النص المفهرس

صفحات 41-50

آدم عليه السلام
وجد استحسانه في الشريعة ولم يقصد به ٦٠].
مستعمله الخيلاء، ﴿عِندَ كُلِّ مَسچِدٍ﴾ عند
كل موضع سجود فهي إشارة إلى الصلوات
وستر العورة فيها، ويدخل معها مواطن
الخير كلها (١).
٤. قول الله تعالى: ﴿يَبَفِيّءَآدَمَ إِمَّا يَأْتِنَّكُمْ
رُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِى﴾ [الأعراف:
٣٥].
هذا هو عهد الله لآدم وبنيه، وهذا هو
شرطه في الخلافة عنه سبحانه في أرضه
التي خلقها وقدر فيها أقواتها، واستخلف
فيها هذا الجنس، ومكنه فيها؛ ليؤدي دوره
وفق هذا الشرط وذلك العهد، وإلا فإن عمله
رڈٌ في الدنیا لا يقبله ولا یمضیه مسلم لله،
وهو في الآخرة وِزْرٌ، جزاؤه جهنم لا يقبل
الله من أصحابه صرفًا ولا عدلًا.
﴿فَمَنِ أَثَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَمْزَنُونَ﴾؛ لأن التقوى تنأى بهم عن الآثام
والفواحش، وأفحش الفواحش الشرك
بالله، واغتصاب سلطانه وادعاء خصائص
ألوهيته، وتقودهم إلى الطيبات والطاعات
وتنتهي بهم إلى الأمن من الخوف والرضى
عن المصير (٢).
٥. قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ
يَبَنِىّ ءَدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَانَ﴾ [يس:
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٩٢/٢.
(٢) انظر: في ظلال القرآن الكريم، سيد قطب
١٢٨٨/٣.
اتفق العقلاء على أن الشيطان يأمر
بالشر، وإن اختلفوا في حقيقته و کیفیته(٣)،
ونداؤهم هنا ﴿یَبَنِيّ ءَادَمَ ﴾ فیه من التبكيت
ما فيه، فإن الشيطان ظاهر العداوة لكم، بدءًا
من أبيكم آدم عليه السلام(٤).
وقوله: ﴿لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ معناه:
لا تطيعوه؛ ذلك أن المنهي عنه ليس هو
السجود له فحسب، بل الانقياد لأمره
والطاعة له، فالطاعة عبادةٌ، وطاعة الشيطان
في مخالفة أمر الله، أو ترك أمر الله.
وجملة: ﴿إِنَّهُ، لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تعلیل
لما قبلها من النهي عن طاعة الشيطان وقبول
وسوسته (٥).
ثانيًا: تكريم بني آدم:
يقول الله تعالى: ﴿قَالَ أَرَهَيْنَكَ هَذَا الَّذِى
كَرَّمْتَ عَلَىَ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢].
أرأيت هذا الذي فضلته علي، وكرمته،
يعني: آدم، ﴿لَإِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾
أي: أجل موتي، ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾
لأستأصلنهم، ولأستولين عليهم بالإغواء
والإضلال، وأصله من احتناك الجراد الزرع،
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩٩/٢٦، فتح
البيان، القنوجي ٣١١/١١.
(٤) انظر: في ظلال القرآن الكريم، سيد قطب
٥/ ٢٩٧٢، التفسير المنير، الزحيلي ٣٧/٢٣.
(٥) انظر: فتح البيان، القنوجي ٣١١/١١.
www. modoee.com
٧٥

حرف الألف
وهو أن تأکله وتستأصله بأحناكها وتفسده،
ثم يسمى الاستيلاء على الشيء وأخذ كله
احتناك، أو هو مأخوذ من تحنيك الدابة، وهو
أن يشد على حنكها بحبل فتنقاد(١).
يقول سيد قطب: ((لأستولين عليهم
وأحتويهم، وأملك زمامهم، وأجعلهم في
قبضة یدي أصرف أمرهم. ویغفل إیلیس عن
استعداد الإنسان للخير والهداية استعداده
للشر والغواية، عن حالته التي يكون فيها
متصلًا بالله، فيرتفع ويسمو، ويعتصم من
الشر والغواية))(٢).
ويقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ءَادَمَ
وَحَلْنَهُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اْلَّيِّبَتِ
وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾
[الإسراء: ٧٠].
﴿كَرَّمْنَا﴾ جعلهم ذوي كرم، بمعنى:
الشرف والمحاسن الجمة، كما تقول: ثوب
کریم وفرس کریم؛ أي: جامع للمحاسن،
وليس من كرم المال في شيء(٣)، وما جاء
عن أهل التفسير من تكريمهم وتفضيلهم
بأشياء ذكروها، هو على سبيل التمثيل لا
الحصر (٤).
(١) التفسير الوسيط، الواحدي ١١٥/٣،
التسهيل، ابن جزي الكلبي ١/ ٤٥٠.
(٢) في ظلال القرآن الكريم، ٢٢٣٨/٤.
(٣) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٦٨٠.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٠/ ٢٩٣، البحر المحيط، أبو حيان ٥٨/٦.
مظاهر تكريم الله لبني آدم:
١. اختص الله الإنسان بأن خلقه بيديه،
ونفخه فيه من روحه، ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ,
وَنَفَخَّتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ، سَجِدِينَ﴾
[ص: ٧٢].
وهذا يدل على علو مكانة الروح التي
حلت في الإنسان، وعن زيد بن أسلم
في قوله: ﴿وَلَقَدْ كُرَّمْنَا بَنِيّ ◌َادَمَ ﴾ قال:
قالت الملائكة: یا ربنا إنك أعطيت بني
آدم الدنیا یأکلون منها، ویتنعمون، ولم
تعطنا ذلك، فأعطناه في الآخرة، فقال:
وعزتي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي،
کمن قلت له كن فكان(٥).
٢. الصورة الحسنة، والقامة المعتدلة، كما
قال عز وجل: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِي أَحْسَنِ
تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].
٣. تسخیر الکون للإنسان دون ثمن يدفعه،
مثل استخدامه لضياء الشمس و دفئها،
قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَا أَنْ
تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّتْلُ سَابِقُ النَّهَائِّ وَكُلُّ فِ
فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].
٤. حملهم في البر والبحر، ورزقهم من كل
غذاء نباتي أو حيواني، وتفضيلهم على
كثير من خلقه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ
كُرَّمْنَا بَنِيّ ◌َادَمَ وَحُلْنَهُمْ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
وَرَنَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/ ٥٠١.
٧٦
القرآن الكريم

أدمر عليه السلام
كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء:
٧٠].
٥. تحميله الأمانة، ونفي الجبر عنه،
وإعطاؤه الحرية كاملة، قال تعالى:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا أَلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا
وَحَلَهَا الْإِنْسَنُّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾
[الأحزاب: ٧٢].
٦. إعطاؤه حق المساواة لكل فرد مع
الأخرين، فلا يتفاضل أحد على أحد
إلا بالتقوى والعمل الصالح ﴿إِنَّ
أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنَقْنَكُمْ﴾ [الحجرات:
١٣].
٧. يأتي التكريم الأعظم في الآخرة بما
أعده الله للطائعين من الكرامة في
دار المقام، فقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن
تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ
طَيِّبَةً فِي جَنَّتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ﴾(١).
ثالثًا: أخذ الميثاق على بني آدم:
يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ يَقِيّ
ءَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّفَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَىّ شَهِدْنَاْ أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ
اَلْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ ﴾ [الأعراف:
١٧٢].
(١) انظر: نضرة النعيم، مجموعة من الباحثين
١١٣٥/٤-٠١١٣٨
والميثاق: العهد المؤكد باليمين، من
الوثاقة وهي الشدة في العقد والربط (٢)،
في هذا إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى
قد أخرج من أبناء آدم من ظهورهم ذريتهم،
وأشهدهم على أنفسهم، وهم في عالم
الأرواح، أليس الله سبحانه وتعالى هو
ربكم وخالقكم؟ فشهدوا جميعًا وقالوا:
بلى أنت ربنا وخالقنا (٣). وخلق الناس على
فطرة التوحيد مقرر في آية أخرى، هي قوله
تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًاْ فِطَرَتَ
اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾
[الروم: ٣٠].
وفي قوله تعالى:
فِي بَطونِ
يُخْلَقُ
أُمَّهَتِكُمْ خَلْقَاً مِّنْ بَعْدٍ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦]،
يقول الطبري: «خلقًا بعد ذلك، قال: فلما
أخذ عليهم الميثاق أماتهم، ثم خلقهم
في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم
القيامة، فذلك قول الله: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا أَمْتَّنَا
أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾))(٤).
واختلفوا في كيفية الإخراج وهيئة المخرج
والمكان والزمان (٥).
والميثاق: هو إقرار من الناس جميعًا
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٦٦/١، في ظلال
القران الكريم، سيد قطب ٥٢،٥١/١.
(٣) انظر: التفسير القرآني للقرآن، الخطيب
٠٥١٥/٥
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٤٢٠.
(٥) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢١٨/٥.
www. modoee.com
٧٧

حرف الألف
-قبل أن يخلقوا وقبل أن يكونوا أناسًا- أي: لئلا تقولوا يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ
هَذَا﴾ أي: التوحيد ﴿غَفِلِينَ ﴾ أي: لم ننبه
إليه، وهو أولى الآراء بالصواب (٣)، وسبب
الإشهاد لمنع اعتذارهم يوم القيامة بغفلتهم
عن التوحید، أو بادعائهم التقلید، والله لا
يقبل عذرهم أبدًا؛ لأن التقليد في الاعتقاد
وأصول الدين لا يجوز.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُنْلَا تُؤْمِنُونَ بِلهِ
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبَّكُمْ وَقَدْأَ خَذَ مِشَقَّكُمْإِن
كُ مُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد: ٨].
أي شيء يحول بينكم وبين الإيمان بالله،
وهذا رسول الله ﴿يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ﴾؟
فلقد دعاكم الله سبحانه و تعالى إلى الإيمان
من قبل، وأخذ ميثاقكم وأنتم في ظهور
آبائكم، وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي:
إن كنتم ما زلتم على إيمانكم بالله الذي
وثقه معکم وأنتم في ظهور آبائكم، فما
لکم لا تؤمنون بما یدعو کم إلیه الرسول من
إيمان، وهو إنما يدعوكم إلى هذا الإيمان
الذي آمنتم به من قبل؟(٤).
وظاهر الآية متناقض، ولو كانوا لا
يؤمنون بالله کیف یقرون بالله وبالرسول؟
لكنه يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: ﴿وَمَا لَكُوْ لَا نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾؟
أي: بقدرة الله على بعثكم وإحياتكم بعد
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٥٩/٩.
(٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢١٨/٥، (٤) انظر: التفسير القرآني للقرآن، الخطيب
١٤/ ٧٥٠-٠٧٥٤
التفسير المنير، الزحيلي ١٥٨/٩.
موسوعة البقية
القرآن الكَرِيْمِ
٧٨
وأما الخلف فقالوا: هذا من قبيل التمثيل
والتصوير، والمجاز والاستعارة فلا سؤال
ولا جواب، وإنما أقام الله الأدلة الكونية
على وحدانيته وربوبيته للكون كله، وقال
لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ﴾ فقالوا: ﴿بَلَ﴾ (٢).
فالمراد من الآية أن الله تعالى جعل الفطرة
التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد حجة
مستقلة عليهم؛ ولهذا قال: ﴿أَن تَقُولُواْ ﴾
(١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، الخطيب
١٠٤٦/٣.
بالولاء لله، والاعتراف بربوبيته، وهو إقرار
ضمن الإقرار العام للوجود كله بالانقياد
لله، والولاء له، ويمكن أن يكون الميثاق
الذي بايع به المسلمون رسول الله إذ دخلوا
في الإسلام، فقد كانت بيعتهم لرسول الله
صلى الله عليه وسلم قائمة على السمع
والطاعة في المكره والمنشط، أي: في
الضراء والسراء(١).
وقد اختلف العلماء في كيفية أخذ
الميثاق على رأيين:
أما السلف من المفسرين فقالوا: إن الله
خلق آدم وأخرج من ظهره ذريته كالذر،
وأحیاهم وجعل لهم عقلًا وإدراكًا، وألهمهم
ذلك الحديث وتلك الإجابة، وأخذ علیهم
العهد بأنه ربهم، فأقروا بذلك.

أحمر عليه السلام
موتکم.
والثاني: أي عذر لكم في ترك الإيمان
بالله تعالى والرسول دعاكم، وقد أتاكم
من الآيات والحجج ما يدفع عنكم العذر،
ويزيح عنكم الشبه؟(١).
وهذا الاستفهام للتوبيخ والتقريع،
والخطاب للكفار(٢).
رابعًا: الاستخلاف في الأرض:
يقول الإمام الطبري: ((الخليفة، مستخلف
في الأرض، ومصير فيها خلفًا))(٣).
والخلائف: جمع خليفة، وهو: آدم
وذريته، والهاء للمبالغة والتأكيد، وهذا اسمٌ
لمن يخلف الغير، ويقوم مقامه فيما أسند
إليه، وآدم خلف الملائكة في اتخاذ الأرض
مسكنًا(٤).
وقال الحسن البصري: ((خلفًا يخلف
بعضهم بعضًا، وهم ولد آدم الذين يخلفون
أباهم آدم، ويخلف كل قرن منهم القرن الذي
سلف قبله)) (٥)، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى
جَعَلَكُمْ خَلَيْفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]،
وهو من يخلف غيره ويقوم مقامه فى تنفيذ
الأحكام، وقيل: أريد بالخليفة آدم، واستغنى
(١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي،
٩ /٥١٦.
(٢) انظر: فتح البيان، القنوجي ٤٠٠/١٣-٤٠١.
(٣) انظر: جامع البيان ٤٤٨/١.
(٤) انظر: درج الدرر، عبد القاهر الجرجاني
٠١٣٨/١
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٤٥١.
بذكره عن ذكر بنيه، وقال ابن كثير: والظاهر
أنه لم یرد آدم عینًا؛ إذ لو كان ذلك، لما حسن
قول الملائكة: ﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا
وَيَسْفِكُ الذِمَآءَ ﴾ فإنهم أرادوا: أن من هذا
الجنس من يفعل ذلك(٦).
واختلف المفسرون واللغویون في سبب
تسمية خليفة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الله لما خلق الأرض
أسكنها الجن، ولما خلق السماء أسكنها
الملائكة، ثم لما خلق آدم أزعج الجن
إلى أطراف الأرض، فهو خليفة الجن في
الأرض.
القول الثاني: أنه سمي خليفة؛ لأنه يخلفه
غيره فیکون مكانه.
القول الثالث: أنه سمي خليفة؛ لأنه
خليفة الله في الأرض لإقامة أحكامه
وحدوده، وهو الذي رجحه البغوي، وتبعه
الخازن والرازي والسمعاني، وهو المروي
عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم،
وهو المتعين إن شاء الله (٧).
ومعلومٌ أن أعلى الناس منصبًا عند الملك
من كان قائمًا مقامه في الولاية والتصرف،
وكان خليفةً له فهذا يدل على أن آدم عليه
السلام كان أشرف الخلائق (٨).
قوله تعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً
(٦) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٢٨/١.
(٧) انظر: درج الدرر، عبد القاهر الجرجاني
١٣٨/١.
(٨) مفاتيح الغيب، الرازي ٢/ ٤٤٣.
www. modoee.com
٧٩

حرف الألف
فِي الْأَرْضِ فَأَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّعِ الهَوى
فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ آَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ
اللَّهِلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْيَوْمَ اْحِسَابِ﴾ [ص:
٢٦].
وهذه الآية يخاطب الله تعالى داود عليه
السلام بأنه استخلفه حاكمًا بين الناس في
الأرض، فله السلطة والحكم، وعليهم
السمع والطاعة، ثم بین الله تعالی له قواعد
الحكم والاستخلاف تعليمًا لغيره من
الناس:
٠١
النَّاسِ بِالحَقّ ﴾ أي: فاقض بين
بير
الناس بالعدل الذي قامت به السماوات
والأرض، وهذه أولى وأهم قواعد
الحكم.
٢. ﴿وَلَا تَنَِّعِ اَلْهَوَى﴾ أي: لا تمل في
الحكم مع أهواء نفسك أو بسبب
مطامع الدنيا، فإن اتباع الهوى مزلقة
ومدعاة إلى النار؛ لذا قال: ﴿فَيُضِلَّكَ
عَن سَبِيلِ اللّهِ﴾ أي : إن اتباع الهوى سبب
في الوقوع في الضلال والانحراف عن
جادة الحق، والعبرة من هذا الموضوع:
الوصية من الله عز وجل لولاة الأمور
أن يحكموا بين الناس بالحق، ولا
یحیدوا عنه، فیضلوا عن سبيل الله.
وقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً﴾ أي: بعد
من تقدمك من الأنبياء عليهم السلام، وقيل:
حاكمًا من قبلي لتحكم بين عبادي بالحق،
وأوصاه بألا يتبع في الحكم هواه (١).
فكل نبي استخلفه الله في عمارة الأرض
وسياسة الناس، لا لحاجة به تعالى إلى من
ينوبه، بل لقصور المستخلف عليه عن قبول
فیضہ؛ لذلك لم یستنبئ ملگا، كما قال الله
تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا لَّجَعَلْتَهُ رَجُلًا﴾
[الأنعام: ٩](٢).
(١) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٢٥٢/٣.
(٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٦٨/١.
٨٠
مُؤَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم

آدم عليه السلام
موت آدم عليه السلام
عن الحسن، قال: رأيت شيخًا بالمدينة
یتکلم فسألت عنه، فقالوا: هذا أبي بن كعب،
فقال: إن آدم عليه السلام لما حضره الموت
قال لبنيه: أي بني، إني أشتهي من ثمار الجنة،
فذهبوا يطلبون له منها، فاستقبلتهم الملائكة
ومعهم أكفانه وحنوطٌّ، ومعهم الفؤوس
والمساحي والمكاتل، فقالوا لهم: يا بني
آدم ما تريدون؟ قالوا: أبونا مريضٌ واشتهى
من ثمار الجنة، قالوا لهم: ارجعوا قد قضى
أبو کم. فجاءوا فلما رأتهم حواء عرفتهم،
فلانت بآدم، فقال: إليك عني إنما أتيت من
قبلك، خلي بيني وبين ملائكة ربي تبارك
وتعالى، فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنطوه
وحفروا له وألحدوا له، وصلوا عليه، ثم
دخلوا قبره فوضعوه في قبره ووضعوا عليه
اللبن، ثم خرجوا من القبر ثم حثوا عليه، ثم
قالوا: يا بني آدم هذه سنتكم(١).
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك، ١/ ٣٤٤.
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد،
ولم يخر جاه).
الدروس المستفادة من قصة آدم
١. الجمهور الأعظم من علماء الدين
اتفقوا على عصمة كل الملائكة عن
جميع الذنوب.
٢. استدل بعض العلماء بآية ﴿وَعَلَّمَ
ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ على أن اللغات
كلها توقيفية، بمعنى أن الله تعالى خلق
علمًا ضروريًا بتلك الألفاظ وتلك
المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعة
لتلك المعاني.
٣. تعلیم آدم الأجناس التي خلقها الله،
دال على فضل العلم؛ فإنه سبحانه ما
أظهر كمال حكمته في خلقه آدم عليه
السلام، إلا بأن أظهر علمه، فلو كان
في الإمكان وجود شيء أشرف من
العلم، لكان من الواجب إظهار فضله
بذلك الشيء، لا بالعلم.
٤. قصور علم المخلوقات أمام علم
الخالق، وأن فعل الخالق لا يخلو من
الحكمة والفائدة، وأن علم الملائكة
محدود لا يتناول جميع الأشياء،
والواجب على من سئل عن علم لم
يعرفه أن يقول: الله أعلم، لا أدري،
اقتداء بالملائكة والأنبياء وفضلاء
العلماء.
٥. التنبيه على عجيب صنع الله تعالى؛ إذ
www. modoee.com
٨١

حرف الألف
أخرج من هذه الحالة المهينة نوعًا هو
سيد أنواع عالم المادة ذات الحياة.
٦. أن الله تعالى أراد تمييز آدم عن جميع
خلقه بأن يخلقه بيده الكريمة مباشرة،
وهذا لا یکون إذا كان خلقه من العدم،
فالملائكة والجن مخلوقون من العدم،
ولا يقال فيهم: إنه خلقهم بيده.
٧. الإنسان وإن کرمه الله، لكنه ضعيف،
عرضة للنسيان، كما نسي آدم أوامر
الله ونواهيه، فأطاع إبليس عدوه،
وأكل من الشجرة التي نهاه الله عن
الأكل منها.
٨. إن التوبة والإنابة إلى الله سبيل الظفر
برحمة الله الواسعة، فإن آدم الذي
عصی ربه تاب وقبل الله توبته، فعلی
العاصي أو المقصر المبادرة إلى التوبة
والاستغفار دون قنوط ولا يأس من
رحمة الله ورضوانه ومغفرته.
٩. الكبر والعناد والإصرار على الإفساد
أسباب لاستحقاق السخط الإلهي،
واللعنة والغضب والطرد من رحمة
الله، فإن إبليس الذي أبى السجود،
وأصر على موقفه، وعاند الله، وتحدی
سلطانه بإغراء الإنسان وصرفه عن
إطاعة الله، غضب الله عليه وطرده من
الجنة إلى الأبد، وأوعده بنار جهنم.
١٠. قد يرتكب الإنسان معصية مخالفًا
أمر الله في حال النسيان والسهو عن
عهد الله بطاعته، والنسيان مرفوع عنا
الحرج والإثم فیه. قال ابن زيد: «نسي
آدم ما عهد الله إليه في ذلك اليوم، ولو
کان له عزم ما أطاع عدوه إِبلیس)).
١١. أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم
سجود تحية وتشريف وتكريم، لا
سجود عبادة، وأبى إبليس السجود مع
الملائکة تکبرًا واستعلاء وحسدًا.
١٢. الجنة ذات نعيم مطلق، فلا تعب ولا
عناء في الحصول على الملذات
والرغبات، بخلاف الدنيا التي تمتاز
بالتعب والكد لتحصيل المطلوب.
١٣. كانت وسوسة الشيطان لآدم بالأكل من
الشجرة سببًا في المخالفة والإخراج
من الجنة والهبوط إلى الأرض، ونزع
اللباس.
١٤. لا يجوز الحديث عن ذنوب الأنبياء
إلا بالقدر المذكور في القرآن الكريم
أو السنة النبوية الثابتة، فقد أخبر الله
بوقوع بعض الأخطاء من بعضهم،
ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا
بذلك عن أنفسهم، وتنصلوا منها،
واستغفروا منها وتابوا، و کل ذلك مما
لا یزري بمناصبهم، وإنما تلك الأمور
التي وقعت منهم قليلة نادرة، وكانت
عن خطأ أو نسیان، أو تأويل.
مُؤْسُورَةُ الْتَّخِّـ
القرآن الكريم
٨٢

آدم عليه السلام
١٥. من عمل الخطايا ولم تأته المغفرة، فإن
العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز له أن
يحتج بمثل حجة آدم، فيقول: تلومني
على أن قتلت أو زنيت أو سرقت،
وقد قدر الله علي ذلك. والأمة
مجمعة على جواز حمد المحسن على
إحسانه، ولوم المسيء على إساءته.
١٦. لقد اجتبى الله تعالى آدم وهداه بعد
العصيان، فإن وقع هذا قبل النبوة
فجائز عليهم الذنوب؛ لأن قبل النبوة
لا شرع علينا في تصديقهم، وإذا بعثهم
الله تعالى إلى خلقه، لم يضر ما سلف
منهم من الذنوب.
١٧. أمر الله تعالى آدم وزوجه حواء
بالهبوط إلى دار الدنيا، والدنيا دار
تكليف وتنافس وتزاحم، وسبيل
التقويم والتميز: الالتزام بهداية الله.
١٨. لا عذر للكافر يوم القيامة بعد أن أتته
الآيات والدلائل على إثبات وحدانية
الله وقدرته ووجوب العمل بشرعه،
فإذا ما تركها ولم ينظر فيها، ترك في
العذاب في جهنم، وهکذا یعاقب كل
من أعرض عن القرآن، وعن النظر في
مصنوعات الله.
موضوعات ذات صلة:
الأبوة، الإنسان، الشيطان، الملائكة، النبوة
www. modoee.com
٨٣