئذٍ تنفك العرى، فَرَحُونَ وتنحل الأواصر، ويقوم المنكر، ويذهب المعروف، ولا سماع لصوت الحق(١). والحاصل: أن التحزب يؤدي إلى التعصب، وهو من أسباب عدم اجتماع الأمة، وتفرقها إلى جماعات وأحزاب، وکل طائفة وفرقة من هؤلاء تحدث بدعًا وأفكارًا، تفرح بها، وتظن أنها على الحق، وأن الصواب معها دون غيرها. حتى يصير أمرهم بينهم كما قال الله: ﴿زُبُرٌ﴾ والزبر: جمع زيرة، والزبرة قطعة من الحديد، وقد شبهت الجماعات المختلفة في نزاعها بزبر الحديد، من حيث إن كل واحدة شديدة في التمسك بما عندها؛ كأنها صلب الحديد، لا تترك رأيها، كما لا تتفرق زبر الحدید. أي: اختلفوا متقطعين متنابزين غير مجتمعين في أمرهم، بحيث لا متسع للالتقاء فيما بينهم، يتحزبون في تفكيرهم: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: كل جماعة متحزبة متعصبة لما عندها، فرحة به، وتحسب أنه الحق الذي لا ريب فيه، وهو الضلال المبين، وإن التحزب لفكرة يدفع إلى التعصب لها، والتعصب يعمي ويصم، وتقديم الجار والمجرور ﴿پِمَا لَدَنْهِمْ﴾ لبيان (١) زهرة التفاسير ٥/ ٢٥٣٧. (٢) أهمیته عندهم ٤. البغي. ومن معوقات الاجتماع: البغي، وقد اختلف أهل الكتاب بعد ما جاءتهم كتبهم تحثهم على الاجتماع على دين الله، بغيًا بينهم، وظلمًا وعدوانًا من أنفسهم. قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةٌ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أُخْتَلَفُواْ فِيَةٍ وَمَا أَخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تْهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ﴾﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَهُ وَمَا أَخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَّا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا نَفَرَّقُواْ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًّا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَءَاتَّيْتَهُمْ بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِّ فَمَا لَخْتَلَفُواْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا ﴾ [الجاثية: ١٧]. بينهم فقوله: ﴿بَغْيَا بَيْنَهُمْ﴾ بغيًا: مفعول لأجله، أي: لأجل البغي، أو بسبب أنهم بغى بعضهم على بعض حدثت الفرقة بينهم. فهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة؛ ولكنهم فعلوا ذلك للبغي، وطلب الرياسة، فحملتهم الحمية النفسانية، والأنفة الطبيعية على أن ذهب كل طائفة إلى (٢) انظر: زهرة التفاسير ١٠/ ٥٠٨٤ بتصرف. www. modoee.com ٣٦٧ حرف الألف مذهب، ودعا الناس إلیه، وقبح ما سواه؛ طلبًا للذكر والرياسة، فصار ذلك سببًا لوقوع الاختلاف، ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل (١). ورحم الله الإمام الرازي فقد قال عند تفسيره لهذه الآية ﴿فَمَا أَخْتَلَفُواْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ﴾: ((والمقصود من هذه الجملة التعجب من أحوالهم؛ لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف، وها هنا صار مجيء العلم سببًا لحصول الاختلاف؛ وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم، وإنما المقصود منه طلب الرياسة والبغي))(٢). ومعنى الآيات: أي: لم يكن اختلاف هؤلاء المختلفين من اليهود من بني إسرائيل في کتاب الله الذي أنزله عن جهل منهم به، بل كان اختلافهم فيه، وخلافُ حكمه من بعد ما ثبتت حجته علیھم بغیًا بينهم، وطلب الرياسة من بعضهم على بعض، واستذلالًا من بعضهم لبعض (٣). وقال بعض العلماء: خص أهل الكتاب بالتفريق دون غيرهم وإن كانوا مجموعين مع الكافرين؛ لأنهم مظنون بهم العلم، فالمفترض أن يكونوا على علم، فإن تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧ / ٥٨٨. (٢) انظر: المصدر السابق ٧/ ٤٦٧ بتصرف. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤ /٢٨١ بتصرف. الوصف، وأولى بوصف الكفر، والإعراض عن دين الله تبارك وتعالى. والحاصل: إن من أسباب التفرق وعدم الاجتماع البغي، والبغي: تجاوز الحق إلى الباطل في كل شيء، يقال: بغى فلان على فلان إذا اعتدى عليه؛ ولهذا قال ها هنا في هذه الآيات: ﴿إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ هُمُ الْعِلْمُ﴾ بالتوحيد، فهم ما اختلفوا بسبب عدم الحجة أو البيان، وإنما ﴿بَغْيًا يَتْنَهُمْ﴾ حسدًا وظلما وعدوانًا. فقد بغى بعضهم على بعض، وظلم بعضهم بعضًا، وعلا بعضهم على بعض، وغار بعضهم من بعض، وحسد بعضهم بعضًا على ما أعطاهم الله سبحانه. قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِ، فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَهِيمَ اُلْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُم مُلْكًا عَظِيمًا ٥٤ [النساء: ٥٤]. فطلبوا الدنيا بالدين، فضاع منهم دينهم، وضاعت منهم دنياهم وأخراهم. ولولا بغیھم ونصرهم مذهبا علی مذهب، وتضليلهم من خالفهم؛ بتفسيرهم نصوص الدين بالرأي والهوى، وتأويل بعضه أو تحريفه؛ لما حدث هذا الاختلاف (٤). والعبرة من هذا القصص: أن نبتعد عن الخلاف في الدين، والتفرق فيه إلى شيع (٤) تفسير المراغي ١٢٠/٣. ٣٦٨ مَوَسُوع القرآن الكْرِيْمِ الاجتماع ومذاهب، كما فعل من قبلنا، ولكن واأسفاه! تكشف عن السبب الذي لأجله بني هذا المسجد، وهو للمضارة، لا للنفع، وللكفر لا للإیمان، ولإيواء من حارب الله ورسوله، لا لدعوة من آمن بالله ورسوله. وقعنا فيما وقع فيه السالفون، وتفرقنا طرائق قددًا، وأصابنا من الخذلان والذل بسبب هذا التفرق ما لا نزال نئن منه، ونرجو أن یشملنا الله بعفوہ ورحمته، ویمدنا بروح من عنده، فیسعی أهل الإيمان الصادق في نبذ الاختلاف والشقاق، والعودة إلى الوحدة والاتفاق، حتى يعود المسلمون إلى سيرتهم الأولى في عهد النبي صلی الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، ومن تبعهم بإحسان. ٥. كيد الأعداء. ومن الأسباب الصارفة عن الاجتماع: كيد الأعداء وتربصهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَغْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾﴾ [التوبة: ١٠٧]. فقوله: ﴿وَتَفْرِبِقًا بَيْنَ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يفرقون به جماعتهم؛ لأنهم كانوا يصلون جميعًا في مسجد قباء، وجاءوا يخدعون النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، ربما جاء السيلُ، فيقطع بيننا وبين الوادي، ويحول بيننا وبين القوم، ونصلي في مسجدنا، فإذا ذهب السيل صلينا معكم! وبنوه على النفاق(١). اضِرَارًا والمنصوبات المتعاطفة هنا وَكُفْرًا وَتَغْرِيقًا﴾ هي مفعول لأجله، (١) جامع البيان، الطبري ١٤/ ٤٧٤. وليكون مأوى يأوي إليه المنافقون، ويدارون نفاقهم بالاجتماع فيه، والاستظلال بظله، ثم ليفرقوا بين المؤمنين، حیث لا تجتمع جماعتهم في مكان واحد، بل يتوزعهم المسجدان المتجاوران، فيقل بذلك جمعهم، وتصغر في الأعين جماعتهم، الأمر الذي يخالف ما يدعو إليه الإسلام من جمع المسلمين في صلاة الجماعة والجمعة والعيدين، لتوحد مشاعرهم، وتمتلئ العيون مهابة، وإجلالًا لهم(٢). والحاصل: أن هؤلاء المنافقين عملوا على التفريق بين المؤمنين المقيمين هنالك، فإنهم كانوا يصلون جميعًا في مسجد قباء، وفي ذلك حصول التعارف والتآلف والتعاون، وجمع الكلمة، وهي أهم مقاصد الإسلام الاجتماعية، ومن ثم كان تكثير المساجد، وتفريق الجماعة منافيًا لأغراض الدين ومراميه، ومن الواجب أن يصلي المسلمون الجمعة في مسجد واحد ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فإن تفرقوا عمدًا کانوا آئمین. (٢) التفسير القرآني للقرآن ٦/ ٨٩٥. www. modoee.com ٣٦٩ حرف الألف ومن هذا يعلم أن بناء المساجد لا يكون قربة يتقبلها الله إلا إذا دعت الحاجة. فهؤلاء الأعداء سعوا جاهدين بمكر وكيد ليشقوا صف المؤمنين، ويفرقوا جماعتهم بهذه الخطة، وهذا الكيد العظيم، وهو بناء هذا المسجد، الذي من أعظم البواعث من بنائه هو تفريق المؤمنين. ولذا قال تعالى في الباعث: ﴿وَتَغْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وإن ذلك التفريق هو إبعاد فريق من المؤمنين عن الجماعة التي يؤمها النبي صلی الله تعالى عليه وسلم، يغرونهم بالتأثير فيهم، رجاء أن يقتطعوا من المؤمنين من يضمونهم إليهم؛ إذ بعدوا عن النور الكاشف لخداعهم، وإفسادهم، فيخلو لهم الجو ليخادعوهم، وينجح خدعهم. والمقصود: أن من معوقات الاجتماع بين المؤمنین سعي الأعداء في التفريق بينهم، كما أراد هؤلاء المنافقين من بناء المسجد، وهو أن يفرقوا بين المؤمنین وبين رسول الله، حتى إذا جاءهم العدو وجدهم متفرقين، فيكون أيسر وأهون عليهم في الكسر عليهم، والظفر بهم من أن كانوا مجموعين. وهكذا أعداء اليوم يعدون العدة، ويرسمون الخطط، ويعقدون اللقاءات والمؤتمرات والدراسات للتفريق بين المسلمین،وضرببعضهمببعض،ویمکرون ليل نهار في تقطيع أوصال هذه الأمة. الاجتماع يوم القيامة سمي يوم القيامة يوم الجمع لاجتماع الخلائق فيه في مكان واحد للحساب؛ فإن الله تعالى يجمع فيه الأولين والآخرين إلى عرصات القيامة. قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُوْ لَوْمِ الْجَمْعَ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]. يعني: اذكروا يوم الجمع الذي يجمع الله به الأولين والآخرين، ويقفهم موقفًا هائلًا عظيمًا، وينبئهم بما عملوا، فحينئذٍ يظهر الفرق والتفاوت بين الخلائق، ويرفع أقوام إلى أعلى عليين، في الغرف العاليات، والمنازل المرتفعات، المشتملة على جميع اللذات والشهوات، ويخفض أقوام إلى أسفل سافلين، محل الهم والغم والحزن والعذاب الشديد؛ وذلك نتيجة ما قدموه لأنفسهم، وأسلفوه أيام حياتهم؛ ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُنِ﴾ أي: يظهر فيه التغابن والتفاوت بين الخلائق، ويغبن المؤمنون الفاسقين، ويعرف المجرمون أنهم على غير شيء، وأنهم هم الخاسرون(١). والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ ١ الَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَتِ يَّوْم ◌َعْلُومٍ لا [الواقعة: ٤٩ -٥٠]. (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٦٧. ٣٧٠ القرآن الكريم الاجتماع قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِّ جَمَعْنَگو وَاْلْأَوَّلِينَ ﴾ [المرسلات: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَا هُوَّ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ [النساء: ٨٧]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ أُلنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴾ [هود:١٠٣]. وقوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَّوْرٍلَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَهُمْ فَمْ تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]. وقوله: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: ٧]. وقال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ﴾ [آل عمران: ٩]. وقد بَيَنَ تعالى شمول ذلك الجمع لجميع الدواب والطير في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُ بِجَنَا حَيْهِ إِلَّ أُمَمُ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِ اُلْكِتَبِ مِنْ شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَيْهِمْ يحشرون ﴾ [الأنعام: ٣٨]. ٣٨ والآيات الدالة على الجمع المذكور كثيرة (١). فيوم القيامة يوم الجمع، والعجيب أنه أيضًا يوم الافتراق. قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِدٍ يَنَفَرَّقُونَ ﴾ [الروم: ١٤]. فهو يوم الجمع في أول ما يبعثون (١) أضواء البيان ٤٦/٧. ويحشرون، ثم يفرق بينهم تفريقًا لا اجتماع بينهم أبدًا؛ قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. فهو يوم الجمع في حال ووقت، ويوم الافتراق في حال ووقت آخر، وبعض أهل التأويل يقولون: قوله: ﴿يَوْمَيِذٍ يَنَفَرَّقُونَ﴾ العابد والمعبود، والتابع والمتبوع، بعدما كانوا مجتمعين في الدنيا، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضِ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]. فهذا تفرقهم على قول بعضهم، والوجه فيه ما ذُكر بدءً!(٢). والمقصود: أن أعظم الاجتماعات على الإطلاق اجتماع هذا اليوم، وهو المعاد الأعظم؛ ولهذا سمي يوم الجمع الذي لا أكبر منه جمعًا. وسمي بذلك؛ لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر(٣). وقيل: يجمع بين الأرواح والأجساد. وقيل: يجمع بين كل عامل وعمله (٤). وقيل: يجتمع فيه أهل السماوات وأهل (٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٨/ ٢٥٧ بتصرف. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ١٣٧. (٤) الكشاف، الزمخشري ٢١٠/٤. www. modoee.com ٣٧١ حرف الألف الأرض، أو يجمع بين الظالم والمظلوم(١). ذلك اليوم يوم الجمع في الآية السابقة ... ، وعطف جملة: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ على وقيل: لأنه يجمع فيه بین کل نبي وأمته. وقيل: لأنه يجمع فيه بين ثواب أهل الطاعات، وعقاب أهل المعاصي (٢). وكلها أقوال صحيحة، تحتملها الآية. جملة ذلك يوم مجموع له الناس لزيادة التهويل للیوم بأنه یشهد، وطوي ذكر الفاعل إذ المراد يشهده الشاهدون؛ إذ ليس القصد إلى شاهدين معينين، والإخبار عنه بهذا ١. يوم الجمع: جمع المخلوقات في أرض المحشر. یؤذن بأنهم یشهدونه شهودًا خاصًا، وهو شهود الشيء المهول؛ إذ من المعلوم أن لا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴾ [هود: ١٠٣]. يقصد الإخبار عنه بمجرد كونه مرئيًا؛ لكن المراد: كونه مرئيًا رؤية خاصة، ويجوز ومعنى الجمع لهذا اليوم: الجمع لما فيه من المحاسبة والمجازاة؛ مثل قوله: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴾ [هود: ١٠٣]. أن يكون المشهود بمعنى المحقق، أي: مشهود بوقوعه، كما يقال: حق مشهود، أي: عليه شهود، لا يستطاع إنكاره، واضح للعيان، ويجوز أن يكون المشهود بمعنى كثير الشاهدين إياه لشهرته، كقولهم: لفلان مجلس مشهود (٤). أي: مشهود فيه أهل السماوات والأرضين، فاتسع فيه بإجراء الظرف مجرى المفعول به، كقوله: في محفل من نواصي الناس مشهود، أي: كثير شاهدوه، ولو جعل اليوم مشهودًا في نفسه لبطل الغرض من تعظيم اليوم وتمييزه، فإن سائر الأيام كذلك (٣). ومجيء الخبر جملة اسمية فى الإخبار عن الیوم یدل على معنى الثبات، أي: ثابت، جمع الله الناس لأجل ذلك اليوم، فيدل على تمكن تعلق الجمع بالناس، وتمكن كون ذلك الجمع لأجل اليوم حتى لقب (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧/ ٥٨٠. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨ / ١٣٦. (٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ١٤٨/٣. فما أعظمه إذن من جمع! وما أکبره من حشر! حتى الملائكة التي تملأ السماء، والتي ليس فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك، والسماء التي بهذا الاتساع الهائل الذي لا يعرف له البشر حدودًا، والذي تبدو فيه شمس كشمسنا ذرة كالهباءة الطائرة في الفضاء! فهل هذا يقرب شيئًا للتصور البشري عن عدد الملائكة؟ إنهم من بين الجمع في يوم الجمع! وفي مشهد من هذا الجمع یکون التغابن! (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢/ ١٦١. ٣٧٢ مُؤَسوبر التفسير الموضو القرآن الكريم الاجتماع ٢. الجمع بين المتخاصمين. وأخبر الله تعالى أنه يجمع بين عباده المتخاصمين يوم القيامة، ويفصل بينهم بقضائه العدل، الذي لا يجور فيه، ولا يظلم مثقال ذرة. قال تعالى: ﴿قُلّ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيِمُ )) [سبأ: ٢٦]. أي: قل لهم: إن ربنا يوم القيامة يجمع بيننا حين الحشر والحساب، ثم يقضي بیننا بالعدل بعد ظهور حال كل منا ومنكم، وهو الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور، وهنالك يُجزی کل عامل بما عمل، إن خیرًا فخیر، وإن شرا فشر، وستعلمون يومئذٍ لمن العزة والنصرة والسعادة الأبدية(١). فهذا الجمع يوم القيامة في صعيد واحد من أجل إقامة العدل الإلهي، ووضع وَنَضْعَ الْمُؤْزِينْ الموازين القسط، كما قال: الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنِ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَاحَسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. ـ، سبحانه هاهنا: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ أي: الحاكم العادل العليم بالقضاء بين خلقه؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يحتاج إلى شهود تعرفه المحق من المبطل. ففي أول الأمر يجمع الله بين أهل (١) تفسير المراغي ٢٢/ ٨١. الحق وأهل الباطل؛ ليلتقي الحق بالباطل وجهًا لوجه؛ ولیدعو أهل الحق إلى حقهم، ويعالج الدعاة دعوتهم، وفي أول الأمر تختلط الأمور وتتشابك، ويصطرع الحق والباطل، وقد تقوم الشبهات أمام البراهين، وقد يغشى الباطل على الحق؛ ولكن ذلك كله إلى حين، ثم يفصل الله بين الفريقين بالحق، ویحکم بينهم حكمه الفاصل المميز الحاسم الأخير ﴿وَهُوَ اَلْفَتَّاحُ اَلْعَلِيمُ﴾ الذي يفصل ويحكم عن علم وعن معرفة بين المحقين والمبطلين. وهذا هو الاطمئنان إلى حكم الله وفصله، فالله لا بد حاكم وفاصل ومبين عن وجه الحق، وهو لا يترك الأمور مختلطة إلا إلى حين، ولا يجمع بين المحقين والمبطلين إلا ريثما يقوم الحق بدعوته، ويبذل طاقته، ويجرب تجربته، ثم يمضي الله أمره، ويفصل بفصله. والله سبحانه هو الذي يعلم ويقدر متى يقول كلمة الفصل، فليس لأحد أن يحدد موعدها، ولا أن يستعجلها، فالله هو الذي يجمع، وهو الذي يفتح ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ اَلْعَلِيمُ﴾(٢). فإذا عجز الخلق عن أن يتبينوا من المحق ومن المبطل، ومن هم أهل الهدى؟ ومن هم أصحاب الضلال في هذه الخصومة (٢) في ظلال القرآن ٢٩٠٥/٥. www. modoee.com ٣٧٣ حرف الألف في الله القائمة بين الخلق؟ إذ عجزوا عن أن يحكموا في هذه القضية في الدنيا فإن القضية ستحال إلى الآخرة، وسیفصل فيها أحكم الحاكمين، يوم يجمع الله الناس جميعًا، فهو الحكم العدل، الذي يحكم عن علم محيط بكل شيء؛ ولهذا جيء بصيغة المبالغة (فتاح). فجملة ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ اَلْعَلِيمُ﴾ تذييل بوصفه تعالى بكثرة الحكم وقوته، وإحاطة العلم؛ وبذلك كان تذييلًاً لجملة ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ المتضمنة حكمًا جزئيًا، فذيل بوصف كلي، وإنما أتبع ﴿الْفَتَّاحُ﴾ بـ ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ للدلالة على أن حكمه عدل محض؛ لأنه عليم لا تحف بحكمه أسباب الخطأ والجور الناشئة عن الجهل والعجز، واتباع الضعف النفساني الناشئ عن الجهل بالأحوال والعواقب(١). وقد كثرت الآيات في هذا المعنى، ومنها: قوله تعالى: ﴿لَنَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ لَا حُبَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ [الشورى: ١٥]. وقوله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. وقوله: ﴿فَأَصْبِرُواْ حَقَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَأْ (١) التحرير والتنوير ١٩٥/٢٢. وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]. وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيِّنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: ١٢٤]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْفِ مَاهُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر:٣]. ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ و قوله: اٌلْقِيَامَةِ فِيمَا كُتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [الحج: ٦٩]. ٣. الجمع في المصير بين المتشابهين في الأعمال. يأمر الله عز وجل يوم القيامة بجمع الكفار والظالمين وأزواجهم، ومن كان على شاكلتهم وأمثالهم وأشباههم من رجال ونساء، وآلهتهم التي كانوا يعبدونها، أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ كما تعالى: مِن دُونِ اللّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى ٢٢ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ صِرَّطِ الْجَحِيمِ ﴾ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَسْتُولُونَ ٢٤ [الصافات: ٢٢-٢٤]. والحشر: الجمع من كل جانب إلى موقف واحد(٢). فيأمر الله بجمع هؤلاء الأصناف الثلاثة في موقف الحساب، وهم: * الظالمون. وأزواجهم. والأشياء التي كانوا يعبدونها من دون الله من الأوثان والأصنام وغيرها. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٧/ ٢٤٤. ٣٧٤ مُوسُورُ النَّشيد القرآن الكريم ضـ الاجتماع والعلة ظاهرة في حشر الصنفين الأوليين ﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾ لكن لماذا تُحشر المعبودات من الملائكة، ومن آدمي رضي بذلك، ومن صنم ووثن، وغيرها؟ والجواب: زيادة لهم في الحسرة والتخجيل على شركهم ومعصيتهم مع عدم نفعهم وعجزهم، وتوبيخًا لهم، وإظهارًا لسوء حالهم، ومن أجل أن يتبرأ من لم يرض منهم بذلك. فالصنف الأول ممن يجمع ويحشر: الظالمون: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ ظلم الكفر والشرك ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. ولذلك كان الشرك أعظم أنواع الظلم، فظلموا الحق في النفس، وظلموا ما كان يجب ألا يظلموا أنفسهم فيه، فأنكروا خالقهم وقدرته وإرادته، وأنکروا کونه جل جلاله لا یحتاج إلی معین، ولا وزیر ولا مساعد، ولا شريك له ولا ند، لا في ذات ولا في صفات ولا في أفعال. قال الرازي: ((ذكر من صفات الذين ظلموا کونهم عابدین لغير الله، وهذا يدل على أن الظالم المطلق هو الكافر؛ وذلك يدل على أن كل وعيد ورد في حق الظالم فهو مصروف إلى الكفار، ومما يؤكد هذا قوله تعالى: ﴿وَاَلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: ٢٥٤]))(١). والصنف الثاني: أزواجهم: ومعناه: ونظراءهم وضرباءهم، تقول: عندي من هذا أزواج، أي: أمثال، وكذلك زوجان من الخفاف، أي: كل واحد نظير صاحبه؛ وكذلك الزوج المرأة، والزوج الرجل، وقد تناسبا بعقد النكاح، وكذلك ٥٨ ﴿وَءَاخَرٌ مِن شَكْلِهِ أَزْوَجُ قوله: [ص: ٥٨](٢). فالزوج: هو اسم لشكله، واسم لضده، اسم لهما جميعًا، يحتمل قوله: ـم أي: أشكالهم وقرناؤهم من الجن والإنس والشياطين، يأمر الملائكة أن تجمع بين من كانوا يجتمعون في هذه الدنيا، ویستحبون الاجتماع معهم أن يجمعوا في عذاب الآخرة، على ما كانوا يستحبون الاجتماع في الملاهى والطرب في هذه الدنيا، ويجتمعون على ذلك؛ فعلى ذلك يجمع بين أولئك وبین قرنائهم في جهنم، ویقرن بعضهم إلى بعض في العذاب؛ كقوله: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضَّ لَهُ شَيْطَنّا فَهُوَ لَهُ، قَرِينٌّ ◌َ [الزخرف: ٣٦](٣). قال الرازي: ((اختلفوا في المراد بأزواجهم، وفيه ثلاثة أقوال: الأول: المراد بأزواجهم: أشباههم، أي: (١) مفاتيح الغيب، ٣٢٨/٢٦. (٢) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٠١/٤. (٣) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٨/ ٥٥٥. www. modoee.com ٣٧٥ حرف الألف أحزابھم ونظراؤهم من الكفر، فاليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني، والذي يدل على جواز أن يكون المراد من الأزواج الأشباه، وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿وَكُنُ أَزْوَجَا ثَلَاثَةً [الواقعة: ٧] أي: أشكالا وأشباهًا. > الثاني: أنك تقول: عندي من هذا أزواج، أي: أمثال، وتقول: زوجان من الخف؛ لكون كل واحد منهما نظير الآخر، وكذلك الرجل والمرأة سميا زوجين؛ لكونهما متشابهين في أكثر أحكام النكاح، وكذلك العدد الزوج سمي بهذا الاسم؛ لكون كل واحد من سميه مثالًا للقسم الثاني في العدد الصحيح. القول الثاني: في تفسير الأزواج أن المراد: قرناؤهم من الشياطين؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِ اٌلْفَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ [الأعراف: ٢٠٢]. والقول الثالث: أن المراد: نساؤهم اللواتي على دينهم))(١). عباس رضي الله عنهم على أن المراد به: أشباههم ونظراؤهم، فعابد الوثن مع عابد الوثن، والسارق مع السارق، والزاني مع الزاني، واليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني وهكذا، وإطلاق الأزواج على الأصناف مشهور في القرآن، وفي كلام العرب؛ كقوله تعالى: ﴿ وَأَلَّذِى خَلَقَ اَلْأَزْوَجَ كُلُّهَا﴾ [الزخرف: ١٢]. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ اَلَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَ يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [يس: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا بِهِءَ أَزْوَجَا مِّن نَّبَاتِ شَفَ﴾ [طه: ٥٣]. وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ= أَزْوَجًا مِنْهُمْ﴾ [طه: ١٣١] إلى غير ذلك من الآيات(٢). والصنف الثالث مما يجمع: المعبودات. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانُوْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ [الصافات: ٢٢-٢٣]. وفيه قولان: الأول: المراد: ما کانوا یعبدون من دون الله من الأوثان والطواغيت، ونظيره قوله: ﴿فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]. قیل: المراد بالناس عباد الأوثان، والمراد إلا أن جمهور أهل العلم منهم: عمر وابن بالحجارة: الأصنام التي هي أحجار منحوتة، فإن قيل: إن تلك الأحجار جمادات، فما الفائدة في حشرها إلى جهنم؟ أجيب: بأنه ورد الخبر بأنها تعاد وتحيا لتحصل المبالغة في توبيخ الكفار الذين كانوا يعبدونها؛ ولقائل أن يقول: هب أن الله تعالى يحيي تلك الأصنام إلا أنه لم (١) مفاتيح الغيب، ٣٢٨/٢٦. ٣٧٦ مُوسُوبَةُ التَّقِّ القرآن الكريم (٢) أضواء البيان ٣٠٩/٦. الاجتماع يصدر عنها ذنب، فكيف يجوز من الله الزنا معًا، وأهل الربا معًا، وأصحاب الخمر معًا، وهكذا. تعالی تعذيبها؟ والأقرب أن يقال: إن الله تعالی لا یحيي تلك الأصنام، بل يتركها على الجمادية، ثم يلقيها في جهنم؛ لأن ذلك مما یزید في تخجیل الكفار. القول الثاني: أن المراد من قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ ١ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الصافات: ٢٢-٢٣]. الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة ما عبدوا، فلما قبلوا منهم ذلك الدین صاروا كالعابدين لأولئك الشياطين. وتأكد هذا بقوله تعالى: أُعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَانَ [يس: ٦٠]. والقول الأول أولى؛ لأن الشياطين عقلاء، وكلمة (ما) لا تليق بالعقلاء(١). والمقصود: أن الله تبارك وتعالى يجمع الذين كفروا بالله في الدنيا، وعصوه وأزواجهم وأشياعهم على ما کانوا علیه من الكفر بالله، وما كانوا يعبدون من دون الله من الآلهة. يحشر المشركون وأشباههم في الشرك، ومتابعوهم في الكفر، ومشايعوهم في تكذیب الرسل، وقرناؤهم من الشیاطین، یحشر کل کافر مع شيطانه، کذلك يحشر أصحاب المعاصي مع بعضهم، فيجمع أهل (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٢٨/٢٦ بتصرف. قال صاحب الظلال: احشروا الذين ظلموا ومن هم على شاكلتهم من المذنبين، فهم أزواج متشاكلون، وفي الأمر على ما فيه من لهجة جازمة تهكم واضح في قوله: ﴿فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَّطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]. فما أعجبها من هداية خير منها الضلال! وإنها لهي الرد المكافئ لما كان منهم من ضلال عن الهدى القويم؛ وإذ لم يهتدوا في الدنيا إلى الصراط المستقيم فليهتدوا اليوم إلى صراط الجحيم! وها هم أولاء قد هُدوا، هُدوا إلى صراط الجحيم، ووقفوا على استعداد للسؤال، وها هو ذا الخطاب يوجه إليهم بالتقريع في صورة سؤال بريء! ﴿مَالَكُمْ لَاَتَنَاصَرُونَ (٥)﴾ [الصافات: ٢٥]؟! ما لكم لا ینصر بعضكم بعضًا، وأنتم هنا جميعًا؟! وكلكم في حاجة إلى الناصر المعین؟! ومعکم آلهتكم التي كنتم تعبدون! ولا جواب بطبيعة الحال ولا كلام! إنما يرد التعليق والتعقيب(٢). ويدخل في (أزواجهم) قرناءهم وأشكالهم، ومن عمل مثل أعمالهم، ومن أعانهم علی ظلمهم بقليل أو کثیر، وكذلك في هذه الطريقة من أعان صاحب معصية في معصيته، أو صاحب زلة على زلته كان (٢) في ظلال القرآن ٥/ ٢٩٨٦. www. modoee.com ٣٧٧ حرف الألف مشاركًا له في عقوبته، واستحقاق طرده وإهانته. وعن عمر بن الخطاب رضي الله ولكن يقفون معهم، ليتبرؤوا منهم؛ عنه: الأزواج: الأمثال والأشباه والنظائر، أي: مأخوذ من المزاوجة والمشاكلة، تقول: وزاوج الرجل المرأة فأصبحت ندًا وشريكًا له في حياته، وكذلك هؤلاء في ظلمهم وفي كفرهم وفي شركهم، وانفرد الحسن البصري، فقال: أزواجهم نساؤهم، وزوجاتهم المشركات اللاتي متن على الشرك؛ ليزداد عذاب البعض بالبعض، وعلى كل فلا حاجة لهذا التفسير، سواء كانت زوجة أو غير زوجة، فإن كانت مشركة فهي من أمثاله، وهي من أشكاله، اجتمعت به أو لم تجتمع، فهم سیحشرون في مكان واحد، ويفصلون عن المسلمين. ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ ويدخل في [الصافات: ٢٢] إبليس وشيطان وحيوان، وجمادات؛ لتكون حجة الله البالغة عليهم، فهؤلاء الذين كنتم تعبدون سيتبرؤون منكم ومن عبادتكم، فإن کانوا یعبدون الملائكة أو رسلًا أو صالحين، فإنهم أيضًا يقفون معهم. وكما قال الله لعيسى: ﴿وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِيٍّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَتٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ، فَقَدْ عَلِمْتَهُ، تَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]. فيحشرون معهم للبراءة منهم، فالصالحون لا يحشرون معهم إلى النار، وليدركوا إذ ذاك -ولات حين إيمان- أنهم عاشوا على ضلال، عاشوا على باطل، ولكن اعترافهم فاته الزمن، وفاته الوقت، وكما يقولون: الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك، لقد قطعوا بالوفاة وبالموت، وبعد أن يحشروا ويكبلوا في السلاسل يقول الله لملائكته: ﴿فَأَهْدُوهُمْ﴾ أي: دلوهم ﴿إِلَى [الصافات: ٢٣] إلى الطريق صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ البین الواضح الذي یوصل إلی جهنم، وقد تكون جهنم بعيدة عليهم، فتأتي الملائكة تحشرهم وتسحبهم زحفًا على وجوههم إلى أن يدخلوا النار، وبئس المصير. فإن قيل: قوله تعالى: * أَخْشُرُواْ ٢٢ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُوْ يَعْبُدُونَ [الصافات: ٢٢]. يقتضي حضورهم معهم في المحشر، وآية الأنعام فيها سؤالهم عن شركائهم ﴿وَيَوْمَ تَحْشُرُهُمْ حَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَّكُواْ أَيْنَ شُرَّكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ [الأنعام: ٢٢]؟ والجواب: هم حاضرون بالفعل، محشورون معهم مصداقًا للآية التي في سورة الصافات. لکن المقصود هنا بتقدير مضاف، فقوله: ﴿أَيْنَّ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ يعني: أين نفع شركائكم؟ ٣٧٨ صُوَ سُولَةُ الَّة القرآن الكريم الاجتماع وأين شفاعة شركائكم؟! كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً يَدْعُونَ فهم بمنزلة الغُيَب؛ لأن الحاضر الذي لا إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١](٢). نفع ولا فائدة من حضوره هو مثل الغائب، ومثل الميت، ومثل المعدوم؛ لأنهم عدموا ما رجوا منهم من الشفاعة. فالمقصود هو التوبيخ والتقريع، وأن پقرر في نفوسهم أن ما كانوا ير جونه میؤوس منه، وثمرة هذا أنهم يعلمون في الدنيا أنه تقوم عليهم الحجة، فيعملون عقولهم ليستحضروا ما هم عليه من الضلال، وأن هؤلاء الذين يرجون شفاعتهم سوف ييئسونهم ويخذلونهم؛ وذلك تنبيه لهم في دار الدنيا على فساد هذه الطريقة (١). وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَأَهْدُوهُمْ﴾ من الهدى العام، أي: دلوهم وأرشدوهم إلى صراط الجحيم، أي : طريق النار ليسلكوها إليها، والضمير في قوله تعالى: ﴿فَأَهْدُوهُمْ﴾ راجع إلى الثلاثة: الذين ظلموا، وأزواجهم، وما كانوا يعبدون من دون الله. وقد دلت هذه الآية أن الهدى يستعمل في الإرشاد والدلالة على الشر، ونظير ذلك في القرآن قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ, مَن تَوَلَاءُ فَنَّهُ يُضِلُّهُ, وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ [الحج: ٤]. ولذلك كان للشر أئمة يؤتم بهم فيه؛ (١) تفسير القرآن الكريم - المقدم ١٥/٥٠. موضوعات ذات صلة: الاختلاف، الأخوة، الأمة، العلاقات الاجتماعية، الوحدة (٢) أضواء البيان ٣١٠/٦. www. modoee.com ٣٧٩