النص المفهرس

صفحات 21-40

الآيات الكونية
وَالْأَرْضِ﴾ ولم يذكر التفصيل، فكأنه تعالى دال على حدوثها في أنفسها، وعلى وجود
صانعها الفاعل المختار، الذي يقول للشيء:
(کن) فیکون» (٢)
.
نبه على القاعدة الكلية، حتى إن العاقل يتنبه
لأقسامها، وحينئذ يشرع في تفصيل حكمة
كل واحد منها بقدر القوة العقلية والبشرية،
ثم إنه تعالى لما أمر بهذا التفكر والتأمل
بَيَنَ بعد ذلك أن هذا التفكر والتدبر في هذه
الآيات لا ينفع في حق من حكم الله تعالى
عليه في الأزل بالشقاء والضلال)) (١).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ
فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَّ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ الَّشْأَةَ
الْآَخِرَةُّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ)
[العنكبوت: ٢٠].
(يقول تعالى مخبرًا عن الخليل عليه
السلام أنه أرشدهم إلى إثبات المعاد الذي
ينكرونه بما يشاهدونه في أنفسهم من خلق
الله إیاهم بعد أن لم یکونوا شيئًا مذکورًا،
ثم وجدوا وصاروا أناسًا سامعین مبصرین،
فالذي بدأ هذا قادر على إعادته، فإنه سهلٌ
علیه، يسيرٌ لدیه.
ثم أرشدهم إلى الاعتبار بما في الآفاق
من الآيات المشاهدة من خلق الله الأشياء:
السماوات وما فيها من الكواكب النيرة
الثوابت والسيارات، والأرضين وما فيها
من مهاد وجبال، وأودية وبراري وقفار،
وأشجار وأنهار، وثمار وبحار، كل ذلك
(١) مفاتيح الغيب، الرازي، مفاتيح الغيب ١٧/
٣٠٦.
وإنما أمر بالسير في الأرض؛ لأن السير
يدني إلى الرائي مشاهدات جمة من مختلف
الأرضین بجبالها وأنهارها ومحویاتها، ويمر
به على منازل الأمم حاضرها وبائدها، فيرى
کثیرًا من أشياء وأحوال لم يعتد رؤية أمثالها،
فإذا شاهد ذلك جالَ نظر فكره في تكوينها
بعد العدم، جولانًا لم يكن يخطر له ببال
حینما کان یشاهد أمثال تلك المخلوقات في
ديار قومه؛ لأنه لما نشأ فيها من زمن الطفولة
فما بعده قبل حدوث التفكير في عقله،
اعتاد أن يمر ببصره عليها دون استنتاج من
دلائلها، حتى إذا شاهد أمثالها مما كان غائبًا
عن بصره، جالت في نفسه فكرة الاستدلال،
فالسير في الأرض وسيلة جامعة لمختلف
الدلائل، فلذلك كان الأمر به لهذا الغرض
من جوامع الحكمة.
وجيء في جانب بدء الخلق بالفعل
الماضي؛ لأن السائر ليس له من قرار
في طريقه، فندر أن يشهد حدوث بدء
مخلوقات، ولكنه يشهد مخلوقات مبدوءة
من قبل، فيفطن إلى أن الذي أوجدها إنما
أوجدها بعد أن لم تكن، وأنه قادرٌ على إيجاد
أمثالها، فهو بالأحرى قادرٌ على إعادتها بعد
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير٦ / ٢٤٤.
www. modoee.com
١٠٥

حرف الألف
عدمها (١).
قال محمد إسماعيل إبراهيم: ((وها هو
القرآن يدعونا إلى التفكر في بدء الخلق منذ
أن تصلبت قشرة الأرض الخارجية وتكونت
عليها القارات والمحيطات، لذلك اجتهد
علماء الجيولوجيا أن يقرأوا تاريخ الأرض
من طبقات الصخور الرسوبية التي تراكمت
عليها، وفي طياتها الكثير من بقايا الكائنات
الحية التي عاشت عليها، سواء كانت
لحيوان أو نبات، وهذه البقايا المتحجرة هي
ما نسميه اليوم بالحفريات، وهي في واقعها
سجل حافل بتاريخ الخليقة منذ بدايتها، وقد
استطاع العلم بوسائله المتقدمة أن يقرأ كثيرًا
من صفحات هذا السجل، ويعرف حقائق
كثيرة عن نشأة الأرض وتطوراتها خلال
الأزمنة الجيولوجية)) (٢).
كما أمر الله تعالى بالسير في الأرض
لمعرفة الآيات الكونية التي حلت بالأمم
السابقة.
قال تعالى: ﴿قُلّ سِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ ثُمَّ
أَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
قُل لِمَن مَّا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُل
٤
لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ لَيَجْمَعَنَّكُمْ
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا
أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ وَلَهُمَا سَكَنَ
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٠/٢٠.
(٢) انظر: القرآن وإعجازه العلمي، محمد إبراهيم
إسماعيل ص ٦٨.
فِىِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
[الأنعام: ١١-١٣].
والمعنى: سيروا في الأرض لتعرفوا
أحوال أولئك الأمم، وتفكروا في أنهم
كيف أهلكوا لما كذبوا الرسل وعاندوا،
فتعرفوا صحة ما توعظون به، وفي السير في
الأرض، والسفر في البلاد، ومشاهدة تلك
الآثار الخاوية على عروشها تكملة للاعتبار،
وتقوية للاستبصار (٣).
ثانيًا: التعقيب على الآيات الكونية
بما يقتضي استنهاض العقول وتوجيه
الأفهام:
عقب القرآن الكريم على الآيات الكونية
بما يقتضي استنهاض العقول وتوجيه الأفهام
نحو النظر والبحث في الآيات الكونية التي
ذكرها.
قال تعالى: ﴿هُوَ أُلَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ
ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ، مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ
اُلْسِنِينَ وَالْحِسَابَّ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ
يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِ أَخْلِلَفِ
الَّلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اَللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾ [يونس: ٥-٦].
ويلاحظ أن الله ختم هذه الآيات الكونية
بقوله: ﴿يُفَصِّلُ اَلَآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي:
ما یبین لهم، ويفقهون ما يميز لهم (٤).
(٣) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٣٢١/٤.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢/ ٤٠٢.
١٠٦
مَوَسُولَةُ النَفسِير
القرآن الكريم

الآيات الكونية
وختم الآيات الكونية الثانية بقوله: المخصوصين بالأمر والنهي، والمكلفين
بالطاعة والعبادة، ولهم الثواب، وعليهم
العقاب (٢)
﴿لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ أي: الأدلة
وحججًا وأعلامًا واضحة لقوم يتقون
الله، فيخافون وعيده ويخشون عقابه على
إخلاص العبادة لربهم (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَاْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْقُلْكِ اَلَّتِى
◌َّجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ
السَّمَآَهِ مِن ◌َّآءٍ فَأَخْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ
فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ
الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ (١٦)﴾ [البقرة: ١٦٤].
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِّ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍ قَدِيرُ (
١٨٩)
إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ
﴾ [آل
١٩٠)
أَلَيْلِ وَالنَّهَارِ لَيْتٍ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ !
عمران: ١٨٩ - ١٩٠].
وختم هذه الآيات المذكورة بما
يستنهض العقول للتفكير فيها بقوله:
﴿لَيَتِ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَآَيَتِ
لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ وهي العقول، أي: لمن
عقل مواضع الحجج، وفهم عن الله أدلته
علی وحدانيته.
يقول تعالى: قد بينا الحجج، ومیزنا
فأعلم تعالى ذكره عباده، بأن الأدلة الأدلة والأعلام وأحكمناها ﴿لِقَوْمٍ
والحجج إنما وضعت معتبرًا لذوي العقول
يَفْقَهُونَ﴾، مواقع الحجج ومواضع
والتمييز، دون غيرهم من الخلق، إذ كانوا هم
(١) انظر: المصدر السابق ٢٤/١٥.
وقوله تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ لُلْحَبِّ
وَالنَّوَىّ يُخْرِجُ الَّْ مِنَ الْمَيْتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتِ مِنَ
اُلْحَيَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( فَالِقُ اَلْإِصْبَاحِ
وَجَعَلَ أَلَيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانً
ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) وَهُوَ أَلَّذِى جَعَلَ
لَكُمُ اُلتُّجُومَ لِهْتَدُواْ بِهَا فِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ
قَدْ فَصَلْنَا الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١) وَهُوَ
الَّذِىّ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ فَيُسْتَقٌَّ وَمُسْتَوْدَعٌ
قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ { وَهُوَ
الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَلِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ
كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ
حَبَّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن ◌َلْمِهَا قِنْوَانٌ
دَانِيَةٌ وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَابِ وَالَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ
مُشْتَبِهَا وَغَيْرَ مُتَسَبِهُ أَنْظُرُواْ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ
وَيَتْحِهِّ إِنَّ فِ ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )﴾
[الأنعام: ٩٥ - ٩٩].
وزاد سبحانه في ختم هذه الآيات على ما
ختم به الآيات السابقات بقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا
اُلْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾.
(٢) انظر: المصدر السابق ٣/ ٢٧٧، تفسير القرآن
العظیم، ابن كثير ٤ / ٢١٨.
www. modoee.com
١٠٧

حرف الألف
العبر، ويفهمون الآيات والذكر، فإنهم إذا
اعتبروا بما نبهتهم عليه من إنشائي من نفس
واحدة ما عاينوا من البشر، وخلقي ما خلقت
منها من عجائب الألوان والصور، علموا أن
ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك
فيشركوه في عبادتهم إياه (١).
﴿إِنَّ فِ ذَلِكُمْ لَآَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
والمعنى: ((إن في إنزال الله من السماء الماء
الذي أخرج به نبات كل شيء، والخضر
الذي أخرج منه الحب المتراكب، وسائر ما
عدد في هذه الآية من صنوف خلقه لآيات،
يقول: في ذلكم، أيها الناس، إذا أنتم نظرتم
إلی ثمره عند عقد ثمره، وعند ینعه وانتهائه،
فرأيتم اختلاف أحواله وتصرفه في زيادته
ونموه، علمتم أن له مدبرًا ليس كمثله
شيء، ولا تصلح العبادة إلا له دون الآلهة
والأنداد، وكان فيه حجج وبرهان وبيان
لقوم يؤمنون»(٢).
وقوله تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْيِهِ الزَّرْعَ
وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن
كُلِّ الثَّمَرَتِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ
يَنَفَكَّرُونَ ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ
وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَتٌ
بِأَمْرِوهُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
(٢) وَمَا ذَرَاً لَكُمْ فِ الْأَرْضِ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١١ / ٥٧٢.
(٢) انظر: المصدر السابق ١١/ ٥٨٢.
مُخْتَلِفًا أَلْوَنَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ
يَذَكَرُونَ ﴾ [النحل: ١١-١٣].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَلِ مَآءُ
فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ
يَسْمَعُونَ ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ نُنْقِيَكُمْ
مِمَّا فِي بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ أَبْنَا خَالِصًا سَأَيِغًا
لِلشَّرِبِينَ ﴿ وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ
نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً
لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ أُمَّخِذِى
مِنَ لْبَالِ بُونًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
٦٨
كُلِ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ فَاسْلُكِ سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ
مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفُ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَاءٌ
لِلنَّاسِنُّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ﴾
[النحل: ٦٥-٦٩].
وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ
وَيُخْرِجُ الْمِيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَيْهِي الْأَرْضَ بَعْدَ
مَوْتِهَاً وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ: أَنّ
خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُم بَشَرٌ تَنَتَشِرُونَ
(٢) وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ
أَزْوَبِجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُم
قَوَّدَّةٌ وَرَحْمَةً إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ
١) وَمِنْ ءَايِهِ، خَلْقُ السَّمَوْتِ وَالْأَرْضِ
وَأَخْئِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَنِكُنَّ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَيَتٍ لِلْعَلِمِينَ ) وَمِنْ ءَايَيِهِ، مَنَامُكُ
بَلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَآَبْغَا ؤُكُمْ مِّن فَضْلِةٌ إِنَّ فِى
ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴿ وَمِنْ
ءَايَيْهِ يُرِيِكُمُ الْبَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ
١٠٨
مَوَسوبر النفسية
القرآن الكريم

الآيات الكونية
مِنَ الشَّمَآءِ مَآءُ فَيُحْيِ، بِهِ آلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاً
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )﴾
[الروم: ١٩-٢٤].
وفي ختم هذه الآيات الكونية دعوة
للتفكير فیھا.
قال الإمام ابن جرير في تفسير الآية: ((إن
فیما وصفت وذکرت من عجائب خلق الله
وعظيم قدرته التي خلق بها هذه الأشياء،
لدلالات وحججًا وعظات، لقوم يتفكرون
فيها، فيستدلون ويعتبرون بها، فيعلمون أن
العبادة لا تصلح ولا تجوز إلا لمن خلقها
ودبرها دون غيره من الآلهة والأصنام التي
لا تقدر علی ضر ولا نفع ولا لشيء غيرها،
إلا لمن أنشأ ذلك فأحدثه من غير شيء
تبارك وتعالى وأن القدرة التي أبدع بها ذلك،
هي القدرة التي لا يتعذر عليه إحياء من هلك
من خلقه، وإعادة ما فني منه وابتداع ما شاء
ابتداعه بها» (١).
وقال الإمام ابن جرير في قوله
تعالى: ((﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ
يَسْمَعُونَ﴾؛ لأن المراد منه: الذين
يسمعون هذه الحجج ويتفكرون فيها،
فیعتبرون بها ویتعظون. ولم يرد به: الذین
يسمعون بآذانهم، ثم يعرضون عن عبره
(١) جامع البيان، الطبري ١٦/ ٣٣٠، وانظر:
معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١٣٧/٣،
التفسير الوسيط، الواحدي ٣/ ٤.
وعظاته)» (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَنْتِ
لِلْمُؤْمِنِينَ ا وَفِي خَلْفِكُمْ وَمَا يَبْتُ مِن دَبَِّ ءَايَتٌ لِقَوْمٍ
يُوقِنُونَ ﴾ وَأَخْلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّارِ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ
السَّمَلِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ
الرَِّجِ ءَايَتُ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ل ◌ِلْكَ ءَايَنتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا
عَلَيَّكَ بِالْحَقِّ فَأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَئِ يُؤْمِنُونَ
[الجاثية: ٣- ٦].
وختم الله تعالى هذه الآيات بما
يستنهض العقول نحو اليقين، والمعنى: إن
فی خلق الله إیاکم أيها الناس، وخلقه ما
تفرق في الأرض من دابة تدب عليها من غير
جنسكم ﴿مَايَتٌ لِقَوْمِ يُوقِنُونَ﴾ يعني: حججًا
وأدلة لقوم يوقنون بحقائق الأشياء، فیقرون
بها، ويعلمون صحتها(٣).
قال الإمام الرازي: ((إنه تعالى ذكر في
هذا الموضع ثلاثة مقاطع أولها: يؤمنون،
وثانيها: يوقنون، وثالثها: يعقلون، وأظن
أن سبب هذا الترتيب أنه قيل: إن كنتم من
المؤمنين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم
لستم من المؤمنین، بل أنتم من طلاب الحق
واليقين، فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم
لستم من المؤمنين ولا من الموقنين، فلا أقل
من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا
في معرفة هذه الدلائل)) (٤).
(٢) جامع البيان ١٥/ ١٤٥.
(٣) انظر: المصدر السابق ٢٢ / ٥٩.
(٤) مفاتيح الغيب ٦٧١/٢٧.
www. modoee.com
١٠٩

حرف الألف
وفي الجملة إن الله تعالى ختم هذه
الآيات الكونية بما يدعو إلى العلم واليقين،
واستخدام العقول والتفكر في هذه الآيات
الكونية بما يؤدي إلى الإيمان بالله وتوحيده،
وإخلاص العبادة له سبحانه.
ثالثًا: النعي على تاركي التفكر في
الآيات الكونية:
نعى القرآن الكريم على تاركي التفكر
في الآيات الكونية ووصفهم بأنهم فارغو
العقول لا يفكرون في ما حولهم، وشنع
علیهم تر کهم التفكر.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ فِىَ أَنْفُسِهِمُ مَّا
خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآَ إِلَّا بِالْحَقِّ
وَأَجَلٍ مُسَتَّىٌّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَآَيٍ رَبِّهِمْ
أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ
لَكَفِرُونَ ®
كَيّفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَشَدَّ
مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ
مِنَّا عَمَرُوهَا وَحَ تْعُ رُسُلُهُم بِالْبَغِنَتِّ فَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
ثُنَّ كَانَ عَثِقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَأَى أَنْ
٩
كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اَللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ
اُللَّهُ يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، ثُمَّ إِلَيْهِ
١٠
[الروم: ٨-١١].
قر
وأمر بالنظر في ملكوت السماء والأرض
وبالتفكر فيهما قائلًا: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِى
مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥].
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاِ
فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَمَا مِن فُرُوج
(٢﴾ [ق:٦].
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْفِىَّ أَنْفُسِهِمْ مَّا
خَلَقَ اللّهُ السَّمُوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ!
[الروم: ٨](١).
يقول الحق جل جلاله: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ
فِيَّ أَنْفُسِهِم﴾ أي: ((أولم يثبتوا التفكر في
أنفسهم، أي: في قلوبهم الفارغة، فيتفكروا
بها في مصنوعات الله، حتى يعلموا أنها ما
خلقت عبثًا، والتفكر لا يكون إلا في القلوب،
ولكن زيادة تصوير لحال المتفكرين،
كقوله: اعتقده في قلبك، أو: أو لم يتفكروا
في أنفسهم، التي هي أقرب إليهم من غيرها،
وهم أعلم بأحوالها، فيتدبروا ما أودعها الله
تعالى، ظاهرًا وباطنًا، من غرائب الحكمة
الدالة على التدبير من الحكيم القديم، وأنه
لا بد لها من الانتهاء إلى وقت تجازي فیه،
على الإحسان إحسانا، وعلى الإساءة مثلها،
حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق
مثلها، وأنه لا بد لهم من الانتهاء إلى ذلك
الوقت، فيعلموا أن ما خلق الله السماوات
والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى،
أي: ما خلقها باطلًا وعبئًا من غير حكمة ولا
لتبقى خالدة، وإنما خلقها مقرونة بالحق،
مصحوبة بالحكمة البالغة، وتنتهي إلى أجل
(١) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٣/ ٢٥٣.
١١٠
جوي
القرآن الكريم

الآيات الكونية
مسمى وهو قيام الساعة، ووقت الحساب،
بالثواب والعقاب، فيخرب هذا العالم،
ويقوم عالم آخر، لا انتهاء لوجوده))(١).
فقد نعاهم وشنع بذكر ووصفهم بأنهم
مكذبون وكافرون بهذه الآيات ووبخهم
و تهکم علیھم.
فقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَنَا رَتَّقًاً فَفَتَقْنَهُمَّا
وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ
وَحَعَلْنَا فِ اْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ
٣٠
وَجَعَلْنَا فِيَهَا فِيجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
وَجَعَلْنَا السَّمَآءُ سَقْفًا تَّخْفُوظًا وَهُمْ عَنْ
ءَئِهَا مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء: ٣٠-٣٢](٢).
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَكَأَِّنِ مِنْ
ءَايَةٍ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ
عَنْهَا مُعْرِضُونَ (٥)﴾ [يوسف: ١٠٥].
وفي الآية نعي لمن لا يتفكر في الآيات
الكونية.
قال أبو جعفر الطبري: ((يقول جل وعز:
وكم من آية في السماوات والأرض لله،
وعبرة وحجة، وذلك كالشمس والقمر
والنجوم ونحو ذلك من آيات السماوات،
وكالجبال والبحار والنبات والأشجار وغير
ذلك من آيات الأرض ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾،
يقول: یعاینونها فیمرون بها معرضین عنها،
(١) البحر المديد، ابن عجيبة ٤ / ٣٢٦.
(٢) انظر: تفسير المراغي ٢١/ ٣١.
لا يعتبرون بها، ولا يفكرون فيها وفيما دلت
عليه من توحيد ربها، وأن الألوهة لا تنبغي
إلا للواحد القهار الذي خلقها وخلق كل
شيء، فدبرها)) (٣).
كما نعى الله من لم ينظر في الآيات
الكونية بقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ
فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجِ
وَالْأَرْضَ مَدَدّنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ وَأَنْبَتْنَا
فِيَهَا مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيج
تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ
٧
عَبْدٍ مُنِيبٍ (٥)﴾ [ق: ٦-٨].
والمعنى في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَا
إِلَى السَّمَلِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا ﴾ يقول
تعالى ذكره: أفلم ينظر هؤلاء المكذبون
بالبعث بعد الموت المنكرون قدرتنا على
إحيائهم بعد بلائهم: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَا إِلَى
السَّمَلِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَهَا﴾، فسويناها سقفًا
محفوظًا، وزيناها بالنجوم، ﴿وَمَالَهَا مِنْ
يعني: وما لها من صدوع وفتوق،
قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ﴾ والرواسي الجبال
﴿وأنّنافيها مِنكُلِّ زَوچ بھيچ﴾: أي من كل
زوج حسن المنظر وقوله: ﴿تَّصِرَةَ﴾ يقول:
فعلنا ذلك تبصرة لكم أيها الناس نبصركم
بها قدرة ربكم على ما يشاء، ﴿وَذِكْرَى لِكُلِّ
عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ يقول: وتذكيرًا من الله عظمته
وسلطانه، وتنبيهًا على وحدانيته ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ
(٣) جامع البيان ١٦ / ٢٨٥.
وانظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣/
١٣١.
www. modoee.com

حرف الألف
◌ُنِيبٍ﴾ يقول: لكل عبد رجع إلى الإيمان
بالله، والعمل بطاعته (١).
الآيات الكونية في المثل القرآني
ضرب الله تعالى بالآيات الكونية مثلًاً
للعبرة والعظة، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَآءَتْ
مَا حَوْلَهُ, ذَهَبَ اللَّهُ بِتُورِهِمْ وَتَرَّكَهُمْ فِ تُلُمَتٍ
صٌُ بُكْمُّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ
١٧
لَّا يُنْصِرُونَ
أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَتٌ وَرَعْدٌ
١٨
وَبِرْقٌّ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِىَّ ءَاذَانِهِم مِّنَ الصَّوْعِقِ حَذَّرَ
يَكَادُ الْبَقُّ
=
الْمَّوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ
يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْ فِيهِ وَإِذَآ
أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ
وَأَبْصَرِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ )﴾
[البقرة: ١٧ - ٢٠].
فالآيات الكونية في الآية هي: النار
والظلمات والصيب الذي هو المطر والرعد
والبرق والصواعق، وهذا المثل ضربه
الله تعالى للمنافقين في تجملهم بظاهر
الإسلام وحقنهم دماءهم بما أظهروا، فمثل
ما تجملوا به من الإسلام كمثل النار التي
يستضيء بها المستوقد، وقوله: ﴿ذَهَبَ اَللَّهُ
بِتُورِهِمْ﴾ معناه، إطلاع الله المؤمنين على
كفرهم، فقد ذهب منهم نور الإسلام بما
أظهر الله عز وجل من كفرهم، ويجوز أن
يكون ذهب الله بنورهم في الآخرة، أي:
عذبهم، فلانور لهم؛ لأن الله جل وعز قد
جعل للمؤمنين نورًا في الآخرة، وسلب
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢ / ٣٣٢.
١١٢
مَوَبُو بَر النفسية الوضوء
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الآيات الكونية
الكافرين ذلك النور، والدليل على ذلك
قوله: ﴿أَنْظُرُونَا نَقَْيِسْ مِن تُؤْرِكُمْ قِيلَ أَرْجِعُواْ وَرَآَكُمْ
فَالْتَمِسُوا نُورً﴾ [الحديد: ١٣](١).
وقوله تعالى: ﴿ أَوْكَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَآءِ فِیهِ
ظُلُمَتُ وَرَعْدٌ وَېرقٌ ﴾ ثنى الله سبحانه وتعالى
في شأنهم بتمثيل آخر لزيادة الكشف
والإيضاح، شبه المنافق في التمثيل الأول
بالمستوقد نارًا، وإظهار الإيمان بالإضاءة،
وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، وهنا شبه دین
الإسلام بالصیب؛ لأن القلوب تحيا به حياة
الأرض بالمطر، وما يتعلق به من شبه الكفار
بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد
والبرق، وما يصيبهم من الأفزاع والبلايا من
جهة أهل الإسلام بالصواعق(٢).
وفي هذا المثل شبه سبحانه وتعالى
حالهم بأمرين: كل واحد منهما تشبيهٌ قائمٌ
بذاته.
أولهما: إنه سبحانه وتعالى شبه حالهم
بحال قوم أصابهم مطر شديد ينصب عليهم
انصبابًا، صحبه غمام بعد غمام، فيه ظلمة
بعد ظلمة، وفيه رعد وبرق، وفيه الإنذار
بالعذاب الشديد، فهم في خوف ووجل
يحسبون كل صيحة فيها الموت، ويجعلون
أصابعهم في آذانهم حذر الموت.
وفي هذا تصوير لنفس منافقة، فهى نفس
(١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١/ ٩٣،
التفسير الوسيط، الواحدي ١ / ٩٣.
(٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١ / ٥٧.
تائهة فارغة، دائمًا لا تستقر على أمر، ولا
تطمئن على قرار، فهم في اضطراب؛ لأنهم
لا يؤمنون بشيء، والإيمان هو المطمئن
دائمًا، ألا بذكر الله تطمئن القلوب.
وإذا كان التشبيه السابق يصور حالهم في
طلب الدليل وعدم الأخذ به؛ لغلبة الهوى،
وسيطرة الشهوة، والجحود الموروث،
فهذا التشبيه يصور حالهم من هلع مستمر،
وخوف من غير مخوف، ولذلك يقول بعض
علماء النفس: إن النفاق منشؤه ضعف في
النفوس (٣).
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ: أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا
مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَاً فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمَّ وَأَمَّا الَّذِينَ
كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا
مَثَلًّاً يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِی پِهِ،
كَثِيرَاً وَمَا يُضِلُّ بِهِهِ إِلَّاّ الْفَسِقِينَ
[البقرة: ٢٦].
قال الإمام الرازي: ((ولما كان كل بق
وبعوضة داعيًا إلى معرفة الذات والصفات
قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِىَ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلَا مَّا
بَعُوضَةٌ فَمَافَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦].
ذلك؛ لأن هذه البعوضة بحسب
حدوث ذاتها وصفاتها تدعو إلى قدرة الله،
وبحسب تركيبها العجيب تدعو إلى علم
(٣) انظر: المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة ص
١٨٦.
www. modoee.com
١١٣

حرف الألف
الله، وبحسب تخصيص ذاتها وصفاتها
بقدر معین تدعو إلى إرادة الله، فكأنه تعالی
يقول: مثل هذا الشيء کیف یستحیا منه)) (١).
ومعنى الآية: إنه تعالى لا يترك ضرب
المثل بالبعوضة، ترك من يستحيي أن يتمثل
بها لحقارتها، فهو لا يستصغر شيئًا يضرب
به مثلًا، ولو كان في الحقارة والصغر
كالبعوضة، كما لا يستنكف عن خلقها،
كذلك لا یستنكف عن ضرب المثل بها.
كما ضرب المثل بالذباب في قوله
تعالى: ﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ
لَهُدَّ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ
يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ، وَإِنِ يَسْتُهُمُ
الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنِقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ
الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ [الحج: ٧٣].
وغير ذلك من أمثال الکتاب العزيز (٢).
کما ضرب الله تعالی مثلا بالکلب لمن
ترك العمل بكتاب الله وآياته، قال تعالى:
﴿ وَأَتَلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى ءَاتَيْنَهُ ءَايَتِنَا فَأَفْسَلَخَ
مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَ إِلَى
١٧٥
الْأَرْضِ وَأَتََّعَ هَوَنَّهُ فَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن
تَّحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَتَّ ذَلِكَ
مَثَلُ اَلْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَاْ فَأَقْصُصِ
الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( سَلَّمَ مَثَلًا
(١) مفاتيح الغيب ٣٢/ ٣٢٨.
(٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ١ / ٢٧٨.
اُلْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُواْ
يَظْلِمُونَ (٧)﴾ [الأعراف: ١٧٥ -١٧٧] (٣).
يقال: لهث الكلب يلهث لهئًا ولهاًا
إذا دلع لسانه، قال مجاهد: هذا مثل الذي
يقرأ الكتاب ولا يعمل به، والمعنى: أن
هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر، وإن تركته
لم يهتد، فالحالتان عنده سواء، كحالتي
الكلب، فإنه إن طرد وحمل عليه بالطرد
کان لاهثاً، وإن ترك وربض كان لاهثاً، وهذا
التمثيل لم يقع لکل کلب وإنما وقع بالكلب
اللاهث، وذلك أحسن ما يكون وأبشعه (٤).
قال الإمام الرازي: ((واعلم أن هذا التمثيل
ما وقع بجميع الكلاب، وإنما وقع بالكلب
اللاهث، وأخس الحيوانات هو الكلب،
وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث، فمن
آتاه الله العلم والدين فمال إلی الدنیا، وأخلد
إلى الأرض، كان مشبهًا بأخس الحيوانات،
وهو الكلب اللاهث، وفي تقرير هذا التمثيل
أن كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء
أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث
في حال الإعياء، وفي حال الراحة، وفي
حال العطش، وفي حال الري، فكان ذلك
عادة منه وطبيعة، وهو مواظب عليه كعادته
الأصلية، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل
حاجة وضرورة، فكذلك من آتاه الله العلم
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣ /٢٧١، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٩١/٢.
(٤) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ٤٢٨.
١١٤
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الآيات الكونية
والدين وأغناه عن التعرض لأوساخ أموال وأهله بالماء الذي ينزله من السماء، فتسيل
الناس، ثم إنه يميل إلى طلب الدنيا، ويلقى
نفسه فیها، کانت حاله كحال ذلك اللاهث،
حيث واظب على العمل الخسيس، والفعل
القبيح، لمجرد نفسه الخبيثة، وطبيعته
الخسيسة، لا لأجل الحاجة والضرورة)» (١).
به أودية الناس، فيحيون به، وينفعهم أنواع
المنافع، وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ
الحلى منه، واتخاذ الأواني والآلات
المختلفة، ولو لم يكن إلا الحديد الذي
فيه البأس الشديد لكفى به، وأن ذلك
ماكث في الأرض باقٍ بقاءً ظاهرًا، يثبت
وضرب الله مثلاً للحق وأهله والباطل
وحزبه بقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ
مَآءُ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا
رَّابِيَاً وَمِمَا يُؤِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ أَبْتِغَاءَ حِيَةٍ أَوْ
مَتَجِ زَبَدٌ مِثْلُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلُّ
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَأَ وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ
فَيَمْكُثُ فِ آلْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ )﴾
[الرعد: ١٧].
الماء في منافعه، وتبقى آثاره في العيون
والبثار والجبوب، والثمار التي تنبت به مما
يدخر ويكنز، وكذلك الجواهر تبقى أزمنة
متطاولة، وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله
ووشك زواله وانسلاخه عن المنفعة، بزبد
السيل الذي يُرمى به، ويزبد الفلز الذي يطفو
فوقه إذا أذیب(٣).
قوله: ﴿وَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَتَكُثُ فِى
الْأَرْضِ﴾ يعني: الماء والذهب والفضة
والحديد والرصاص والصفر والنحاس،
قوله: ﴿فَيَتْكُثُ فِ آلاَرْضِ ﴾أي: يبقى ولا
يذهب، جعل هذا مثلًا للحق والباطل في
القلوب، يعني: أن الباطل كالزبد يذهب
ويضيع ويهلك، والحق كالماء وكهذه
الأشياء يمكث ويبقى في القلوب (٢).
هذا مثلٌ ضربه الله للحق وأهله والباطل
وحزبه، كما ضرب الأعمى والبصير
والظلمات والنور مثلًا لهما، فمثل الحق
(١) مفاتيح الغيب ١٥/ ٤٠٥.
(٢) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٣/ ٨٨.
وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على
مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه،
والباطل في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى:
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَلِ مَآءُ﴾ أي: مطرًا ﴿فَسَالَتْ
أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ أي: أخذ كل واد بحسبه، فهذا
کبیر وسع کثیرًا من الماء، وهذا صغير وسع
بقدره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها،
فمنها ما يسع علمًا كثيرًا، ومنها من لا يتسع
لكثير من العلوم بل يضيق عنها، ﴿فَاحْتَمَلَ
السَّيْلُ زَبَدًا رَّبِيًا﴾ أي: فجاء على وجه الماء
الذي سال في هذه الأودية زبدٌ عالٍ عليه،
هذا مثل.
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ٥٢٣.
www. modoee.com
١١٥

حرف الألف
وقوله: ﴿وَمِنَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَآءَ بالشجرة الطيبة، وضرب مثلاً للكفر به
بالشجرة الخبيثة، والشجرة من الآيات
الكونية.
چليّةٍ أَوْ متع﴾، هذا هو المثل الثاني، وهو ما
یسبك في النار من ذهب أو فضة ابتغاء حلية،
أي: ليجعل حلية نحاس أو حديد، فيجعل
متاعًا، فإنه يعلوه زبد منه کما یعلو ذلك زبد
منه، كذلك يضرب الله الحق والباطل، أي:
إذا اجتمعا، لا ثبات للباطل ولا دوام له، کما
أن الزبد لا يثبت مع الماء، ولا مع الذهب
والفضة، ونحوهما مما يسبك في النار، بل
يذهب ويضمحل، ولهذا قال: ﴿فَمَّا الزَّبَدُ
فيذهبُ جُفَآء﴾ أي: لا ينتفع به، بل يتفرق
ويتمزق، ويذهب في جانبي الوادي، ويعلق
بالشجر، وتنسفه الرياح، وكذلك خبث
الذهب والفضة والحديد والنحاس، يذهب
ولا يرجع منه شيء ولا يبقى إلا الماء، وذلك
الذهب ونحوه ينتفع به، ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا
الزَّبَدُ فَيَذْهَبُّ جُفَاءُ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي
الْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ كقوله تعالى:
﴿وَتَلَكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَاً
إِلَّا الْعَلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
وقال بعض السلف: كنت إذا قرأت مثلاً
من القرآن فلم أفهمه، بكيت على نفسي،
لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا
اَلْعَلِمُونَ﴾ (١).
وضرب الله عز وجل مثلًا للإيمان به
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَوِ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ
وَفَعُهَا فِىِ السَّمَآِ تُؤْنِ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ
بِإِذْنِ رَبِّهَاً وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ ﴾ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ
كَشَجَرَةٍ خَبِثَةٍ أَجْتُثَتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا
مِن قَرَارٍ ﴾ [إبراهيم: ٢٤-٢٦].
فجعل مثل المؤمن في نطقه بتوحيده
والإيمان بنبيه واتباع شريعته، كالشجرة
الطيبة، فجعل نفع الإقامة على توحيده
كنفع الشجرة الطيبة التي لا ينقطع نفعها
وثمرها، وجاء في التفسير أن الشجرة الطيبة
النخلة، والدليل على أن هذا المثل يراد به
توحيد الله، والإيمان بنبيه وشريعته قوله
عز وجل: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ
الثَّابِتِ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾
[إبراهيم: ٢٧](٢).
قال الإمام ابن كثير: ((قال علي بن أبي
طلحة عن ابن عباس رضي الله عنه في
قوله: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةٌ﴾ شهادة أن لا
إله إلا الله، كشجرة طيبة وهو المؤمن،
﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ يقول: لا إله إلا الله في
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ (٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣ /
١٦٠.
٣٨٤.
١١٦
القرآن الكريم

الآيات الكونية
قلب المؤمن، ﴿وقرعُهَا فِى السّمآ﴾ يقول:
يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء، وهكذا
قال الضحاك وسعيد بن جبير وعكرمة
ومجاهد وغير واحد: إن ذلك عبارة عن
عمل المؤمن، وقوله الطيب، وعمله
الصالح، وإن المؤمن كشجرة من النخل لا
یزال یرفع له عمل صالح في كل حين ووقت
وصباح ومساء))(١).
وضرب الله مثلا لحالة المؤمن، ونور
الله في قلبه، أن فطرته التي فطر عليها، بمنزلة
الزيت الصافي، ففطرته صافية بقوله تعالى:
: اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ،
كَمِشْكَوْمٍ فِيهَا مِصْبَاعُ الْمِصْبَحُ فِ زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ
كَنَّهَا كَوَّكَبُ دُرِّىٌّ يُوقَدٌ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ
لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُّهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَوْ
تَمْسَسَّةُ نَارٌ نُورٌّ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن
يَشَدَةً وَيَضْرِبُ اللّهُ الْأَمْثَلَ لِلنَّاسُِّ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِيمٌ ﴾ [النور: ٣٥].
قال الإمام الماوردي: ((قوله تعالى:
﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيه أربعة
أقاویل:
أحدها: معناه الله هادي السماوات
والأرض، قاله ابن عباس وأنس.
الثاني: الله مدبر السماوات والأرض،
قاله مجاهد.
(١) تفسير القرآن العظيم ٤٢٢/٤.
والآثار أخرجها الطبري في تفسيره ١٦/
٥٦٨، وابن أبي حاتم في تفسيره ٧ / ٢٢٤١.
الثالث: الله ضياء السماوات والأرض،
قاله أُبيّ.
الرابع: منور السماوات والأرض، فعلی
هذا فبما نورهما به ثلاثة أقاويل:
أحدها: الله نور السماوات بالملائكة
ونور الأرض بالأنبياء.
الثاني: أنه نور السماوات بالهيبة ونور
الأرض بالقدرة.
الثالث: نورهما بشمسها وقمرها
ونجومها، قاله الحسن، وأبو العالية.
﴿مَثَلُنُورِهِه﴾ فيه أربعة أقاويل:
أحدها: مثل نور الله، قاله ابن عباس.
الثاني: مثل نور محمد صلى الله عليه
وسلم، قاله ابن شجرة.
الثالث: مثل نور المؤمن، قاله أُبيّ.
الرابع: مثل نور القرآن، قاله سفيان.
فمن قال: مثل نور المؤمن، يعني في
قلب نفسه، ومن قال: مثل نور محمد، يعني
في قلب المؤمن، ومن قال: نور القرآن،
یعني في قلب محمد، ومن قال: نور الله،
فيه قولان:
أحدهما: في قلب محمد.
الثاني: في قلب المؤمن.
﴿كَمِشْكَوْمٌ فِيَهَا مِصْبَاحُ﴾ فيه خمسة
أقاويل:
أحدها: أن المشکاة گُوَة لا منفذ لها
والمصباح السراج، قاله كعب الأحبار.
www. modoee.com
١١٧

حرف الألف
الثانى: المشكاة القنديل والمصباح
الفتيلة، قاله مجاهد.
القنديل الذي هو كالأنبوب، والمصباح
الضوء قاله ابن عباس.
الرابع: المشكاة الحديد الذي به القنديل
وهي التي تسمى السلسلة والمصباح هو
القنديل، وهذا مروي عن مجاهد أيضًا.
الخامس: أن المشكاة صدر المؤمن
والمصباح القرآن الذي فيه والزجاجة قلبه،
قاله أُبيِّ.
أحدهما: يعني أن نار المصباح في
زجاجة القنديل؛ لأنه فيها أضوأ، وهو قول
الأكثرين.
الثاني: أن المصباح القرآن والإيمان،
والزجاجة قلب المؤمن، قاله أُبيّ.
﴿ گوگبُ دُرِئٌ﴾ أما الکو کب ففيه قولان:
أحدهما: أنه الزهرة خاصة، قاله
الضحاك.
الثاني: أنه أحد الكواكب المضيئة من
غیر تعیین، وهو قول الأكثرین.
وأما ﴿دُرِّيَّ﴾ فتأويلها أنه مضيء يشبه
الدر لضيائه ونقائه))(١).
(١) النكت والعيون ٤ / ١٠١.
١١٨
مَوَسُورُ النَّقِين
القرآن الكريم
خلاف بين المحققين الذين ينزلون التفسير
منازله، ويضعون التأويل مواضعه من غير
الثالث: المشكاة موضع الفتيلة من إفراط ولا تفريط، أن هذا مثل ضربه الله
لنوره، ولا يمكن أن يضرب لنوره المعظم
مثلًا تنبيهًا لخلقه إلا ببعض خلقه؛ لأن
الخلق بقصورهم لا يفهمون إلا بأنفسهم
ومن أنفسهم، ولولا ذلك ما عرف الله
إلا الله وحده، وأنور المصابيح في الدنيا
مصباح یوقد من دهن الزیتون، ولا سيما إذا
كانت مفردة قد تباعد عنها الشجر فخلصت
من الكل، وأخذتها الشمس من كل جانب،
فذلك أصفى لنورها، وأطيب لزيتها، وأنضر
والمشكاة لفظ حبشي معرب.
﴿المصباح في زجاجةٍ﴾فيه قولان:
لأغصانها، وذلك معنى بركة هذه الشجرة
التي فهمها الناس)) (٢).
وضرب الله مثلاً للذين اتخذوا
الآلهة والأوثان من دون الله أولياء
یرجون نصرها ونفعها عند حاجتهم إليها
في ضعف احتيالهم، وقبح رواياتهم،
وسوء اختيارهم لأنفسهم، بآية كونية
هي العنكبوت في ضعفها، وقلة احتيالها
لنفسها، اتخذت بيتا لنفسها، كيما يكنها،
فلم يغن عنها شيئا عند حاجتها إليه بقوله
تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ
اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ اَلْعَنْكَبُوتِ أَّخَذَتْ
بَيْئاً وَإِنَّ أَوْمَنَ اٌلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنَكَبُوتِّ
قال القاضي أبو بكر بن العربي: ((لا لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا
(٢) أحكام القرآن ٣/ ٤٠٤.

الآيات الكونية
يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ وَهُوَ الْعَزِزُ
﴾ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا
الْحَكِيمُ
لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِّمُونَ ﴾
[العنكبوت: ٤١- ٤٣].
فکذلك هؤلاء المشرکون لم یغن عنهم
حين نزل بهم أمر الله، وحل بهم سخطه
أولياؤهم الذین اتخذوهم من دون الله شيئًا،
ولم يدفعوا عنهم ما أحل الله بهم من سخطه
بعبادتهم إياهم (١).
وذلك أن بيت العنكبوت لا بیت أضعف
منه، فيما يتخذه الهوام في البيوت، ولا
أقل وقاية منه من حر أو برد، والمعنى: أن
أولياءهم لا ينقصونهم، ولا يرزقونهم ولا
يدفعون عنهم ضررًا، كما أن بيت العنكبوت
غير موق للعنكبوت (٢).
أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع،
قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَنَفَكَّرُونَ﴾﴾(٣).
أي: أنه لو جعل في الجبل تمييز، وأنزل
عليه القرآن لخشع وتشقق وتصدع من
خشية الله مع صلابته ورزانته، حذرًا من
أن لا يؤدي حق الله عز وجل في تعظيم
القرآن، والكافر يعرض عما فيه من العبر
كأن لم يسمعها، يصفه بقساوة القلب، وتلك
الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (٤).
والآيات الكونية التي ضرب الله تعالى
بها المثل كثيرة، وفيما سبق كفاية وغنية.
كما ضرب الله تعالى مثلًا كونيًا بالجبل
في خشوعه لو أنزل عليه القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ
أَرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِاللَّهِ وَتِلْكَ
الْأَمْشَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ
٢)﴾ [الحشر: ٢١].
قال الإمام ابن جرير: ((يقول تعالى: لو
أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه
تصدع و خشع من ثقله، ومن خشية الله، فأمر
الله عز وجل الناس إذا أنزل عليهم القرآن،
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠ / ٣٨.
(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١٦٩/٤، (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٣٠١.
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٥ / ٦٦.
التفسير الوسيط، الواحدي ٣/ ٤٢٠.
www. modoee.com
١١٩

حرف الألف
الإشارات الإعجازية لعلوم الكون في
القرآن
تضمن القرآن الكريم إشارات إعجازية
لعلوم الكون في علم الفيزياء وعلم
الجيولوجيا، وفي علم الكيمياء، وفي علم
الأحياء، ويمكن بيان ذلك في المطالب
الآتية:
أولًا: الإشارات الإعجازية في الفيزياء:
إن مصطلح الفيزياء مشتق من كلمة
إغريقية معناها الأشياء الطبيعية، وعلم
الفيزياء أو علم الطبيعة هو: العلم المختص
بدراسة المادة والطاقة، وأسباب سلوكها
المشاهد وكيفية إنتاج الطاقة، وكيفية
التحكم فيها، و کیف یؤثر بعضهما في الآخر
على مدى الزمان والمكان (١).
والآيات التي تضمنت إشارات لعلم
الفيزياء كثيرة منها:
١. قوله تعالى: ﴿يُدَبِرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ
إِلَى الْأَرْضِ لُمَّ يَّعْرُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ
سَنَّدٍمِمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [السجدة: ٥] تشير الآية
إلى سرعة الضوء.
ففي سنة ١٦٧٦م قدم الفلكي ((أولاس
رومر)) الدليل على أن سرعة الضوء غير
لحظية كما ذكرت ذلك الموسوعة البريطانية،
واستمرت بعده القياسات ثلاثة قرون إلى أن
(١) انظر: الموسوعة العربية العالمية، ١٧ / ٦٧٣.
اعتمدت في باريس سنة ١٩٨٣ أثناء انعقاد
المؤتمر الدولى للمعايير حيث قدرت سرعة
الضوء في الفراغ بـ: ٢٩٩٧٩٢,٤٥٨ كم/
ثانية، هذا ما توصل إليه العلماء في أواخر
القرن العشرين، كما ذكرت أيضًا الموسوعة
البريطانية.
والقرآن الكريم قد أعطى معادلة دقيقة
تؤكد صحة ما وصل إليه المؤتمر الدولي
للمعايير في باريس عام ١٩٨٣ م.
وصاحب هذا الاكتشاف هو أحد العلماء
المسلمين المتخصصين في الفيزياء وهو
الدكتور محمد دودح مستشار لدى هيئة
الإعجاز العلمي، حيث استنبط من قوله
تعالى: ﴿يُدَبُِّ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ
ثُمَّيَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ، أَلْفَ سَنَةِمِمَّا
تَعُدُّونَ ﴾ [السجدة: ٥] أن الأمر المقصود
به في الآية هو الأمر الكوني الفيزيائي في
حياتنا الدنيا، وقد قال بهذا أيضًا من قبله
يدبر الأمر
بعض المفسرين: فعن قتادة
مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَّعْرُبُ إِلَيْهِفِ يَوْمِ﴾ من
أيامكم ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ، أَلْفَ سَنَّةٍمِّمَّا تَعُدُّونَ﴾
يقول: مقدار مسيره في ذلك اليوم ألف
سنة مما تعدون من أیامکم من أيام الدنيا
خمسمائة سنة نزوله، وخمسمائة صعوده
فذلك ألف سنة، وعن الضحاك: ﴿لُمَّيَعْرُجُ
إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ، أَلْفَ سَنَّةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾
قال: تعرج الملائكة إلى السماء، ثم تنزل في
١٢٠
الوَضـ
القرآن الكريم

الآيات الكونية
يوم من أيامكم هذه، وهو مسيرة ألف سنة،
وعن عكرمة ﴿أَلْفَ سَنَّةِمِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال:
من أيام الدنيا، وعن ابن عباس في قوله:
﴿يُدَبِّرُ اْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ
إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ﴾ من أيامكم هذه، مسيرة ما بين
السماء إلى الأرض خمسمائة عام (١).
وأما قوله تعالى: ﴿مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ فقد
ذكر البغوي والخازن وغيرهم أن: السنة
مبنية على سير القمر ومعنى ذلك أن
العرب كانت تعتمد في حساب الزمن على
الحساب القمري، كما كانوا يعبرون عن
المسافة بالزمن؛ كأن يقولوا: مسافة ثلاثة
أيام، والقرآن نزل بلغة العرب فقال: ﴿مِّمَّا
تَعُدُّونَ﴾(٢).
والمعادلة القرآنية = المعادلة العلمية
في يوم كان مقداره (زمن يوم أرضي)
الزمن ألف سنة مما تعدون (بالحساب
القمري) = ١٢٠٠٠ دورة قمرية المسافة.
الأمر الكوني = ألف سنة مما تعدون
١٢٠٠٠ دورة قمرية / زمن يوم أرضي
السرعة = المسافة / الزمن.
وجه الإعجاز في الآية القرآنية:
(١) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ١٦٧.
وانظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٥/ ٣٦٥،
البحر المحيط، أبو حيان ٤٣١/٨.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ١١٦/١، لباب
التأويل، الخازن ١ / ٤٥.
وانظر: أحكام القرآن، الكيا الهراسي
٢٠١/٤.
هو أنها اعتبرت الحد الأقصى للسرعة
الكونية في الفراغ تعادل دوران القمر حول
مداره اثنتي عشرة ألف دورة، ومن ثم
استنبط الدكتور محمد دودح المعادلة التي
تعطي الرقم الصحيح لحساب سرعة الأمر
الإلهي، وقد توصل الدكتور محمد دودح
إلى أن الرقم القرآني ينطبق تمامًا مع الرقم
الذي أعلنه المؤتمر الدولي للمعايير في
باریس سنة ١٩٨٣م وهو ٢٩٩٧٩٢,٤٥٨
كم/ ثانية(٣).
٢. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَنَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَا﴾
[الأنبياء: ٣٠].
تشير الآية إلى أصل تكوين السماء
والأرض، وهي من موضوعات علم
الفيزياء.
فقد بين القرآن أن السماوات والأرض
كانتا شيئًا واحدًا، وأن الأرض انفصلت عن
السماء وتكونت فيها القشرة الأرضية، وكان
عليها الماء، ومنه كانت الأحياء التي خلقها
الله تعالى.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ
السَّمَوَتِ وَاْأَرْضَ كَانَنَا رَتْقَا فَفَتَقْنَهُمَّاً
وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ
وَجَعَلْنَا فِ اْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا
(٣) انظر: بحث الإعجاز الفيزيائي في القرآن
الكريم، د. محمد دودح.
www. modoee.com
١٢١

حرف الألف
فِيَهَا فِيجَاجًا سُبُلًاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (١) وَجَعَلْنَا دخانًا، وهو السديم الذي يقوله العلماء
وقد اجتهد علماء الفلك والطبيعة في
السَّمَآءَ سَقْفًا تَحْفُوظَا وَهُمْ عَنْءَِهَا مُعْرِضُونَ
﴾ [الأنبياء: ٣٠- ٣٢].
٣٢
وضع نظريات متعددة لكيفية حدوث هذا
الانفصال، ومنها نظرية الانفجار العظيم،
ولا داعي للخوض في تلك النظريات.
والنص الكريم صريح في أن السماوات
والأرض كانت كونًا واحدًا، وفصل الله
تعالى جزءًا منه وهو الأرض، وكانت فيها
هذه الحياة التي يحياها الحيوان والطير
في السماء، والسمك في الماء، والزرع في
الفيحاء.
وإذا كان العلماء اليوم يقررون أن الكون
ابتدأ خلقه بالسدیم، وهو یشبه الدخان، فقد
صرح القرآن الكريم قبل ذلك، وقبل أن
يعلموا.
فقال الله تعالى في خلق السماوات
والأرض:
﴿ قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى
خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَّهُ: أَنْدَادًا ذَلِكَ
: وَحَعَلَ فِيَهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا
رَبُّ الْعَلَمِينَ (٥)
وَبَرَكَ فِيَهَا وَقَّدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَكَةُ
لِلِسَّابِلِينَ { ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ
لَا وَلِلْأَرْضِ أَقْتِيَا طَوَعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآ أَنْنَا طَآئِينَ
فَقَضَمُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى
=
فِ كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ
وَحِفْظَا ذَلِكَ تَقْدِيُ اَلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾
[فصلت: ٩- ١٢](١).
ویبین سبحانه أن السماء والأرض کانت
(١) انظر: المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة (٢) انظر: القرآن وعلوم الأرض، محمد سميح
عافية ص ٣٠.
ص٣٧١.
واستطاع علماء الجيولوجيا بوسائلهم
المتخصصة أن يعطوا تاريخًا مطلقًا لبدء
وجود الأرض بكيانها المستقل عن بقية
الأجرام السماوية، وقدروا أنه كان منذ
حوالي أربعة آلاف وخمسمائة مليون عام
من أعوامنا المعروفة (٢)
٣. قوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اَللَّهُأَن يَهْدِيَدُ
يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ.
يَجْعَلْ صَدْرَهُ، ضَيِّقًا حَرَجًاً كَأَنَّمَا يَضَعَدُ
فِي السَّمَلَوْ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرَّجْسَ عَلَى
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١٢٥].
يشير إلى أن الضغط الجوي يقل
بالارتفاع عن سطح الأرض.
فقد عكف العلماء على دراسة الهواء
وغازاته، ثم حاولوا قياس ارتفاعه ومعرفة
مقدار تخلخله واستعانوا أخيرًا بأحدث
وسائلهم -الصواريخ- لمعرفة الحقيقة
كاملة، ولكن الحقيقة لم تتكشف بكامل
صورتها حتی الآن أمام أعينهم، حتى بعد
هذه الجهود المتتالية إنهم حاولوا تذليل
١٢٢
القرآن الكريم

الآيات الكونية
الجو وتعبيد مسالكه، فوقفت دونهم صعاب
تغلبوا عليها بالعلم، ومن بين الصعاب
مسألتان أشار إليهما كتاب الله الأعظم(١):
الأولى: صعود الإنسان في السماء.
الثانية: ما يحدث للإنسان في أثناء هذا
الصعود.
ويَصْحَب الصعود في الجو أربع ظواهر:
قلة الضغط.
قلة الأوكسجين.
برودة الجو وتقلب درجة الحرارة.
انعدام الوزن إذا تغلغل الإنسان في
الفضاء.
فكلما ارتفع الإنسان قل الضغط فتخلخل
الهواء وهذا يسبب للإنسان ضيقًا في التنفس
يمتد کلما زاد الارتفاع، وقد يؤدي نقص
الضغط إلى تمدد الغازات فى معدة الطيار
وأمعائه فيسبب له تقلصات عنيفة.
وهناك أيضًا حدوث انتفاخ يدفع
الحجاب الحاجز إلى أعلى فيضغط على
القلب والرئتين مما يسبب الإغماء للطيار
أحيانًا، وكذلك يكون الطيار معرضًا لنوبات
حادة من السعال؛ لأن الهواء في الارتفاع
الشاهق تنقصه الكثافة الكافية لتنظيف قناة
التنفس من المواد المهيجة لها، وينتج عن
قلة الضغط ظاهرة أخرى، فكلما ارتفع
(١) انظر: معجزات القرآن العلمية، حامد حسین
قدیر ص١٨٠.
الإنسان إلى أعلى نقص الضغط الجوي،
على حين يظل الضغط الداخل للجسم كما
هو، فيختل التوازن بين الضغطين:
الضغط الداخلي للجسم الذي يظل
دون تغير.
الضغط الخارجي للهواء الذي يأخذ
في التناقص تدريجيًا.
فإذا وصل الإنسان إلى ارتفاع عظيم لم
يصبح في الإمكان حفظ التوازن بين هذين
الضغطين، فينبثق الدم من فتحات الأنف
والفم وتنفجر طبلة الأذن إلى الخارج،
ويصحب ذلك اختناق ثم وفاة أكيدة (٢).
٤. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَآءُ سَقْفًا
تَّخْفُوظَآً وَهُمْ عَنْ ءَايَتِهَا مُعْرِضُونَ
[الأنبياء: ٣٢].
تقرر هذه الآية الكريمة أن السماوات
وما فيها من أجرام حافظة لكيانها ومتماسكة
فيما بينها ولا خلل يعتورها ومحفوظة من
أن تقع على الأرض، هي كل ما علانا، وهي
تبدأ بالغلاف الهوائي الذي يحمى أهل
الأرض من كثير من أهوال الفضاء التي لا
تستقيم معها الحياة بأي حال، مثل: الشهب،
والنيازك، والأشعة الكونية، وفوق الأرض
الغلاف الهوائي الذي تحتفظ به الأرض
بقوة الجاذبية، ولا سبيل إلى فقده في خضم
(٢) انظر: معجزات القرآن العلمية، حامد حسين
قدیر ص ١٨.
www. modoee.com
١٢٣

حرف الألف
الفضاء المتناهي، وفوق الغلاف الهوائي
أجرام السماء على أبعاد مختلفة وتدور
دوراتها المنتظمة في أفلاكها منذ أن خلقها
الله تعالی.
وقانون الجاذبية توجد في الكون نظم
لها قوانين لا تتبدل ولا تتغير منذ الأزل،
ومن أول هذه القوانين قانون الجاذبية الذي
يعمل على تجميع شتات الأجزاء المادية
المتقاربة في أبعاد دقيقه محددة، ولولا قوة
هذا القانون لسقطت الكائنات في هاوية
الفضاء، ويتركز ثقل الأرض في مركز
تكورها، أي: أن الأرض تجذب الأجسام
التي عليها نحوه، وقد اكتشف هذا القانون
نيوتن العالم الإنجليزي الذي لاحظ يومًا
أن تفاحة سقطت من شجرتها على الأرض،
فأخذ یفکر في سبب سقوطها إلى أن وصل
إلى قانون الجاذبية الذي يثبت أن كل جسم
مادي يجذب غيره من الأجسام المادية
بقوة تزيد أو تنقص حسب الكتلة والمسافة
بينهما، وهذا هو القانون الذي يربط الأجرام
السماوية ويحفظ تماسكها وانتظامها في
مداراتها (١).
وتشير الآية إلى أن المسافات بين النجوم
عظيمة، وهي مما يدرسه علم الفيزياء.
يقسم المولى تبارك وتعالى بمواقع
النجوم؛ لأن القسم بمواقعها يوجه الانتباه
إلى أن المسافات بين النجوم تبلغ حدودًا
لا يتصورها الخيال، فمثلًا: نجد أن أقرب
نجم إلينا في مجرتنا وهي: الشمس تبعد
عنا بمقدار (٥٠٠) ثانية ضوئية، بينما النجم
الذي يليها في القرب يبعد عنا بمقدار أربع
سنوات ضوئية تقريبًا، والسنة الضوئية تدل
على مدى المسافة التي يقطعها الضوء
في سنة كاملة، علمًا بأن سرعة الضوء
تساوى (٣٠٠) ألف كيلومتر في الثانية،
ثم إن هناك مدلولًا علميًا آخر عن مواقع
النجوم، وهي أن موقع الشمس موقع بالغ
الدقة في وضعه لكي تستقيم معه الحياة
على كوكبنا الأرضى؛ لأنها لو تقدمت عن
موضعها الحالى لاحترقت الأرض من شدة
حرارتها، ولو تأخرت عن موضعها لبردت
الأرض وتجمدت فيها البحار والمحيطات
وتصير غير صالحة لحياة البشر عليها (٢).
والآيات التي تشير إلى علم الفيزياء
كثيرة، وإنما یکفي في ذلك ما يؤدي الغرض.
٥. قوله تعالى:
التُّجُومِ
* فَلَآَ أُقْسِمُ بِمَوَفِع
وَإِنَّهُ، لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمُ
[الواقعة: ٧٥-٧٦].
(١) انظر: القرآن وإعجازه العلمي، محمد إبراهيم
إسماعيل ص ٧٠.
(٢) انظر: المصدر السابق ص ٦٢.
١٢٤
موسوعة البقية
جوسى
القرآن الكريم