النص المفهرس

صفحات 21-40

إبراهيم عليه السلام
كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (١٥) إِنَّ هَذَا لَمَوَ أَلْبَوَّا
الْمُبينُ:
[الصافات:
﴾ وَفَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ﴾
١٠٦
١٠٥-١٠٧].
إن الذي يمر بابتلاء من الله عز وجل
ويكون شأنه مع هذا الابتلاء مرضيًا لمولاه
جل جلاله لا يمكن أن تكون عاقبته مؤلمة،
فابتلاء الله سبحانه وتعالى لعبده ربما يكون
مصحوبًا بألم متفاوت الدرجات بحسب
صلاح العبد.
سأل سعد بن أبي وقاص النبي صلى الله
عليه وسلم: أي الناس أشد بلاء؟ فقال صلى
الله عليه وسلم: (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل،
فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه
صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقةٌ ابتلي
على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى
يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئةٌ)(١).
لكن هذا الألم إذا ما قورن مع لذة العاقبة
التي سيكافئه الله عز وجل بها؛ فإنه لا وزن
له (٢).
تربية ولده على الاستجابة لأمر الله
وإعانته على طاعة الله مهما كلف
(١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الزهد، باب
ما جاء في الصبر على البلاء، ٤ / ٦٠١، رقم
٢٣٩٨، وابن ماجه في سننه، كتاب الفتن،
باب الصبر على البلاء، ١٣٣٤/٢، رقم
٤٠٢٣.
وصححه الألباني.
(٢) انظر: الوجيز، الواحدي، ص ١٤٣، محاسن
التأويل، القاسمي، ٤٦٢/١.
الأمر.
و کان إبراهیم صلی الله عليه وسلم يعلم
أن ابنه سيستسلم لأمر الله، ويكون عونًا
لأبيه عليه، ولو حصل له من العلم ما يخالف
ذلك؛ لما عرض الأمر علیه یشاوره فيه.
وذلك ما جاء في قوله عز وجل:
بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبْنَىَّ إِّ أَرَى فِى الْمَنَامِآَنِ
أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىَّ قَالَ يَتَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ
سَتَجِدُِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ﴾ [الصافات:
١٠٢]. قرئت بالفتحتين في قوله: ﴿مَاذَا
تَرَىَّ﴾ على سبيل عرض الأمر على ولده
واستشارته؛ لثقته بأن رد إسماعيل -الذي
رباه على الامتثال لأمر ربه- سيأتي مرضيًا
عند الله عز وجل؛ وهو بذلك يتقرب لله عز
وجل بعبادتين ظهرتا في هذا الموقف:
الأولى: تربيته لولده تربية أثمرت سرعة
الامتثال والطاعة، مهما كلف الأمر.
والثانية: عبادة تنفيذ الأمر.
وفي القراءة الثانية بالضم والكسر على
الحث والتحضيض لإسماعيل صلى الله
عليه وسلم على الامتثال لأمر الله سبحانه
وتعالى، وهي بمعنى: فانظر ماذا تري ربك
من الامتثال، والصبر على أمر الله جل
جلاله، في موطن لم تسبق إلى مثله، وهنا
أيضًا تظهر عبادتان الأولى: حث ولده على
التضحية بحياته؛ إرضاءً لربه برضی نفس،
www. modoee.com
١٨١

حرف الألف
وثبات وصبر، والثانية: تنفيذه للأمر(١).
الامتثال لأمر الله وتنفيذه على الهيئة
التي أمر الله بها.
وقد ظهر ذلك الامتثال بتمامه في قول
الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ,
لِلْجَمِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣].
أمر بالذبح؛ فامتثل بالذبح، ولم يلجأ إلى
طريقة أخرى مثل قطع رأسه مرة واحدة،
أو دفعه من فوق جبل، أو دفنه حیا، -حال
غيبوبة؛ ليهون عليه الأمر -، ولم يأت بطريقة
أشد قسوة مثل التقطيع أو التحريق مبالغة في
التقرب لله، بل امتثل الأمر كما هو، مبتعدًا
بذلك عن التفريط والإفراط.
وفي هذا وقفة مع أهل البدع، والمناهج
المحدثة في عبادة الله:
ففريق منهم يفرطون في شأن العبادات
- بحسب شهواتهم ومصالحهم-، لا وفق ما
تقتضيه قواعد الشريعة ومقاصدها.
وفريق آخر يزيدون من التشديد في
العبادات على قصد المبالغة في التعبد لله
عز وجل - بحسب أهوائهم وأذواقهم -.
والوسطية: هي الإتيان بالعبادات
والطاعات على الوجه الذي أمر الله به.
فينظر إن كان في إتيانها على الوجه الذي
أمر الله به ما يتعارض مع مقاصد الشريعة،
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٤٥/٢٦،
التسهيل، ابن جزي، ٢/ ١٩٦.
بحيث يترتب عليه مشقة غير محتملة وحرج
على الناس، أو يترتب عليه ضرر وخطر
على حياة العبد؛ فإن الأمر يخفف على وجه
مأذون فيه، وفق قواعد الشريعة وأصولها.
وإن لم يترتب عليها شيء مما سبق؛ فلا
يبالغ في العبادة، ولا يشدد فيها، إنما يأتي
بها العبد على الوجه المأمور، من غير زيادة
ولا نقصان، زعمًا أن في الإتیان به علی هذه
الكيفية مزيد تقرب لله عز وجل؛ فإن أعظم
التقرب لله جل جلاله هو امتثال الأمر كما
أمرنا به تبارك وتعالى (٢).
عدم إضمار الغل والغش والحقد
والحسد لعباد الله، سليم من التعالي
والتكبر على عباد الله، وهكذا هي
صفات المحسنين.
يقول الله عز وجل في وصف إبراهيم عليه
السلام: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:
١١٠].
یقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم
والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا
تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا
تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا
عباد الله إخوانًا) (٣).
(٢) انظر: الداء والدواء، ابن القيم، ص ١٢٢، أثر
الإيمان في تحصين الأمة، عبد الله الجربوع،
١/ ٤١٢، حقيقة البدعة وأحكامها، سعيد
الغامدي، ٣٩٣/١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
جَوَسُولَةُ النَّفِيد
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١٨٢

إبراهيم عليه السلام
ينهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحدٍ، ولا
يبغي أحدٌ على أحدٍ) (٢).
كل ما يفضي إلى إعراض الناس عن الحق؛
مبينًا لنا خطر هذه الأخلاق على أمة متماسكة،
أنها إذا فشت فيها؛ فإنها ستذهب بدينها الذي
هو سبب عزتها، وفى حديث آخر يقول صلى
الله عليه وسلم: (دب إليكم داء الأمم قبلكم:
الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول تحلق
الشعر ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده
لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى
تحابوا، أفلا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم؟ أفشوا
السلام بينكم) (١).
سالم من التعظيم لنفسه والعجب؛ لأنه
يرجو لنفسه أن يكون من جملة عباد
الله.
وقدمن الله بتحقيق رجائه فقال جل جلاله:
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١].
یرجو هذا الرجاء، وقد جعله الله إمامًا
يعدل أمة؛ فهو سليم من الحرص على الدنيا،
سلیم من کل مرض وعیب، سلیم من كل داء
وعطب مما ذكره الله في كتابه، أو جاء ذم
صاحبه في سنة رسوله صلی الله عليه وسلم،
يقول صلى اللهعليه وسلم: (إن الله أوحى إلي
باب قوله: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من
الظن)، ٨/ ١٩، رقم ٦٠٦٦.
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد
والورع، باب رقم ٥٦، ٦٦٤/٤، رقم ٢٥١٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع
٦٣٤/١.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة النار،
باب صفات أهل الجنة وأهل النار، ٨/ ١٦٠،
رقم ٧٣١٢.
www. modoee.com
١٨٣

حرف الألف
دعوته عليه السلام
أولًا: معالم دعوته:
جاء في الحديث عن أبي هريرة، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(الأنبياء إخوةٌ لعلاتٍ، أمهاتهم شتى ودينهم
واحدٌ) (١).
وفيه تفسير لقول الله تبارك وتعالى:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ
إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَإِلَّآ أَنْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
فجاءت دعوته على هذا السنن، دعوة
إلى توحيد الله تبارك وتعالى، ونبذ الشرك
وشريعة الشيطان، وقد برزت معالمها على
النحو التالي:
١. إعلان التوحید.
وقد أعلن ذلك في مواقف عديدة،
وبعبارات متنوعة، ذكرها القرآن في
مواضع متفرقة، نذكر منها ما جاء في سورة
العنكبوت.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِزَهِيمَ إِذْ
قَالَ لِقَوْمِهِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاتَّقُوهٌ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ
إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٦].
حیث إنه أمرهم بعبادة الله وحده، محذرًا
إياهم من عقابه.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَأَذْكُرْ فِى الْكِتَبِ مَّرْيَ﴾
[مريم: ١٦]،١٦٧/٤، رقم ٣٤٤٣.
ضو
جَوَسُولَهُ النَِّيّة
القرآن الكريمِ
٢. إنكار الشرك.
فقد أنكر عليه السلام أن يكون حق
الألوهية لغير الله، يقول الله جل وعلا:
﴿وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ لِأَبِهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا
ءَالِهَةٌ إِّ أَرَكَ وَقَوْمَكَ فِىِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾
[الأنعام: ٧٤].
فوصف هذا الفعل بالضلال، لو فعله أي
أحد كائناً من كان، فهو یخاطب أباه وقومه.
٣. البراءة من الشرك وأهله.
تبرأ من قومه ومن أفعالهم بعد أن رأى
إصرارهم على ما هم عليه من عبادتها.
إِبْرَهِيمٌ
وَإِذْ قَالَ
يقول المولى عز وجل:
لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ (١) إِلَّا
الَّذِى فَطَرَبِ فَإِنَّهُ، سَيَهْدِينِ ) وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ
باقِيَةً فِىعَقِبِهِ.لَعَلَّهُمْ يْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦
- ٢٨].
٤. إعلان العداء لهم ولآلهتهم.
عندما تیقن من خبر الله له أنهم لن يتركوا
عبادتهم للأصنام، أعلن العداوة بينه وبين
معبوداتهم.
يقول الله مخبرًا عنه: ﴿قَالَ أَفَرَهَيْتُمُ
٥ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمُ
مَّا كُتُمْ تَعْبُدُونَ
اُلْأَقْدَمُونَ ﴾ فَإنَّهُمْ عَدُوٌّ لِ إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾
[الشعراء: ٧٥-٧٧].
١٨٤

إبراهيم عليه السلام
٥. الهجرة من البلد الذي يعادي
دین الله.
وذلك حينما أوقدوا له النار؛ بسبب ما
كان يدعوهم إليه من التوحيد، ونبذ الشرك
بالله تبارك وتعالى.
يقول سبحانه وتعالى: ﴿قَالُواْ أَبْنُواْ لَّهُ بُلْيَنَّا
فَأَلْقُوهُ فِ اَلْجَحِيمِ * فَأَرَادُواْ بِهِ، كَيْدًا جَعَلْنَهُمُ
(١) وَقَالَ إِّ ذَاهِبٌ إِلَى رَبِ سَيَهْدِینِ﴾
اْأَسْفَلِينَ
[الصافات: ٩٧-٩٩].
ثانيًا: أساليب دعوته:
التنويع في أساليب الدعوة أمر هدى
الله إلیه رسله وأنبياءه؛ فإن لكل مقام مقالًا،
ولکل حادثة حديثًا، والأسلوب الذي يحسن
استعماله في موطن؛ لا يصلح أن يستعمل
في موطن آخر، وهذا من الحكمة التي آتاها
الله إبراهيم عليه السلام؛ فقد استعمل مع
قومه أساليب نظرية في دعوتهم، وأخرى
عملية، سنعرض لها على النحو التالي:
١. الأساليب النظرية.
* الحوار.
يقص علينا القرآن الكريم ما دار بين
إبراهيم عليه السلام وأبيه من حوار حول
عبادة غير الله.
يقول الله جل جلاله: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِنَبِ
إِبْرَهِيمْ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا (٦) إِذْ قَالَ لِأَبِهِ يَأَبَتِ
لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنَكَ شَيْئًا
يَأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَفِى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ
فَتَّبِعْنِىّ أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِبًا يَأَبَتِ لَا تَعْبُدٍ
الشَّيْطَنَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا )
يَأَبَتِ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ
فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ﴾ قَالَ أَرَاغِبُّ أَنْتَ
عَنْ ءَالِهَتِى يَِّيْزَهِيمٌّ لَيِن لَّمْ تَنْتَّهِ لَأَرْجُمَنَّكْ
وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا (٦) قَالَ سَلَمُ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ
لَكَ رَبِيِّ إِنَّهُ، كَانَ بِ حَفِيًّا ، وَأَعْتَزِلُكُمْ
وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِی عَسَى
أَلَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤١- ٤٨].
حوار عذب هادئ رصين، ملؤه الحنان
والعطف والشفقة، سمته الأدب والبر
والتقدير، وهذا من جهة إبراهيم(١).
وفي المقابل الفظاظة والجفاء والغلظة
من جهة والده، وتظهر السمات سالفة الذكر
في أسلوب إبراهيم عليه السلام من خلال
ما يلي:
نادى والده مستعملًا في ندائه تاء الاحترام
(أبت) بدلًا من استعمال ياء الإضافة.
لم ينعت أباه بالجهل، بل أشعره بأنه
یعترف بما لديه من علم، لكنه أخبره أنه قد
أتاه الله علمًا زائدًا على الذي عنده.
طلب منه أن يتبعه؛ معللا ذلك بأنه قد
عرف طريق الحق، ولم يذكر له أنه على
طريق عوجاء.
ذكر له الداعي الذي دعاه لهذا الحوار-
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٤ /١١.
www. modoee.com
١٨٥

حرف الألف
الأمر الذي قد يراه أبوه جرأة منه عليه-، وهو وَالْأَرْضَ حَنِيفًاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[الأنعام: ٧٥ - ٧٩].
الخوف والإشفاق على أبيه من عذاب الله
تعالی.
قوله له بعد التهديد والوعيد الذي قابله
به: ﴿قَالَ سَلَمُ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرْ لَكَ رَبِّإِنَّهُ.
کَانَ بِى حَفِيًّا ﴾.
● التعريض والإشارة.
وذلك في يوم اجتماع لقومه يعظمون
فيه النجوم، خرج معهم وأظهر أنه سيفعل
مثل فعلهم، وما كان ذلك عن إيمان، وإنما
مجاراة لهم؛ لیبین لهم ضعف عقولهم، إذ
لم يتفكروا ولم يتبصروا، فالمعبود الذي
يستحق العبادة لا ينبغي له أن يتغيب عن
عبيده، ولما كانت النجوم تظهر وتختفي؛
کان ھذا دليلا على نقصها وعجزها(١).
يقول الله سبحانه وتعالى عن هذا
الأسلوب وكيف وظفه إبراهيم عليه السلام:
وَكَذَلِكَ نُرِىَ إِنْزَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ
﴿ فَلَمَّا جَنَّ
وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
عَلَيْهِ أَلَّيْلُ رَءَا كَوَكَبَاً قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ
قَالَ لَآ أُحِبُّ الْآَخِلِينَ ، فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ
بَزِغًا قَالَ هَذَا رَبِيٌّ فَلَمَّا أَفْلَ قَالَ لَيْنِ لَّمْ يَهْدِنِ
فَلَمَّا
٧٧
رَبِى لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِي هَذَا أَكْبَرٌ
٧٨
فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنَّيِ بَرِىٌّ مِّمَّا تُشْرِكُونَ
إِّ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى نَطَرَ السَّمَوَتِ
انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، ٤٨/٢.
(١)
وكان من حكمته أن قد بدأ بالأصغر؛ ليبين
أنه إن لم يستمر في الظهور؛ فلا يستحق أن
یعبد، ثم ثنی بما هو أكبر، وهو القمر، فلربما
كان هو الأبقى الذي يستحق العبادة؛ لأنه
أقدر على الظهور، فلما غاب؛ بين لهم أنه
جدير بالكفر بعبادته، ثم التفت إلى الشمس
وقد كانت منافعها أكثر، لكنها جرت على
سنة سابقيها من الاختفاء؛ فكانت لها نفس
النتيجة، وهي عدم استحقاق العبادة.
● الدعوة إلى التبصر والتدبر.
كان إبراهيم أمة كما أخبر الله سبحانه
وتعالى عنه، فقد استنفد كل الأساليب
والوسائل في دعوة أبيه وقومه، وذكر الله
جل جلاله أمثلة عليها.
ومن هذه الأمثلة قوله عز وجل: ﴿وَآتُلُ
عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ) إِذْ قَالَ لِأَبِيِهِ وَقَوْمِهِ مَا
تَعْبُدُونَ ﴾ قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَنكِفِينَ
قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ) أَوْ
٧١
يَنفَعُونَكُمْ أَوْ بَضُرُّونَ ﴾ قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَا ءَابَلْنَ كَذَلِكَ
٧٥
يَفْعَلُونَ ﴾ قَالَ أَفَرَءَيْتُم مَّا كُتُمْ تَعْبُدُونَ !
أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمُ الْأَقْلَمُونَ ) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيِّ
إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ * الَّذِى خَلَقَتِى فَهُوَ يَدِينِ
وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُِّ وَيَسْفِينٍ (٦) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ
وَأَلَّذِى يُسِتُنِى ثُمَّ يُحْبِينٍ
٨٠
يَشْفِين
وَالَّذِىَ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيَقِ يَوْمَ الذِينِ﴾
١٨٦
موسوبر النفسية الوضوء
القرآن الكريم

إبراهيم عليه السلام
[الشعراء: ٦٩-٨٢].
دعاهم إلى النظر والتأمل في طبيعة
آلهتهم، فهل لديها ما يوجب لها العبادة
من مقومات الألوهية، فهل هي تسمع
دعاءهم؟ وهل يمكنها جلب المنافع لهم؟
أم هل يمكنها دفع المضار؟ فأجابوه: بأن
هذا فعلٌ عهدوا عليه آباءهم، فهم متبعون
لهم على هذه الطريقة؛ فأخبرهم بأن هذا
لا ییرر فعلهم، وهو فوق ذلك يعلن العداء
لكل معبود عبده قومه وآباؤهم، إلا أن
یکون المعبود هو الله؛ لأنه وحده الذي بيده
الرزق، وهو الذي بيده الشفاء من الأمراض،
وهو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يغفر
الذنوب جميعًا يوم القيامة، ففيه الرجاء
لفعل هذا؛ فهو حقيق بالعبادة(١).
المحاجة والمجادلة.
ويظهر هذا الأسلوب في موقفین ذكرهما
القرآن:
الموقف الأول: عند دعوتهم له؛ لیشهد
الموقف الأول: حين خوفه قومه من عيدهم الديني:
آلهتهم أن تصیبه بسوء:
یقول الله سبحانه وتعالى في عرض هذا
المشهد: ﴿وَحَجَّهُ، قَوْمُ، قَالَ أَتُحَجُوَّنِي فِ اَللَّهِ
وَقَدْ هَدَئِنْ وَلَآَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّ أَنِ
يَشَآءُ رَبِي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًاً
أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٥٩٢.
أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم ◌ِاللَّهِ مَا
لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ
أَحَقُّ ◌ِآلْأَمْنِّ إِن كُنُمْ تَعْلَمُونَ ( الَّذِينَ ءَامَنُوا
وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم
مُهْتَدُونَ ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَّيْنَهَا إِبْرَاهِيمَ
عَلَى قَوْمِّ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ
[الأنعام: ٨٠-٨٣].
ءَ
الموقف الثاني: مع النمرود:
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى
الَّذِى حَاجَّ إِبَهِكِمَ فِ رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ
إِذْ قَالَ إِزَّهِمُ بَيَِّ الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا
أُخِ، وَأُمِيتٌ قَالَ إِبْرَهِعُمُ فَإِنَّ اللَّهُ يَأْتِ بِالشَّمْسِ
مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى
كَفَرَّ وَاللهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:
٢٥٨].
* الاستهزاء والتهكم.
وقد ذكر الله له ثلاثة مواقف:
ويصف المولى هذا المشهد قائلًا:
﴿فَظَرَ نَظْرَةٌ فِ النُّجُومِ ، فَقَالَ إِنِّ سَقِيمٌ
٨٩
فَنَّوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِينَ { فَرَاغَ إلَى ءَالِهَنِهِمْ فَقَالَ أَلَّا
تَأْكُلُونَ مَالَكُمْ لَا تَطِقُونَ﴾ [الصافات: ٨٨-
٩٢].
ولنا وقفة مع هذه الآيات الثلاث، حيث
إن المفسرين اختلفوا في سبب قول إبراهيم
عليه السلام: ﴿إِنِّ سَقِيمٌ﴾ على أقوال كثيرة؛
www. modoee.com
١٨٧

حرف الألف
ليخرجوها مخرج الصدق، وهو بلا شك
مقصد حسن.
لكنه يتعارض مع قول النبي صلى الله
عليه وسلم: (لم يكذب إبراهيم النبي عليه
السلام قط إلا ثلاث کذباتٍ، ثنتين في ذات
الله، قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم
هذا، وواحدةٌ في شأن سارة، فإنه قدم أرض
جبارٍ ومعه سارة، وکانت أحسن الناس،
فقال لها: إن هذا الجبار، إن يعلم أنك امرأتي
يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك
أختي، فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم
في الأرض مسلمًا غيري وغيرك)(١).
وذهب بعض العلماء إلى رد الحديث،
وتضعيفه، وهو مروي في الصحیحین.
إن الناظر في اختلاف المفسرين في هذه
المسألة يجدها على أقوال (٢)، وإن كانت
محمولة على الاعتذار لنبي الله إبراهيم
عليه السلام، إلا أنها تضعف عن النهوض
للتوفيق بين ما يرونه وبین قول النبي صلى
الله عليه وسلم في إبراهيم عليه السلام.
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
(١)
أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واتخذ
الله إبراهيم خليلًاً)، ١٤١/٤، رقم ٣٣٥٧،
ومسلم في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب
فضائل إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم،
٩٨/٧، رقم ٦٢٢١.
(٢)
انظر: جامع البيان، الطبري، ٦٣/٢١،
الوجيز، الواحدي، ص ٩١٢، مفاتيح الغيب،
الرازي، ٣٤٢/٢٦، تفسير القرآن العظيم، ابن
کثیر، ٧/ ٢٤.
والذي يؤكد أن الكذب هنا هو المراد
حقيقة، وذلك في حديث الشفاعة الذي
جاء فيه قول إبراهيم عليه السلام حين يأتيه
الناس؛ ليشفع لهم: (فيقولون: يا إبراهيم
أنت نبي الله وخليله من أنهل الأرض،
اشفع لنا إلی ربك ألا تری إلی ما نحن فيه؟،
فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم
یغضب قبله مثله، ولن یغضب بعده مثله،
وإني قد كنت كذبت ثلاث كذباتٍ)(٣).
ولکنه كذب لا يذم فاعله؛ كغيره من
الأنواع التي قال فيها رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (لا أعده كاذبًا، الرجل
يصلح بين الناس، يقول القول ولا يريد به
إلا الإصلاح، والرجل يقول في الحرب،
والرجل يحدث امرأته، والمرأة تحدث
زوجها) (٤).
وما واحد من هذه المواطن في الشرف
بمكانة، مثل المواطن الذي كذب فيها
إبراهيم عليه السلام، إذن هو كذب مشروع،
ومأجور عليه صاحبه، وما كان من اعتذار
لإبراهيم عليه السلام عن الشفاعة، -معللًا
أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب تفسیر
(٣)
القرآن، باب (ذرية من حملنا مع نوح)، ٦/ ٨٤،
رقم ٤٧١٢.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٥/ ٢٤٥، وأبو
داود في سننه، كتاب الأدب، باب في إصلاح
ذات البين، ٤ / ٢٨١، رقم ٤٩٢١.
وصححه
الألباني، صحيح الجامع
١٢٠٤/٢.
مَوَسُو ◌َر التفسير
القرآن الكْرِيْمِ
١٨٨

إبراهيم عليه السلام
ذلك بهذه المواقف-، إلا حياؤه من الله عز مرة أخرى حينما سألوه عمن حطم آلهتهم،
قال: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيِرُهُمْ هَذَا﴾
[الأنبياء: ٦٣].
وجل؛ لأنه كان بإمكانه أن يأتي بالعزيمة؛
لبيان الحق في تلك الأقوال مباشرة، وتحمل
تبعات ذلك في سبيل الله سبحانه وتعالى،
والله جل جلاله أعلم.
وتوجيه القول بأن ما صدر من إبراهيم
إنما هو كذب؛ أن قوم إبراهيم عليه السلام
حینما دعوه لحضور عيدهم، -و کانوا قومًا
يعظمون النجوم-؛ فنظر إلى النجوم قائلًا:
إني سقيم أعجز عن حضور عيدكم، فإن
كانت هذه النجوم التي تعظمونها قادرة
على شفائي؛ أذهب معكم، حينها تولوا
عنه مدبرین، حیث إنه أفحمهم بحجته،
وقد علموا أنه إنما قال ما قال على سبيل
الاستهزاء؛ فتركوه؛ حتى لا ينغص عليهم
عیدهم، ويسمعهم ما یکرهون في آلهتهم.
وهي ليست بالأمر الغريب على إبراهيم
عليه السلام، فقد سبق له أن خاطبهم بالطريقة
نفسها، حينما بين لهم عدم صلاحية الشمس
والقمر والنجم للعبادة، حيث أوهمهم بقوله
كما يبينه لنا القرآن: ﴿قَالَ هَذَارَبٍِّ﴾ [الأنعام:
٧٦].
في الشمس، وهو لا يريد بقوله هذا أنه آمن
بها، وإنما أراد التدرج معهم؛ لبيان عدم
صلاحيتها للألوهية.
وهذه كانت قبل قوله: ﴿إِنّ سَقِيمٌ﴾ وفي
ئت بعد قوله: ﴿إِنّ سَقِيمٌ﴾.
وقد توسطت هذه الحادثة، تلكما
الحادثتين، وهما من قبيلٍ واحد، وقد
أشبهتهما هذه الحادثة؛ فلا يمتنع أن تكون
من جنسهما، أي: أنه قال هذا القول على
سبيل الاستهزاء والله سبحانه وتعالى أعلم.
الموقف الثاني: قبل تحطيم الأصنام:
حين دخل على الأصنام، وقرابين قومه
التي قربوها إليها موضوعة أمامها؛ فسأل
الأصنام، -وهو يعلم أنها لن تجيبه-، فكان
سؤالًا على سبيل الاستهزاء بفعل قومه، فهو
يعلم أنه لا ذنب لحجر -لا اختیار له فيما
صنع به من التعظيم-؛ ليكون ندًا لله عز
وجل.
يقول الله تبارك وتعالى مخبرًا لنا عن
هذا الموقف: ﴿ فَرَاغَ إِلَى ءَالِهَنِهِمْ فَقَالَ أَلَّا
تَأْكُونَ مَا لَكُمْ لَا تَطِقُونَ (٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ
ضَرْيَا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩١ - ٩٣].
ثم قام بتحطيمها لا عقوبة لها، ولكن
مرة في الكوكب، ومرة في القمر، ومرة تبكيتًا لقومه، وتنفيذًا لوعيده الذي توعدهم
به، واستحضارًا بهذا الفعل لعقولهم؛ لعلهم
یرشدون حین یرون آلهتهم وهي محطمة،
لم تستطع الدفاع عن نفسها (١).
(١) انظر: مراح لبيد، عمر الجاوي، ٢/ ٣٠٤.
www. modoee.com
١٨٩

حرف الألف
لعلمه القاطع بعدم قدرتها على الإجابة،
مراده.
الموقف الثالث: بعد تحطيم الأصنام:
بعد ذهاب قوم إبراهيم عليه السلام توقفوا مع قول إبراهيم عليه السلام، وفهموا
إلى عيدهم فعل إبراهيم عليه السلام ما
کان قد توعدهم به من کید للأصنام، فقام
بتحطیمها، ثم لما رجعوا؛ وجدوا ما حل
بها، فتساءلوا عمن فعل هذا بها؟، ثم تذكروا
أن إبراهيم عليه السلام قد ذكرها وتوعدها،
فذهبوا إليه؛ لیتثبتوا منه، وقد أضمروا الكيد
به، والانتقام لآلهتهم من فعلته.
وقد كان بينهم هذا الحوار، حيث يقول
الله عز وجل: ﴿قَالُواْءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالِتِّنَا
◌َإِبْرَهِيمُ (١) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيرُ هُمْ هَذَا
فَشْشَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَطِقُونَ ) فَرَجَعُواْ
إِلَىْ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ
ثُمَّ تَكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءٍ
يَنطِقُونَ ﴿ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُّكُمْ
(٦) أُفِ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا
تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنبياء: ٦٢ - ٦٧].
قالوا له: هل أنت الفاعل بآلهتنا ما نراه
يا إبراهيم؟ فأجابهم إجابة يعلم أنها ليست
بحق، ولكنه أراد بهذه الطريقة أن يوقفهم
على ما فيه نقص عقولهم بمنهاج عملي،
ولنا معه وقفة، فهو لما قال لهم: إن الفاعل
هو أكبر أصنامهم، وأشار عليهم بأن يسألوه
هو بدلًا من أن يسألوا إبراهيم عليه السلام،
وهو يقول لهم ذلك مستهزئًا بعجز آلهتهم؛
لكن سرعان ما انقلبوا رأسًا على عقب؛
فقد أقروا بعجز آلهتهم، ثم لم يلبثوا أن
تركوا التأمل في طبيعة أصنامهم، واحتجوا
لأنفسهم على إبراهيم عليه السلام بما أراده
أن يكون حجة عليهم، فإذا بلغ منهم الأمر
هذا المبلغ؛ فأي رجاء حينئذٍ في هداية قوم
احتجوا بالباطل البين - الذي هو حجة على
بطلان الباطل-؛ فجعلوا به الباطل حقًّا؟
فجاء رد إبراهيم عليه السلام بالتضجر
منهم ومن عقم تفكيرهم، متسائلا كيف
تقبلون على أنفسكم أن تكونوا عبادًا
لشيء لا يحصل لكم منه نفع، ولا يحل
بكم منه ضر؟! وأكبر دليل أنه لا يستطيع
أن يشفي غليلكم في إجابة هذا السؤال
الذي أنتم بحاجة ملحة لمعرفة إجابته، أین
عقولكم؟ !! (١).
٢. الأساليب العملية.
اعتزالهم ورفض المشاركة في
أعيادهم.
هذا خبر إبراهيم عليه السلام حين دعاه
قومه للاحتفال بعيدهم، و کیف رد عليهم،
يقول الله عز وجل: ﴿فَنَظَرَ نَظَرَةٌ فِ النُّجُومِ
فَقَالَ إِنِي سَقِيـ
فَنَوَلَوْا عَنْهُ مُدَّبِينَ﴾
٨٩
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ٢٠٢/٧.
مُوسُوبَةُ النَّفِيَة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١٩٠

إبراهيم عليه السلام
[الصافات: ٨٨ -٩٠].
قد مر معنا في الأساليب النظرية أن منه على قومه في مواطن كثيرة، وبعد سابق
إبراهيم عليه السلام قد استعمل مع قومه في
هذه الحادثة أسلوب التعريض والاستهزاء
في عبادة النجوم، وبيان عدم قدرتها على
الثبات على حال الظهور، وعجزها عن
تحقيق الخير الذي يرجوه الإنسان من
معبوده.
وقد كان الموقف الأخير حين جاءوا إليه
لدعوته لأن یشاركهم في عيدهم؛ فرفض
و تهکم بهم وبعیدهم ومعبودهم؛ ففروا من
أمامه؛ لعلمهم أنهم لو مکثوا عنده مزيدًا من
الوقت؛ لأسمعهم مما یکرهون في آلهتهم
أکثر.
فجاء التعبير القرآني بقوله تعالى:
فَنَّوَلَوْاْ عَنْهُ مُدْبِينَ﴾، فشبههم بالذي يفر
من الزحف موليّا دبره للعدو خوفًا، لا من
الهزيمة؛ فإنه لا يفعل ذلك انهزامًا، ولكن
خوفًا من القضاء عليه.
وهم قد خافوا من أن يقضي إبراهيم عليه
السلام على فرحتهم إذا قضى على صحة
معتقدهم، وأبطل دينهم وحجتهم، ذلك أن
الله سبحانه وتعالى قد آتاه الحجة الدامغة
في مواقف المحاجة والمناظرة (١).
تحطيم الأصنام.
يذكر الله عز وجل هذا الموقف من
(١) انظر: المصدر السابق ٢١٦/٨.
فعل إبراهيم عليه السلام بعد إقامة الحجة
وعيدهم على أنه سیکید أصنامهم، وبيان
عدم خوفه منها، واستنفاد كل الأساليب
النظرية في بیان الحق، فقد قام بأسلوب من
نوع آخر، إنه الأسلوب العملي في إبطال
الباطل، إنه تحطيم مصدر الخوف المانع
لهم من اتباعه، والإثبات بطريق عملي
حسي قاطع، شاخص أمام أعينهم، ومائل
بین یدي عقولهم، وشاهد یسمعهم أن هذه
الآلهة التي يعبدونها لا تملك لنفسها نفعًا
ولا ضرًا؛ فحري بهم أن يهجروها، وجدیر
بهم أن يهملوها، ولكن ﴿وَمَن ◌ُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ.
مِن تُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨].
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى
ءَالِهَئِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ( مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ
فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩١-
٩٣].
ويأتي بيان الحال التي ترك عليها الأصنام
في قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَّذًا إِلََّ كَبِيرًا
◌َهْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٨].
وإبقاء الكبير أيضًا كان من أجل تقوية
الحجة على عجزهم، وذلك أنهم قد يظنون
أن الحادث قد وقع بشكل مفاجئ؛ فلم
تكن الفرصة للنجاة أو الدفاع عن النفس
قد توفرت لدیھا، وهذا إنما يأتي على سبيل
المجاراة لعقولهم العقيمة؛ وإلا فإن من
www. modoee.com
١٩١

حرف الألف
كان يستحق الألوهية يجب أن يكون محيطًا النهاية، كما حدث مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم عندما أرادوا قتله، حينها أذن له
بالهجرة.
بعلم الحوادث قبل وقوعها، ولا يمكن
بحال أن تغيره أو تؤثر فيه، فإن وجود الكبير
والحال هذه دليل على عجزه عن الدفاع عن
حاشيته (١).
الهجرة.
بعد أن استفرغ إبراهيم عليه السلام وسعه،
وبذل كل جهده، في إصلاح قومه، إلى أن
انقطع أمله منهم، وذلك بعد أن بلغ بهم
الإصرار والعناد مبلغًا، دفعهم إلى الكيد له،
والسعي في قتله شر قتلة؛ هجرهم.
يقول الله جل جلاله: ﴿وَقَالَ إِنِّ ذَاهِبٌ إِلَی
رَبِ سَيَهْدِينٍ﴾ [الصافات: ٩٩].
ويقول أيضًا: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِى عَسَىَّ أَلَّ أَكُونَ بِدُعَاءٍ
رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨].
ولم يكن مراده الهجرة إلى الله سبحانه
وتعالى من الأرض إلى السماء؛ ليصير إلى
جوار ربه، ولا الهجرة من بلد أهله وقومه
إلى بلد آخر من أجل الدنيا، وإنما هجرة من
الأرض التي يعبد غير الله عز وجل فيها إلى
أرض يستطيع فيها عبادة ربه وحده لا شريك
له (٢).
ولم يلجأ إلى هذا الفعل بمجرد أذى لحق
به، فلطالما آذاه وقومه، ولكن الأمر قد بلغ
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود،
٦/ ٧٤.
(٢) انظر: تفسير المراغي، ٧١/٢٣.
مَوَسوبر التفسير
القرآن الكريم
١٩٢

إبراهيم عليه السلام
محاجته عليه السلام لقومه وللملك
أولًا: محاجته عليه السلام لأبيه وقومه:
١. محاجته لأبيه.
إن أعلى رتب الكمال البشري تكون
حيث كمال الرجل بأخلاقه، وإن الوالدين
هم أولى الناس بتحسين الأخلاق معهم بعد
رسل الله عليهم السلام، وقد صور لنا القرآن
هذا الخلق الحسن فيما دار بين إبراهيم عليه
السلام وأبيه، وتقدم بيان هذا في ما سبق،
حين تعرضنا لأسلوب الحوار في الدعوة.
وكان حوارًا أقام فيه إبراهيم الحجة على
والده، ببطلان ما هو عليه من عبادة الأصنام،
كما أخبر الله عز وجل: ﴿وَأُذَكُرْ فِ آلْكِتَبِ
إِبْرَهِيَمْ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا ( ١) إِذْ قَالَ لِأَبِهِ يَأَبَتِ
لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا
(٢) يَأَبَتِ إِنِّ قَدْ جَاءَفِى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ
فَتَّبِعْنِى أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِنًا يَأَبَتِ لَا تَعْبُدٍ
الشَّيْطَنَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا )
يَكَأَبَتِ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ
فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَإِيًّا ﴾ قَالَ أَرَاغِبُّ أَنْتَ
عَنْ ءَالِهَتِ يَإِبْزَهِيمٌّ لَبِن لَّمْ تَنْتَهٍ لَأَرْجُمَنَّكٌ
وَأَهْجُرْنِيِ مَلِيًّا (٦) قَالَ سَلَمُ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ
لَكَ رَبِّ إِنَّهُ، كَانَ بِ حَفِيًّا ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ
وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِى عَسَىّ
أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٨].
فقد أقام الحجة في هذا المقام، ببيان
معالم العجز التفصيلية في آلهة أبيه،
والمقتضية ممن له مسحة عقل، وملحة رشد
أن يتبرأ من عبادتها؛ فهي عاجزة عن السمع
لمن ناداها، عمیاء عن رؤية من تقرب إليها
وتولاها، ولا تغني شيئًا عمن استجداها، وما
هي في حقيقتها إلا عبادة للشيطان، ومعصية
للرحمن، وموالاة للعدو الأول للإنسان،
فماذا كانت حجة الوالد، التهديد والوعيد،
والطرد المدید، وهذه حجة من بغی وطغى،
ليس فيها حق ولا هدى(١).
٢. محاجته لقومه.
كانت دعوة إبراهيم عليه السلام الدعوة
إلى ترك ما كان عليه قومه من عبادة الأصنام
والتصديق بالنجوم وهجرهما، والتوجه
إلى الله جل جلاله بالتوحيد الخالص،
وكان قومه يخافون من أن يكون للأصنام
والنجوم تأثير في مقادير الناس؛ فحذروه
من أن يصيبه من شؤم فعله على حد تعبيرهم
ما يكره؛ فرد عليهم أنهم أهل لهذا الخوف
بما اعتقدوه في أصنامهم من هلاوس، وما
أحدثه الشيطان في نفوسهم من وساوس.
أما إبراهيم عليه السلام فهو في أمان
من هذه الهواجس، فمن خاف الله سبحانه
وتعالى؛ أمنه الله جل جلاله من كل شيء،
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٤٩٤.
www. modoee.com
١٩٣

حرف الألف
ومن خاف غير الله عز وجل؛ أخافه الله
تبارك وتعالى من كل شيء(١).
يقول الله سبحانه وتعالى في عرض هذا
الحوار: ﴿وَحَّهُ، قَوْمُهُ، قَالَ أَتُحَجُوْنِي فِ اللَّهِ
وَقَدْ هَدَئِنْ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ يِ= إِلَّ أَنْ
يَشَآءُ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًاً
أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ﴾ وَكَيْفَ أَخَافُ مَّ
أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنْكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِمَا
لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ
أَحَقُّ بِالْأَمْنِّ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١) الَّذِينَ ءَامَنُوا
وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُمْ يِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم
مُهْتَدُونَ ) وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِبْرَاهِيمٌ
٠٠١٨٧٤
عَلَى قَوْمِهَّ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ
عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٠-٨٣].
أعطى الله عز وجل إبراهيم عليه السلام
الحجة في كل موطن؛ فكان الأعلى دائمًا
علی من وقف أمامه، وقد عجز قومه عن
إقامة الدليل على صحة ما يعتقدونه؛ فلجأوا
إلى أسلوب الإرهاب والتخويف بآلهتهم،
فجاءهم الجواب من إبراهيم عليه السلام
بأن الله سبحانه وتعالى قد هداه، فهو على
غير شاكلتهم، لا يخاف إلا أن يقضي الله
خلقه، ولو أنهم كانوا يعقلون؛ لعلموا أن الله
عز وجل وحده هو الذي يستحق أن يخشى
بالغيب.
(١)
انظر: الكشاف، الزمخشري، ٢/ ٤٣.
أما آلهتهم فلیس هناك أدنی مبرر للخوف
منها، فعلى الأقل هي لا تسمع؛ فهي صماء،
لا تبصر؛ فهي عمياء، لا تنطق؛ فهي بكماء،
لا تعقل؛ فهي بهماء، لا تتحرك؛ فهي شلاء،
ولا تعبر؛ لأنها عجماء، فلا علم لها بأي
شيء، ولم يمنحها الله جل جلاله القدرة
على أي فعل مما يحذرون، والله سبحانه
وتعالى هو السميع البصير، حكيم في أفعاله
وأوامره ونواهيه، عطاؤه كلام، ومنعه كلام،
وخلقه كلام، يفعل ما يشاء بقدرته، ويقضي
ما يريد بحكمته، عالم الغيب والشهادة،
وهو الرحمن الرحيم، فمن الذي يستحق أن
ينطبق عليه وصف الخوف؟، الذي آمن بالله
جل جلاله و کفر بکل إله سواه، أم من كفر
بالله واتخذ من الأصنام والنجوم إله !! (٢).
الحق الساطع واليقين القاطع هو أن
الذين آمنوا بالله، ولم یشرکوا به هم أحق
الناس بالأمن، ولو أن قومه يعقلون أو
يرشدون؛ لسلموا لهذا الأمر وصدقوه،
وآمنوا به واتبعوه، وهذا الحديث الذي جاء
على لسان إبراهيم عليه السلام هو من توفيق
الله جل جلاله له، ومن حجته التي ألهمه
جل جلاله أمرًا أراد به أن يهلك أحدًا من إياها، أو أوحى بها إليه.
٣. محاجة الملك.
إنه النمرود، الذي ملك الأرض شرقها
وغربها، وكان الناس في ذلك الزمان قد
(٢)
انظر: جامع البيان، الطبري، ٤٨٨/١١.
١٩٤
القرآن الكريم

إبراهيم عليه السلام
أصابهم الجدب، وكانوا يذهبون إليه؛ ما نسبه إبراهيم عليه السلام إلى ربه، فهو
بإنفاذه حكم القتل على أحد يميته، وبإيقاف
ليأخذوا ما يحتاجونه من الطعام والشراب؛
فيمتحنهم بهذا السؤال: من ربك؟ فمن
قال له: أنت ربي؛ أعطاه، وكان فیمن جاءه
إبراهيم عليه السلام فسأله: من ربك؟ فجاء
جواب إبراهيم كما ذكر القرآن.
هذا الحکم عن محکوم علیه به یحییه، ولکن
إبراهيم عليه السلام الذي آتاه الله الحجة،
وأيده بالمحجة، عدل عن النزول إلى
مناقشة هذا الغباء، واختار طريق الإفحام،
بالاحتجاج بأمر لا يطيقه بشر، فقال له: إن
ربي يأتي كل يوم بالشمس من المشرق؛
أَمّ
فافعل ضد هذا أنت وأت بها من المغرب،
فألجم وأفحم، وأبلس وأخرس، فكيف
يكون لغبي أن يحاجج نبيًا؟! وهل يجوز
لأخرق أن ینال البيرق؟! إنها حجة الله جل
جلاله وتقدست أسماؤه.
وكانت بينهما تلك المناظرة، والتي
ذكرها الله سبحانه وتعالى بقوله:
تَرَ إِلَى الَّذِى حَّ إِنَّهِمَ فِ رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُ
اُللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ بَنِىَ الَّذِى يُتْيء
وَيُمِيتُ قَالَ أَنَاْ أُحِىء وَأُمِيتٌ قَالَ إِنََّهِمُ فَإِنَ
اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأَتِ بِهَا مِنَ
الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَّ وَاللّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨](١).
يذكر الله سبحانه وتعالى أمرًا عجب منه
عز وجل، وذكره على سبيل التعجيب لقارئ
القرآن منه، وهو أن عبدًا من عبيده، أنعم
عليه وملكه على الأرض؛ فقابل هذا الفضل
بالكفر بدل الشكر، وإنه ادعى الربوبية،
وامتحن الناس فيها، وكانوا يجيبونه لما
أراد، إلى أن جاءه إبراهيم عليه السلام؛
فدعاه لما دعا إليه الناس؛ فأجابه على غير
ما أراد، وبين له أنه مربوب لمن يستحق
الربوبية بكونه يملك الإحياء والإماتة؟
فعارض المغرور قول إبراهيم؛ بأنه يملك
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٥/٥، تفسير
القرآن، أبو المظفر السمعاني، ١ / ٢٦.
www. modoee.com
١٩٥

حرف الألف
إبراهيم عليه السلام والبيت الحرام
أولًا: إبراهيم عليه السلام وإعمار البلد
الحرام:
كان إبراهيم عليه السلام أمة، كما أخبر
الله عنه بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمٌ
كَانَ أُمَّةً فَائِتًا لِلَِّ حَنِيفًا وَلَّ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
شَاكِرًا لِأَنْعُمِةِ أَجْتَبَنَهُ وَهَدَنَهُ إِلَى
١٢٠
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿ وَمَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ
وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَيِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ -
١٢٢].
فقد أحیا توحيد الله عز وجل في الأرض
بعد خلوها منه عند البشر، وشرق في الأرض
وغرب من أجل هذا المقصد، حتى البلد
الحرام في ذلك الزمان كان قد خلا ممن
یعبد الله جل جلاله فیه؛ فذهب إليه بولده
الوحيد، وزوجه الضعيفة، وأسكنهما في
مكان قفر، ليس فيه معلم من معالم الحياة.
وجاء خبر هذا في قول الله سبحانه
وتعالى: ﴿رَبَّنَا إٍِّ أَسْكُنتُ مِن ذُرِّيَّقِ بِوَادٍ
غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ
الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىٌ إِلَيْهِمْ
٣٧
وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا تُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ
[إبراهيم:
مِن شَىْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَآءِ ﴾
٣٧-٣٨].
وتفسير هذا جاء في صحيح البخاري:
قال ابن عباسٍ: (أول ما اتخذ النساء المنطق
من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقًا لتعفي
أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم عليه
السلام وبابنها إسماعيل عليه السلام وهي
ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند
دوحةٍ، فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس
بمکة يومئذٍ أُحدٌ، وليس بها ماءٌ.
فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا
فيه تمرُّ، وسقاءً فيه ماءٌ، ثم قفى إبراهيم
عليه السلام منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل
عليه السلام فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب
وتتر کنا بهذا الوادي، الذي ليس فيه إنسُ ولا
شيءٌ؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت
إليها، فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال:
نعم، قالت: إذن لا يضيعنا.
ثم رجعت، فانطلق إبراهيم عليه السلام
حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه،
استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء
الكلمات، ورفع يديه فقال: رب ﴿رَبَّآً إِ
أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّقِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٌ عِنْدَ بَيْئِكَ
الْمُحَرَّمْ﴾ حتى بلغ - ﴿يَشْكُرُونَ ﴾ [إبراهيم:
٣٧].
وجعلت أم إسماعيل عليه السلام ترضع
إسماعیل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا
نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها،
وجعلت تنظر إليه يتلوى، أو قال يتلبط،
فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا
١٩٦
الوضوح
مُوسُوبَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم

إبراهيم عليه السلام
أقرب جبلٍ في الأرض يليها، فقامت عليه، من جرهم، أو أهل بيتٍ من جرهم، مقبلين
من طريق كداءٍ، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا
طائرًا عائفًا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على
ماءٍ، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماءً، فأرسلوا
جريًا أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا
فأخبروهم بالماء فأقبلوا.
قال ابن عباسٍ: قال النبي صلى الله عليه
وسلم: (فذلك سعي الناس بينهما) فلما
أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت
صوٍ - تريد نفسها -، ثم تسمعت، فسمعت
أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك
غواتٌ، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم،
فبحث بعقبه، أو قال بجناحه، حتى ظهر
الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا،
وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو
يفور بعد ما تغرف.
قال ابن عباسٍ رضي الله عنه: قال
النبي صلى الله عليه وسلم: (یرحم الله أم
إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال: لو لم
تغرف من الماء -، لكانت زمزم عينًا معينًا).
قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال
لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن ها هنا
بيت الله، بيني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا
يضيع أهله، وكان البيت مرتفعًا من الأرض
کالرابية، تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه
وشماله، فکانت کذلك حتى مرت بهم رفقةٌ
قال: وأم إسماعيل عليه السلام عند
الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟
فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء،
قالوا: نعم، قال ابن عباسٍ رضي الله عنه:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فألفى ذلك
أم إسماعيل وهي تحب الإنس).
فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا
معهم، حتى إذا كان بها أهل أبياتٍ منهم،
وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم
وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأةً
منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم
عليه السلام بعدما تزوج إسماعيل يطالع
تر کته، فلم يجد إسماعيل عليه السلام، فسأل
امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها
عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشرٍ،
نحن في ضيقٍ وشدةٍ، فشكت إليه، قال: فإذا
جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، وقولي له
يغير عتبة بابه.
فلما جاء إسماعيل عليه السلام كأنه آنس
شيئًا، فقال: هل جاءكم من أحدٍ؟ قالت:
نعم، جاءنا شيخٌ كذا وكذا، فسألنا عنك
www. modoee.com
١٩٧
ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم
تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت
الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي
الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم
أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى
أحدًا فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مراتٍ.

حرف الألف
فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنا ذلك، وإسماعيل عليه السلام يبري نبلًا له
تحت دوحةٍ قريبًا من زمزم، فلما رآه قام
إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد
بالوالد)(١).
في جهدٍ وشدةٍ، قال: فهل أوصاك بشيءٍ؟
قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام،
ويقول غير عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وقد
وهكذا بدأ إعمار البلد الحرام، إلى أن
أراد الله سبحانه وتعالى أن يتم بناء المسجد
الذي سيكتمل به الإعمار، والحديث عنه في
ما يلي.
أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك، فطلقها،
وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم
عليه السلام ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم
یجده، فدخل على امرأته فسألها عنه، فقالت:
ثانيًا: إبراهيم عليه السلام وبناء الكعبة:
خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن
عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخيرٍ وسعةٍ،
وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت
اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء.
قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ولم یکن
لھم یومئذٍ حبُّ، ولو کان لهم دعا لهم فيه.
قال: فهما لا يخلو عليهما أحدٌ بغير مكة إلا
لم يوافقاه.
قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه
السلام، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء
إسماعيل عليه السلام قال: هل أتاكم من
أحدٍ؟ قالت: نعم، أنانا شيخٌ حسن الهيئة،
وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني
كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك
بشيءٍ؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام،
ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي
وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.
ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد
يأتي الحديث في سورة البقرة عن سيدنا
إبراهيم، وبيان فضل الله سبحانه وتعالى
عليه بجعله إمامًا للناس، إلى أن ذكر بناء
المسجد الحرام، وعقب بعد ذلك بتكرار
الثناء على إبراهیم وتأكید إمامته، بحيث لا
يقبل الله جل جلاله ملة غير الملة التي كان
عليها، وأن الله سبحانه وتعالى اصطفاه،
وبين السبب لذلك؛ أنه قد أسلم لربه بما
أمره به.
وذلك في قوله عز وجل: ﴿وَإِذٍ أَبْتَلَ
إِبْرَهِعَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ
إِمَامَّا قَالَ وَمِن ذُرِّيٌَّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى
اُلِّلِمِينَ ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا أَلْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ
وَأَمْنَا وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلٌّ وَعَهِدْنَاً
إِلَى إِبْرِهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِرَا بَيْتَِ لِلطَِّفِينَ
وَالْمَكِفِيَنَ وَالرُّكَّعِالسُّجُودِ (١٥) وَ إِذْ قَالَ إِبْرَّهِعُ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب ... ، ١٤٢/٤، رقم ٣٣٦٤.
مُوسْو ◌َةُ النَّفْسِيَّة
القرآن الكريم
١٩٨

إبراهيم عليه السلام
رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَدًّا ءَاِنّا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ
ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلَخِرِّ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَّتِّعُهُ.
قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَيِنْسَ الْمَصِيرُ
وَإِذْ يَرْفَعُ إَِّهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ
رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧ رَبَّنَا
وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّقِنَآ أُمَّةٌ مُسْلِمَةً
لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ
الرَّحِيمُ (١٥) رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِهِمْ رَسُولَا مِنْهُمْ يَتْلُواْ
عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ
وَيُزَكِِّمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ وَمَن
يَرْغَبُ عَن مِّلَّةٍ إِبْهِمْ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَةُ:
وَلَقَدٍ أَصْطَفَيْنَهُ فِ الدُّنْيَاً وَإِنَّهُ، فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ
الصَّلِحِينَ ﴿ إِذْقَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ
[البقرة: ١٢٤-١٣١].
لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
قال ابن عباسٍ: (ثم إنه بدا لإبراهيم عليه
السلام، فقال لأهله: إني مطلعٌ تر کتي، فجاء
فوافق إسماعيل عليه السلام من وراء زمزم
يصلح نبلا له، فقال: يا إسماعيل، إن ربك
أمرني أن أبني له بيتًا، قال عليه السلام: أطع
ربك، قال عليه السلام: إنه قد أمرني أن
تعينني عليه، قال عليه السلام: إذن أفعل،
أو كما قال عليه السلام: قال فقاما فجعل
إبراهيم عليه السلام يبني، وإسماعيل عليه
السلام يناوله الحجارة ويقولان: ﴿رَبَّنَا فَقَبَّلْ
مِنَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].
قال: حتى ارتفع البناء، وضعف الشيخ
عن نقل الحجارة، فقام على حجر المقام،
ـنَا
فجعل يناوله الحجارة ويقولان:
نَقَبَّلْ مِنَّاً إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
١٢٧]) (١) .
[البقرة :
وهكذا شرف الله عز وجل إبراهيم
وولده إسماعيل ببناء أعظم بيت على وجه
الأرض، لیکون به الإعمار لأرض الله كلها،
فما من مسلم يريد الصلاة في بقعة من بقاع
الأرض إلا وهو يتوجه إلى المسجد الحرام
الكعبة.
ولم يقتصر إعماره للبلد الحرام على هذا
الحد، بل إنه توجه إلى الله جل جلاله بهذا
الدعاء ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ
أُمَّةَّ ◌ُسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
وهذه الدعوة هي التي أخبر عنها
النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه
العرباض بن سارية أنه قال: (إني عند الله
مکتوبٌ: خاتم النبیین وإن آدم لمنجدلٌ في
طینته وسأخبركم بأول أمري دعوة إبراهيم
وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين
وضعتني وقد خرج لها نورٌ أضاء لها منه
قصور الشام)(٢).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، ١٤٤/٤، رقم ٣٣٦٤.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٧٩/٢٨، رقم
١٧١٥٠.
وصححه الألباني، في تعليقه على مشكاة
المصابيح، ١٦٠٤/٣، رقم ٥٧٥٩.
www. modoee.com
١٩٩

حرف الألف
والذي نراه اليوم من عمران في الدنيا كان بقوله: ﴿رَبَّنَآَ إِّ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ
غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمَ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ
الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ
وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾
[إبراهيم: ٣٧].
بدعوة منه عليه السلام، فكان محمد صلى
الله عليه وسلم هو الرسول الذي دعا بمجيئه
إبراهيم عليه السلام، وها هي أمته تعمر ذلك
المكان وقلوبها تهوي إليه، عمارة بتوحيد
الله وتعظيمه، بما علمهم إياه الرسول من
الكتاب والحكمة، وزكاهم به من تنقيتهم
من الشرك والبدع والمعاصي.
[انظر: مكة: إبراهيم عليه السلام ومكة]
ثالثًا: إبراهيم عليه السلام وفريضة
الحج:
عهد الله جل جلاله لإبراهيم وإسماعيل
عليهما السلام بعد بناء بيته الحرام بتطهيره
وتهيئته للقاصدين له تعبدًا بألوان العبادات،
من الاعتكاف والصلاة، ثم أمر إبراهيم عليه
السلام بعد ذلك أن ينادي بالناس لحج بيته
الحرام.
يقول تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ بَوَأْنَا
لِإِبْزَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَّا تُشْرِكْ إِ
شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِطِّفِينَ وَالْقَآبِينَ
وَالرُّكَعِ السُّجُورِ ) وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَحْ
يَأْتُوَكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن
كُلِّ فَجْ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٦ -٢٧].
وقبل ذلك كان قد دعا بدعوة أجابه الله
سبحانه وتعالى بما أمره به في هذه الآية،
يقول الله جل جلاله مخبرًا عن دعوته تلك
فكانت فريضة الحج فريضة ماضية إلى
يوم القيامة من لدن إبراهيم عليه السلام إلى
قيام الساعة، ومناسكها هي مناسك إبراهيم
وإسماعيل عليهما السلام، وكان ذلك ثمرة
دعائهما، كما في قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا
مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٌ مُسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا
مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِهِمْ رَسُولَا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ
ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَيُزَكِبِمْ
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨-١٢٩].
وهي التي علمنا إياها رسولنا الكريم
صلى الله عليه وسلم بقوله: (خذوا عني
مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا)(١).
وما زالت قلوب الناس تهوي لأدائها،
ويأتون لأهل هذا البلد بالأرزاق معهم،
ویجدون فيها كما نسمع ونرى في هذا
الزمان من كل الثمرات في الموسم الواحد،
وهذا كله من كرم الله جل جلاله على
إبراهیم وذريته.
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، ٢٠٤/٥،
رقم ٩٥٢٤، وأصله في مسلم بلفظ: خذوا
مناسککم.
٢٠٠
القرآن الكريم