النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ د عناصر الموضوع مفهوم الاتخاذ ٢٨٨ الاتخاذ في الاستعمال القرآني ٢٨٩ الألفاظ ذات الصلة ٢٩٠ الاتخاذ في حق الله تعالى ٢٩١ أنواع الاتخاذ ٢٩٦ أسباب الاتخاذ ٣٠٤ أساليب القرآن في عرض الاتخاذ ٣٠٨ ٣١٥ عاقبة الاتخاذ المُجَلَدَ الأول حرف الألف مفهوم الاتخاذ أولًا: المعنى اللغوي: الاتخاذ مصدر من تخذ يتخذ، كعلم يعلم: بمعنى: أخذ، تخذت الشيء واتخذته، وقرئ: (لتخذت) و(لاتخذت)، وهو افتعل من تخذ، فأدغم إحدى التاءين في الأخرى (١)، يقال: تخذت مالًا، أي: كسبته، ألزمت التاء كأنها أصلية، والأصل من الأخذ(٢). ورأى ابن الأثير أنها ليس من الأخذ في شيء، فإن الافتعال من الأخذ: ائتخذ؛ لأن فاءه همزةٌ، والهمزة لا تدغم في التاء (٣). والأكثرون على أن أصله من الأخذ، ومعنى الأخذ والتخذ واحدٌ، وهو حوز الشيء وتحصيله(٤). ومن خلال ما سبق يتبين أن الاتخاذ يتمركز معناه اللغوي حول الكسب والحوز والتحصيل. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: الاتخاذ اصطلاحًا: هو ((الاقتناء))(٥)، ((والاتخاذ: أخذ الشيء لأمر يستمر فيه، مثل الدار يتخذها مسكنًا، والدابة يتخذها قعدة))(٦). والمتدبر في المعنيين اللغوي والاصطلاحي يجد اتصالًا بينهما؛ حيث إن المعنى الاصطلاحي أخذ الشيء والاستمرار فيه، وهذا مرتبط بمعنى الاتخاذ اللغوي الذي هو الكسب والحوز والتحصيل مع الاستمرار في الأخذ، وهذا هو الاقتناء. (١) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ٣٣١/١، مجمل اللغة، ابن فارس، ١٤٦/١، مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣٤١/١. (٢) انظر: العين، الفراهيدي، ٢٩٨/٤. (٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ١٨٣/١. (٤) انظر: تاج العروس، الزبيدي، ٩/ ٣٧٠، ٣٧٨/٩. (٥) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ٣٧/١. (٦) الفروق اللغوية، العسكري، ١/ ١٣٨. ٢٨٨ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الاتخاذ الاتخاذ في الاستعمال القرآني ورد الجذر (أخ ذ) في القرآن (٢٧٣) مرة، يخص موضوع البحث منها (١٢٨) مرة (١). والصيغ التي ورددت عليها هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٦٦ ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء: ١٢٥] الفعل المضارع ٥٣ ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًّا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النََّلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ لَلْبَالِ بُونًا﴾ فعل الأمر ٥ [النحل: ٦٨] المصدر ١ ﴿وَ إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِتْخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤] اسم فاعل ٣ [الكهف: ٥١] ﴿وَ مَا كُنْتُ مُتَّخِذَ اَلْمُضِلِينَ عَضُّدًا! وجاء الاتخاذ في القرآن بمعناه في اللغة، وهو: الافتعال من الأخذ، وهو: التناول للشيء والحوز والاختيار والجعل (٢). قال تعالى: ﴿وَأَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. يعني: اختار الله إبراهيم مصافيًا(٣). (١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ١٦-٢٠. (٢) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص١٤. (٣) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٥٠ - ٥٢. www. modoee.com ٢٨٩ حرف الألف الألفاظ ذات الصلة ١ الآخذ: الأخذ لغة: الأخذ مصدر أخذ، الهمزة والخاء والذال أصل واحد تتفرع منه فروع متقاربة في المعنى، يقال: أخذت الشيء آخذه أخذًا، أي: تناولته(١). الأخذ اصطلاحًا: الأخذ خلاف العطاء، وهو حوز الشىء وتحصيله، وذلك تارة بالتناول، وتارة بالغلبة والقهر، ومنه أخذته الحمى، وفلان يأخذ مأخذ فلان يذهب مذهبه ويسلك مسلكه(٢). الصلة بين الأخذ والاتخاذ: الأخذ هو تحصيل الشيء، أما الاتخاذ فهو أخذ الشيء والاستمرار فيه مثل الدار يتخذها مسكناً(٣)، فالاتخاذ اقتناء واجتباء. الإبعاد: ٢ الإبعاد لغة: الإبعاد بكسر الهمزة وسكون الباء من أبعد، والأصل بعد بالضم بعدًا فهو بعيد، أي: تباعد، وأبعده غيره، وباعده، وبعده تبعيدًا، والبعد ضد القرب (٤). الإبعاد اصطلاحًا: التنحية(٥)، وترك الشيء بعيدًا. الصلة بين الإبعاد والاتخاذ: الإبعاد من الألفاظ المقابلة للاتخاذ، فالاتخاذ أخذ الشيء وقصده واعتماده والاستقامة عليه، أما الإبعاد تنحية الشيء وتركه بعيدًا. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٦٨/١، لسان العرب، ابن منظور، ٤٧٢/٣. (١) (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ٦٧/١، لسان العرب، ابن منظور، ٤٧٢/٣. (٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ١٣٨/١. (٤) انظر: المصباح المنير، الفيومي، ٥٣/١، معجم لغة الفقهاء، قلعجي وقنيبي، ٣٩/١. (٥) انظر: معجم لغة الفقهاء، قلعجي وقنيبي، ٣٩/١. ٢٩٠ جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة الْقُرآن الكَرِيْمِ الاتخاذ الاتخاذ في حق الله تعالى إن المتأمل في الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن الاتخاذ، يجد أن الاتخاذ في حقه سبحانه، منه ما هو مثبت في حقه، ومنه ما هو منفي، وسنوضح ذلك فيما يلي. أولًا: الاتخاذ المثبت في حق الله تعالى: إن المستقريء لآيات الاتخاذ في حق الله سبحانه وتعالى يجد أن الله سبحانه وتعالى أثبت لنفسه اتخاذ الخليل واتخاذ الشهداء، ولم ينسب لنفسه اتخاذًا سوى ذلك، فالاتخاذ المثبت في حق الله بمعنى الاختيار، فالله عز وجل اختار إبراهيم خليلًا، ويختار من يشاء من عباده ليكون شهيدًا. ١. اتخاذ الخلیل. لقد اتخذ الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام خليلًا، والخلة كمال المحبة، وسيدنا إبراهيم عليه السلام أهلًا لذلك. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَأَّخَذَ اَللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. ففي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ مجاز يفيد اصطفاءه واختياره واختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله. والخليل: هو الذي يخالك، أي: يوافقك في خلالك، أو يسايرك في طريقك، أو يسد خللك كما تسد خلله، وهو المحب لمن يحبه، من الخلة وهى المودة والمحبة التي تتخلل النفس وتمازجها(١). فالآية الكريمة تدل على اختيار الله إبراهيم خليلاً، وفيها تأكيد على وجوب اتباع ملته؛ لأن من كانت له هذه المنزلة من الزلفى عند الله بأن اتخذه خلیلًا، كان جديرًا بأن تتبع ملته وطريقته، فالله امتن على إبراهيم بسلامة الفطرة والاعتقاد، وقوة العقل وصفاء الروح، وكمال المعرفة بالله، وشدة العزيمة وعلو الهمة في محاربة الوثنية والشرك، حتى صار من أولي العزم، فهو خليل الرحمن، عدو الشيطان (٢). إن اتخاذ الله سبحانه وتعالى إبراهيم خلیلا لشدة محبة ربه سبحانه وتعالى له؛ لما قام له من الطاعة التي يحبها ويرضاها، لا لحاجته إلى مخالته وللتكثر به والاعتضاد، وهذا من باب الترغيب في اتباعه؛ لأنه إمام يقتدى به حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به (١) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٥٦٩/١، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٢٣٧/٢، تفسير المراغي، ١٦٣/٥. (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٥٦٩/١، التفسير المنير، الزحيلي، ٢٨٧/٥. www. modoee.com ٢٩١ حرف الألف العباد له، حتى انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه، كما وصفه الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَِّ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]. وقال أيضًا: ﴿ وَإِبْرَهِيمَ اَلَّذِى وََ﴾ [النجم: ٣٧](١). يقول ابن القيم: ((ولما كانت الخلة مرتبة لا تقبل المشاركة امتحن الله -سبحانه إبراهيم الخليل بذبح ولده، لما أخذ شعبة من قلبه، فأراد - سبحانه أن يخلص تلك الشعبة له ولا تكون لغيره فامتحنه بذبح ولده، والمراد: ذبحه من قلبه لا ذبحه بالمدية، فلما أسلما لأمر الله وقدم محبة الله تعالى على محبة الولد، خلص مقام الخلة وفدى الولد بالذبح، وقيل: إنما سميت خلة لتخلل المحبة جميع أجزاء الروح))(٢). ولم يختص إبراهيم عليه السلام بخلة الرحمن سبحانه وتعالى ، بل شاركه فيها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فعن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ؛ فإن الله تعالى (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٢٢/٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٤٠٢/٥. (٢) روضة المحبين، ٤٨/١. قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلً، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكرٍ خليلًا ... )(٣)، وقد استحق كلا النبيين عليه السلام هذه المنزلة؛ لما لهما من الصفات، والأفعال العظيمة الجميلة. ٢. اتخاذ الشهداء. إن الحق سبحانه المتعال الغني عن الخلق غنى مطلق في سياق تكريمه للشهداء، يجعلهم ممن يتخذهم، فقد أثبت الله لنفسه اتخاذ الشهداء. قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اَللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. فالله يميز بين المؤمنين والمنافقين، ويكرم من أكرم من أهل الإيمان بالشهادة (٤)، فالشهادة اختيار وإكرام واصطفاء من الله، والشهداء اتخاذ من الله يتخذهم لنفسه. والشهداء جمع شهيد، وهو من قتل من المسلمين بسيف الكفار في المعركة، واختلفوا في معنى الشهيد: فقيل: الشهيد الحي؛ لأن أرواحهم حية حضرت دار السلام وشهدتها، وأرواح غيرهم لا تشهدها، وقيل: سمي شهيدًا؛ لأن الله تعالى شهد له بالجنة، وقيل: سموا شهداء؛ لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، رقم ٣٧٧/١،٥٣٢. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٤٣/٧. ٢٩٢ مَوَسُوبَةُ التَّفِيدِ القرآن الكريم الاتخاذ على الأمم؛ لأن الشهادة تكون للأفضل وعلى أنهم هم استيقنوا هذا فلم يألوا جهدا فالأفضل من الأمة؛ لأن منصب الشهادة منصب عظيم، ولفضل الشهداء العظيم يتخذهم الله، والاتخاذ دائمًا هو أن يأخذه إلی جانبه لمزیة له ورفعة لمكانته(١). ((﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ﴾ وهو تعبير عجيب عن معنى عميق، إن الشهداء لمختارون يختارهم الله من بین المجاهدین، ويتخذهم لنفسه سبحانه، فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد، إنما هو اختيار وانتقاء وتكريم واختصاص، إن هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة ليستخلصهم لنفسه سبحانه، ويخصهم بقربه، ثم هم شهداء يتخذهم الله، ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس، يستشهدهم فيؤدون الشهادة، يؤدونها أداء لا شبهة فيه ولا مطعن عليه، ولا جدال حوله، يؤدونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق وتقريره في دنيا الناس. يطلب الله سبحانه منهم أداء هذه الشهادة على أن ما جاءهم من عنده الحق؛ وعلى أنهم آمنوا به وتجردوا له وأعزوه حتى أرخصوا كل شيء دونه، وعلى أن حياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إلا بهذا الحق، (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢١٨/٤، لباب التأويل، الخازن، ٣٠٢/١، تفسير الشعراوي، ١٧٨٤/٣. في كفاح الباطل، وطرده من حياة الناس، وإقرار هذا الحق في عالمهم، وتحقيق منهج الله في حكم الناس، يستشهدهم الله على هذا كله فيشهدون، وتكون شهادتهم هي هذا الجهاد حتى الموت، وهي شهادة لا تقبل الجدال والمحال، وكل من ينطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلی الله عليه وسلم لا يقال له: إنه شهد، إلا أن يؤدي مدلول هذه الشهادة ومقتضاها، ومدلولها هو ألا يتخذ إلا الله إلهًا، ومن ثم لا يتلقى الشريعة إلا من الله، فأخص خصائص الألوهية التشريع للعباد، وأخص خصائص العبودية التلقي من الله. ومدلولها كذلك ألا يتلقى من الله إلا عن محمد صلی الله عليه وسلم، بما أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعتمد مصدرًا آخر للتلقي إلا هذا المصدر، ومقتضى هذه الشهادة أن يجاهد إذن لتصبح الألوهية لله وحده في الأرض، كما بلغها محمد صلى الله عليه وسلم، فيصبح المنهج الذي أراده الله للناس والذي بلغه عنه محمد صلى الله عليه وسلم هو المنهج السائد والغالب والمطاع، وهو النظام الذي يصرف حياة الناس كلها بلا استثناء. فإذا اقتضى هذا الأمر أن يموت في سبيله www. modoee.com ٢٩٣ حرف الألف فهو إذن شهيد، أي: شاهد، طلب الله إليه العاجز الذي تضطره الشهوة الباعثة إلى اتخاذها، وأن الولد إنما يكون عن شهوة أداء هذه الشهادة فأداها، واتخذه الله شهيدًا، ورزقه هذا المقام، هذا فقه ذلك التعبير العجيب، ويتخذ منکم شهداء، وهو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله))(١). أزعجته إلى الوقاع الذي يحدث منه الولد، فقال النفر من الجن: علا ملك ربنا وسلطانه وقدرته وعظمته أن يكون ضعيفًا ضعف خلقه، الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة، أو وقاع شيء يكون منه ولد))(٣)، ثانيًا: الاتخاذ المنفي في حق الله تعالى: ويؤكد ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنَّ يَكُونُ لَهُ، وَلَّدٌ وَلَّمْ تَكُنْ لَّهُ صَحَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]. كما أن الله سبحانه وتعالى أثبت لنفسه اتخاذًا، فقد جاءت آيات قرآنية أخرى تنفي صورًا من الاتخاذ عن الله سبحانه وتعالى، ومنها اتخاذ الزوجة والولد والظهير والمعين. ١. اتخاذ الزوجة. لقد نفى الله سبحانه وتعالى عن نفسه اتخاذ الزوجة، فهو منزه عن المماثلة بخلقه، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَلَ جَدُّ رَبِنَا مَا الشَّخَذَ صَحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣]. فالآية الكريمة تنفي عن الله اتخاذ الصاحبة أي: الزوجة، تعالت عظمة ربنا وجلاله، ما اتخذ زوجة ولا ولدًا(٢). يقول الطبري في تفسير هذه الآية: ((والمعنى: أن حظوته من الملك والسلطان والقدرة العظيمة عالية، فلا تكون له صاحبة ولا ولد؛ لأن الصاحبة إنما تكون للضعيف (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١ / ٤٨١. (٢) انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير، ١/ ٥٧٢. فماذا يريد الحق من الصاحبة؟ إنه لا يريد شيئًا، فلا الولد ولا الصاحبة يزيدان له قدرة تخلق، ولا حکمة ترتب، ولا علمًا یدبر، ولا أي شيء، وخلاف هذا التصور عبث(٤)، فالله منزه عن اتخاذ الزوجة سبحانه وتعالى ذلکم الله لا إله إلا هو، فھو الموصوف بکل کمال، المنزه عن کل نقص. ٢. اتخاذ الولد. اتخاذ الله سبحانه الأدلة على نفي وتعالى للولد كثيرة، منها: قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِلّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَهُ﴾ [مريم: ٣٥]. فالله سبحانه وتعالى منزةٌ عن اتخاذ الولد، وهو غني عن العالمين؛ إذ اتخاذ الولد افتقار إلیه، والله سبحانه وتعالى هو (٣) جامع البيان، ٩/ ٣٣٠. (٤) انظر: تفسير الشعراوي، ٣٨٣٨/٦. ٢٩٤ جَوَبُ حَرَ النَفسِدِ الوضوح القرآن الكريم الاتخاذ الغني فلا يفتقر إلى أحد، فما يريد تحقيقه الأحد الفرد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد؟!))(٢). يحققه بتوجه الإرادة لا بالولد والمعین(١). ونفى القرآن الكريم ما ينسبه المشركون لله سبحانه وتعالى من اتخاذه الولد، تعالى الله عز وجل عما يقولون علوا كبيرًا. قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَأَ سُبْحَنَّةٌ بَل لَّهُ, مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلُّ لَّهُ، قَانِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]. قال أهل الكتاب والمشرکون من اليهود والنصارى وغيرهم: المسيح ابن الله، وعزير ابن الله، والملائكة بنات الله !! سبحانه وتعالى وتنزيهًا له عما يدعون، بل له كل ما في السماوات والأرض ومنهم هؤلاء، الكل قد خلقهم الله، كلٌّ له منقادون إن طوعًا وإن كرهًا، وهو الذي أبدع السماوات والأرض وما فيهن، وإذا أراد أمرًا -فلا راد لقضائه- كان وتحقق من غير امتناع، فمن له كل ما في السماوات والأرض خلقًا وملكًا، ومن له كل ما في الكون كائنًا ومنقادًا، ومن أبدع السماء والأرض والوجود كله، ومن إذا أراد أمرًا كان ووجد من غير امتناع أو إباء، من كان هذا شأنه أيحتاج إلى الولد أو الوالد؟ ومن کان هذا شأنه یکون له جنس؟ أم هو الواحد (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٤٩٣، في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٣٠٨/٤، شرح العقيدة الواسطية، محمد الهراس، ٨٣/١. قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْنُ وَلَدًا ثَالَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا﴾ [مريم: ٨٨ - ٨٩]. والإد:هو المنكر العظيم والأمر الفظيع (٣). وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢] فهو الغني فلا يفتقر إلى أحد، وهو الملك فكل ما سواه مملوك، وهو الحي الذي لا يموت، وهو الوارث الباقي، تعالی ربنا وتقدس(٤). ٣. اتخاذ الظهير والمعين. وإن من الاتخاذ المنفي عن الله سبحانه وتعالى: اتخاذه الظهير والمعين. قال تعالى: ﴿مَّا أَشْهَدُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ اُلْمُضِلِّينَ عَضُّدًا﴾ [الكهف: ٥١]. فالله ينفي اتخاذه الشياطين والكفار أنصارًا وأعوانًا، والعضد يستعمل كثيرًا في معنى العون؛ لأنه قوام اليد، والاعتضاد: التقوي وطلب المعونة، والله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى عون أحد(٥). ومعنى الآية: ((أي ما أحضرت إبليس وذريته خلق السماوات والأرض، حين (٢) التفسير الواضح، محمد حجازي ١/ ٧٠. (٣) انظر: المفردات، الراغب، ص ٦٩. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (٤) ١٥٨/١١. (٥) انظر: المصدر السابق ٢/١١. www. modoee.com ٢٩٥ حرف الألف خلقتهما، ﴿وَلَا خَلَقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: وما أشهدت بعضهم أيضًا خلق بعض منهم، ونفي الإشهاد كناية عن نفي الاعتضاد بهم والاستعانة على خلق ما ذكر أبلغ؛ إذ من لم يشهد فأنى يستعان به؟ فأنى يصح جعله شریگًا؟ ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ اَلْمُضِلِينَ عَضُدًا﴾ أي: وما كنت متخذهم أعوانًا لخلق ما ذکر، بل تفردت بخلق جميع ذلك بغير معين ولا ظهير، أي: وإذا لم يكونوا عضدًا في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاء في العبادة؟ واستحقاق العبادة من توابع الخالقية)) (١). وخص سبحانه وتعالى المضلين بالذكر، زيادة في ذمهم وتوبيخهم، وتقريعًا لأمثالهم؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس له أعوان ولا أنصار لا من المضلين ولا من المهتدين(٢). ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمِنْهُم ◌ِّن ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]. أي: ما لله من هؤلاء من معين على خلق شيء، بل الله المنفرد بالإيجاد، فهو الذي يعبد، وعبادة غيره محال، والظهير: هو المعين الذي يسند ظهر من يستعين به، فهم ليسوا شركاء لله، ولا أعوانًا له، وإنما هم عبيد مسخرون لجلاله وقدرته(٣). (١) محاسن التأويل، القاسمي، ٤٢/٧. (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٧٦/١٥. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٩٥/١٤، التفسير القرآني للقرآن، عبد أنواع الاتخاذ إن المتأمل في معاني الآيات التي تحدثت عن الاتخاذ فى حق المخلوق يجد أن الاتخاذ إما أن يكون محمودًا وإما أن يكون مذمومًا، فالمحمود مدحه الله ومدح أهله، ودعا إليه، والمذموم ذمه الله وذم أهله، وحذرنا منه. أولًا: الاتخاذ المحمود: اشتملت کثیر من الآيات التي تتحدث عن الاتخاذ في القرآن الكريم على معنى الاتخاذ المحمود، وفيما يلي نذكر بعض صور الاتخاذ المحمود. ١ . اتخاذ الله سبحانه وتعالی و کیلًا. أمر الله سبحانه وتعالی نبیه، وهو أمر للمسلمین جمیعًا باتخاذ الله و کیلًا. قال تعالى: ﴿رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْغَرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]. فهذا اتخاذ محمود، فالله سبحانه وتعالى رب المشرق والمغرب وما بينهما من العالم، لا ينبغي أن يعبد إله سواه، فهو المستحق للعبادة، ولا وكيل سواه؛ لذا أمرنا الله باتخاذه و کیلا ومدبرًا في كل أمورنا، نعتمد عليه ونلجأ إليه ونفوض إليه الأسباب(٤). الكريم الخطيب، ٨٠٦/١١. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٨٩/٢٣، تيسير ٢٩٦ مُؤْو ◌َة النفسية جوسى لِلْقُرآن الكَرِيمِ الاتخاذ يقول الشوكاني: «﴿فَاتَِّذْهُ وَكِيلًا﴾ أي: إذا عرفت أنه المختص بالربوبية فاتخذه وكيلًا، أي: قائمًا بأمورك، وعول عليه في جميعها، وقيل: كفيلًا بما وعدك من الجزاء والنصر)) (١). ٢. اتخاذ مقام إبراهيم مصلى. أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين أن يتخذوا مقام إبراهيم عليه السلام ؛ تكريمًا له لإخلاصه، ولیکون قدوة للناس، وهذا اتخاذ محمود، فهو أمر من الله، قال تعالى: ﴿وَأَّخِذُواْ مِنْ مَقَامِ إِبْرَهَِ مُصَلَى﴾ [البقرة: ١٢٥]. على إرادة القول، أي: وقلنا: اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه، وهو على وجه الاختيار والاستحباب دون الوجوب، ومقام إبراهيم: الحجر الذي فيه أثر قدميه، والموضع الذي كان فيه الحجر حين وضع عليه قدميه، وقيل: الحرم كله مقام إبراهيم(٢). ويطلق مقام إبراهيم على الكعبة؛ لأن إبراهيم عليه السلام كان يقوم عندها يعبد الله تعالى، ويدعو إلى توحيده، ويطلق مقام إبراهيم على الحجر الذي كان يقف عليه إبراهيم عليه السلام حين بنائه الكعبة ليرتفع الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٩٢. (١) فتح القدير ٣٨١/٥. (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري، ١٨٥/١. لوضع الحجارة في أعلى الجدار، وقد ثبتت آثار قدميه في الحجر، وهذا الحجر يعرف إلی الیوم بالمقام، وكان إبراهيم عليه السلام قد وضع المسجد الحرام حول الكعبة ووضع الحجر الذي كان يرتفع عليه للبناء حولها، فكان المصلى على الحجر المسمى بالمقام، فذلك يكون المصلى متخذًا من مقام إبراهيم على كلا الإطلاقين، ولم يكن الحجر الذي اعتلى عليه إبراهيم في البناء مخصوصًا بصلاة عنده، ولكنه مشمول للصلاة في المسجد الحرام، ولما جاء الإسلام بقي الأمر على ذلك إلى أن كان عام حجة الوداع أو عام الفتح دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام ومعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم سنت الصلاة عند المقام في طواف القدوم(٣). ٣. اتخاذ النحل للجبال بيوتًا. لقد أوحى الله للنحل أن تتخذ الجبال بيوتًا، وهنا أكثر من كونه أمرًا فهو وحي، إذًا هو اتخاذ محمود. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ أَنْ أَنَِّذِى مِنَ الْبَالِ بُونًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨]. أودع الله في النحل إدراكًا لصنع محكم مضبوط منتج شرابًا نافعًا: إنه العسل، فقد افتتحت الآية بفعل أوحى لما في أوحى (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١/ ٧١٠. www. modoee.com ٢٩٧ حرف الألف من الإيماء إلى إلهام تلك الحشرة الضعيفة تدبيرًا عجيبًا وعملًا متقنًا وهندسة في الجبلة(١)، ﴿أَنِ أَخِذِى مِنَ الْبَالِ بُونًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ أي: اجعلي لك بيوتًا في الجبال تأوین إليها، واتخاذ البيوت هو أول مراتب الصنع الدقيق الذي أودعه الله في طبائع النحل فإنها تبني بيوتًا بنظام دقيق، وأشير إلى أنها تتخذ في أحسن البقاع من الجبال أو الشجر أو العرش دون بيوت الحشرات الأخرى؛ وذلك لشرفها بما تحتويه من المنافع، وبما تشتمل عليه من دقائق الصنعة (٢). يقول سيد قطب: ((والنحل تعمل بإلهام من الفطرة التي أودعها إياها الخالق، فهو لون من الوحي تعمل بمقتضاه، وهي تعمل بدقة عجيبة يعجز عن مثلها العقل المفكر سواء في بناء خلاياها، أو في تقسيم العمل بينها، أو في طريقة إفرازها للعسل المصفى، وهي تتخذ بيوتها -حسب فطرتها- في الجبال والشجر وما يعرشون، أي: ما پرفعون من الکروم وغیرها، وقد ذلل الله لها سبل الحياة بما أودع في فطرتها وفي طبيعة الكون حولها من توافق»(٣). ٤. اتخاذ الشيطان عدوًا. (١) انظر: المصدر السابق، ١٤ / ٢٠٤. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٤/ ٢٠٦، تفسير المراغي، ١٠٤/١٤. (٣) في ظلال القرآن، ٢١٨١/٤. أمر الله سبحانه وتعالى عباده أن يتخذوا الشيطان عدوًا؛ لأنه يسعى دائمًا لإيقاعهم بالفساد، فاتخاذ الشيطان عدوًا هو اتخاذ محمود، يجنب العبد الوقوع في مكائد الشيطان. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبٍ اُلسَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. أمر الله باتخاذ العدو عدوًا، وتلك عداوة مودعة في جبلته كعداوة الكلب للهر؛ لأن جبلة الشيطان موكولة بإيقاع الناس في الفساد وأسوأ العواقب في قوالب محسنة مزينة، ومن لوازم اتخاذه عدوًا العمل بخلاف ما يدعو إليه لتجنب مكائده ولمقته بالعمل الصالح، حيث أعقبت الآية الأمر باتخاذ الشيطان عدوًا بتحذير من قبول دعوته، وحث على وجوب اليقظة لتغريره، وتجنب توليه بأنه يسعى في ضر أوليائه وحزبه، فيدعوهم إلى ما يوقعهم في السعير (٤). يقول سيد قطب: ((الشيطان يغر ويخدع؛ فلا تمكنوه من أنفسكم ﴿ وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ اَلْغَرُورُ﴾، والشيطان قد أعلن عداءه لكم وإصراره على عدائكم ﴿فَأَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ لا تركنوا إليه، ولا تتخذوه ناصحًا لكم، ولا (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٦٠/٢٢. ٢٩٨ القرآن الكريم الاتخاذ تتبعوا خطاه، فالعدو لا يتبع خطى عدوه وأخبر بذم من أشرك به واتخذ من دونه ولیًا. قال تعالى: ﴿أَلَاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُّ وَأَلَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ أَوْلِيَآَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىَ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَاهُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَكَذِبُ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]. وهو يعقل! وهو لا يدعوكم إلى خير، ولا ينتهي بكم إلى نجاة: ﴿إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ. لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾! فهل من عاقل يجيب دعوة الداعي إلى عذاب السعير؟! إنها لمسة وجدانية صادقة، فحين يستحضر الإنسان صورة المعركة الخالدة بينه وبين عدوه الشيطان، فإنه يتحفز بكل قواه وبکل يقظته وبغريزة الدفاع عن النفس وحماية الذات، يتحفز لدفع الغواية والإغراء، ويستيقظ لمداخل الشيطان إلى نفسه، ويتوجس من كل هاجسة، ويسرع ليعرضها على ميزان الله الذي أقامه له ليتبين، فلعلها خدعة مستترة من عدوه القديم! وهذه هي الحالة الوجدانية التي يريد القرآن أن ينشئها في الضمير))(١). ثانيًا: الاتخاذ المذموم: اشتملت كثير من الآيات التي تتحدث عن الاتخاذ في القرآن الكريم على معنى الاتخاذ المذموم، نذكر منها ما يلي: الله. إن اتخاذ الأولياء من دون الله هو اتخاذ مذموم، ذمه القرآن الكريم، فلما أمر بالتوحيد والإخلاص، نهى عن الشرك به، (١) في ظلال القرآن، ٢٩٢٦/٥. فالذين يتخذون من دون الله آلهة يتولونهم بعبادتهم ودعائهم لتشفع لهم وتقربهم لله، قد تركوا ما أمر الله به من الإخلاص والتوحيد، وتجرأوا على أعظم المحرمات، وهو الشرك، فهؤلاء وصفهم الله بالكذب والكفر (٢)، وقد ضرب الله مثل من اتخذ من دون الله وليًا معتمدًا عليه يحتمي بحماه، يقصد به التعزز والتقوي والنفع، وهو لا يجلب له نفعًا ولا يدفع عنه ضرًا، بحال العنكبوت اتخذت بيتًا؛ لتحتمي به من الأخطار، وهي لا تدري أن هذا البيت لا یقي حرًا ولا بردًا. قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْمَنْكَبُوتِ اَخَذَتْ بَيْئاً وَإِنَّ أَوْهَنَ اَلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ١. اتخاذ الأولياء والآلهة من دون الْعَنْكَبُوتِّ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١]. ((فالعنكبوت من الحيوانات الضعيفة، وبيتها من أضعف البيوت، فما ازدادت (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧١٧. www. modoee.com ٢٩٩ حرف الألف باتخاذه إلا ضعفًا، كذلك هؤلاء الذين يتخذون من دونه أولياء، فقراء عاجزون من جميع الوجوه، وحين اتخذوا الأولياء من دونه يتعززون بهم ويستنصرونهم، ازدادوا ضعفًا إلى ضعفهم، ووهنا إلی وهنهم»(١). ومن الاتخاذ المذموم اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، وهذا شرك بالله، فلا يجوز طاعتهم. قال تعالى: ﴿أَّخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوَّا إِلَّا لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَحِدَّالَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١ ]. هذه الآية في اليهود الذين اتخذوا علماءهم، والنصارى الذين اتخذوا رهبانهم سادة لهم يطيعونهم في معصية الله، فيحلون ما أحلوه لهم مما حرمه الله، ويحرمون ما حرموه لهم مما أحله الله، بالإضافة لاتخاذهم المسيح ابن مريم ربًا من دون الله، والله أمرهم ألا يعبدوا ويطيعوا إلا إلهًا واحدًا هو الله سبحانه وتعالى ، وأما طاعة الرسول وسائر من أمر الله بطاعته فهو في الحقيقة طاعة الله، وهذا الأمر من الله دليل على بطلان اتخاذهم(٢). (١) المصدر السابق ص ٦٣١. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٤ /٢٠٨، أنوار التنزيل، البيضاوي، ٧٨/٣. وكذلك نهى الله عن اتخاذ الأصنام شفعاء من دون الله، فهي لا تملك نفعًا ولا ضرًا، فالشفاعة لله وحده. قال تعالى: ﴿أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ ﴿ قُل لِلَّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًاً لَّهُ, مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٤]. أي: قل لهم يا محمد: أتتخذون الأصنام والقربان شفعاء من دون الله، وهي لا تملك شيئًا ولا تعقل؛ لأنها جمادات، فهذا استفهام إنكاري لهذا الاتخاذ الباطل، فالشفاعة لله وحده، ولا شافع إلا من شفاعته(٣). ٢. اتخاذ الكفار واليهود والنصارى أولياء من دون المؤمنین. فقد نهى الله سبحانه وتعالى المسلمين من اتخاذ الكفار أولياء بموالاتهم ونصرتهم ومحبتهم، بل لابد من التبرؤ منهم، واتخاذ المؤمنين أولياء. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوالَا نَتَّخِذُوا اَلْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءُ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤]. هذا نهي من الله لعباده المؤمنين أن يتخلقوا بأخلاق المنافقین، الذین یتخذون (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٦٣/١٥. مَوَسُولَهُ النَّسيد لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٣٠٠ الاتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنین، فيكونوا مثلهم في رکوب ما نهاهم عنه من موالاة أعدائه، فيقول لهم -جل ثناؤه -: لا توالوا الكفار فتؤازروهم من دون أهل ملتكم ودینکم من المؤمنین، فتكونوا کمن أوجبت له النار من المنافقين (١). وقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءُ مِن دُونِ اَلْمُؤْمِنِينٌّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَّسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَمَةٌ وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ، وَإِلَى اَللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. وهذا نهي من الله لعباده المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أعوانًا وأنصارًا يبادلونهم المحبة والمناصرة على إخوانهم المؤمنين، وأعلمهم تعالی أن من يفعل ذلك فقد برئ الله تعالى منه، وذلك لكفره وردته، حيث والى أعداء الله وعادى أولياءه(٢). ونهى الله سبحانه وتعالى أيضًا من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء وحلفاء، فهذا الاتخاذ المذموم يسبب سخط الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ اَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَةِ أَوْلِيَاءُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍٍّ وَمَنْ يَتَوَلَّم مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلَّلِمِينَ [المائدة: ٥١]. (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٣٦/٩. (٢) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، ٣٠٦/١. فيتوجب على أهل الإيمان عدم اتخاذ أعداء الإسلام من اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاءً، وألا يسروا إليهم بأسرارهم ولا يطمئنوا لمودتهم، فهم لن يخلصوا لهم؛ لأنهم أولياء بعضهم بعضًا، ثم توعد من یوالیهم أو یعینهم أو يستنصر بهم، فإنه في الحقيقة منهم، أي: من جملتهم، وكأنه مثلهم، وليس من صف المؤمنين الصادقين، وهذا تغليظ من الله وتشديد على المنافقين الذين يتصادقون مع اليهود والنصارى المخالفين في الدين؛ لأن موالاتهم تستدعي الرضا بدينهم (٣). ٣. اتخاذ الدين والرسول لهوًا ولعبًا. إن من الاتخاذ المذموم ما يفعله الكفار من اتخاذ دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لهوًا ولعبًا، فقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن المشركين أنهم يستهزؤون برسول الله صلى الله عليه وسلم متى رأوه. قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْلَكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى بَعَنَ اَللّهُ رَسُولًا ﴾ [الفرقان: ٤١]. وهذا القول صدر عن أبي جهل، على سبيل التنقص والازدراء والاستهزاء -قبحهم الله-، فهذا اتخاذ مذموم(٤). (٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٢٥/٦. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/ ١١، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣٥/١٣. www. modoee.com ٣٠١ حرف الألف وقد بين الله سبحانه وتعالى أن من أسباب دخول النار الإعراض عن دين الله والاستهزاء به، واتخاذه لهوًا ولعبًا. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهُوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَأَ فَأَلْيَوْمَ نَفسَهُمْ كَمَا نَسُو ◌ْلِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِعَايَئِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١]. ومعنى: ﴿أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوَا﴾ أي: بالإعراض والاستهزاء لمن يدعوهم إلى الإسلام، لهت قلوبهم وأعرضت عنه، ولعبوا واتخذوه سخريًا، أو أنهم جعلوا بدل دينهم اللهو واللعب، ﴿وَغَرَّتَّهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنيًا﴾ أي: خدعتهم بزخرفها، واعتقادهم أنها الغاية القصوى، والنسيان في هذه الآية هو بمعنى الترك، أي: نتركهم في العذاب (١). ٤ . اتخاذ القرآن مهجورًا. القرآن الكريم هو دستور هذه الأمة، أمرنا الله بالتعبد بتلاوته وحفظه وتطبيق أوامره ونواهيه، واتخاذه دستورًا ومنهج حياة؛ لذا كان هجرانه اتخاذًا مذمومًا، سواء هجرانه بعدم الإيمان به، أو ترك تلاوته أو الغفلة عنه، أو بهجر العمل به والاحتكام إليه، وقد اشتكى رسولنا صلى الله عليه وسلم قومه إلى الله سبحانه وتعالى لهجرانهم القرآن وتکذیبهم له. (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ٢/ ٤٠، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٢٩٠. قال تعالى: ﴿ وَقَالَ اُلرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِى أَتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]. الآية تتضمن شكوى رسول الله صلى الله عليه وسلم حال قومه مع القرآن، والمعنى: إن قومي اتخذوا هذا القرآن الذي جئت به إليهم، وأمرتني بإبلاغه وأرسلتني به مهجورًا، أي: متروكًا بالكلية لم يؤمنوا به، ولا قبلوه بوجه من الوجوه، ولم يرفعوا إلیه رأسًا، ولم يتأثروا بوعظه ووعيده، بل أعرضوا عنه مع أن الواجب عليهم الانقياد لحكمه والإقبال على أحكامه، وقالوا فيه غير الحق من أنه سحر وشعر، وهذا هجران (٢) مذموم . وقد عبر في الآية بالاتخاذ مع أن الهجر ترك؛ لأن ((فعل الاتخاذ إذا قيد بحالة يفيد شدة اعتناء المتخذ بتلك الحالة، بحيث ارتكب الفعل لأجلها وجعله لها قصدًا، فهذا أشد مبالغة في هجرهم القرآن من أن يقال: إن قومي هجروا القرآن. واسم الإشارة في هذا القرآن لتعظيمه، وأن مثله لا یتخذ مهجورًا، بل هو جدير بالإقبال علیه والانتفاع به))(٣)، فحري بنا أن نقبل عليه، ونتخذه صاحبًا وأنيسًا، لا مهجورًا، فحق (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٧/١٣، فتح القدير، الشوكاني، ٨٥/٤، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٥٨٢، البحر المديد، ابن عجيبة، ٤ / ٩٥. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٩/ ١٧. ٣٠٢ مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم الاتخاذ المؤمن أن يكون كثير التعهد له، عاملًا به؛ يتخذن الأخدان. ليكون شفيعًا له يوم القيامة. ٥. اتخاذ الأخدان. لقد شرع الله لنا الزواج ونهانا عن اتخاذ الأخدان، فالمباح لنا هو الزواج بالحراثر المؤمنات العفيفات، وكذلك الكتابيات، بشرط إتيانهن مهورهن، بقصد الإحصان والإعفاء، لا بالسفاح وارتكاب الفواحش والزنى العلني، أو الزنى السري، وهو اتخاذ الاخدان (١). قال تعالى: ﴿مُخْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٌ أَخْدَانٍ ﴾ [المائدة: ٥]. أي: عاقدين عليهن عقدة النكاح المتوقفة على المهر والولي والشهود وصيغة الإيجاب والقبول، لا مسافحين بإعطاء المرأة أجرة وطئها فقط بدون عقد مستوف لشروطه، ﴿وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ﴾ أيضًا بأن تنكحوهن سرًا بحكم الصحبة والصداقة والمحبة، إذ ذاك هو الزنى، فلا يحل بأجرة، ولا بغير أجرة (٢). وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يعيرون من يزني في العلانية ولا یعیرون من یزني سرًا، فحرم الله زنى السر والعلانية(٣)، كما شرط ديننا على النساء أن يكن محصنات، وألا (١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٦/ ٩٥. (٢) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، ٥٩٥/١. (٣) تفسير السمر قندي،، ١/ ٣٧١. قال تعالى: ﴿مُحْصَنَتِ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]. أخدان جمع خدن، وهو الخليل، وكان من نساء الجاهلية من تتخذ خدنا تزني معه خاصة، ومنهن من كانت لا ترد يد لامس، ومعنى: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ أي: غير مجاهرات بالزنا، ولا مسراتٍ له، وکان الزنا في الجاهلية منقسمًا إلى هذين القسمين (٤). (٤) انظر: التسهيل في علوم التنزيل، ابن جزي الكلبي، ١٨٨/١، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ١٦٧/٢. www. modoee.com ٣٠٣ حرف الألف أسباب الاتخاذ إن لکل اتخاذ أسبابًا تؤدي إليه، حري بنا أن نميز بينها، ونتبع كل اتخاذ محمود، ونأخذ بأسبابه ونسلك كل سلوك يؤدي إليه، ونتجنب كل اتخاذ مذموم، ونبتعد كل البعد عن أسبابه، والتي من شأنها أن تجلب غضب الله وعقابه. أولًا: أسباب الاتخاذ المحمود: إن للاتخاذ المحمود أسبابًا حري بنا اتباعها، نذکر أهمها: ١. الإيمان. إن من أهم أسباب الاتخاذ المحمود هو الإيمان، فالإيمان يدفع صاحبه لكل أمر محمود، ولكل فعل أمر به الشرع ودعا إليه، والمؤمن أكثر الناس حبًّا لله، وحبه لربه يدفعه للإخلاص له في عبادته وعدم الشرك معه. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ قال تعالى: ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اللّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. فالآية الكريمة تبرز أن المؤمنين أشد الناس حبًا لله، وهذا مدح لأهل الإيمان؛ لأن إيمانهم دفعهم لهذا الحب الخالص، وهذا الحب يدفعهم لتوحيده واتخاذ الله إلهًا واحدًا، لا شريك له، ويدفعهم أيضًا للابتعاد كل البعد عن اتخاذ الند كبعض الناس يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم ويشركون مع الله في حبهم، فيسوونهم مع الله في المحبة والطاعة، فهم مشركون بهذا الحب الذي لا يصدر من مؤمن موحد؛ لأنهم أحبوا من يستحق المحبة على الحقيقة، الذي محبته هي عین صلاح العبد وسعادته وفوزه، والمشركون أحبوا من لا يستحق من الحب شيئًا، ومحبته عين شقاء العبد وفساده، وتشتت أمره(١). إنه الإيمان الصادق بالله الذي يدفع المؤمن للاتخاذ المحمود، «فإن المؤمنين لا يحبون شيئًا حبهم لله، لا أنفسهم ولا سواهم، لا أشخاصًا، ولا اعتبارات، ولا شارات، ولا قيمًا من قيم هذه الأرض التي يجري وراءها الناس، ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا · أشد حبًا لله، حبًا مطلقًا من كل ◌َِـ موازنة، ومن کل قید، أشد حبًا لله من کل حب يتجهون به إلى سواه، والتعبير هنا بالحب تعبير جميل، فوق أنه تعبير صادق، فالصلة بين المؤمن الحق وبين الله هي صلة الحب، صلة الوشيجة القلبية، والتجاذب الروحي، صلة المودة والقربى، صلة الوجدان المشدود بعاطفة الحب المشرق (١) انظر: لباب التأويل، الخازن، ١ / ١٠٠، تفسير المراغي، ٣٨/٢، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٧٩. مَوَسُولَةُ الَّهـ القرآن الكريم ٣٠٤ الاتخاذ الودود)) (١) ٢. اتباع سبيل الهدى. وإن من أسباب الاتخاذ المحمود اتباع سبيل الهدى، وطاعة الله فيما أمر والامتناع عما نهى، فالله سبحانه وتعالى أمرنا باتخاذه وكيلًا. قال تعالى: ﴿رَّبُّ الْمُشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]. هذا أمر من الله باتخاذه وكيلًا، وعدم اتخاذ الأولياء والآلهة والشفعاء من دونه، فمن أطاعه واتبع سبيل الهدى فاز وربح بهذا الاتخاذ المحمود، فإن من دلالة هذه الآية أن من حقق التوحيد واتبع سبيل الهدى اتخذ الله و کیلًا. يقول ابن عاشور: ((وإذا كان الأمر باتخاذه و کیلا مسببًا عن كونه لا إله إلا هو كان ذلك في قوة النهي عن اتخاذ و کیل غیرہ، إذ لیس غيره بأهل لاتخاذه وكيلًا))(٢). ((وهكذا المؤمن الكامل لا يتوكل إلا عليه سبحانه وتعالى ولا يعتمد على سواه، ولا ينقطع عن كل ذلك؛ لأنه رب المشرق والمغرب وما بينهما، لا إله غيره، وكيف يكون غير ذلك؟! وكل ما في الكون شرقه وغربه شاهد عدل على وحدانية الله، وأنه لا إله غيره، ولا معبود سواه، إذا كان الأمر (١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ١/ ١٥٤. (٢) التحرير والتنوير، ٢٩/ ٢٦٧. كذلك فاتخذه وكيلًاً))(٣). ٣. الانتفاع بالتذكر. إن الانتفاع بالتذكرة سبب يدفع للاتخاذ المحمود، فالإنسان مدعو للانتفاع بالتذكرة والموعظة، فمن ينتفع بالتذكرة والموعظة فإنه سيتخذ سبيل الإيمان والرشاد. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ، تَذْكِرَةً فَمَن شَآءَ أَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ [المزمل: ١٩] أي: من كان يريد أن يتخذ إلى ربه سبيلاً فقد تهيأ له اتخاذ السبيل إلى الله بهذه التذكرة، والتذكرة هي الموعظة؛ لأنها تذكر الغافل عن سوء العواقب، فالانتفاع بالتذكرة سبب للاتخاذ المحمود (٤). ثانيًا: أسباب الاتخاذ المذموم: ١ . الكفر. إن من أهم أسباب الاتخاذ المذموم هو الكفر بالله والنفاق-والعياذ بالله-، فالكافر كفره يصرفه إلى كل مذموم، وقد بين الله سبحانه وتعالی ذلك، ففي سیاق ذکر صفات منافقي أهل الكتاب وما استحقوه من لعنة من الله؛ لأنهم اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يبين الله سبحانه وتعالى أن سبب هذا الاتخاذ المذموم أنهم لم يؤمنوا (٣) التفسير الواضح، محمد الحجازي، ٧٦٩/٣. (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٧٧/٢٩. www. modoee.com ٣٠٥ حرف الألف بالله ولا بنبيه. قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا أَمَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءُ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١]. فالآية تبين أن عدم إيمان الذين يتولون المشركين سبب في اتخاذهم المشركين أولیاء، فإن الإيمان بالله ورسوله وازٌ عن توليهم قطعًا، ومانع لهم عن هذا الاتخاذ المذموم (١). ٢. مخالفة أوامر الله واتباع سبيل الضلال. إن مخالفة أوامر الله توقع المرء في الاتخاذ المذموم، فلما خالف اليهود والنصارى أوامر الله سبحانه وتعالى، وقد أمرهم بعبادته وعدم الشرك به، وقعوا بالشرك. قال تعالى: ﴿أَّخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَّهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوّا إِلَّا لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَاحِدَاً لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. فالآية توضح أن مخالفتهم لأمر الله وعدم التزامهم بأمره كان سببًا في هذا الاتخاذ المذموم وهو اتخاذ الأحبار، أي: العلماء، وعيسى ابن مريم أربابًا وآلهة من دون الله. وقد بين الله سبحانه وتعالى أن الذي يتكبر عن آياته ولا يؤمن بها ويتبع سبيل الضلال، ويعرض عن سبيل الهداية، فإنه سيتنكب الطريق، فيصبح لا يميز طريق الحق من طريق الباطل، فيتخذ سبيل الغي طريقًا ويترك طريق الرشد؛ لأنه كذب بآيات الله، وغفل عن معطيات الإيمان. قال تعالى: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَُّونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْأ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْأْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْأْ سَبِيلَ اٌلْفِيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِعَايَئِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦]. يقول الشعراوي: ((وحين يرى أهل الكبر الآية الكونية أو الآية الإعجازية أو آيات الأحكام فهم لا يؤمنون بها، وحین یرون سبيل الرشد لا يتخذونه سبيلًا؛ لأن سبيل الرشد یضغط على شهوات النفس وهواها، فينهى عن السيئات وهم لا يقدرون على كبح جماح شهواتهم؛ لأنها تمكنت منهم، ولکن سبيل الغي يطلق العنان لشهوات النفس، ولا يكون كذلك إلا إذا غفل عن معطيات الإيمان الذي يحرمه من شيء ليعطيه أشياء (١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٧٠/٣. ٣٠٦ لِلْقُرآن الكَرِيمِ