النص المفهرس

صفحات 21-34

الاتخاذ
أثمن))(١).
ويقول السعدي في بيان سبب اتخاذهم
سبيل الغي، وعدم اتخاذهم سبيل الرشد،
((﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا
غَافِلِينَ ﴾ فردهم لآيات الله، وغفلتهم عما
يراد بها واحتقارهم لھا، هو الذي أوجب لهم
سلوك طريق الغي، وترك طريق الرشد)(٢).
٣. اتباع غواية الشيطان.
وإن من أسباب الاتخاذ المذموم: اتباع
غواية الشيطان، فالشيطان يسعى في إغواء
العباد، وتزيين الشر لهم؛ ليضلهم، وقد
نهانا الله عن اتباع غواية الشيطان، وعن
اتخاذه وليًا، بل دعانا لاتخاذه عدوًا؛ لأنه
يضل الناس لیکونوا من حزبه ثم يكونوا من
أصحب السعير.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوّ
قال تعالى:
فَأَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبٍ
السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
يقول ابن عاشور: ((وأعقب الأمر باتخاذ
الشيطان عدوًا بتحذير من قبول دعوته
وحثٍ على وجوب اليقظة لتغريره وتجنب
توليه بأنه یسعی في ضر أوليائه وحزبه،
فيدعوهم إلى ما يوقعهم في السعير، وهذا
يؤكد الأمر باتخاذه عدوًا؛ لأن أشد الناس
تضررًا به هم حزبه وأولياؤه، وجملة ﴿إِنَّمَا
(١) تفسير الشعراوي، ٤٣٥٦/٧.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص٣٠٢.
يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ تعليل
لجملة ﴿فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾))(٣).
فإن اتباع غواية الشيطان تسبب اتخاذه
وليًا من دون الله، وتوقع العبد في اتباع
كل مذموم، «ذلك الشيطان الذي لعنه الله،
والذي صرح بنيته في إضلال فريق من أبناء
آدم، وتمنيتهم بالأمنيات الكاذبة في طريق
الغواية، من لذة كاذبة، وسعادة موهومة،
ونجاة من الجزاء في نهاية المطاف! كما
صرح بنيته في أن يدفع بهم إلى أفعال قبيحة،
وشعائر سخيفة، من نسج الأساطير، كتمزيق
آذان بعض الأنعام؛ ليصبح ركوبها بعد ذلك
حرامًا، أو أكلها حرامًا - دون أن يحرمها
الله- ومن تغيير خلق الله وفطرته بقطع
بعض أجزاء الجسد أو تغيير شكلها في
الحیوان أو الإنسان، کخصاء الرقيق، ووشم
الجلود، وما إليها من التغيير والتشويه الذي
حرمه الإسلام)»(٤).
قال تعالى: ﴿لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ
مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا لَّا
وَلَأَمَنِّيَنَّهُمْ وَلَ مُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِكُنَّ ◌َاذَانَ
الْأَنْعَمِ وَلَ مُهُ نَّهُمْ فَيُغَيْنَ خَلْقَ اَللَّهِ وَمَن
يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيَا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ
خَسِرَ خُسْرَانًا قُبِينًا﴾ [النساء: ١١٨-
١١٩].
(٣) التحرير والتنوير، ٢٦١/٢٢.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢/ ٧٦٠.
www. modoee.com
٣٠٧

حرف الألف
((وقد جعل الإسلام المعركة الرئيسة
بين الإنسان والشيطان، ووجه قوى المؤمن
كلها لكفاح الشيطان والشر الذي ينشئه في
الأرض والوقوف تحت راية الله وحزبه،
في مواجهة الشيطان وحزبه، وهي معركة
دائمة لا تضع أوزارها؛ لأن الشيطان لا يمل
هذه الحرب التي أعلنها منذ لعنه وطرده،
والمؤمن لا يغفل عنها، ولا ینسحب منها،
وهو يعلم أنه إما أن یکون وليًا لله، وإما أن
يكون وليًا للشيطان وليس هنالك وسط،
والشيطان يتمثل في نفسه وما يبثه في النفس
من شهوات ونزوات، ويتمثل في أتباعه
من المشركين وأهل الشر عامة، والمسلم
یکافحه في ذات نفسه، كما يكافحه في
أتباعه، معركة واحدة متصلة طوال الحياة،
ومن يجعل الله مولاه فهو ناج غانم، ومن
يجعل الشيطان مولاه فهو خاسر هالك))(١).
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢/ ٧٦١.
مَوَسُولَة
القرآن الكريم
أساليب القرآن في عرض الاتخاذ
استعمل القرآن الكريم أساليب متعددة
في عرض الاتخاذ، نذكر هذه الأساليب
خلال السطور الآتية مع ذكر أمثلة على كل
أسلوب.
أولًا: الخبر:
ورد الاتخاذ في القرآن الكريم بأسلوب
الخبر في عدد من الآيات القرآنية؛ للإخبار
عن موضوعات عدة منها:
١. الإخبار عن اتخاذ المنافقين مسجد
ضرار؛ لإلحاق الأذى والضرر بالمؤمنين،
والتفريق بينهم، وتقوية للكفر (٢)، وهذا
اتخاذ مذموم.
قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مَسْجِدًا
ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَغْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلٌّ
وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْناً إِلَّا الْحُسْنَىّ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ
لَكَذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧].
٢. الإخبار عن حرمة اتخاذ الأخدان
للمسلمين
والمسلمات، والإرشاد
(٣)
للزواج(٣).
قال تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا
مُتَّخِذِىٌ أَخْدَانٍ ﴾ [المائدة: ٥].
(٢) انظر: تفسير المراغي، ٢٥/١١.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٢٢١،١٧٤.
٣٠٨

الاتخاذ
وقال تعالى: ﴿مُحْصَنَتِ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ
وَلَا مُتَّخِذَاتٍ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥].
٣. الإخبار عن اتخاذ مريم للحجاب
ساترًا لها؛ للتفرغ للعبادة (١).
قال تعالى: ﴿فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِمَابًا
فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾
[مريم: ١٧].
٤. الإخبار أن الله غني عن اتخاذ الولد،
وتنزهه سبحانه وتعالى عن الشريك والولد
والصاحبة، وأن الملائكة هم عباد لله
مکرمون.
قالٍ تعالى: ﴿ وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأَ
سُبْحَتَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:
٢٦].
٥. الإخبار عن شكوى الرسول صلى
الله عليه وسلم عن قومه باتخاذهم القرآن
مهجورًا، تلاوة وعلمًا وعملًا.
قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمى
أَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].
٦. الإخبار عن المشركين الذين اتخذوا
آلهة يتولونها من دون الله، فالله يحصي
أفعالهم ويجازيهم بها يوم القيامة(٢).
قال تعالى: ﴿ وَأَلَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن
دُونِ أَوْلِيَآءَ اللَّهُ حَفِيظُ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم
بوَكِيلٍ®
[الشورى: ٦].
(١) انظر: التفسير الواضح، محمد الحجازي،
٤٤٩/٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢١/ ٥٠٢.
٧. الإخبار عن اتخاذ المنافقين أيمانهم
الكاذبة وقاية وسترًا يستترون بها من
نسبتهم إلى النفاق؛ لحفظ أموالهم وحقن
دمائهم (٣).
قال تعالى: ﴿اَخَذُوَاْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةٌ فَصَدُّواْ
عَن سَبِيلِ اللَّهِّ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ﴾
[المنافقون: ٢].
ثانيًا: النهي:
ورد الاتخاذ في القرآن الكريم بأسلوب
النهي في عدد من الآيات القرآنية؛ للنهي عن
أفعال عدة، هي من الأفعال المذمومة التي
نهى القرآن الكريم عن اتخاذها، ومن أمثلة
ذلك:
١. النهي عن اتخاذ آيات الله هزوًا.
قال تعالى: ﴿وَلَ نَتَّخِذُوَاْ ءَايَتِ اللَّهِ
هُزُوًا ﴾ [البقرة: ٢٣١].
٢. نهي المؤمنين من أن يتخذوا من
الكفار بطانة وأخلاء.
قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَنَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا
وَدُواْ مَا عَنْتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَمَا
تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨].
٣. النهى عن اتخاذ اليهود والنصارى
أولياء.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ
(٣) انظر: تفسير المراغي، ١٠٧/٢٨، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي، ص٨٦٤.
www. modoee.com
٣٠٩

حرف الألف
اَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ وَمَن يَتَوَلَّم
يِّنَكُمْ فَإِنَّهُ، مِنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الَّلِينَ﴾
[المائدة: ٥١].
٤. نهي المؤمنين أن يتخذوا آباءهم
وإخوانهم أولياء إن استحبوا الكفر على
الإيمان.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَتَّخِذُوْ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ
أَسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنِّ وَمَن يَتَّوَلَّهُم
مِنْكُمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة:
٢٣].
٥. النهي عن الشرك مع الله، واتخاذ
الآلهة مع الله.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا نَنَّخِذُواْ إِلَهَبْنِ
أَثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَحِدٌّ فَإِنِىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ [النحل:
٥١].
٦. النهي عن اتخاذ الأيمان وسيلة
خداع ومكر، بإظهار الوفاء بالعهد وإبطان
النقض (١).
قال تعالى: ﴿وَلَا نَتَّخِذُوَاْ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلا
بَيْنَكُمْ فَزِلَ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل: ٩٤].
٧. نهي المؤمنين أن يتخذوا عدو الله
وعدوهم أولیاء.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ
عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ
كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١].
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢١٣/١٤.
ثالثًا: الأمر:
ورد الاتخاذ في القرآن الكريم بأسلوب
الأمر في عدد من الآيات القرآنية، ومن أمثلة
ذلك ما يلي:
١. أمر الله للمسلمين بأن يتخذوا من
مقام إبراهيم مصلى.
قال تعالى: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمْ
مُصَلَى﴾ [البقرة: ١٢٥].
٢. أمر الله للمسلمين أن يتخذوا الشيطان
عدوًا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ
فَأَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبٍ
السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
٣. أمر الله لنبيه أن یتخذه و کیلا، فیتوکل
علیه وحده لا شريك له.
قال تعالى: ﴿رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْغَرِبِ لَآ إِلَهَ إلَّا
هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].
فهذا أمر بتخصيص الله بالتوكل عليه(٢).
وبذلك نرى أن الآيات أمرت باتخاذ مقام
إبراهیم مصلی، واتخاذ الله و کیلا، و کذلك
اتخاذ الشيطان عدوًا، وهذه من أمثلة الاتخاذ
المحمود، الذي أرشدنا القرآن إليه.
رابعًا: النفي:
استعمل القرآن الكريم أسلوب النفي في
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٨/ ٢٥٥.
٣١٠
صَوَ بُو بَرُ الْتَشبيك لوصور
القرآن الكريم

الاتخاذ
عرض الاتخاذ، في:
١. نفي الولد عن الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ
[الإسراء: ١١١].
((والمراد: نفي الناصر له على وجه
مؤكد، فإن الحاجة إلى الناصر لا تكون إلا
من العجز عن الانتصار للنفس))(١).
وکذلك نفی الله عن نفسه الولد في قوله
سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِى لَهُ, مُلْكُ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ وَلَمْ يَنَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الفرقان: ٢].
حيث نزه سبحانه وتعالى نفسه عما قاله
المشرکون من أن الملائكة بنات الله، وعما
قالت اليهود: عزير ابن الله، وعما قالت
النصارى: المسيح ابن الله، تعالى الله عن
ذلك (٢).
وجاء النفي أيضًا عن اتخاذه الولد في
قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن
وَلَدِّ سُبْحَتَهُ﴾ [مريم: ٣٥].
ففي هذه الآية ((نفى سبحانه وتعالى
عن نفسه الولد، أي: ما كان من نعته اتخاذ
الولد)»(٣).
٢. نفي اتخاذ المجاهدين الخلص بطانة
من الكفار.
قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُواْ وَلَمَّا
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٣٩/١٥.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٠٢/١٣
(٣) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ٦٣/١٣.
يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَهَدُ واْ مِنْكُمْ وَلَوْ يَتَّخِذُواْ مِن
دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةٌ وَاَللَّهُ
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦].
((والمعنى: أنكم لا تتركون على ما أنتم
علیه؛ حتی یتبین الخلص منکم، وهم الذین
جاهدوا في سبیل الله لوجه الله، ولم يتخذوا
وليجة، أي: بطانة، من الذین یضادون رسول
الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين» (٤).
خامسًا: الثناء على أهل الاتخاذ
المحمود:
من الأساليب التي استعملها القرآن
الكريم في عرض الاتخاذ: هو الثناء، فقد
أثنى الله سبحانه وتعالى على نفسه، وأمر
نبيه صلى الله عليه وسلم بالثناء عليه لتنزهه
عن اتخاذ الولد، فالله سبحانه وتعالى له
الكمال والثناء والحمد والمجد من جميع
الوجوه، المنزه عن کل نقص.
قال تعالى: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ
وَلَا وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ شَرِيِكٌ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَُّهُ وَإِىٌّ مِّنَ
الدُّلِّ وَكَيْرُهُ تَكْبِرًا﴾ [الإسراء: ١١١].
ومعنى ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الثناء عليه بما هو
أهله(٥)، ((وقل: الحمد لله والثناء بالجميل
على الفعل الجميل لله سبحانه وتعالى
الذي لم يتخذ ولدا فھو لیس محتاجًا إلیه،
واتخاذ الولد من صفات الحوادث وهو
(٤) الكشاف، الزمخشري، ٢/ ٢٥٣.
(٥) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ١٣٩/٥.
www. modoee.com
٣١١

حرف الألف
منزه عنها، ولم یکن له شريك في الملك؛
لأنه غير محتاج إليه، ولو کان فيهما آلهة
غير الله لفسدتا، ولم یکن له ولي من الذل،
أي: لم یکن له ناصر من الذل ومانع له منه،
ولم يوال أحدًا من أجل الذل؛ إذ هو القادر
المقتدر الخالق صاحب النعم جل جلاله
وكبره تكبيرًا، وعظمه تعظيمًا يتناسب مع
جلاله وقدسیته، والله أکبر ولله الحمد»(١).
ولقد أثنى الله سبحانه وتعالى على
المؤمنين من الأعراب الذين يتخذون ما
ينفقون قربات عند الله.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا
يُنفِقُ قُرْنَتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَتِ الرَّسُولِ آَلَآ إِنَّهَا
قُرْبَةٌ لَّهُمَّ سَيُدْ خِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَيِّةٍ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩].
يقول ابن عاشور: «هؤلاء هم المؤمنون
من الأعراب وفاهم الله حقهم من الثناء
عليهم))(٢).
يقول الزمخشري في بيان قوله سبحانه
وتعالى: ﴿أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمَّ سَيُدْخِلُهُمُ
اَللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾: ((ألا إنها شهادة من الله
للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته
قربات وصلوات، وتصديق لرجائه على
طريق الاستئناف مع حرفي التنبيه والتحقيق
(١) التفسير الواضح، محمد الحجازي، ٤٠٢/٢.
(٢) التحرير والتنوير، ١٥/١١.
المؤذنتين بثبات الأمر وتمكنه، وكذلك
قوله: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ﴾ وما في السين من
تحقیق الوعد، وما أدل هذا الكلام على رضا
الله تعالى عن المتصدقين، وأن الصدقة منه
بمکان، إذا خلصت النية من صاحبها)»(٣).
وبذلك نرى أن الآيات مدحت من
يستحق المدح من أهل الاتخاذ المحمود.
سادًا: ذم أهل الاتخاذ المذموم:
لقد ذم الله سبحانه وتعالى أهل الاتخاذ
المذموم، ومثال ذلك ذم الأعراب الذين
يتخذون ما ينفقون مغرمًا.
قال تعالى: ﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا
يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّسُ بِكُ الدَّوَابِرَ عَلَيْهِمْ دَآبِرَةٌ
السَّوْءُ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾[التوبة: ٩٨].
فهذه الآية تبين أن من الأعراب من يعد
نفقته التي ينفقها في جهاد مشرك، أو في
معونة مسلم، أو في بعض ما ندب الله إليه
عباده ﴿مَغْرَمًا﴾، أي: غرمًا لزمه، لا يرجو
له ثوابًا، ولا یدفع به عن نفسه عقابًا (٤).
وهذا اتخاذ مذموم، ذمه الله بقوله:
﴿عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ﴾ والسَوْء -بفتح
السين- مصدر ساءه يسوءه سوءًا، إذا
فعل به ما يكره، وقيل: المفتوح بمعنى
الذم، والمضموم بمعنى العذاب والضرر،
والدوائر جمع دائرة، وهي ما يحيط بالإنسان
(٣) الكشاف، ٣٠٤/٢.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤٣٠/١٤.
٣١٢
مُؤْو ◌َةُ النَّسية
جوبيبو
القرآن الكريم

الاتخاذ
من مصيبة ونكبة، تصورًا من الدائرة المحيطة
بالشيء من غير انفلاتٍ منها، وإضافة الدائرة
إلى السوء من إضافة الموصوف إلى صفته
للمبالغة، وفي هذا التعبير ما فيه من الذم
لهؤلاء المنافقين؛ لأنه سبحانه وتعالى جعل
السوء كأنه دائرة تطبق عليهم فلا تفلتهم،
وتدور بھم، فلا تدع لھم مهربًا أو منجاة من
عذابها وضررها(١).
وذم الله الذين يتخذون الصلاة هزوًا
ولعبًا، بتحقیر عقولهم.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ أَنَّخَذُوهَا
هُزُوًا وَلَعِبَأْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة:
٥٨].
يقول ابن عاشور: ((﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا
يَعْقِلُونَ﴾ تحقير لهم؛ إذ ليس في النداء إلى
الصلاة ما يوجب الاستهزاء فجعله موجبًا
(٢)
للاستهزاء سخافة لعقولهم)»
فهذا ذم للاتخاذ المذموم وأهله، وهو
تسفیه لهؤلاء الذین یحادون الله ورسوله،
ویهزءون ممن یولي وجهه إلى الله، راكعًا
وساجدًا، ولو عقلوا لعلموا أنهم بعملهم
هذا، يحاربون الله ويصدون الناس عن أداء
حقه عليهم من الولاء لجلاله، والشكران
لنعمه، إنهم ظلموا أنفسهم ظلمًا فوق
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٣٠٣/٢،
التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٨٢/١٠،
التفسير الوسيط، الطنطاوي، ٣٨٨/٦.
(٢) التحرير والتنوير، ٢٤٢/٦.
(٣)
ظلم .
يقول ابن كثير: ((هذا تنفير من موالاة
أعداء الإسلام من الكتابيين والمشركين
الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون،
وهي شرائع الإسلام المطهرة المحكمة
المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي،
يتخذونها هزوًا يستهزئون بها، ولعبًا
يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم
الفاسد، وفكرهم البارد»(٤).
وكذلك ذم الله قوم موسى الذين اتخذوا
العجل إلهًا يعبدونه من دون الله.
قال تعالى: ﴿وَأَّخَذَ قَوْمُ مُوسٍَِّ مِنْ بَعْدِهِه
مِنْ حُلِيْهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ بَرَوَأ
أَنَّهُ، لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِهِمْ سَبِيلاً اَخَذُوهُ
وَكَانُواْ ظَلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨].
((أكد سبحانه وتعالى ذمهم بقوله:
أَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِينَ﴾ أي:
اتخذوا العجل معبودًا لهم وهم يشاهدونه
لا یکلمهم بأي کلام، ولا یرشدهم إلى
أي طريق، ولا شك أنهم بهذا الاتخاذ
کانوا ظالمین لأنفسهم بعبادتهم غیر الله،
وبوضعهم الأمور في غير مواضعها)» (٥).
(٣) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب، ٣ /١١٢٧.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ٣/ ١٤٠.
(٥) التفسير الوسيط، طنطاوي، ٣٨٠/٥.
www. modoee.com
٣١٣

حرف الألف
سابعًا: الاستفهام الإنكاري:
ورد الاتخاذ في القرآن الكريم بأسلوب
الاستفهام الإنكاري في عدد من الآيات،
ومن أمثلة ذلك:
الاستنكار على الذين ادعو أنه لن
تمسهم النار، أتخذوا عهدًا عند الله
حتى لا يعذبهم (١)؟
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّآ
أَيَّامًا مَعْدُودَةٌ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا
فَلَنْ يُخْلِفَ اَللَّهُ عَهْدَهُمْ أَمْ نَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا
تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠].
استنكار إبراهيم عليه السلام على أبيه
آزر لاتخاذه أصنامًا آلهة من دون الله،
وهي لا تضر ولا تنفع (٢).
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيُ لِأَبِيهِ مَازَرَ
أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةٌ إِّ أَرَئِكَ وَقَوْمَكَ فِى
ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤].
: أمر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن
يستنكر على الذين اتخذوا من دونه
-وهو الخالق - أولياء لا يملكون النفع
والضر لأنفسهم، فكيف سينفعون
غيرهم؟(٣).
قال تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ قُلِ
اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ: أَوْلِيَآءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْصِ
(١) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، ٧٥/١.
(٣)
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣١٢/٧.
انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود،
١٢/٥.
نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [الرعد: ١٦].
الاستنكار على من اتخذ إبليس وذريته
أولياء من دون الله، واستبدال من
خلقهم وأنعم عليهم بعدوهم(٤).
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ أَسْجُدُواْ لَّدَمَ
فَسَجَدُواْ إِلَّ إِلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرٍ
رَيْدِهُ أَفَنَتَّخِذُونَهُ، وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ
وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِفْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ﴾ [الكهف:
٥٠].
استنكار الرجل الصالح ناصح أهل
القرية على نفسه أن يتخذ آلهة من
دون الله، وذلك من تمام التعريض
بالمخاطبين استنكارًا عليهم بجعل
الأوثان آلهة لا تدفع ضر ولا تشفع(٥).
قال تعالى: ﴿ءَأَّخِذُ مِن دُونِهِ: ءَالِهَةً إِن
يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَعَتُهُمْ
شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣].
وهكذا نجد أن الاستفهام في المواضع
السابقة جاء لإنكار اتخاذ مذموم فعله
المتخذون؛ فاستحقوا استنكار فعلهم.
(٤) انظر: المصدر السابق، ٢٢٧/٥.
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور،
٣٦٨/٢٢.
٣١٤
جَوَبُوبَرُ النَّقِّ
القرآن الكريم

الاتخاذ
عاقبة الاتخاذ
إن الاتخاذ أمر اختياري يتخذه المتخذ،
ولما أمرنا الله باتخاذ كل محمود ونهانا عن
اتخاذ کل مذموم، جعل لكل اتخاذ عاقبة، إما
ثواب وإما عقاب، فمن اتخذ اتخاذًا محمودًا
أفلح وفاز، ومن اتخذ اتخاذًا مذمومًا خسر
وخاب.
أولًا: عاقبة الاتخاذ المحمود:
إن أهل الإيمان الذين التزموا أوامر الله
وانتهوا عما نهى، هم أصحاب الاتخاذ
المحمود، الذین یتخذون الله وليًا وو کیلًا،
ويتخذوا القرآن دستورًا ومنهج حياة،
ويتبعوا سبيل الهدى ويتخذوه طريقًا، هؤلاء
عاقبتهم الفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة،
فيحيون حياة طيبة في الدنيا، ويظلهم الله
برحمته في الآخرة.
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَرٍ
أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الضََّلِحَتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِ رَحْمَتِهَ ذَلِكَ هُوَ
اَلْفَوْزُ الْمُّبِينُ﴾ [الجاثية: ٣٠].
وقد بين الله سبحانه وتعالى عاقبة
أهل الإيمان من الأعراب الذين يتخذون
ما ينفقون قربات عند الله، فقد أثنى على
فعلهم، ووعدهم برحمته.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا
يُنفِقُ قُرْنَتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَتِ الرَّسُولِّ أَلا إِنَّهَا
قُرْبَّةٌ لَّهُوَّ سَيُدْ خِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَيَّةِ إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ﴾
[التوبة: ٩٩].
فهذا وعد من الله سبحانه وتعالى لهم،
بإدخالهم في رحمته التي هي الجنة، فإنه
يغفر ذنوبهم أولًا، ويدخلهم الجنة ثانیًا، هذه
سنته - تعالى في أوليائه، يطهرهم ثم ينعم
عليهم بجواره(١).
يقول الشعراوي: «ورحمة الله هي نعيم
مقيم، وهي دائمة وباقية ببقاء الله الذي
لا يحد، أما الجنة فباقية وخالدة بإبقاء الله
لها، إذن: فدخولك في رحمة الله أعلى
من دخولك جنته، فحين يقال: ((دخل في
الرحمة)) فمعنى ذلك أن الرحمة ستظله إلى
ما لا نهاية»(٢).
وعاقبة أهل الإيمان، أصحاب الاتخاذ
المحمود، مغفرة من الله، حيث بين الله
هذه العاقبة الحسنة بعد أن دعا إلى اتخاذ
الشيطان عدوًا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ
عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
٦
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢/ ٤١٧.
(٢) تفسير الشعراوي، ٩/ ٥٤٤١.
www. modoee.com
٣١٥

حرف الألف
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌّ كَبِيرٌ﴾ [فاطر: ١٠٧].
٦ - ٧].
فالآيات تبين أن الناس انقسموا إلى
مؤمنين وكافرين بحسب اتخاذهم للشيطان
عدوًا أو وليًا، فالذين كفروا ولم يلتزموا
أوامر الله، واتخذوا الشيطان وليًا لهم عذاب
شدید في نار جهنم، أما الذين آمنوا وعملوا
بمقتضى الإيمان بالتزامهم بأمر الله،
واتخذوا الشيطان عدوًّا، لهم مغفرة لذنوبهم
وأجر کبیر یحصل به المطلوب، وهذا أجر
کل من اتخذ اتخاذًا محمودًا، أرضی به ربه
جل جلاله (١).
إن أهل الاتخاذ المحمود هم أهل
الفردوس، ونعم العاقبة لهم، فلما بين الله
سبحانه وتعالى في كتابه عاقبة الكافرين وأن
جزاءهم جهنم وبئس المصير، الذين اتخذوا
آيات الله ورسله هزوًا، بين عاقبة أهل
الإيمان أصحاب الاتخاذ المحمود، الذين
آمنوا بآيات الله واتخذوها دستورًا، وآمنوا
برسل الله واتخذوهم أنبياء وقدوة لهم.
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْبِتَايَتِ رَبِّهِمْ
وَلِقََّبِهِ ◌َِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَا تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنًا
ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَأَتَّخَذُواْ ءَايَتِى
١٠٥
وَرُسُلِى هُزُوًّا ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ اَلْفِرْدَوْسِ نُزْلًا﴾[الكهف: ١٠٥-
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٦٨٤، إرشاد العقل السليم، أبو السعود،
٠١٤٤/٧
يبين الله في الآيات بطريق الوعد لا
الوعيد مآل المؤمنين الذين اتصفوا بأضداد
ما اتصف به الكفرة، فالذين آمنوا وعملوا
بمقتضى إيمانهم من الأعمال الصالحة،
ولم يتخذوا آيات الله ورسله هزوًا كما فعل
الكفار، هم أهل الفردوس جعلها الله لهم
نزلًا وإكرامًا (٢).
((والمراد بجنات الفردوس: أعلى الجنة،
وأوسطها، وأفضلها، وأن هذا الثواب
لمن كمل فيه الإيمان والعمل الصالح،
والأنبياء والمقربون، ويحتمل أن يراد بها:
جميع منازل الجنان، فيشمل هذا الثواب
جميع طبقات أهل الإيمان، من المقربين،
والأبرار، والمقتصدین، کل بحسب حاله،
وهذا أولى المعنيين؛ لعمومه، ولذكر الجنة
بلفظ الجمع المضاف إلى الفردوس، ولأن
الفردوس يطلق على البستان المحتوي على
الكرم، أو الأشجار الملتفة، وهذا صادق
على جميع الجنة، فجنة الفردوس نزل،
وضيافة لأهل الإيمان والعمل الصالح،
وأي ضيافة أجل وأكبر، وأعظم من هذه
الضيافة، المحتوية على كل نعيم، للقلوب،
والأرواح، والأبدان، وفيها ما تشتهيه
الأنفس، وتلذ الأعين، من المنازل الأنيقة،
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود،
٢٥٠/٥.
٣١٦
القرآن الكريم

الاتخاذ
والرياض الناضرة، والأشجار المثمرة، اتخذ آلهة من دونه، ولا يستوي من اتخذ
القرآن دستورًا، ومن اتخذه مهجورًا.
والمآكل
المغردة المشجية،
والطيور
والمشارب الشهية، والنساء
اللذيذة،
الحسان، والخدم، والولدان، والأنهار
السارحة، والمناظر الرائقة، والجمال
الحسي والمعنوي، والنعمة الدائمة.
وأعلى ذلك وأفضله وأجله، التنعم
بالقرب من الرحمن ونيل رضاه، الذي
هو أكبر نعيم الجنان، والتمتع برؤية وجهه
الكريم، وسماع كلام الرؤوف الرحيم !!
فلله تلك الضيافة، ما أجلها وأجملها،
وأدومها وأكملها، وهي أعظم من أن يحيط
بها وصف أحد من الخلائق، أو تخطر على
القلوب، فلو علم العباد بعض ذلك النعيم
علمًا حقیقیًا یصل إلى قلوبهم، لطارت إليها
قلوبهم بالأشواق، ولتقطعت أرواحهم من
ألم الفراق، ولساروا إليها زرافات ووحدانًا،
ولم يؤثروا عليها دنيا فانية))(١).
ثانيًا: عاقبة الاتخاذ المذموم:
كما أن لأهل الاتخاذ المحمود عاقبة
حميدة وحسنة، فإن أهل الاتخاذ المذموم
لهم عاقبة سيئة، فالجزاء من جنس العمل،
فلا يستوي من اتخذ الله وليًا وو کیلًا، ومن
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٤٨٨.
وأول عاقبة لصاحب الاتخاذ المذموم
الذي ظلم نفسه، هو الندم، فيوم القيامة يندم
الظالم ويعض على يديه؛ لأنه لم يتخذ مع
الرسول سبيلاً، واتخذ طريق الغي سبيلًا
له، واتخذ من أهل الشر أخلاء، أضلوه عن
طريق الحق.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَمُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ
يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
يَنْوَيْلَقَ لَيْتَفِى لَمْ أَقَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧ -
٢٨].
وعض الظالم على يديه، كناية عن
الحسرة والندم، على ما فاته من خير، ولا
يمكنه حينها دركه، وسبب الحسرة التي
تملأ قلب الظالم في هذا اليوم، وهو أنه
قد كان على طريق مخالف لطريق النبي،
وأنه دعي إلى الإيمان فأبى، ولم يتخذ مع
اللهم اجعلنا من أهل الفردوس يا رب الرسول سبيلاً، بل اتخذ سبيله مع الضالين
العالمين.
من أمثاله، الذين أغووه، وأغواهم، فكانوا
حزبًا على النبي والمؤمنين (٢).
فالعبد مدعو ليتدارك ما فاته، قبل الوقت
الذي لا يمكنه ذلك، وليتخذ كل ما من
شأنه أن يكون سعادة له، لا ما يجلب له
الندم وغضب الله سبحانه وتعالى ، فالذين
(٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب، ١٠/ ١١.
www. modoee.com
٣١٧

حرف الألف
يتخذون كل مذموم ينالهم غضب من ربهم
عاقبة وجزاء على عملهم، فالذين اتخذوا
العجل إلهًا من دون الله يعبدونه، سينالهم
غضب من الله، وذلة في الدنيا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَّخَذُواْ الْمِجْلَ
سَيَنَالهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَِلَةٌ فِ الحَوَةِ الدُّنْيَّ
وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَّرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢].
«إنه حکم ووعد، إن القوم الذين اتخذوا
العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في
الحياة الدنيا، ذلك مع قيام القاعدة الدائمة:
إن الذين يعملون السيئات ثم يتوبون يغفر
الله لهم برحمته، وإذن فقد علم الله أن الذین
اتخذوا العجل لن يتوبوا توبة موصولة وأنهم
سيرتكبون ما يخرجهم من تلك القاعدة،
وهكذا كان، فقد ظل بنو إسرائيل يرتكبون
الخطيئة بعد الخطيئة ويسامحهم الله المرة
بعد المرة، حتى انتهوا إلى الغضب الدائم
واللعنة الأخيرة: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾
كل المفترين إلى يوم الدين، فهو جزاء متكرر
كلما تكررت جريمة الافتراء على الله، من
بني إسرائيل، ومن غیر بني إسرائيل، ووعد
الله صادق لا محالة، وقد كتب على الذين
اتخذوا العجل الغضب والذلة))(١).
قال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَتِنَا شَيْئًا أَتَّخَذَهَا
هُزُوَاْ أُولَئِكَ لَْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ل ◌ِّن وَرَآيِهِمْ
جَهَنَّمٌ وَلَا يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئًا وَلَا مَا أََّدُواْ
مِن دُونِ الَّهِ أَوْلِيَاءٍ وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الجاثية:
٩ - ١٠].
فكل مستكبر مكذب بآيات الله
ومستهزئ بها، يناله عذاب الله، هذا ما
بينته الآيات وهي تصف مصير كل من
اتخذ آيات الله هزوا، واتخذ من دون الله
وليًا، بأن لهم عذابًا ذا إهانة، يتكافأ مع
استکبارهم و استهزائهم، فالجزاء من جنس
العمل، ومن ورائهم جهنم، ولا يغني عنهم
ما كسبوا شيئًا من الأموال والأولاد، فتلك
مواقف لا ينفع فیھا مال ولا بنون، بل یفر
المرء فيها من أمه وأبيه وصاحبته وینیه، ولا
يغني عنهم ما اتخذوهم أولياء من دون الله
كالأصنام وسائر المعبودات الباطلة، ولهم
في جهنم عذاب عظيم لا يعرف قدره أحد
من الخلق(٢).
والآيات في كتاب الله كثيرة تبين أن
عاقبة كل اتخاذ مذموم، هو العذاب والعقاب
الرباني، وبئس العقاب الذي يستحقه من
خالف أمر ربه، واتبع طريق الضلال، وهذا
هذا هو مصير كل من اتخذ كل مذموم ترهيب من هذا السبيل، فحريٌ بنا تجنب
ومحرم نهانا شرعنا أن نتخذه، غضب من هذا السبيل المذموم، وكل ما من شأنه أن
الله، وعذاب في جهنم.
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٣/ ١٣٧٥.
(٢) انظر: التفسير الواضح، محمد الحجازي،
٤٢٦/٣.
٣١٨
مَوَسُوبَةُ الْبَقِيَة
القرآن الكريم

الاتخاذ
يجلب غضب الله وسوء العاقبة، والسعي
دائمًا لكل ما يرضي الله، ويكون سببًا في
النجاة والفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.
موضوعات ذات صلة:
الأخذ، الصحبة، المحبة
www. modoee.com
٣١٩