النص المفهرس
صفحات 41-48
الاتباع ٢٦٨﴾ [آل عمران: ٦٨]. الْمُؤْمِنِينَ قال ابن عاشور: «و(أولی) اسم تفضیل، أي: أشد وليًا، أي: قربًا، ... أي: أُخص الناس بإبراهيم وأقربهم منه))(١)، فمن ياترى هؤلاء الذين اختصوا بالقرب من نبي الله إبراهيم عليه السلام وولايته؟ إنهم الذين اتبعوه، ((يعني: الذين سلكوا طريقه ومنهاجه، فوحدوا الله مخلصين له الدين، وسنوا سننه، وشرعوا شرائعه، وكانوا لله حنفاء مسلمين غير مشركين به))(٢)، ثم لا تقتصر هذه الولایة علی أتباع إبراهيم عليه السلام، حيث ختام الآية يقول ﴿وَاللَّهُ وَإِىُّ المُؤمِنِينَ ﴾، فمن كان الله مولاه؛ فأي ولاية يحتاج بعد ذلك؟ ٦. عدم الخوف والحزن. كل هذه المقدمات السابقة تؤدي إلى نتيجة مثمرة لمتبعي الوحي، وهي عدم الخوف والحزن، وهي عبارة عن علاج نفسي للإنسان، فالخوف هو من شيء قد يقع، والحزن هو من شيء وقع، والمرء في حياته يعيش بين هذين الأمرين، فإذا ضمن له أحدٌ عدم حصول ذلك؛ حاز السعادة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَاَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: ٣٨]. ففي الآية إخبار بأن من اتبع هدى الله؛ (١) التحرير والتنوير ٢٧٦/٣. (٢) جامع البيان، الطبري ٣/ ٢٠٧. فلاخوف عليه ولن يحزن. مِنِّى هُدَى﴾ بقوله: والتعبير و ﴿مُدَایَ﴾ فیه إشارة إلى أن الھدی إنما هو من الله سبحانه وتعالى؛ ((لأن الهدى بالنظر إلى ذاته موجب الاتباع، وبالنظر إلى أنه أضيف إليه تعالى - إضافة تشريف أحرى وأحق أن يتبع)) (٣)، والنتيجة أنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. قال ابن سعدي: ((فرتب على هداه أربعة أشياء: نفي الخوف والحزن ... ، فنفاهما عمن اتبع الهدى، وإذا انتفیا حصل ضدهما، وهو الأمن التام، وكذلك نفي الضلال والشقاء عمن اتبع هداه، وإذا انتفيا؛ ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه؛ حصل له المن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى، وانتفى عنه كل مكروه من الخوف والحزن، والضلال والشقاء)) (٤). ٧. التوبة والمغفرة. هي نتيجة لكل من ألزم نفسه السير في طريق الاتباع الحق، والبعد عما سواه من طرق الغواية والضلال، حيث يرضى الله عنه، ويرزقه التوبة والمغفرة، ولأهمية ذلك؛ هاهم الملائكة يطلبون المغفرة من الله تعالى لمن اتبع الهدى وآمن به. يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ. (٣) روح المعاني، الألوسي ٢٣٨/١. (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٣٥. www. modoee.com ٢٧٩ حرف الألف يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمَا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَفِهِمْ عَذَابَأَلْحِيمِ ﴾﴾ [غافر: ٧]. قال الطبري: («فاصفح عن جرم من تاب من الشرك بك من عبادك، فرجع إلى توحيدك، واتبع أمرك ونهيك ... ، وقوله يقول: وسلكوا الطريق واتبعوا سبيلكَ. الذي أمرتهم أن يسلکوه، ولزموا المنهاج الذي أمرتهم بلزومه، وذلك الدخول في الإسلام)» (١). وقد استجاب الله دعاء الملائكة، فغفر لمتبعي الرسول صلى الله عليه وسلم. كما قول الله تعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَاكَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّتَابَ عَلَيْهِمَّ إِنَّهُ. بِهِمْرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (١)﴾ [التوبة: ١١٧]. قال ابن القيم: «هذا من أعظم ما يعرف العبد قدر التوبة وفضلها عندالله، وأنها غاية كمال المؤمن؛ فإنه سبحانه أعطاهم هذا الكمال بعد آخر الغزوات (٢)، بعد أن قضوا نحبهم وبذلوا نفوسهم وأموالهم و ديارهم لله، وكان غاية أمرهم ان تاب الله عليهم، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلميوم (١) جامع البيان، ٢٤/ ٤٤. (٢) يقصد غزوة تبوك. توبة کعب خیر یوم مر علیه منذ ولدته أمه إلى ذلك اليوم (٣)، ولا يعرف هذا حق معرفته إلا من عرف الله وعرف حقوقه علیه، وعرف ماينبغي له من عبوديته)) (٤). إذًا فقد ضمن لهم التوبة في الآية، وما كانوا ليستحقوا هذه المنزلة وهم المهاجرون والأنصار- إلا بسبب اتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم في أشد الحالات، والتي عبر عنها بساعة العسرة. ثانيًا: آثار الاتباع المذموم: إذا کان لاتباع الحق ثمرات کثيرة، کما مر بنا؛ فإن عدم اتباع الحق يؤدي إلى عقوبات ومفاسد كثيرة في الدنيا والآخرة، وهو ما سوف نستعرضه في السطور القادمة، ومن هذه العواقب: ١. المعصية والفساد. لاشك أن اتباع غير الحق يؤدي إلى معصية الله، ولأن سبل غير الحق كثيرة ومتعددة، فإنها تملأ الأرض، وحین یکثر أتباع الباطل، تكثر المعاصي ويعم الفساد الأرض. قال تعالى: ﴿وَلَوِ أَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَ هُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك، رقم ٤٤١٨. (٤) بدائع التفسير ٣١٨/٢. ٢٨٠ مُوسُوبة النفسية القرآن الكريمِ الاتباع [المؤمنون: ٧١]. وقد اختلف العلماء في معنى (الحق) في الآية، فقيل: إن الحق هو الله سبحانه وتعالى، وقيل: هو الصواب (١). وآیا ماکان المعنی یتبین أنه لو ورد الشرع به لفسدت السماوات والأرض ومن فیھن؛ لأن الهوى مبني على الشهوة، وعند ذلك تختلف أمزجة الناس، فيضطرب هذا الكون العظيم المحكم؛ لأنه قام على العدل. قال ابن عاشور: «وعلم من قوله: وَلَوٍ أَتَّبَعَ اُلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ أن كراهة أكثرهم للحق ناشئة عن كون الحق مخالفًا أهواءهم، فسجل عليهم أنهم أهل هوى، والهوى شهوةٌ ومحبةٌ لما یلائم غرض صاحبه» (٢). وحين يكثر الفساد؛ يكون ذلك سبب طبع الله على قلوب العباد، ألم يقل الله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ مَانِفًا أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَّعُواْ أَهْوَاءَ هُمْ ﴾ [محمد: ١٦] يتعجب المرء من فعل هؤلاء القوم، فيأتيه الجواب مباشرة: إن سبب ذلك؛ طبع الله علی قلوبھم نتیجة اتباع الھوی. قال ابن سعدي: ((أي: ختم عليها، وسد أبواب الخير التي تصل إليها بسبب اتباعهم (١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٨٠٤/٥- ٨٠٥. (٢) التحرير والتنوير ٩٢/١٨. أهواءهم التي لا يهوون فيها إلا الباطل)) (٣). ٢. التكذيب والضلال. إن من عواقب الاتباع المذموم أنه يؤدي إلى التكذيب، فهو علةٌ له، والتكذيب مؤدٍ إلى الضلال لا محالة؛ لأن المرء حين يكذب الحق فسوف يضل بلاشك. قال تعالى: ﴿وَكَذَّبُواْ وَأَتَّبَعُواْ أَهْوَآءَ هُمْ﴾ [القمر: ٣]. فالآية تثبت أن القوم كذبوا، وهذا التكذيب ((لا دافع لهم إليه إلا اتباع ماتهواه أنفسهم من بقاء حالهم على ما ألفوه وعهدوه واشتهر دوامه)) (٤)، وإلا فقد ظهر لهم من البراهين والحجج القواطع على يديه مايدل على صدق نبوته وأن الواجب الإيمان به واتباع دعوته، ولذلك؛ جاء في موضع آخر تأكيد هذا الأمر، وهو أن اتباع الهوى مؤدٍ إلى التكذيب. فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعدم اتباع أهواء الذين كذبوا. فقال تعالى ﴿فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمٍّ وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَأُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَيِّهِمْ [الأنعام: ١٥٠]. يَعْدِلُونَ (١٥٠) إن هذا الهوى - وكما ظهر - أنه أدى إلى التكذيب وإنكار البعث وأدى إلى الشرك، (٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٧٨٦. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٧/ ١٧٢. www. modoee.com ٢٨١ حرف الألف ١٢٠ ١ وهذا عين الضلال. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِِّ نُّهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قُل لََّ أَنَّعُ أَهْوَاءَ كُمَّ قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِنَ ﴾ [الأنعام: ٥٦]. وقد أكد النهي عن اتباع الهوى بقوله: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذَّا﴾، فإنه إن اتبعتكم على أهوائکم فلاشك أنني ضال، «وتقدیم جواب (إذًا) على (إِذّا) في هذه الآية للاهتمام بالجواب، ولذلك الاهتمام أکد بـ (قد) مع کونه مفروضًا، ولیس بواقع، للإشارة إلی أن وقوعه محقق لو تحقق الشرط المقدر الذي دلت عليه إذًا))(١). ٣. الحرمان من ولاية الله. باديء ذي بدء؛ يمكن القول: إن الله جعل ولاية أتباع الباطل وسلطانهم مقرونة بالشياطين. فقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَةَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾ [الأعراف: ٢٧]. وحين يتولى الشيطان الإنسان؛ يوقعه في سوء عمله. لكن ذلك فحسب؛ بل إنه نزع ولايته سبحانه وسلطانه عن متبعي أهواء المبطلين، ومتبعي غير الحق. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اَللَّهِ هُوَ الْمُدَىّ وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم بَعْدَ الَّذِى جَآءَ (١) المصدر السابق ٢٦٢/٧. مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ الَّهِ مِن وَلِيٍ وَلَا نَصِيرٍ [البقرة: ١٢٠]. ويقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ حُكْمًا عَرَبِيَّاً وَلَيْنِ أَتَّعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَإٍِ وَلَا وَاقٍ ﴾ [الرعد: ٣٧]. إن الأمر في الآيتين للرسول صلى الله عليه وسلم وللأمة من باب الأولى، بالتحذير من اتباع الهوى، وحین یستبدل المؤمن الهوى بالهدى؛ فهذا مؤذنٌ بنزع ولاية الله عنه. قال الطبري: ((ليس لك من وليٍ يلي أمرك، وقيم يقوم به، ولا نصيرٍ ينصرك من الله، فيدفع ماینزل بك من عقوبته ويمنعك من ذلك إن أحل بك ذلك ربك» (٢). ويرى ابن عاشور أن هذه الجملة أكدت بعشر مؤكدات (٣). وقد أفادت هذه المؤكدات عظم التحذير وخطورته. وكما نزع عنهم الولاية في الآية الأولى؛ نزع عنهم الوقاية من العذاب في الثانية، وعلی المرء أن لا یأمن بعد ذلك مكر الله، فإنه إن تنزع عنه ولاية الله؛ تنزع عنه وقايته من العذاب. ٤. الاحتكام إلى الهوى. حين يحدث كل الذي سبق؛ يصبح (٢) جامع البيان، الطبري، ٥١٨/١. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٦٩٥/١. ٢٨٢ مَوَسُوبَةُ الْبَعَة القرآن الكريمِ الاتباع المرء أسيرًا لهواه وشهوته، يسبر معها كيف النار وآخر من يدخلها ثالثة. سارت، ويدور معها حيث دارت، وهنا يحدث الفساد؛ لأن الهوى هو الذي يسير الناس. يقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِى الأَرْضِ إِلَّا قَلِلًا مِمَنْ أَيْنَا مِنْهُمْ وَأَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ ﴾ [هود: ١١٦]. ١١٦) تحكي الآية صنفًا من الناس ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يقرب إلى الآخرة، واشتغل بالمال والملذات وأمور الدنيا والرئاسة، وعند ذلك لم ينفعهم نصح الناصحين ولا وجود المصلحين؛ لأنهم ساروا خلف أهوائهم التي عبرت عنها الآية بـ ﴿مَا أُتْرِقُواْ فِيهِ﴾، وكان هذا الأمر سببًا في استئصالهم ، وتأمل قوله: ﴿وَاتَّبَعَ ﴾ إِذ يعني: الانقطاع للترف، والإقبال عليه، إقبال المتبع لمتبوعه (١). ٥. التخاصم. وكل الذي ذكرته آنفًا؛ إنما هو في الدنيا، أما في الآخرة؛ فإن ظاهرة التخاصم بين المتبوعين وأتباعهم واضحة جلية، ذكرها القرآن في مواضع كثيرة على شكل حوار بين الضعفاء والمستكبرين تارة، وبين القرناء وقرنائهم أخری، وبین أول من يدخل (١) انظر: المصدر السابق، ١٢ /١٨٥. ولنتأمل هذا الحوار: ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَوْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوَّ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبْعًا فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابٍ اَللَّهِ مِن شَىْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَننَا اللَّهُ لَهَدَيْنَكُمْ سَوَاءُ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَّرْنَا مَا لَنَا مِن ◌َّحِيصٍ ٢) [إبراهيم: ٢١]. لاشك أن صدق المتبوعين قد وضع على المحك في هذا الموقف؛ لأنه سوف يظهر هزالهم وافتضاح أمرهم، وخجلهم أمام أتباعهم، وانظر إلى مذلة الأتباع أمام متبوعيهم، حتى في هذا الموقف الذي تنقطع فيه الوشائج والصلات تجدهم يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَىْءٌ﴾، فهم يظهرون تبعيتهم لهم، لیکون ذلك أدعی لشفاعتهم لهم عند الله، وما دروا أن كبراءهم بحاجة إلى من يشفع لهم، وهم مشغولون عنهم بما هم فيه من العذاب، عندها يجيب الكبراء: هَدَلَنَا اللهُ لَهَدَيْنَكُمْ﴾، فهم يعتذرون لأتباعهم بأنهم لو استطاعوا النفع لنفعوا أنفسهم، أما وإنهم لم يستطيعوا ذلك؛ فإنهم لن يقدروا على نفع غيرهم، وهذا الاعتراف من السادة يدل على قدر من الذل والهوان، ﴿سَوَآءُ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبِّرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ فإن العذاب واقعٌ لامحالة، ولا يغني عنه الجزع والصبر. www. modoee.com ٢٨٣ حرف الألف ولم تكف الخصومة في الموقف؛ الخصومة؛ يحدث التبرؤ، ويرمي كل فريق على الآخر بالتهمة ظانًا منه أنه سوف يسلم منها، وستكون له حجة أمام الله تعالى، فضلًا عن تبرئه من العمل أصلًا. بل أعادوها في النار، حيث نجد كلّا من الفریقین یدلي بحجته؛ لعلها تنقذه من النار: ﴿وَإِذْ يَتَحَلَقُونَ فِ النَّارِ فَيَقُولُ الضُّحَفَوْاْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ ) قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوْ إِنَّا كُلُّ فِيهَآ إِنَّ اللّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴾ [غافر: ٤٧ ٤٨]. إن اللجوء إلى الكبراء في مثل هذا الموقف يدل على طبيعة قد تأصلت في الأتباع، حيث إنهم يلجؤون إليهم في ملمات الأمور ومهماتها، فيقفون معهم؛ عندها ظنوا أنهم سيقفون معهم هنا، فكان الرد صاعقًا: ﴿إِنَّا كُلُّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾، وجملة ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴾ ((تتنزل بمنزلة بدل الاشتمال من جملة ﴿إِنَّا كُلُ فِيهَآ﴾، فكلتا الجملتين جوابٌ لهم مؤيسٍّ من حصول التخفيف عنهم، والمعنى: نحن مستورون في العذاب، وهو حكم الله، فلا مطمع في التفصي من حکمه، فقد جوزي کل فريق بما يستحق)) (١). ٦. التبرؤ. هذا الأثر مبنيٌ على سابقه ونتيجة طبيعية له، فإنه لا تكفي الخصومة، وحین تحدث (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٦٠/٢٤. والتفصي: التخلص. وقد صور القرآن مشاهد كثيرة فى ذلك، ومنها قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوْاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ﴾ وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا الأَسْبَابُ كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُ واْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اَللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌ وَمَاهُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧]. لقد حدثت الخصومة وعاين القوم العذاب، وكان للفريقين، فلم يخص أحد دون الآخر بشيء، وعند ذلك تبرأ المتبوعون من الأتباع، وتنصلوا من جميع الوعود التي وعدوهم إياها، ولعل سبب التبرؤ تقطع الأسباب، وذلك أن ((الآيس من كل وجه يرجو به الخلاص مما نزل به وبأوليائه من البلاء؛ یوصف بأنه تقطعت به الأسباب»(٢)، لأنه خاب أمل القوم، ولم يتوقعوا ذلك من متبوعيهم، كما أن المتبوعين لم يحسبوا حسابًا لهذا العذاب والنكال. إن هذه الثمرة هي ثمرة العلائق التي قامت على الباطل، فقد رأوا أعمالهم حسرات، وخلدوا في نار جهنم. وقريب من ذلك ﴿كَلََّّ سَيَكْفُرُونَ (٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٨٩/٤. مَوَسُولَةُ الَ القرآن الكريم ٢٨٤ الاتباع [مريم: بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴾﴾﴾ ٨٢]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَيْهِمْ غَفِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءُ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ ﴾ [الأحقاف: ٥ ٦]. وغيرها كثير. وكما عرضت لنموذج الخصومة الجماعية والتبرؤ الجماعي، فثمة نموذج للتبرؤ الفردي، وهو تبرؤ الشيطان من أتباعه الذين أغواهم وأضلهم، ثم حين يشاهد عذابهم يوم القيامة؛ فإنه يتبرأ منهم، ويلقي باللائمة علیهم، ویبرز لهم عدم قدرته على نفعهم في هذا الحال، قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَهْدَ أَلْفِّ وَوَعَدَّتُّكُوْ فَأَغْلَفْتُكُمٌّ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ ◌ِ فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنْفُسَكُمْ مَّ أَنَا بِمُصْرِحِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِىٌّ إِ كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. فبعد تلك الخصومة والتبرؤ؛ يقوم الشيطان الذي هو أصل كل فساد خطيبًا في أتباعه يوم القيامة بعد أن حقق ما يصبو إلیه، وضمن دخولهم جنة، فیتحدث إليهم ويزيدهم حسرة وهما على حسرتهم وهمهم، وتبدو صورتهم مثيرة للاشمئزاز، وصورته واضحة أمامهم قائلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ لْقِّ وَوَعَدَّتُّكُوْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾، فقد بين لكم الطريق في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأظهر لكم أن ثمة جزاءً وحسابًا، وجنة للمطيع وعذابًا للعاصي، فصدقکم، ووعدتكم فأخلفتكم، ولكن الخطأ خطؤكم، حين اتبعتموني واستجبتم لوساوسي! ﴿إِّ كَفَرْتُ بِمَاً أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. كانت هذه كلمات الشيطان لهم، في الوقت الذي يقوم نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم فيشفع للأمة بإخراجها من النار، أو تخفيف العذاب عن العصاة. ٧. حبوط العمل: بعد كل ما مضى من اتباع طرق الباطل والهوى، والبعد عن طريق الحق والهدى، ماذا نتوقع أن تكون النتيجة؟ ليست إلا سخط الله تعالى، وحبوط أعمالهم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اُللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ، فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ (٨)﴾ [محمد: ٢٨]. هذا الأثر نتيجة حتمية لأعمال هؤلاء القوم؛ لأن حبوط العمل يعني: الخسران في الآخرة، وماذا يبقى للمرء بعد حبوط عمله؟ وبمن يستغيث؟ إنه والحالة هذه ليس أمامه www. modoee.com ٢٨٥ حرف الألف سوى العاقبة الأخيرة من عواقب الاتباع المذموم، ألا وهي: ٨. الحسرة والندم. هذا الذي تبقى لهم، مع أنه لن يغني عنهم من الله شيئًا، لكنه محاولة لإلهاء النفس عما أحاط بها من العذاب، ومحاولة لتسويغ الماضي سيء الذكر، ولذلك فقد نقل لنا القرآن تحسرهم وندمهم في مواضع كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَنْوَيْلَقَ لَيْتَنِى لَوْ أَقَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًاً لَّقَدْ ٢٧ أَضَلَّفِ عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَ فِي وَكَانَ [الفرقان: ٢٧ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَنِ خَذُولًا ٢٩]. يقول الرازي: ((كما بينا أن الظلم غير مخصوص بشخص واحد، بل يعم جميع الظَلَمَة؛ فكذا المراد بقوله: (فلانًا) ليس شخصًا واحدًا، بل كل من أطيع في معصية الله)) (٢). والحاصل: ندم هؤلاء القوم على عدم متابعتهم الرسول صلى الله عليه وسلم متابعة توصلهم إلى النجاة لو لزموها، وهذا كافٍ في إبراز مدى العقوبة التي سوف تحل بکل ما من هذه شأنه. موضوعات ذات صلة: الأبوة، التقليد، الشيطان، القدوة، الهوى، الوحي لقد وصل التحسر والندم بهذا الرجل الظالم درجة بلغت أن يعض على يديه من شدة ندمه على مافات، حين ترك اتباع طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، واتبع بعض قرناء السوء من شياطين الإنس والجن الذين أضلوه وصدوه عن ذكر الله. والعض: ((عبارة عن الندم لما جرى به عادة الناس أن يفعلوه عند ذلك))(١). ولا شك أن ظاهر الآية وسبب النزول يوحيان بأن المقصود شخصٌ واحدٌ، إلا أن الأولی تعمیمه في کل من هذه حاله، كما رجحه ثلة من المفسرين. (١) المفردات، الراغب، ص ٥٧٠. موسوبر التقنية المصور القرآن الكريم (٢) مفاتيح الغيب، ٢٤/ ٦٦. ٢٨٦