النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الإنتاج
عناصر الموضوع
مفهوم الاتباع
٢٤٠
الاتباع في الاستعمال القرآني
٢٤١
الألفاظ ذات الصلة
٢٤٢
٢٤٣
أنواع الاتباع
٢٧١
الأساليب القرآنية في عرض الاتباع
٢٧٦
عواقب الاتباع وآثاره في الدنيا الآخرة
المُجَلَدَ الأول

حرف الألف
مفهوم الاتباع
أولًا: المعنى اللغوي:
((التاء والباء والعين: أصل واحدٌ لا يشذ عنه من الباب شيء، وهو التلو والقفو، يقال:
تبعت فلانًا، إذا تلوته واتبعته، وأتبعته إذا لحقته)) (١).
يقال: ((تبع الشيء تبعًا وتباعًا في الأفعال، وتبعت الشيء تبوعًا وتباعًا في الأفعال، وتبعت
الشيء تبوعًا سرت في أثره، واتبعه وأتبعه، وتتبعه: قفاه وتطلبه متبعًا له .. والتابع: التالي،
والجمع: تبع وتباع وتبعة، والتبع: اسم للجمع.
والتبع: يكون واحدًا وجماعة، وقوله عز وجل: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبْعًا﴾ [إبراهيم: ٢١].
يكون اسمًا لجمع تابع، ويكون مصدرًا، أي: ذوي تبع ... والتبعة والتباعة: ما اتبعت به
صاحبك من ظلامة ونحوها.
والتَبِعَة والتِبَاعَة: ما فيه إثم يتبع به ... والتبابعة: ملوك اليمن، واحدهم: تُبَع، سموا بذلك؛
لأنه يتبع بعضهم بعضًا، كلما هلك واحدٌ قام مقامه آخر، تابعًا له على مثل سيرته ... وقيل:
فلان متتابع العلم، إذا كان علمه يشاكل بعضه بعضًا لا تفاوت فيه))(٢).
فالمعنى اللغوي يدور حول الاقتفاء والاقتداء، واللحاق بشيء أو شخص والسير خلفه.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الشرباصي: ((والمعنى الأخلاقي للاتباع هو: أن يميز الإنسان الخبيث من الطيب،
وأن يتبين طريقه على بصيرة، وأن يعرف من تقدمه على طريق الحق والصدق، فيتخذه أسوة
وقدوة، فيمضي اللاحق على سنن السابق، فتوجد عند الإنسان روح الاتباع، وينأى بنفسه
عن ضلال الابتداع ..... وخير اتباع ينبغي أن يتحلى به المرء ويلتزمه ویحرص عليه، اتباع
هدي الله، والتزام صراطه المستقيم؛ لأن ذلك طريق الأمان والاطمئنان، يقول الله تبارك
وتعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]](٣).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ١/ ٣٦٢.
(٢) لسان العرب، ابن منظور، ٨/ ٢٧.
(٣) موسوعة أخلاق القرآن، الشرباصي ٥ / ١٣٨.
٢٤٠
القرآن الكريم

الاتباع
الاتباع في الاستعمال القرآني
وردت مادة (تبع) في القرآن (١٦٩) مرة (١)، والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٧٥
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَبَعَ هَوَنُهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اَللَّهِ﴾
[القصص: ٥٠]
الفعل المضارع
٦٠
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ أَلْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَّعَ مِلَّتَهُمْ.
[البقرة: ١٢٠]
فعل الأمر
٢٤
قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَِّعُونِي يُحْسِبُّكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]
١٥٧
المصدر
٤
﴿مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عٍِّ إِلَّا لَنْبَعَ الَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا
[النساء: ١٥٧]
﴿وَمَآ أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَنَهُمٍّْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعِ قِبْلَةَ بَعْضٍ
٣
[البقرة: ١٤٥]
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَقَ أَنْ أَسْرِ بِبَادِىّ إِنَّكُم ◌ُتَّبَعُونَ
اسم المفعول
٢
[الشعراء: ٥٢]
اسم مشتق
١
ـمَّلَا تَجِدُ واْلَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، يَبِيعًا !
٦٩﴾ [الإسراء: ٦٩]
وقد استعمل القرآن الكريم الاتباع بمعناه اللغوي، وهو: أن يقفو المتبع أثر المتبع تارة
﴾ [طه: ٧٨].
بالجسم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِ مَا غَشِيَهُمْ
أي: فساروا في أثر موسى وبني إسرائيل، وتارة بالارتسام والائتمار.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أُتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوْأُ الْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ
اُلْأَسْبَابُ ﴾ [البقرة: ١٦٦]. يعني: في الدين(٢). ولم يخرج عن هذا المعنى.
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص١٤٩- ١٥٣، المعجم المفهرس الشامل، عبد
الله جلغوم، باب التاء ص ٣٦٠-٣٦٣.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان، ص ١٥٥- ١٥٦، المفردات، الراغب الأصفهاني، ص١٦٢،
www. modoee.com
٢٤١
اسم الفاعل

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
الأسوة:
١
الأسوة لغةً:
الأسوة: القدوة (١). قال الأزهري: «فلان يتأسى بفلانٍ، أي: يرضى لنفسه ما رضيه
ويقتدي به، وكان في مثل حاله. والقوم أسوة في هذا الأمر، أي: حالهم فيه واحدة)) (٢).
الأسوة اصطلاحًا:
((الاتباع للفعل، والاقتداء بالفاعل)) (٣).
أو: ((الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره؛ إن حسنًا وإن قبيحًا)»(٤).
الصلة بين الاتباع والأسوة:
أن في كليهما اتباعًا ولحوقًا في تنفيذ المنهج إلا أن الأسوة يراعى في الإنسان جانب
القدوة؛ ليحصل الاقتداء به.
الطاعة:
٢
الطاعة لغةً:
أصل مادة ( طوع) تدل على الإصحاب والانقياد، يقال: طاعه يطوعه إذا انقاد معه(٥).
الطاعة اصطلاحًا:
قال ابن عاشور: ((الطاعة: امتثال الأمر والنهي))(٦).
الصلة بين الاتباع والطاعة:
قد يأتي الإنسان بالطاعة وهو کاره، بخلاف الاتباع فهو دليل حب (٧).
نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص ٨٥-٨٦، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٢٩٣/٢.
(١) انظر: مجمع بحار الأنوار، الكجراتي ١/ ٥٩، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٨/ ٦٣٥، مختار
الصحاح، الرازي ص ١٨.
(٢) تهذيب اللغة، الأزهري ١٣/ ٩٥.
(٣) تفسير غريب ما في الصحيحين، الحميدي ص ٤٣.
(٤) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٥١، الكليات، الكفوي ص ١١٤.
(٥) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٣١/٣.
(٦) التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور ٩/ ٣٠٣.
وانظر للمزيد: الفروق اللغوية، العسكري ص٣٣٤، الحدود الأنيقة، زكريا الأنصاري ص ٧٧.
(٧) انظر مقال: تفنيد زعم القرآنيين بأنه لا طاعة للنبي، ممدوح أحمد فؤاد، موقع رابطة أدباء الشام.
٢٤٢
صَوَ سُوعَةُ النَّقِّ
القرآن الكريم

الاتباع
أنواع الاتباع
لقد اتضح من المعنى اللغوي
والاستعمال القرآني للفظة الاتباع أنها تدور
حول معنیین:
أحدهما: يتعلق بالاتباع المبني على
الدليل والبرهان.
والآخر: مبني على التقلید بلا دليل.
وإزاء ذلك؛ قمت بتقسيم الاتباع إلى
عنوانين رئيسين هما: الاتباع المحمود
والاتباع المذموم، ويدخل تحت هذين
العناوين عددٌ من العناوين الفرعية التي
تندرج تحتهما مما يتعلق بهما.
أولًا: الاتباع المحمود:
عرض القرآن الكريم اتباع الوحي
والأنبياء عرضًا تناوله من جميع جوانبه،
فمن ذلك:
أمر الأنبياء باتباع الوحي.
وهذا شيء مهم؛ فقبل أن يأمر الأنبياء
أتباعهم باتباع الوحي؛ أمروا هم باتباعه،
ليعلم أن الوحي حجة على جميع الخلق
ويجب أن يكون الأنبياء قدوة فيمتثلوا هم
الأمر باتباع الوحي.
وقد اقترن الأمر باتباع الوحي بأمور
أخرى، ومنها:
١. الإعراض عن المشركين.
لأن الإعراض عن المشركين من
متممات اتباع الحق، فلا يتم للمرء الاتباع
إلا بالإعراض عن المشركين، قال تعالى:
﴿أَلَّعْ مَّا أُوحَىَ إِلَيْكَ مِن رَّيْكٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوٍّ
وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام: ١٠٦].
هذا الوحي ((هو الحق الذي لا مرية
فيه))(١)، وقد أكده بقوله: ﴿مِن رَّيِّكَ﴾،
وهذا يعني: أنه من عند الله، ولیس من عند
غيره من البشر، وهو مؤكد آخر لإيجاب
اتباع الوحي.
وصياغة المرء حياته على اتباع الحق
تتناقض مع عقيدة المشركين، فقد يشغبون
عليه بالقول والفعل، أو الترغيب والترهيب،
وهذا هو الصراع الأبدي معهم، لذا؛ أمر
بالإعراض عنهم، وتحقيق العبودية الحقة
لله تعالى.
٢. النهي عن اتباع الهوى.
ولاشك أن اتباع الهدی پتناقض مع اتباع
الهوی، فلا يجتمع الهوى والهدى في قلب
أحدٍ، وحین یحضر اتباع الهدى یزول الهوى
ويضمحل، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْتَكَ عَلَى
شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَأَتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَءَ الَّذِينَ
لَا يَعْلَمُونَ (٥)﴾ [الجاثية: ١٨].
قال ابن جرير: ((على طريقة وسنة
ومنهاج من أمرنا الذي أمرنا به من قبلك من
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٩/٢.
www. modoee.com
٢٤٣

حرف الألف
رسلنا))(١).
وعليه؛ فالله أمر نبيه محمدًا صلی الله
عليه وسلم أن يسير على هذا المنهاج
الواضح المعالم فيتبعه، وهذه الشريعة
تقتضي کل مايحبه الله ويرضاه، (و کل عمل
وحب وذوق ووجد وحال لا تشهد له هذه
الشريعة التي جعله عليها؛ فباطل وضلال،
وهو من أهواء الذين لا يعلمون)) (٢).
٣. الأمر بالصبر على الأذى.
وذلك لأن المرء حین یلزم نفسه باتباع
الحق؛ فإنه سوف يلقى عنتًا من نفسه أولًا،
حيث من طبع النفس الميل نحو الهوى
واللذة، ثم ما يلقى الإنسان من الأذى من
الآخرين على اختلاف أنواعه؛ لا بد أن
يصبر عليه.
قال تعالى: ﴿وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصِْرْ
(١٠٩)﴾ [يونس:
حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ (
١٠٩].
والدعوة (٣)، وأن يتمسك به ویصبر بعد
ذلك على ماسوف يناله من الأذى، وكلما
كان المرء أشد اتباعًا للوحي؛ ناله من الأذى
الشيء الكثير، وهو مأمور بالصبر، ولذلك
(١) جامع البيان، الطبري ١٤٦/٢٥.
(٢) بدائع التفسير، ابن القيم ٤/ ١٤٧.
(٣) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٠١/١١،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٣/ ١٨٧.
کان الأنبياء أشد الناس بلاء؛ لکونهم أشدهم
في اتباع الوحي.
٤. اطلاع الله على ما انطوت عليه
الأفئدة.
بحيث يجرد المرء اتباعه خالصًا لله
وحده، ولا يكون لحظ نفسه أو الدنيا شيء
من ذلك، قال تعالى: ﴿وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَى
إِلَيْكَ مِن رَّبِكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
[الأحزاب: ٢].
٢
ففي الآية وعيدٌ يفيد أن الله مطلع على
جميع أعمالكم ومجازيكم عليها، كما أن
فيها إشارة إلى ضرورة المسارعة في امتثال
الأمر، وعدم التريث في تطبيقه، ((والأمر
له صلى الله عليه وسلم؛ أمرٌ لأمته، فهم
مأمورون باتباع القرآن، كما هو مأمورٌ
باتباعە» (٤).
٥. الأمر باتباع الأنبياء السابقين.
يؤكد الاقتداء بهم، لکونهم معصومین،
فالله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن وقد زكاهم الله سبحانه وتعالى، كما في
يتبع الوحي في الاعتقاد والعلم والعمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ أَتَبِعْ مِلَّةً
إِثْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
١٢٣ ٢
[النحل: ١٢٣].
ولا يخفى أن ملة إبراهيم التي أمر
باتباعها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
هي الحنيفية المسلمة، والاتباع هنا: هو في
التوحيد وأصول الشريعة، كما أن التعبير
(٤) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٢٦٠.
جَوَسُو ◌َرُ التفسير
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٤٤

الاتباع
القرآني أشار إلى أن «الأمر باتباع ملة إبراهيم
لا اتباع إبراهيم عليه السلام)»، وبهذا نفهم
أن علينا اتباع المنهج لا اتباع الأشخاص،
فالنبي صلى الله عليه وسلم أخذ الوحي
عمن أخذ عنه إبراهيم عليه السلام.
٦. صحة الطريق.
وهي أمرٌ مهم لمن يسلك طريق الاتباع؛
لأن هذا الطريق يمر بالسعادة والفلاح في
الدنيا، وينتهي برضوان الله تعالى وجنته
في الآخرة، وهذا مأخوذ من قوله تعالى:
فَأَسْتَمْسِكْ بِالَّذِىّ أُوحِىَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَطِ
مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الزخرف: ٤٣].
الاستمساك: هو شدة المسك، والسين
والتاء للمبالغة والتأكید، وعليه؛ فالله أمر نبيه
صلى الله عليه وسلم بشدة التمسك بالوحي
على كل الأحوال ورغم كل الظروف، لأن
الله سبحانه قد ضمن له صحة الطريق،
وهذا فيه تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم
أيما تثبيت، فلا يضجر ولا يألم، كما أن فيه
تثبيتًا لأتباع الأنبياء من الدعاة والمصلحين
من بعده ليسيروا في طريقه.
الإخبار عن امتثالهم الأمر.
إن الأنبياء عليهم السلام هم قدوة البشر،
وحين يأمرون أتباعهم بشيء؛ فلابد أن
يكونوا أول وأولى من يحقق هذا الأمر في
أعلى مراتبه وفي درجة الكمال منه، ولذلك
فقد أخبر الله تعالى عن امتثالهم الأمر باتباع
في آيات كثيرة، ومن ذلك:
١. اقتران الخبر بالدعوة إلى التفكير.
وهذا من المواضع الكثيرة التي حثنا فيها
القرآن على التأمل والتفكر، والبحث عن
الدليل والبرهان في أمورنا، خاصة العقدية
منها، ويؤخذ ذلك من قوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّعُ
إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَاَلْبَصِيرُ
أَفَلاَ تَنَفَكَّرُونَ
[الأنعام: ٥٠].
يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله
عليه وسلم أن يقول للمشركين: إنه ماهو إلا
((عبد يمتثل أمر مولاه، ويتبع ما أو حاه»(١)،
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم لا
يعمل إلا بالوحي؛ فإنه ليس لأحد من أمته
أيضًا أن يعمل إلا بالوحي.
ثم يعقب ذلك بسؤال مهم ﴿قُلُّ هَلّ
يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَاَلْبَصِيرُ أَفَلَا تَنَفَكَّرُونَ﴾ وفيه
تشبيه حال «من لا يفقه الأدلة ولا يفكك بين
المعاني المتشابهة؛ بحالة الأعمى، الذي
لا یعرف أین یقصد، ولا أين يضع قدمه،
وشبهت حالة من يميز الحقائق ولا يلتبس
عليه بعضها ببعض بحالة القوي البصير؛
حيث لا تختلط عليه الأشباح))(٢).
٢. اقتران الخبر بالثناء على الوحي.
حيث يكون اتباع الوحي سببًا لتنوير
بصيرة متبعيه وهدايتهم إلى الطريق
(١) روح المعاني، الألوسي ٧/ ١٥٦.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٣/٧.
www. modoee.com
٢٤٥

حرف الألف
المستقيم، بل ويكون اتباع الوحي سببًا في
رحمتهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى:
﴿قُلّ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَىَّ مِن تَّبَِّّ هَذَا بَصَآِرُ
(٢٠٣
مِن رَّبِّكُمْ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
[الأعراف: ٢٠٣].
فالنبي صلى الله عليه وسلم مقتصر على
اتباع الوحي لا غیر، لا یطلب غیر آياته آیة،
ولا بعد حجته حجة، لماذا؟ لأنه ﴿بَصَآِرُ
مِن رَّبِّكُمْ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾.
قال الزمخشري: ((أي حجج بينة يعود
المؤمنون بها بصراء بعد العمى، أو هو
بمنزلة بصائر القلوب)» (١).
وعلى هذا؛ فالنبي صلى الله عليه
وهذه البصائر هي لمن آمن فقط؛ لأن وسلم قد حصر عمله باتباع الوحي فقط،
((المؤمن مهتدٍ بالقرآن، متبع له سعيد في
دنياه وأخراه، وأما من لم يؤمن به؛ فإنه ضال
شقي في الدنيا والآخرة)) (٢).
٣. عدم اتباع الوحي مقرونٌ بالمعصية.
وهو الضد من اتباع الوحي، فكما أن
اتباع الوحي سببٌ لوجود البصيرة والهداية
والرحمة؛ فإن ترك الوحي واتباع سبل
الضلال سببٌ للمعصية والعذاب، في الدنيا
والآخرة.
قال تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىّ
إِّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَوْرٍ عَظِيمٍ
﴾ [يونس: ١٥].
١٥
(١) الكشاف، الزمخشري ١١١/٢.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٦٧/٣.
تبين الآيات نتيجة عدم اتباع الوحي ألا
وهي المعصية، وهذا لتأدب رسول الله
صلی الله علیه وسلم مع ربه، فما بال أولئك
الذين نبذوا الوحي وراءهم ظهريًا !
٤. اقتران الخبر بالنذارة.
وفيه تخويفٌ للناس، بأنهم إن لم يتبعوا
الوحي فليحذروا العاقبة السيئة لذلك،
ولذلك فقد ألزم النبي صلی الله عليه وسلم
نفسه باتباع الوحي.
قال تعالى: ﴿إِنْ أَنَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ وَمَآ أَنَا
إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ [الأحقاف: ٩].
ومعنى ذلك: ((الاستسلام والتبري من علم
المغيبات والوقوف مع النذارة من عذاب
الله عز وجل» (٣).
أمر الأمة باتباع الوحي والأنبياء.
بعد أن تقرر آنفًا أن الأنبياء أمروا باتباع
الوحي أولًا، وأنهم امتثلوا هذا الأمر علمًا
وعملًا ودعوة -؛ جاء دور أمر الأمة باتباع
الأنبياء ومن ثم اتباع الوحي؛ لأن اتباع
الأنبياء يقود إلى اتباع الوحي فهم واسطته
إلینا.
جاء الأمر باتباع الوحي:
١. مقرونًا بالمحبة والمغفرة.
وهو نتيجة طبيعية له، فإن اتباع الحق
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ١٤/١٥.
مَؤُوالَرُ الْبَشِدُ
جوبيبو
القرآن الكريم
٢٤٦

الاتباع
١٩٨
والوحي آية محبة الله تعالى، وقد أكدت
هذه المعاني في مواضع كثيرة من القرآن
الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ
تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِ يُحْسِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِّرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُنْ
وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٦)﴾ [آل عمران: ٣١].
إذًا فالآية جاءت لبيان حقيقة الاتباع
للرسول صلی الله علیه وسلم، و کیف یکون
صادقًا. يقول ابن كثير رحمه الله: ((هذه
حاکمة على من ادعى محبة الله، وليس هو
على الطريقة المحمدية، فإنه كذب في دعواه
في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي
والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله)) (١).
٢. مقرونًا بالاهتداء.
فاتباع الوحي هو اتباع لما جاء من عند
الله تعالی، وما کان کذلك؛ فإنه حقٌّ لامریة
فيه، وصواب لاضلال فيه، كما في قصة
صاحب (يس)، حيث طلب من قومه اتباع
المرسلين، وأثبت أنهم مهتدون، كما أثبت
ذلك في سورة الأعراف، حيث الاتباع يؤدي
إلى الهداية.
قال تعالى: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌّ
يَسْعَى قَالَ يَنَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ
أَتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُهْتَدُونَ
(٥)﴾ [يس: ٢٠ ٢١].
وقال تعالى: ﴿فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّجِّ
الْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَيْهِ،
(١) تفسير القرآن العظيم ١/ ٣٦٦.
وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
[الأعراف: ١٥٨].
إن مايدعو إليه هؤلاء الأنبياء هو الإيمان
بالله ورسوله، ولذلك فقد أثنى الله تعالى
على ذلك، ثم طلب منهم متابعته متابعة
تامة في الأقوال والأفعال(٢)، مرتبًا على هذه
المتابعة الهداية، ((تنبيهًا على أن من صدقه
ولم يتابعه بالتزام شرعه؛ فقد بعد في خطط
الضلالة)»(٣).
٣. صحة الطريق.
وهو أمرٌ مر بنا آنفًا، حيث امر الأنبياء
باتباع الوحي نظرًا لصحة الطريق الذي
يجب عليهم أن يسلكوه، وهاهم الآن
يدعون إلى اتباع الوحي مستشهدين بصحة
الطريق أيضًا، تأمل معي مخاطبة إبراهيم
عليه السلام أباه قائلًا: ﴿فَتَّبِعْنِىَ أَهْدِكَ صِرَطًا
سَوِيًّا ﴾ [مريم: ٤٣].
وتأمل أيضًا خطاب محمد صلى الله
عليه وسلم لقومه قائلًا: ﴿وَأَتَّبِعُونِ هَذَا
صِرَّطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [الزخرف: ٦١].
ففي الآیتین خطاب لنبیین کریمین، وفي
كلا الخطابين ضمان لصحة الطريق حيث لا
اعوجاج فیه ولا ظلام، أوله في الدنيا وآخره
في الجنة، إذا هم اتبعوه.
٤. بطلان عقائد الشرك.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/١٥.
(٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٣٨/٣.
www. modoee.com
٢٤٧

حرف الألف
وهذه عكس سابقتها، فإن صحة طريق
تعني بطلان غيره من الطرق، ويؤكد ذلك
قوله تعالى: ﴿فَتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَهِيَمَ حَنِيفًاوَمَا كَانَ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران: ٩٥].
وما تضمنته هذه الآية؛ انطلاق من
المسلمات، وذلك أنهم مجمعون على
صحة دين إبراهيم عليه السلام، ولذلك أمروا
باتباعه، لأنه كان «معرضًا عن كل مايخالف
التوحيد متبرثًا من الشرك وأهله))(١).
وصحة اتباع إبراهيم عليه السلام ستقود
بلا شك إلى اتباع محمد صلى الله عليه
وسلم؛ لأن العقيدة واحدة.
٥. الأمر بالطاعة.
فإن الاتباع وحده لا يكفي، بل لا بد أن
ينضاف إليه طاعة الله تعالى واتباع أوامر
أنبيائه عليهم السلام، ولذلك جاء على لسان
هارون عليه السلام حين أضل السامري بني
إسرائيل، واتخذوا العجل بعد ذهاب موسى
عليه السلام، أن دعاهم إلى الاتباع والطاعة،
فقال لهم: ﴿وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَأَنَّبِعُونِي وَأَكِيمُواْ
أَمْرِى ﴾ [طه: ٩٠].
قال ابن عاشور: ((دعاهم إلى معرفة
الرب الحق، ثم دعاهم إلى اتباع الرسول؛
إذ کان رسولًا بینھم، ثم دعاهم إلى العمل
بالشرائع» (٢).
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١/ ١٩٢.
(٢) التحرير والتنوير ٢٩٠/١٦.
* اتباع الوحي.
عرض القرآن اتباع الوحي من خلال عدة
طرق موضوعية، ويمكن إبراز أهمها بما
يلي:
١. اقتران الأمر باتباع الوحي بالنهي عن
اتباع غيره.
وفي ذلك حصرٌ لمصدر التشريع؛ إذ
لا يمكن للمرء اتباع الوحي وسواه في آن،
فإن اتباع أحدهما يلغي الآخر، وهذا مأخوذ
من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا
فَأَتَّبِعُوهٌ وَلَا تَقَّبِعُواْ السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن
سَبِيلِ، ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
١٥٣ ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
أخرج أحمد بسنده إلى ابن مسعود رضي
الله عنه قال: (خط لنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم خطّا، ثم خط عن يمينه وعن
شماله خطوطًا، ثم قال: هذا سبيل الله،
وهذه السبل، على كل سبيل منها شيطان
يدعو إليه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا
فَأَتَّبِعُوهٌ وَلَا تَقَبِعُواْ السُبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن
سَبِيلٍِ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾
[الأنعام: ١٥٣]) (٣).
ولعل في نسبة الصراط إلى الله إشارة
((إلى عصمة هذا الصراط من الزلل؛ لأن
(٣) أخرجه أحمد فى مسنده، ٤٣٥/١-٤٦٥،
وأخرجه الحاكم في مستدركه، ٣١٨/٢.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه،
ولم يتعقبه الذهبي.
٢٤٨
مَوَسُو ◌َرَ التشبيكِ العضوي
القرآن الكريم

الاتباع
کونه صراط الله يکفي في إفادة أنه موصلٌ
للنجاح؛ فلذلك صح تفريع الأمر باتباعه
على مجرد كونه صراط الله)) (١)، ولذلك
جاء النهي عن اتباع السبل الأخرى، وهي
كثيرة، سواء أكانت من العقائد الباطلة أو
أي طريق تابع للهوى، «فإن مقتضى الهوى
متعدد، لاختلاف الطبائع والعادات)) (٢).
٢. اقتران الأمر باتباع الوحي بالثناء عليه.
وهو أمرٌ تكرر آنفًا أيضًا، ويؤكد ذلك
قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارٌَ
[الأنعام:
فَاتَِّعُوهُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
١٥٥].
جاء الثناء على الوحي من عدة وجوه في
الآية، فمنها:
١. إن هذا الكتاب نزل من عند الله،
وليس من عند البشر، دل علیھا قوله:
﴿أَنزَلْنَهُ﴾.
٢. إن هذا الكتاب مباركٌ، أي: «کثیر
الخيرات)» (٣).
٣. إن هذا الكتاب سببٌ للرحمة لمن
اتبعه؛ لأن أكبر ((سبب لنيل رحمة الله
اتباع هذا الكتاب علمًا وعملًا، ... وفي
هذه الآيات؛ دليلٌ على أن علم القرآن
أجل العلوم وأبركها وأوسعها، وأنه به
تحصل الهداية إلى الصراط المستقيم
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٣/٥.
(٢) معالم التنزيل، البيضاوي ١٨٩/٢.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ٩٣.
هداية تامة)) (٤).
اتباع الصالحين:
الصالحون: ((جمع صالح، وهو كل
من صلحت سريرته وعلانيته)) (٥)، ولما
كان هذا الخلق عظيمًا؛ وصف الله به
عددًا من الأنبياء في آياتٍ كثيرة، فقد دعا
نبي الله إبراهيم عليه السلام بأن يكون من
الصالحين: ﴿رَبِّ هَبْ لِ حُكْْمًا وَأَلْحِقْنِى
بِالصََّلِمِينَ ﴾ [الشعراء: ٨٣].
ومثله نبي الله يوسف عليه السلام
وسليمان عليه السلام، كما أثنى الله على
عدد من الأنبياء بهذه الصفة فقال: ﴿وَزَكَرِيًّا
وَيََّى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَّ كُلٌّ مِنَ الصَّلِينَ
(٥)﴾ [الأنعام: ٨٥].
وما دامت للصالحين تلك المنزلة، فقد
نتساءل کیف یمکن الوصول إليها؟
إن الوصول إلى هذه المنزلة لا يكون إلا
باتباع الصالحين، غير أن هذا الاتباع مقيد
بقيد موافقتهم للشريعة، وأما ماخالفوا فيه؛
فإنهم لا يتابعون عليه؛ فالحق أحق أن يتبع.
وسوف يكون الحديث عن الصالحين
من خلال مايلي:
١. اتباع الصحابة رضي الله عنهم.
٢. اتباع الدعاة والعلماء.
٣. اتباع الآباء الصالحين.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٢٣٤/٢.
(٥) جامع البيان، الطبري ١٦٣/٥.
www. modoee.com
٢٤٩

حرف الألف
· اتباع الصحابة رضي الله عنهم.
لما كانت السعادة في اتباع الرسل؛ فإن
أولى الناس بالاتباع بعد الرسل («هم أعلمهم
بآثار المرسلين وأتبعهم لذلك))(١)، ولا أحد
أعلم بحال المرسلین إلا أقرب الناس إليهم
وهم أصحابهم.
وقد أثنى الله عليهم في القرآن الكريم
في مواضع كثيرة، ومنها: ﴿وَالسَّبِقُونَ
اْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَاتَّبَعُوهُم
بِإِحْسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّلَهُمْ
جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا
أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: ١٠٠].
كما أثنى عليهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم في أحاديث كثيرة، ومنها قوله
صلی الله عليه وسلم: (خير أمتي قرني، ثم
الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (٢).
قال الشنقيطي متحدثًا عن آية التوبة:
((صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن
الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين
والأنصار بإحسان؛ أنهم داخلون معهم في
رضوان الله تعالى والوعد بالخلود في
الجنات، والفوز العظيم)» (٣)، وأما اتباعهم؛
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٦/٤.
(٢) أخرجه البخاري من حديث عمران بن حصين
رضي الله عنهما، كتاب فضائل أصحاب
النبي، باب فضائل أصحاب النبي، رقم
٣٦٥٠.
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ٤٧٤.
فهو اتباعٌ كاملٌ؛ بالاعتقادات والأقوال
والأعمال (٤).
وقد ساق ابن القيم أدلة وجوب اتباع
الصحابة رضي الله عنهم من ستة وأربعين
وجهًا (٥).
بقي أن أشير إلى أن اتباع الصحابة رضي
الله عنهم دائر مع الحق وجودًا وعدمًا؛ فإن
ما يقولونه أو يفعلونه يعرض على الكتاب
والسنة، فإن وافقهما قبل، وإن خالفهما رد.
اتباع الدعاة العاملين:
أقصد بالدعاة العاملين: أولئك الربانيين
الذين علموا الحق ودعوا إليه، وصبروا على
الأذى الذي نالهم في سبيله.
ساق القرآن ثلاث جوانب في هذا
السياق، ومنها:
١. مؤمن آل فرعون.
٢. صاحب (یس).
٣. اتباع المؤمنين.
مؤمن آل فرعون:
تحكي لنا هذه القصة حال رجل عرف
الحق فآمن به، ودعا إلیه، و کان یکتم إيمانه،
ويجادل عن موسى عليه السلام مع أعظم
طغاة الأرض فرعون.
والقصة طويلة، لكن المقصود أنه دعاهم
إلى توحيد الله تعالى والإيمان بموسى عليه
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٣٦.
(٥) انظر: إعلام الموقعين، ابن القيم ١٢٣/٤ -
١٥٢.
٢٥٠
جَوَسُوبَةُ النَّ
القرآن الكريم

الاتباع
قال لهم: ﴿يَقَوْمِ أَتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ
سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿ يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ
الدُّنْيَا مَتَعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ
٣٩
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةٌ فَلاَ يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ
صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنَقَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ
ا﴾ [غافر: ٣٨ ٤٠].
حِسَاب ١٠)
لم يدعهم الرجل إلى تقليده، بل دعاهم
إلى اتباع الحق، ولذلك فإن هذا الرجل
إنما اتبع لأنه دعا قومه إلى الحق، لا لأنه
دعا إلى نفسه. ثم دعاهم مرة أخرى فقال:
﴿مَا لِيّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى
النَّارِ ن تَدْعُونَنِ لِأَكْفُرَ بِاللّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ،
مَا لَيْسَ لِىِ بِهِ، عِلْمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ
الْفَقَّرِ ﴾ [غافر: ٤١ ٤٢].
والخلاصة أن هذا الرجل مؤمن آل
فرعون- واجه الشرك وأهله - الذي تمثل
بفرعون وملئه يدعوهم على إلى عبادة إله
لاشريك له، واتباع موسى عليه السلام،
حتى انقسم الناس إلى قسمين لا ثالث لهما:
(إما محمدي موسوي، أو فرعوني)) (١).
قصة صاحب (یس):
قص الله علينا قصة هذا الرجل الذي جاء
إلى قومه يدعوهم إلى الله تعالى، وقومه
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٢/ ٢٥٣.
السلام، وحذرهم من الشرك الذي يقود هم أصحاب القرية الذين أرسل الله إليهم
ثلاثة من الرسل فكذبوهم جميعًا محتجين
على النار.
بکونھم بشرًا، وفي أثناء الحوار يجيء رجل
من أقصى المدينة يسعى ليناظر هؤلاء
المعاندين، ويبين لهم حقيقة توحيد الله
ـده، ومما قال: ﴿يَنَقَوْمِ أَتَّبِعُوا
الْمُرْسَلِينَ ﴿ أَنَّبِعُواْ مَن لَّا يَسْئَلُكُمْ
أَجْرً وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ وَمَا لَِ لَآَ أَعْبُدُ الَّذِى
،أَّخِذُ مِن دُونِهِ.
فَطَرَبِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )
ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍ لَّا تُغْنِ عَنِّي
شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ ، إِّ إِذَا
لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ، إِّتْ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ
فَأَسْمَعُونِ (٥)﴾ [يس: ٢٠ ٢٥].
طلب منهم هذا الرجل أن يتبعوا
المرسلین، «فنبه على موجب الاتباع، وهو
كون المتبوع رسولًا لمن لا ينبغي أن يخالف
ولا يعصى)) (٢).
وأخبرهم بأنه يعبد إلهًا واحدًا، وليس
هناك شيء يمنع من عبادة الله تعالى، الذي
فطرنا جميعًا وإليه مرجعنا جميعًا، وهذا فيه
رد وردع لهم للرجوع عن الشرك من خلال
التذكير بالبعث.
وكما في قصة مؤمن آل فرعون؛ فإن هذا
الرجل لم يدعهم إلی نفسه، بل دعاهم إلى
توحيد الله ونبذ الشرك، واتباع القوم له إنما
هو اتباع للحق وليس لشخصه.
(٢) بدائع التفسير، ابن القيم ٣/ ٤٧٧.
www. modoee.com
٢٥١

حرف الألف
اتباع المؤمنين:
لم يقتصر اتباع الصالحين على قصتين
في القرآن فقط، بل إن القرآن دعا إلى اتباع
كل من ينيب على الله سبحانه وتعالى، قال
تعالى: ﴿وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَّ
مَرْجِعُكُمْ فَأَنَبِشُكُمْ بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[لقمان: ١٥].
قال ابن كثير: ((يعني المؤمنين)) (١).
وخصها ابن القيم بالصحابة فقط، فقال:
((و کل الصحابة منیبٌ إلی الله، فیجب اتباع
سبيله، وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله،
والدليل على أنهم منيبون إلى الله تعالى؛ أن
الله تعالى قد هداهم وقد قال: ﴿وَهْدِىّ
إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ [الشورى: ١٣]))(٢).
والظاهر والله أعلم أن الآية عامة، وأنها
تعني الاقتداء بكل منيبٍ إلى الله، أي: راجع
إليه، مقلعٍ عن الشرك والمعاصي، وهذا يعني
كل إنسانٍ هذا شأنه من عباد الله الصالحين،
((واتباع سبيلهم؛ أن يسلك مسلكهم في
الإنابة إلى الله التي هي انجذاب دواعي
القلب وإرادته إلى الله، ثم يتبعها سعي البدن
فيما يرضي الله ويقرب منه)).(٣)
* اتباع الآباء الصالحين:
إن منزلة الآباء عند أبنائهم منزلة عظيمة،
ومحبة الابن لأبيه والأب لابنه كبيرة، وقد
(١) تفسير القرآن العظيم ٤٥٤/٣.
(٢) إعلام الموقعين ٤ /١٣٠.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٧٨/٦.
جوبيبو
القرآن الكَرِيْمِ
أمر الابن بطاعة أبيه في مواطن كثيرة، ولكن
هذه الطاعة تزول إذا أمر الوالدان أو أحدهما
بمعصية الله، فإنه لا طاعة لهما.
إن اتباع الآباء - شأنه شأن بقية أنواع
الاتباع - مقيد باتباع الحق، فما دام
الأب متبعًا للحق؛ فإنه يتبع، ومتى جانب
الصواب؛ فإنه يترك ولا يتابع في ذلك، مع
الاحتفاظ بتقديره واحترامه.
قال يوسف عليه السلام: ﴿وَأَتَبَعْتُ مِلَّةَ
ءَبَآءِىّ إِزَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ مَا كَانَ لَنَّآ
أَن نُشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَىْءٍ ﴾ [يوسف: ٣٨].
إن من اتبع طريق المرسلين، وابتعد عن
طريق الضالين؛ ((فإن الله يهدي قلبه، ويعلمه
مالم یکن یعلم، ويجعله إمامًا یقتدى به في
الخير، وداعيًا إلى سبيل الرشاد)) (٤).
ثم شرع يبين من هؤلاء الآباء: إنهم
إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وهؤلاء كلهم
أنبياء كما لا يخفى -، وهذا هو السبب
الأول في اتباعهم، إنهم معصومون وعلى
الحق دائمًا (٥)
وأما السبب الثاني؛ فقوله: ﴿مَا كَانَ لَنَّ
أَنْ تُشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَىْءٌ﴾، فقد «طهر آباءه عن
الكفر)» (٢)، وبين أنهم على ملة التوحيد
بالدلالة العكسية لعدم الشرك، حتى أصبح
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٩٦/٢.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٢٦/٩.
(٦) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨/ ١١١.
٢٥٢

الاتباع
التوحيد («كالسجية لهم، عرف بها أسلافه
بين الأمم، وعرف بها نفسه)) (١).
وعلى هذا؛ فالإيمان شرط لاتباع الأبناء
الآباء؛ لأن الآباء في الغالب سببٌ في هداية
أبنائهم بعد توفيق الله بتربيتهم وتعليمهم
عقيدة أبنائهم، فهم يتابعون ذلك حتى وهم وتهذيبهم.
وتأمل كيف يكون حرص الأنبياء على
في أخریات حياتهم ساعة الاحتضار.
قال تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ
يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ
مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ
إِبْرَهِمَ وَ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَّا وَحِدًا وَنَحْنُ لَهُ.
مُسْلِمُونَ {
﴾ [البقرة: ١٣٣].
١٣٣
ولا يكفي أن يكون ذلك في الدنيا، بل
إن الأبناء يلحقون آباءهم، وينالون شرف
الاتباع في الدنيا باللحاق بآبائهم المؤمنين
في الآخرة، وعنده تكتمل سعادة الآباء
والأبناء.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّنُهُم
بِإِيمَنِ اَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَمَا أَلَنَّهُم مِّنْ عَلِهِم ◌ِن
شَّرُ كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ [الطور: ٢١].
حيث يخبر الله تعالى عن تمام نعيم
أهل الجنة، بإلحاق الأبناء بالآباء، لكن
هذا ليس لكل ابن، إنه للأبناء الذين اتبعوا
آباءهم بالإيمان فقط، ((فعطف الاتباع
بالواو؛ يقتضي أن يكون المعطوف بها قيدًا
أو شرطًا في ثبوت الخبر، لا حصوله لكل
أفراد المبتدأ))(٢).
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٣/١٢.
(٢) بدائع التفسير، ابن القيم ٤ / ٢٦٢.
ولذلك فإن هذا الأب الذي ربى ذريته
على الإيمان؛ يتمنى رؤية أبنائه معه في
الجنة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: «إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته،
وإن کانوا دونه في العمل؛ لتقر بهم عينه»، ثم
قرأ الآية (٣).
وعند أحمد في المسند عن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (إن الله ليرفع الدرجة للعبد
الصالح في الجنة، فيقول: يارب: أنى لي
هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك) (٤).
[انظر: القدوة: الآباء الصالحون]
ثانيًا: الاتباع المذموم:
لاشك أن مظاهر الاتباع المذموم كثيرة،
وذلك ليس بدعًا من القول؛ فإن السبل
الموصلة إلى جهنم كثيرة، بينما سبيل الجنة
واحد هو اتباع الوحي الذي نزل على الأنبياء
عليهم السلام.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٩/٤.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٢/ ٥٠٩، وابن ماجه
في سننه، كتاب الأدب، باب بر الوالدين، رقم
٣٦٦٠.
وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،
رقم ٢٩٥٣.
www. modoee.com
٢٥٣

حرف الألف
وتتكرر مظاهر الاتباع المذموم بحسب
الأزمنة والأمكنة، وتتنوع طرائقها، وبعضها
يتمسح بمسوح الدين غير أن قائده يظل
الهوى أو الشيطان أو كلاهما، أو غيرهما من
مظاهر الاتباع المذموم.
اتباع الشيطان:
حين يتأمل المرء دعاء امرأة عمران
العظيم: ﴿وَإِنْ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ
الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [آل عمران: ٣٦].
يتعجب من هذا الدعاء، ((فاستجاب
الله لها، فأعاذها الله وذريتها من الشيطان
الرجیم، فلم يجعل له عليها سبيلًا)) (١).
وأعاذها وأعاذ ذريتها من بعدها من
الشيطان الرجيم.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله صلی الله علیه وسلم قال: (ما من مولود
یولد إلا نخسه الشيطان، فیستهل صارخًا من
نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه).
ثم قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنّ
أُعِيدُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَيِ الرَّحِيمِ﴾ (٢).
والحذر والتحذير من الشيطان والخوف
من وسوسته واجب، فحتى الأنبياء لم
يسلموا من وسوسة الشيطان، لكن الله
سبحانه عصمهم، والأدلة والأمثلة على
ذلك كثيرة.
(١) جامع البيان، الطبري ٢٣٩/٣.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب فضائل
عيسى عليه السلام، رقم ٢٣٦٦.
قال الراغب: ((وسمي كل خلق ذميم
للإنسان شيطانًا)) (٣).
ولذلك فقد ميز الله الشيطان بصفات
كاشفة كثيرة، جعلته شديد الوضوح لكل
من يبحث عن الحق، ومن ذلك أنه وصف
بالكفور كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِرَبِّهِ، كَفُورًا (٣)﴾ [الإسراء: ٢٧].
والمريد، المتعري من كل خير، كما في
قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَنِ مَّرِيدٍ
(٢)﴾ [الحج: ٣].
كما أنه يؤز بالإغواء والإضلال، قال
تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى
اُلْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزَّا ﴾ [مريم: ٨٣].
ومن الطبيعي أن يوالي غير المؤمنين،
كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَّطِينَ
أَوْلِيَّةَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٧].
إلى غير ذلك من الآيات، وهي كثيرة
جدًا.
لكن المهم أن الشیاطین لا یریدون سوى
الضلال والإضلال، وصرف الناس عن
طريق الحق، وتزيين الباطل.
أما أثر اتباع الشيطان؛ فيمكن إجماله في
جملة من الآثار، ومنها:
١ . الكفر والضلال.
ولا نتوقع من الشيطان غير ذلك، كما لا
نتوقع منه إلا کل ما هو مؤذٍ ومضرِ بالإنسان.
٢٥٤
جَوَسُولَهُ النَّ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
(٣) المفردات، ص ٤٥٥.

الاتباع
قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْقَالَ لِلْإِنسَنِ
أَكْفُرْ فَكَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّ بَرِىٌّ مِّنكَ إِنّ
أَخَافُ اللَّهَ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ [الحشر: ١٦].
نقل الطبري عن مجاهد قوله: ((﴿كَمَثَلِ
الشَّيْطَنِ إِذْ قَالَ لِلْإِسَنِ أَكْفُرْ﴾: عامة
الناس)) (١).
وكما هو واضح من الآية، يوسوس
الشيطان للإنسان بأن يكفر، فإذا فعل؛
تركه وتبرأ منه، ((وهذا دأب الشيطان مع
کل أوليائه، فإنه يدعوهم ويدليهم بغرور
إلى مايضرهم، حتى إذا وقعوا في الشباك،
وحاق بهم أسباب الهلاك؛ تبرأ منهم وتخلى
عنهم)) (٢)، ولا لوم عليه؛ لأنه عدوٌ يخطط
للإيقاع بخصمه، لكن اللوم على من يتبعه
ويتبع وسوسته.
وأما الضلال فقريب من الكفر ومتممٌ
له، وحين يقع المرء في الضلال؛ فإنه واقعٌ
في الكفر لا محالة، قال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلا بَعِيدًا
٦٠
[النساء: ٦٠]. والكفر داخل ضمن الضلال.
٢. الردة والانتكاس.
عنه بداعي الهوى.
قال تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ أَوْتَدُواْ عَلَى أَدْبَرِهِ
مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىِّ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ
(١) جامع البيان ٥١/٢٨.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٥٣.
لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ﴾ [محمد: ٢٥].
تحكي الآية صفة من تبين لهم الحق ثم
منعتهم شهوات نفوسهم على اختلافها من
اتباعه، فارتدوا على أدبارهم، بسبب تسويل
الشيطان وتزيينه لهم طريق الباطل، وإيهامهم
أن في هذا الطريق إرضاء لشهواتهم وأشباعًا
لغرائزهم، ولذلك أسبابٌ كثيرة، لكن
الشيطان يقع على رأس هذه الأسباب.
ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ قُلّ
أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُّنَا وَذُرَدُّ
عَلَى أَعْقَاِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَنَا اَللَّهُ كَالَّذِى أَسْتَهْوَتْهُ
الشَّيَطِينُ فِ اَلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ: أَصْحَبٌ يَدْعُونَهُ:
إِلَى الْهُدَى أَتْتِنَأُ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىّ
وَأُمِرْنَا لِتُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ [الأنعام:
٧١].
٣. الصد عن سبيل الله.
حين يقع المرء في الكفر والضلال
والردة والانتكاس؛ يتطور أمره إلى أن يصد
الناس عن اتباع الحق، ويسعى بكل ما أوتي
إلى جعل الناس يسيرون في طريق الضلال
والهوى، وهذا من تأثير الشيطان عليه،
وهذا يقع لكثيرٍ ممن عرف الحق وحاد وتزيينه لسوء العمل، كما يحكي القرآن ذلك
على لسان الهدهد مخاطبًا نبي الله سليمان:
﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّيْسِ مِن دُونِ اللَّهِ
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾ [النمل: ٢٤].
ظاهر الآية يدل على أن سبب ضلال
www. modoee.com
٢٥٥

حرف الألف
القوم؛ صد الشيطان إياهم عن السبيل، فهم هؤلاء الأتباع؛ لأنهم ليس لديهم نقل
تحاكمهم إليه ولا عقلٌ، فإذا ما جاءته الحجة
الدامغة وأوقفته؛ زعم أنها لم تخف على
شيطانه الذي يتبعه، فإن قبلها ذلك المتبوع،
وإلا فلا حجة.
لايهتدون للسجود لله تعالى، قال ابن القيم:
((ثم أخبر عن المغوي لهم الحامل لهم على
ذلك؛ وهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم حتى
صدهم عن السبيل المستقيم وهو السجود
لله وحده، ثم أخبر أن ذلك الصد حال بينهم
وبين الهداية والسجود لله الذي لاينبغي
السجود إلا له)) (١)، ويقترب من الصد تزيين
الباطل، وهو كثير في القرآن.
٤. الجدال بغير علم.
وهي نتيجة أخرى للصد عن سبيل
الله، حيث يبدأ المرء في الدفاع عن مبدئه
الفاسد وضلاله المستحكم، وسبب هذا
اتباعه الشيطان، وفي ذلك يقول الله تعالی:
﴿﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اَللَّهِ بِغْرِ عِلْمٍ وَيَنَّبِعُ
كُلَّ شَيْطَنِ ◌َّرِيدٍ ﴾ [الحج: ٣].
تتحدث الآية عن قوم يجادلون في الله
جدالًا مبنيًّا على جهل، ((أي: جدلًا ناشئًا
عن سوء نظر وتفكير، فلا يعلم ما تقتضيه
الألوهية من الصفات»(٢).
سواء أكان من شياطين الجن أو الإنس من
أئمة الكفر والضلال؛ فإن هؤلاء هم الذين
صدوهم عن الحق.
وكم يجد المرء من العنت في مجادلة
(١) بدائع التفسير ٣٣٨/٣.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧/ ١٩٢.
٥. إيقاع العداوة والبغضاء.
وهذه من أحب الصفات إلى الشيطان أن
يوقع العداوة والبغضاء بين المسلمين، قال
تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُم
الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِي الْخَيْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ
اللّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنْهُم مُّنْنَهُونَ ﴾ [المائدة:
٩١].
إن الشيطان يهيئ للعداوة والبغضاء بين
الناس عن طريق الخمر والميسر؛ لأنهما من
أسرع الوسائل في حصولها، وفي الحديث
عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الشيطان
قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب،
ولكن في التحریش بينهم)(٣).
قال النووي: ((أيس أن يعبده أهل جزيرة
وهؤلاء القوم تبعٌ لكل شيطان مريد، العرب، ولكنه سعى في التحريش بينهم
بالخصومات والشحناء، والحروب والفتن
ونحوها)»(٤).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة
والنار، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه
الفتنة الناس، وأن مع كل إنسان قرينًا، رقم
٢٨١٢.
(٤) شرح صحيح مسلم، النووي ١٧ / ١٥٧.
٢٥٦
مُوسْو ◌َةُ الْبَّشيد
جوبيبو
القرآن الكريم

الاتباع
وأعظم التحريش عند الشيطان أن يفرق تعالى: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَائِنُ فَنِسَنُهُمْ ذِكْرِ اللهِ
بين المرء وزوجه (١).
ولذلك فالمطلوب من الإنسان الحذر
من الشيطان ومزالقه التي توصل إلى العداوة
والبغضاء بالقول والفعل.
٦. إلقاء الرعب في قلوب المسلمين.
في غزوة أحد تولى بعض أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم
الزحف.
فجاءت هذه الآية تحكي قصتهم: ﴿ إِنَّ
الَّذِينَ تَوَلَّوْ مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَ الْجَمْعَانِ إِنَّمَا
أُسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾﴾
[آل عمران: ١٥٥].
في الآية بيان سبب التولي يوم الزحف،
وأنه إنما كان استزلال الشيطان لهم، بسبب
بعض ذنوبهم السالفة، وكانت هذه الذنوب
سببًا خفيًا وراء التولى، وقد نقل ابن كثير
عن بعض السلف: ((إن من ثواب الحسنة
الحسنة بعدها، وإن من جزاء السيئة السيئة
بعدها)»(٢).
٧. نسيان ذکر الله.
وهذا أمر طبيعي، فإن من استولى عليه
الشيطان؛ أنساه ذكر الله، كما في قوله
(١) انظر: ما أخرجه مسلم عن جابر أيضًا في
كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب
تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس،
وأن مع كل إنسان قرينًا، رقم ٢٨١٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم ١/ ٤٨٢.
﴾ [المجادلة: ١٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمِنِ
نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ [الزخرف:
٣٦].
إن هذا القرين هو الذي ينسي المرء ذكر
الله تعالى - بكل أنواعه، ولعل المقصود أن
هؤلاء القوم نتيجة استيلاء الشيطان عليهم
وغلبته على نفوسهم؛ أنساهم ذكر الله،
فلم يعودوا یذکرونه بألسنتهم، ولم يعودوا
يتذكرونه بأفعالهم.
٨. التناجي المذموم.
وهي إحدى الصفات المذمومة التي
يزين فعلها لبني آدم حتى يعمق بينهم العداوة
والبغضاء.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ
لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِهِمْ شَيْئًا
إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )﴾
[المجادلة: ١٠].
والمتأمل للآية يلاحظ قصر النجوى
بـ(إنما) على الشيطان، فهو المختص بها
وهي المختصة به، يوسوس إلى قلوب
العباد بوساوسه الخبيثة ليحزن الذين آمنوا،
لما يقع في نفوسهم من خوف الشر.
وقد ورد في السنة عن ابن عمر رضي
الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (إذا كانوا ثلاثة؛ فلا يتناجى اثنان
www. modoee.com
٢٥٧

حرف الألف
دون الثالث)(١)، ولذلك فالمطلوب تفويت يدعوهم إلى عذاب السعير؟
الفرصة على الشيطان، حتى لا يوقع العداوة
والبغضاء بين الناس.
٩. التبذير.
لا یحب الشيطان إلا أن يوقع المرء بشر
أفعاله؛ لأنه لا یرید له الخیر، و کل من أمعن
في اتباعه؛ بالغ في إيقاعه في الخطأ.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَنَ
الشَّيَاطِينِّ وَ كَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا )
[الإسراء: ٢٧].
التبذير صفة مذمومة، منشؤها الشيطان،
حتى عد المبذرون إخوان الشياطين، نتيجة
ملازمتهم لهم واتباعهم إياهم، ((وقد زيد
تأكيد ذلك بلفظ ﴿كَانُواْ﴾ المفيد أن تلك
الإخوة صفة راسخة فيهم، وكفى بحقيقة
الشيطان كراهة في النفوس واستقباحًا)) (٢).
١٠. دخول النار.
هذا الأثر قاصمة الظهر، وهو الذي لا
نطیق؛ لأن اتباع الشيطان يؤدي بالمرء إلى
السعير.
ألم يقل الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ
الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾
[لقمان: ٢١]؟.
لنتأمل في الاستفهام الذي يظهر منه
التعجب، ومعناه: أيتبعون الشيطان وهو
(١) أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب
لا یتناجی اثنان دون الثالث، رقم ٦٢٨٨.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥/ ٨٠.
إن العاقل لا يفعل ذلك بلا شك،
وهذا يدل على أن هؤلاء القوم ليست لهم
عقولٌ، وهو في حد ذاته ذٌ لهم، ولكن:
أين عقولهم؟ لقد سيطرت عليها الشهوات
واتباع الهوى، فتبعوا الشيطان مع علمهم
بعداوته الشديدة لهم.
* اتباع الآباء الضالين.
إن حب الابن لأبيه مغروسُ في
نفسه، وهو من أعراف الأقوام، وآدابهم
الاجتماعية، فالطفل ((يشعر بأن أباه أعظم
الناس وأحقهم بالإجلال والتعظيم)) (٣).
هذا؛ وقد كان العرب إذا قضوا حجهم
وقفوا عند الجمرة، وطفقوا يتفاخرون
بالآباء، ويذكرون أيام أسلافهم في الكرم
والشجاعة ونحو ذلك، حتى قال تعالى:
﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ
اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَ كُمْ أَوْ أَشْدَ ذِكْرًّاً
(٢٠٠)﴾ [البقرة: ٢٠٠].
إذن فمحبة الابن لأبيه أمرٌ معتبرٌ شرعًا،
وقد حث عليه الإسلام في مواضع كثيرة،
ولكن يجب ألا تطغى هذه المحبة على
الحد الطبيعي، بحيث تكون سببًا في رد
الحق، وعدم اتباعه بحجة اتباع الآباء.
وحين تتأمل دعوات الأنبياء؛ تجد أنها
بدأت بدعوة الآباء أولًا، وأوضح الأمثلة
(٣) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٢٢٦/١٠.
صَوَسُولَة النَّة
القرآن الكريمِ
٢٥٨