النص المفهرس

صفحات 21-40

آدم عليه السلام
الاستشارة بمبدأ تكوين الذات الأولى من لبعضٍ، لكنه محرم في شريعتنا.
نوع الإنسان المحتاج إلى التشاور، فناسبه
الإسناد إلى الموصوف بالربوبية المؤذنة
بتدبير شأن المربوبین. وأضيف إلى ضمير
أشرف المربوبين وهو النبي صلى الله عليه
وسلم كما تقدم في: (إعلام الله الملائكة
بخلق آدم)»(١).
ووقع الخلاف هل كان السجود من
الملائكة لآدم قبل تعليمه الأسماء أم بعده؟
ظاهر السياق: أولًا التعليم، ثم الأمر
بالسجود، ثم إسكانه الجنة، ثم إخراجه منها
وإسكانه الأرض(٣).
ويقول الإمام الطبري: ((خطابٌ من الله
جل ثناؤه لخاصٍ من الملائكة دون الجميع،
وأن الله إنما خصهم بقیل ذلك امتحانًا منه
لهم وابتلاءً؛ لیعرفهم قصور علمهم وفضل
كثير ممن هو أضعف خلقًا منهم من خلقه
عليهم، وأن كرامته لا تنال بقوى الأبدان
وشدة الأجسام، كما ظنه إبليس عدو
الله)»(٢).
طبيعة سجود الملائكة لآدم عليه
السلام:
القول الراجح في المراد بالسجود: هو
أن السجدة كانت لآدم عليه السلام تعظيمًا
له وتحیً له کالسلام منهم علیه، وهو وضع
الجبهة على الأرض، وقد كانت الأمم
السالفة تفعل ذلك كما يحيي المسلمون
بعضهم بعضًا بالسلام، وقال قتادة في قوله:
﴿وَخَرُ واْلَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠].
كانت تحية الناس يومئذٍ سجود بعضهم
(١) التحرير والتنوير، ٤٢٠/١-٤٢١.
(٢) جامع البيان ١/ ٤٥٦.
(٣) جامع البيان، الطبري، ٧٨/١.
www. modoee.com

حرف الألف
آدم والجنة
إتمامًا لمجموع النعم التي أكرم الله بها
آدم عليه السلام، خلقه الله بيديه، وعلمه
الأسماء كلها، وجعله معلمًا للملائكة،
وأسجد له الملائكة، أسكنه الجنة، وأباح
له الثمرات كلها، عدا شجرة واحدة نهاه
عنها، فهل التزم بأمر الله تعالى؟ وهل كان
هذا السكن دائمًا في الجنة أم مؤقتًا؟ هذا ما
سنراه في السطور القادمة إن شاء الله تعالى،
وسنرى ما جرى معه فى الجنة بإذن الله
تعالی.
أولًا: السكن في الجنة:
يقول الله تعالى: ﴿ وَقُلْنَا يَدَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ
وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا
نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِينَ﴾ [البقرة:
٣٥].
ويقول أيضًا: ﴿وَيَدَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ
الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ يِشِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ النَّجَرَةَ
فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩].
تبين الآيات التكريم الإلهي للإنسان،
وهو هنا المقام في الجنة في بدء الخليقة،
ولكن اقتضت الحكمة الإلهية إقامته في
الأرض، وتكليفه القيام برسالة مهمة، هي
تعمير الكون، وإظهار مزية الإنسان في
مجاهدة الشيطان وأهوائه، وقد سيقت هذه
القصة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما
يلاقي من الإنكار؛ ليعلم أن المعصية من
شأن البشر، وأنهم إذا كلفوا بشيء بالرغم
من تكريمهم غاية الإكرام قد لا يمتثلون(١).
﴿أَسْكُنْ﴾ معناه: لازم الإقامة، ولفظه
لفظ الأمر، ومعناه الإذن، و﴿أَنتَ﴾ تأكید
للضمير الذي في ﴿أَسْكُنْ﴾، ﴿وَزَوْجُكَ﴾
عطف عليه، والزوج امرأة الرجل (٢)، وهذا
دلیل علی أن آدم عليه السلام وزوجه سكنا
الجنة.
الإقامة في الجنة بين الديمومة
والتأقيت:
إن التعبير بلفظ: ﴿أَسْكُنْ﴾ يحمل في
طياته الخروج، بل فيه تنبيه على الخروج؛
لأن السكنى لا تكون ملكًا، فدخولهما في
الجنة كان دخول سكنى لا دخول إقامةٍ،
ذلك أنه لو قال رجلٌ لغيره: أسكنتك داري
لا تصير الدار ملكًا له، وله أن يخرجه منه
إذا انقضت مدة الإسكان، فههنا لم يقل الله
تعالى: وهبت منك الجنة، بل قال: أسكنتك
الجنة، وإنما لم يقل ذلك؛ لأنه خلقه لخلافة
الأرض، فكان إسكان الجنة كالتقدمة على
ذلك (٣)، فهو معنّى عرفيٌّ، والواجب الأخذ
بالمعنى العرفي إذا لم تثبت في اللفظ حقيقةٌ
شرعية (٤).
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٣٨/١.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٢٦/١.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١/ ٤٥١.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٥٦
لِلْعَرَآن الكَرِيْمِ

أحمر عليه السلام
كما أن في حظره تعالى على آدم الشجرة
ما يدل على أن سكناه في الجنة لا يدوم؛
لأن المخلد لا يحظر عليه شيء، ولا يؤمر
ولا ينهى (١)، وينبغي أن يعلم أن الله تعالى
خلق آدم للأرض؛ بدليل الآية: ﴿إِنّ جَاعِلٌ
فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ولو لم يعص لخرج على
غير تلك الحال(٢).
هل الجنة التي دخلها آدم هي جنة
الخلد؟
الجمهور: أن هذه الجنة هي دار الثواب
وأنها جنة الخلد، وهو الذي تشهد به ظواهر
الآيات والأخبار المروية عن النبي صلى
الله عليه وسلم، والدليل عليه أن الألف
واللام في لفظ: ﴿اَلْجَنَّةَ ﴾ لا یفیدان العموم؛
لأن سکنی جمیع الجنان محال، فلا بد من
صرفها إلى المعهود السابق، والجنة التي
هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي
دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها.
وعلق بعضهم: أن الكل ممكنٌ، والأدلة
النقلية ضعيفةٌ ومتعارضةٌ، فوجب التوقف
وترك القطع، ولا تعدو أنها ظواهر كثيرةٌ،
لكنها تفيد غلبة الظن، وليس لهذه القضية
تأثيرٌ في العقيدة، والله أعلم (٣).
٢٩٩/١.
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٢٨/١.
(٢) انظر: إيجاز البيان، أبو القاسم النيسابوري
٨٨/١.
السكن في الجنة بين التكليف
والإباحة:
اختلفوا في فعل الأمر ﴿أَسْكُنْ﴾ أمر
تكليفٍ أو إباحةٍ، فعن قتادة أنه قال: إن الله
تعالى ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى
الملائكة بالسجود؛ وذلك لأنه كلفه بأن
یکون في الجنة يأكل منها حيث شاء ونهاه
عن شجرةٍ واحدةٍ أن یأکل منها.
وقال آخرون: إن ذلك إباحةٌ؛ لأن
الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة
وأكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد،
ولا يكون قوله: ﴿كُلُواْ مِن طَيِبَتِ
مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٠] أمرًا
وتکلیفًا، بل إباحةً.
والأصح أن ذلك الإسكان مشتملٌ
على ما هو إباحةٌ، وعلى ما هو تكليفُ؛ أما
الإباحة: فهو أنه - عليه الصلاة والسلام-
كان مأذونًا في الانتفاع بجميع نعم الجنة،
وأما التكليف: فهو أن المنهي عنه كان
حاضرًا، وهو كان ممنوعًا عن تناوله (٤).
ثانيًا: النهي عن أكل الشجرة:
يقول الله تعالى: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا
حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَيَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ
الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: ٣٥].
ويقول أيضًا: ﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ مِعْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا
مدارك التنزيل، النسفي ١ / ٨١.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٢٦/١، (٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤٥١/٣.
www. modoee.com
٥٧

حرف الألف
هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظََّلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩].
ما فيها من الثمرات، فقال عز وجل:
مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: ٣٥].
وقال: ﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [الأعراف:
١٩].
لكنه نهاهما عن شجرة واحدة، فقال
لهما: ﴿وَلَا نَقْرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ ولعل الله عز
وجل أراد لآدم بهذا المنع أن يتميز عن غيره
من المخلوقات المسوقة حيث تبرز الإرادة،
إذ لا تظهر الإرادة في حالة الإباحة التامة،
فلابد من المنع حتى تظهر هذه الإرادة، كما
قال سيد قطب، وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ
الشَّجَرَةَ﴾ معناه: لا تقرباها بأكل؛ لأن الإباحة
فیه وقعت، وقال بعض الحذاق: إن الله لما
أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظة
تقتضي الأكل وما يدعو إليه وهو القرب(١).
وربما كانت هذه الشجرة ترمز للمحظور
الذي لابد منه في حياة الأرض، فبغير
محظور لا يتميز الإنسان المريد من الحيوان
المسوق، فالإرادة هي مفرق الطريق، والذين
يستمتعون بلا إرادة، هم من عالم البهيمة،
ولو بدوا في شكل الآدميين(٢).
ما هي الشجرة التي نهى الله آدم عن
قربانها؟
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ١٢٧.
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٥٨/١.
قیل في تعيينها أقوالٌ كثيرة، ليس فيها
أباح الله عز وجل لآدم وحواء الجنة بكل ما يعضده خبر؛ لأن الله لم يضع لعباده
دليلًا على ذلك في القرآن ولا من السنة
الصحيحة، والصواب: أن يعتقد أن الله
تعالى نهى آدم عن شجرة - إما: بعينها، أو
جنسها- (٣)، فخالف هو إليها وعصى في
الأكل منها (٤)، ولو كان في ذكرها مصلحة
تعود إلينا لعينها، وذلك علم إن علمه عالم
لم ينتفع علمه به، وإن جهله جاهل لم يضره
جهله به، والله أعلم(٥).
ثالثًا: خروجه من الجنة:
لابد أن ننتبه جيدًا حتى لا يقال: إن
معصية آدم هي التي أخرجت البشر من
الجنة؛ لأن الله تعالی قبل أن يخلق آدم حدد
مهمته فقال: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
[البقرة: ٣٠].
فآدم عليه السلام مخلوق للخلافة في
الأرض، ومن صلح من ذريته يدخل جنة
الخلد في الآخرة، ومن دخل جنة الخلد
عاش في النعيم خالدًا(٦).
يقول الله تعالى: ﴿فَأَزَّلَّهُمَا الشَّيْطَنُ
عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَنَا فِيَةٍ وَقُلْنَا أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ
لِيَعْضٍ عَدُوٌ وَلَكُمْ فِ الْأَرْضِ مُسْنَفَرٌ وَمَتَعُ إِلَى حِينٍ﴾
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٥٥٥.
(٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٢٨/١.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٥٢٠.
(٦) انظر: تفسير الشعراوي ١/ ٢٦٠.
٥٨
موسُوعة البقية
القرآن الكريم

آدم عليه السلام
[البقرة: ٣٦].
ويقول أيضًا: ﴿ قَالَ أَهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًاً
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُم مِّنِّى
هُدِّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاءَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[طه: ١٢٣].
بعد أن أسكن آدم وحواء الجنة أتاهما
الشيطان فقال لهما: هل أدلكما على شجرة
إن أكلتما منها خلدتما فلم تموتا، وملكتما
ملكًا لا ينقضي فيبلى؟ فحلف لهما على أنه
ناصح لهما فیما ادعاه من الكذب، فأكلا من
الشجرة التي نهيا عنها، وأطاعا أمر إبليس،
وخالفا أمر ربهما فانكشفت لهما عوراتهما،
وكانت مستورة عن أعينهما، فأقبلا يشدان
عليهما من ورق الجنة ليسترا عوراتهما(١).
وفي قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَنُ
عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦]. يعني: أوقعهما في الزلل
وحملهما عليه.
وقرئ: ﴿فَأَزَالَهُمَا الشيطان﴾ أي:
نحاهما، وتوجيه قوله: ﴿عَنْهَا ﴾ على القراءة
الأولى: عن الوصية، وعن الجنة على القراءة
الأخرى(٢).
﴿وَنَادَتُهُمَا رَبُّهُمَا﴾ قال لهما: ﴿أَلَمْ
أَتْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَاْ إِنَّ الشَّيْطَانَ
لَكُمَا عَدُوٌّ ◌ُبِينٌ ﴾ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّْ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٨٨/١٨.
(٢) انظر: درج الدرر، عبد القاهر الجرجاني
٤٩/١.
تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ وتتجاوز عنا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ
اَلْخَسِرِينَ﴾ في العقوبة، فتاب الله عليهما،
وأوحى إليهما: أن ﴿أَهْبِطُوا﴾ من الجنة
آدم وحواء وإبليس ﴿يَعْضُكُتْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ﴾
یکون إبليس لهما عدو، وهما لإبليس عدو،
﴿وَلَكُفِ الْأَرْضِ مُسْنَقَرِّ وَمَتَمُ إِلَى چِينٍ ﴾ إلى
منتھی آجالکم وإبليس إلى النفخة الأولى،
قال الله: ﴿فِيَهَا تَحْيُونَ﴾ يعني: في الأرض
﴿وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾ عند منتهى آجالكم
﴿وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ يوم القيامة(٣).
رابعًا: نتيجة المعصية:
لما عصى آدم ربه فأكل من الشجرة عاقبه
الله بعدة عقوبات، ومنها ما يلي:
١. الإخراج من الجنة.
قيل: ﴿أَهْبِطُواْ﴾ خطابٌ لآدم وحواء،
والمراد: هما وذريتهما؛ لأنهما لما كانا أصل
الإنس ومتشعبھم جعلا کأنهما الإنس کلهم،
والدليل عليه قوله: ﴿قَالَ أَهْيِطَا مِنْهَا جَمِيعًا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ﴾ [طه: ١٢٣].
ويدل على ذلك قوله: ﴿فَمَنْ تَّبِعَ هُدَاىَ
فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَّا هُمْ يَحْزَنُونَ (٥) وَالَّذِينَ
كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِعَايَئِنَآ أُوْلَتْبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا
خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨ -٣٩].
وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم (٤).
(٣) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان، ٢/ ٣٢.
(٤) انظر: الكشاف، الزمخشري ١٢٨/١.
www. modoee.com
٥٩

حرف الألف
﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيَةٌ﴾ لحكمة غالية كانا في سترٍ من الله يستر به سوءاتهما،
اقتضتها القدرة الإلهية أن يسكن آدم وزوجه وأنهما لما أكلا من الشجرة التي نهاهما
ربهما عنهما انکشف ذلك الستر بسبب تلك
الزلة، فبدت سوءاتهما، وصارا يحاولان
ستر العورة بورق شجر الجنة، كما قال:
﴿فَلَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقًا
يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ اَلْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]،
أي: شرعا يلزقان عليهما من ورق الجنة
بعضه ببعضي ليسترا به عوراتهما.
الجنة، مع أنه خلق للاستخلاف في الأرض،
فلما عصى آدم ربه أخرجه من الجنة، فكان
الأمر بالهبوط من الجنة إلى الأرض،
وكان في ذلك انحطاط رتبة المأمور،
ولذلك لم يؤنسه بالنداء، أو الإقبال عليه
ـنَا يَكَادَمُ أَسْـ
بالنداء بخلاف قوله:
والمخاطب بالأمر بالإخراج آدم وحواء،
والمراد: هما وذريتهما، أو هؤلاء وإبليس،
ويكون الخطاب بلفظ الجمع وإن وقع على
التثنية نحو: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ﴾
[الأنبياء: ٧٨].
أما تعیین اللباس الذي کان عليهما، فهو
من الاختلاف الذي لا طائل تحته، ولا دليل
على الواقع فيه، وغاية ما دل عليه القرآن:
أنهما كان عليهما لباسٌ يسترهما الله به.
فلما أكلا من الشجرة نزع عنهما فبدت لهما
سوءاتهما (٢).
ذكره ابن الأنباري، ورجحه الزمخشري،
والدليل عليه قوله: ﴿قَالَ أَهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًاً
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣].
ويدل على ذلك قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ
هُدَاىَ﴾ [البقرة: ٣٨] الآية، وما هو إلا حكمٌ
یعم الناس کلھم، وفي قول من أدخل إبليس
معهما ضعفٌ؛ لأنه كان خرج قبلهما (١).
٢. نزع اللباس وكشف العورة.
ما ذكره جل وعلا في آية طه من ترتب
بدو سوءاتهما على أكلهما من تلك الشجرة،
كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا
سَوْءَ تُّهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢].
وقد دلت الآية السابقة على أن آدم وحواء
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١/ ٢٦٣.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ١١٣/٤.
مَوَسُولَةُ الَّتِد
القرآن الكريم
٦٠

آدم عليه السلام
آدم وإبليس
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ
ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَتَبِكَةِ أَسْجُدُوا لِلَدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ
إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِنَ السَّجِدِينَ ١ قَالَ مَا مَنَعَكَ
أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَّ قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ
وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١١].
ذكر الله تعالى قصة آدم عليه السلام مع
قصة إبليس في سبع سور: البقرة، والأعراف
والحجر، والإسراء، والكهف، وطه،
وص(١).
شاء الله عز وجل أن يبتلي إبليس بآدم
ويبتلي آدم بإبليس، فلما خلق الله آدم جعل
إبليس يطوف بهذا المخلوق، ويقول: لأمر
ما خلقت، وبدأ يحرض الملائكة عليه،
ويعلن أنه إن أُمِرَ بطاعة هذا المخلوق فلن
يطيع، إعلان عن المعصية وإصرار عليها
قبل أن يكلفه الله بالأمر.
أولًا: امتناع إبليس عن السجود لآدم:
يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ
أَسْجُدُواْلِّدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ
وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
ويقول أيضًا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ
صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ أَسْجُدُوا لِلَدَمَ
فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِنَ السَّجِدِينَ
(١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكِّ قَالَ أَنَّأْ خَيْرٌ مِّنْهُ
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٥٣/٨.
خَلَقْتَنِ مِنْ ثَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١١ -
١٢].
ويقول أيضًا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ
أَسْجُدُواْ لِأَدَمَ فَسَجَدُوّا إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ﴾
[طه: ١١٦].
ويقول أيضًا: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَتِكَهُ كُلُّهُمْ
أَجْمَعُونَ ﴿ إِلَّ إِبْلِيسَ أَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ
قَالَ بَإِبْلِسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ
(٧٤
بِيَدَّ أَسْتَكْبَتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٣٥) قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ
◌ِنَّةٌ خَلَقْنَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْنَهُ مِنطِينٍ﴾ [ص: ٧٣ -
٧٦ ].
والإباء: امتناع باختيار، والتکبر: أن یری
الرجل نفسه أكبر من غيره، والاستكبار
طلب ذلك التشبع(٢).
حقيقة إبليس:
عن الحسن قال: ((ما كان إبليس من
الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل
الجن، كما أن آدم أصل الإنس)»(٣). وقوله:
﴿فَسَجَدُوَأْ إِلَّا إِبْلِسَ كَانَ مِنَ الْجِنِ﴾ [الكهف:
٥٠].
أي: خانه أصله؛ فإنه خلق من مارجٍ من
نار، وأصل خلق الملائكة من نور، كما عن
عائشة، عن رسول الله صلی الله عليه وسلم
أنه قال: (خُلِقَت الملائكة من نور، وخُلِقَ
(٢) انظر: تفسير الشعراوي، ٧٦٩٩/١٢.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره ١/ ٦٠٥.
وصحح إسناده ابن كثير في تفسيره ١/ ٢٣١.
www. modoee.com
٦١

حرف الألف
إبليس من مارج من نار، وخُلِقَ آدم مما
وصف لكم)(١).
فعند الحاجة نضح کل وعاء بما فيه،
وخانه الطبع، وذلك أنه كان قد توسم بأفعال
الملائكة وتشبه بهم، وتعبد وتنسك؛ فلهذا
دخل في خطابهم، وعصى بالمخالفة.
ونبه تعالى على أنه من الجن، أي: أنه
خُلِقِ من نار، كما قال: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن
ثَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].
عن ابن عباس: ((كان إبليس من حي من
أحياء الملائكة، يقال لهم: الجن، خلقوا من
نار السموم من بين الملائكة، قال: وكان
اسمه الحارث، وكان خازنًا من خزان الجنة،
وخلقت الملائكة من نور غير هذا الحي،
قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن
من مارج من نار. وهو لسان النار الذي
يكون في طرفها إذا التهبت»(٢).
والراجح وما تميل له النفس أنه ليس من
الملائكة للأدلة الآتية:
١. أن الله عز وجل وصف الملائكة كما
في سورة التحريم: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا
أَمَّرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمُرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
وإبليس هذا عصى الله عز وجل ولم
یأتمر بأمره.
٢. أن الله عز وجل أخبر أنه خلق آدم عليه
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد
والرقائق، باب في أحاديث متفرقة، رقم
٠٤٩٢٢/٤،٦٩٩٢
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١٠٠/١٧.
السلام من طين، وإبليس اعترف بنفسه
فقال: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ﴾ [ص:
٧٦].
٣. والملائكة كما هو معلوم خلقت من
نور.
٤. جاء مصرحًا به في سورة الكهف في
قوله تعالى: ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنّ﴾
[الكهف: ٥٠].
٥. أن الله عز وجل لم يجعل للملائكة
ذرية، والملائكة أيضًا ليس فيهم ذكور
ولا إناث بخلاف إبليس -عليه لعنة
الله- فهو من الجن، ومنهم ذكور
وإناث، فله ذرية ويتناسلون كما هو
معلوم بدليل الآية (٣).
وهل كان قبل إبليس كافر أو لا؟
قیل: إن إیلیس أول من كفر.
وقيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن
الذین کانوا في الأرض.
وهل كفر إبليس جهلاً أم عنادًا؟ على
قولين بين أهل السنة، ولا خلاف أنه كان
عالمًا بالله تعالى قبل كفره، فمن قال: إنه
كفر جهلاً قال: إنه سلب العلم عند كفره،
ومن قال: كفر عنادًا قال: كفر ومعه علمه (٤).
ومما يدلل على أن إبليس مأمور بالسجود
لآدم، أنه إذا علم أن الأكابر مأمورون بالتذلل
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٣٤/١،
تفسير السمرقندي، ٢/ ٢٥٥.
(٤) التفسير المنير، الزحيلي ١٣٥/١.
مُوسُوبَةُ اللَّطية
القرآن الكريم
٦٢

أحمر عليه السلام
لأحد والتوسل به، علم أن الأصاغر أيضًا
مأمورون به (١)، فإبليس مأمور بالسجود
مع الملائكة، إما بطريقة العلو؛ لأنه فاق
الملائكة وأطاع الله مختارًا وألزم نفسه
الطاعة، وصار يزهو على الملائكة، وإما
بالدنو؛ لأن الملائکة أرفع من إبليس بأصل
الخلقة والجبلة (٢).
سبب عصيان إبليس وامتناعه عن ثانيًا: وسوسة إبليس لآدم في الجنة:
السجود:
قال الحسن البصري: «قاس إبليس وهو
أول من قاس».
وقال محمد بن سیرین: «أول من قاس
إبليس، وما عبدت الشمس ولا القمر إلا
بالمقايس» (٣).
لقد نظر إبليس في نفسه بطريق المقايسة
بینه وبین آدم، فرأى في نفسه أنه أفضل من
آدم، فامتنع عن السجود له مع وجود الأمر
الإلهي له ولسائر الملائكة بالسجود.
وهنا قاعدة مهمة في القياس: فالقياس
إن کان مقابلاً للنص کان فاسد الاعتبار، ثم
هو فاسد في نفسه، فإن الطین أنفع وخير من
النار، ففيه الرزانة، والحلم، والأناة، والنمو.
والنار فيها: الطيش، والخفة، والسرعة،
والإحراق.
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٧٢/١.
(٢) انظر: تفسير الشعراوي، ١٢/ ٧٦٩٩.
(٣) أخرج الأثرين الطبري في تفسيره ١٢/ ٣٢٧.
فإبليس ذكر الصلصال والحمأ، ولكنه
لم يذكر النفخة العلوية التي تلابس هذا
الطين (٤).
ومن هنا نعلم أن إبليس استحق الطرد
من رحمة الله لعصيانه أمر الله عز وجل؛
لأنه استلزم تنقصه لآدم وازدراؤه به، وترفعه
في مخالفة الأمر الإلهي.
يقول الله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطْنُ
لِيُبْدِىَ لَّمَا مَا وُورِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا
نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ
وَقَاسَمَهُمََّ إِّ لَكُمَا لَمِنَ
٢٠
أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَلِدِينَ
النَّصِحِينَ فَلَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقًا الشَّجَرَةَ
بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن
وَرَقِ اَلْجَنَّةِ وَنَادَنْهُمَا رَبُّهُمَا أَلَوْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا
الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَاْ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُِّينٌ﴾
[الأعراف: ٢٠ - ٢٢].
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ
ويقول أيضًا:
الشَّيْطَانُ قَالَ يَتْعَادَمُ هَلْ أَدُلّكَ عَلَى شَجَرَوِ
الْخُلْدِ وَمُلْكِ لَا يَبْلَى: ﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ
لَمُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن
وَرَقِ اَلْجَنَّةِ وَعَصَىَّ ءَادَمُ رَبَّهُ، فَغَوَى﴾ [طه: ١٢٠ -
١٢١].
((الوسوسة والوسواس: الصوت الخفي
من ريحٍ، والوسواس: حديث النفس
(٤) انظر: في ظلال القرآن الكريم، سيد قطب
٢١٤١/٤.
www. modoee.com
٦٣

حرف الألف
والوسواس: هو الشيطان. وكل ما حدثك
ووسوس إلیك، فهو اسم)(١).
يقول الله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ
عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا أَهْبِطُوا بَعْضُكُمْ
لِيَعْضِ عَدُوٌ وَلَكُمْ فِ الْأَرْضِ مُسْنَقَرٌ وَمَتَحُّ إِلَى حِينٍ﴾
[البقرة: ٣٦].
«الزلة هي سقوطٌ في المعنى؛ إذ فيها
خروج فاعلها عن طريق الاستقامة، وبعده
عنها، وقرأت: (فأزالهما)، ومعنى الإزالة:
التنحية»(٢)، و﴿فَزَّلَّهُمَا﴾ أي: حولهما
وزحزحهما عن الجنة، أو حملهما على الزلة
بسبب الشجرة، و﴿الشَّيْطَنُ﴾: إبليس الذي
لم یسجد ولم يخضع، وقد وسوس لهما بما
ذكر في سورتي الأعراف وطه حتى أوقعهما
في الزلل وحملهما على الأكل من الشجرة
فأكلا ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيهِ ﴾ أي: من ذلك
المكان أو النعيم الذي كانا فيه، فكان الذنب
متصلًا بالعقوبة اتصال السبب بالمسبب(٣).
ظهرت مهمة الشيطان وعداوته لآدم
وذريته، والله تعالى يقول: ﴿فَأَزَلَّهُمَا
الشَّيْطَنُ﴾ أي: أوقعهما في الزلة، وهي
العثرة أو الكبوة، وهو الميل والعدول(٤)،
كيف حدث ذلك والله تعالى قد نصح آدم
وزوجه ألا يتبعا الشيطان، وأبلغه أنه عدو
(١) لسان العرب، ابن منظور ٢٥٤/٦.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ١/ ٢٦٠.
(٣) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٢٣١/١-١٧.
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٢٨/١.
القرآن الكريم
ـنَّ هَذَا عَدُوَّ لَكَ
لهما، في قوله تعالى:
وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّهَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىَ﴾
[طه: ١١٧].
فالعداوة معلنة ومسبقة، ولنفرض أنها
غير معلنة، ألم يشهد آدم الموقف الذي
عصى فيه إبليس أمر الله ولم يسجد له؟
ألم يعرف تكبره عليه، قال: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِنْهُ﴾،
﴿أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ كلّ هذا كان
ينبغي أن ينبه آدم إلى أن إبليس لن يأتي له
بخير أبدًا، ولم يكتف الله عز وجل بهذه
الدلالات، بل أخبر آدم أن الشيطان عدو له
ولزوجه.
قال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَنُ عَنْهَا
فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيهِ ﴾ من ماذا أخرجهما؟
من العيش الرغيد، واسع النعمة في الجنة،
ومن الهدوء والاطمئنان في أن رزقهما
یأتیهما بلا تعب(٥).
فقال إبليس كاذبًا: إن من يأكل من هذه
الشجرة يصبح ملكًا، ويصبح خالدًا لا
يموت. ووسوسة الشيطان تتم بكلام كاذب
لتزيين المعصية، والشيطان لا يهمه أي
معصية ارتكبت؛ وإنما يريدك عاصيًا على
أي وجه، ولکن النفس عندما توسوس لك
بالمعصية، تريد شيئًا بذاته، وهذا هو الفرق
بين وسوسة الشيطان، ووسوسة النفس؛
فالشيطان يريدك عاصيًا بأي ذنب، فإن
امتنعت في ناحية أتاك من ناحية أخرى، فقد
قال لآدم: ﴿هَلْ أَدُلُكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ
(٥) انظر: تفسير الشعراوي ١/ ٢٦٦.
٦٤

آدم عليه السلام
لَّا يَبَلَ﴾ ولكن هذه المحاولة لم تفلح، فقال مستجنًا في غيره، وقد استخدم إبليس في
إیقاع آدم عليه السلام في شباكه شيئين:
لهما: ﴿مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ
تَكُونَا مَلَكِيْنِ أَوْ تَكُوْنَا مِنَ الْخَلِينَ﴾ وفات على
آدم أنه لو كان هذا صحيحًا لأکل إبليس
من الشجرة، ولم يطلب من الحق سبحانه
وتعالى أن يمهله إلى يوم الدين(١).
أما کیف تتم الوسوسة؟ فلا ندري؛ لأننا
لا ندري كنه الشيطان حتى ندرك كيفيات
أفعاله، و کذا اتصاله بالإنسان و کیفیة إغوائه،
ولكننا نعلم - بالخبر الصادق- أن إغواءه
على الشريقع في صورة من الصور، وإيحاء
بارتكاب المحظور یتم في هيئة من الھیئات،
وأن هذا الإيحاء وذلك الإغواء يعتمدان
على نقاط الضعف الفطرية في الإنسان، وأن
هذا الضعف يمكن اتقاؤه بالإيمان والذكر
حتى ما يكون للشيطان سلطان على المؤمن
الذاکر، وما یکون لکیدہ الضعيف حينئذ من
تأثير(٢).
وقد رويت أخبار في صفة استزلال
إیلیس عدو الله آدم وزوجته حتى أخرجهما
من الجنة، وأولى ذلك بالحق ما كان لكتاب
الله موافقًا، وقد أخبر الله تعالى ذكره عن
إبليس أنه وسوس لآدم وزوجته ﴿لُبْدِىَ
◌َمُمَا مَا وُدْرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا﴾، أنه قد باشر
خطابهما بنفسه، إما ظاهرًا لأعينهما، وإما
(١) انظر: المصدر السابق ١/ ١٦٧.
في ظلال القرآن ١٢٦٨/٣.
(٢)
أولهما: عرض الإغراءات الخطيرة،
وهي الملك والخلود في الجنة.
ثانيهما: القسم بالحلف الكاذب (٣).
عداوة إبليس لآدم:
عن جابر بن عبد الله: ((أن آدم عليه السلام
لما أهبط إلى الأرض هبط بالهند، وأن رأسه
كان ينال السماء، وأن الأرض شكت إلى
ربها عز وجل ثقل آدم عليه السلام، فوضع
الجبار عز وجل يده على رأسه فانحط منه
سبعون ذراعًا، فلما أهبط قال: رب هذا العبد
الذي جعلت بيني وبينه عداوة إن لم تعينني
عليه لا أقوى عليه. فقال: لا يولد لك ولد إلا
و کلت به ملكًا. قال: رب زدني. قال: أجازي
بالسيئة السيئة، وبالحسنة عشرًا إلا ما أزيد.
قال: رب زدني. قال: باب التوبة له مفتوح ما
دام الروح في الجسد. فقال إبليس: يا رب،
هذا العبد الذي أكرمته إن لم تعينني عليه
لا أقوی علیه. قال: لا يولد له ولد إلا ولد
لك. قال: رب زدني. قال: تجري مجرى
الدم وتتخذ في صدورهم بيوتًا. قال: رب
زدني. قال: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَچِلِكَ
وَشَارِكْهُمْ فِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ [الإسراء: ٦٤]
(٤)
.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٥٣١
أخرجه ابن منده في التوحيد، ذكر خلق
(٤)
www. modoee.com
٦٥

حرف الألف
إن عداوة إیلیس آدم و ذریته، حسده إياه،
واستكباره عن طاعة الله في السجود له،
فهي کفرٌ بالله(١).
يقول الله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَنُ
عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيَةٍ وَقُلْنَا أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ
لِبَعْضِ عَدُوٌ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَحُّ إِلَى حِينٍ﴾
[البقرة: ٣٦].
ويقول أيضًا: ﴿ قَالَ فَيِمَآ أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّلَمْ
صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١) ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ
وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَمَايَلِهِمٌّ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ
قَالَ أَخْرُجْ مِنْهَا مَذْهُوَمَّا مَّدْخُورًا لَّمَن
شَكِينَ ٧
تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:
١٦ - ١٨].
◌ْ قَالَ بَإِسُ مَا مَنَعَكَ أَن
ويقول أيضًا:
تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكَبْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ
اَلْعَالِينَ (٥) قَالَ أَنْ خَيْرٌ مِنَّةٌ خَلَقْنَنِ مِن نَّارٍ وَخَلَقْنَهُ.
وَإِنَّ
مِن طِينٍ (٦) قَالَ فَأَخْرُجُ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ )
عَلَيْكَ لَعْنَتِىّ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٨) قَالَ رَبٍّ فَأَنْظِرْفِي إِلَى
يَوْمٍ يُبْعَثُونَ ﴾ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنَظَرِينَ ) إِلَى
يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ، قَالَ فَبِعِزَِّكَ لَأَغْوِيَنَّهُمْ
أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾
[ص: ٧٥ - ٨٣].
﴿فَقُلْنَا يَتَّفَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ
ويقول:
وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىَ﴾
[طه: ١١٧].
آدم عليه السلام، رقم ٢٢٥/١،٨٢.
قال ابن منده: «هذا إسنادٌ صحيحٌ)).
انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٥٣٧.
(١)
لم يزل الشيطان دائبًا جادًا مشمرًا في
عداوة بني آدم عليه السلام منذ كان أبوهم
طينًا، فقال تعالى: ﴿مَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ
طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١].
فلما سأله الله عز وجل عن سبب امتناعه
من السجود واستكباره عن أمر ربه فقال
سبحانه له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾
[الأعراف: ١٢].
فأجاب الخبيث مفتخرًا بأصله طاعنًا
على ربه تعالى في حكمته وعدله: ﴿قَالَ
أَنَاْ خَيْرٌ مِنْهُ خَقْتَنِ مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾
[الأعراف: ١٢].
فعامله الجبار بنقيض ما قصده وأذاقه
وبال حسده، وأثمر له استکباره الذل الأبدي
الذي لا عز بعده: ﴿قَالَ فَأَهْبِطٌ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ
لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّنْفِرِينَ﴾
[الأعراف: ١٣].
﴿أَخْرُجُ مِنْهَا مَذْهُومًا مَّدْحُورًا﴾
وقال:
[الأعراف: ١٨].
وقال: ﴿فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ ، وَإِنَّ
عَلَيْكَ اَللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٤ -
٣٥].
فطلب الإنظار ليأخذ بزعمه من آدم
وذريته بالثأر، ولا يعلم أنه بذلك إنما يزداد
من غضب الجبار، وقد علم أنه لا سبيل
له إلا على حزبه وتابعيه من الكفار، الذين
هو إمامهم في الخروج عن طاعة الله
مُؤَوالَةُ الَِّيـ
القرآن الكريم
٦٦

آدم عليه السلام
والاستكبار ﴿قَالَ رَبٍّ فَأَنَظِرْ نِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَنُونَ
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنَظَرِينَ ﴿ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ
اَلْمَعْلُومِ﴾ [ص: ٧٩ - ٨٠].
أجابه الله تعالى إلى طلبته ليمتحن عباده
اختبارًا وابتلاءَ: ﴿ِبْلُوَكُمْ أَبُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾
[تبارك: ٢].
فقابل النعمة بالكفران، وأقسم ليستعملن
مدته، وليستغرقن حياته في إغواء ذرية آدم
الذين كان طرده وإبعاده بسببهم؛ إذ لم
يسجد لأبيهم، ولا رأى أن ذلك باستكباره
عن أمر ربه، بل قدس نفسه اللئيمة، وأسند
الإغواء إلى ربه مخاصمةً ومحادةً ومشاقةً:
قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
(٦) ثُمَّ لَا ◌ِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ
أَيْمَنِهِمْ وَعَن شَمَآيَلِهِمٌّ وَلَا تَّدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ﴾
[الأعراف: ١٦ - ١٧].
ولم يقل اللعين: ((من فوقهم)) لعلمه
أن الله تعالى من فوقهم، قال الله سبحانه:
﴿هَذَا صِرَّطُ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ ﴿ إِنَّ عِبَادِى
لَيِّسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢].
وقد علم الرجيم ذلك فقال آيسًا منهم:
[الحجر:
﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾
٤٠].
ثم لما سعى إلى آدم وحواء زوجه في
الجنة ودلهما على تلك الشجرة التي نهاهم
الله عز وجل عنها أن يقربوها، وأباح لهم
ما سواها من الجنة، فاستدرجهم اللعين
بخداعه، وغرهم بتلك اليمين الفاجرة:
﴿وَقَاسَمَهُمَا إِ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ﴾
[الأعراف: ٢١].
فنفذ قضاء الله تعالى وقدره بأكلهما
منها: ﴿لَيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ﴾
[الأنفال: ٤٢].
وظن اللعين أنه قد أخذ بثأره من آدم وأنه
قد أهلكه معه، ولم يعلم بفضل الله عز وجل
وسعة رحمته الذي لا يقدر أحدٌ على شيءٍ
منه: ﴿وَأَنَّالْفَضْلَ بِيَدِ اَللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ ذُو
اَلْفَضَّلِ الْعَظِيمِ﴾﴾ [الحديد: ٢٩].
فلما عاتبهما الله تبارك وتعالى على ذلك
﴿أَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل
بقوله:
لَكُمَّ إِنَّ الشَّيْطِنَ لَكُمَا عَدُوٌّمُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢].
فلم يعترضا على قضاء الله وقدره، ولم
يحتجا بذلك على ارتكاب ما نهى الله عنه،
ولم يخاصما به كما قال اللعين مواجهًا ربه
بقوله: ﴿فَِمَا أَغْوَيْتَنِ﴾ [الأعراف: ١٦].
بل اعترفا بقدرة الله عليهما، وأقرا
بظلمهما لأنفسهما، وصرحًا بافتقارهما
إلى ربهما وبكمال غناه عنهما: ﴿قَالَا رَبَّنَا
ظَلَقْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ
الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
ثم أراد الله سبحانه أن یھبطهم إلى دار
أخرى، هي دار الامتحان والابتلاء، ونصب
الحرب في هذه الدار؛ ﴿لِيَمِيزَ اَللَّهُ الْخَبِيثَ
مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضِ
www. modoee.com
٦٧

حرف الألف
فقال
فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِ جَهَنَّمْ﴾
تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم
مِّنِى هُدَى فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا
هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِغَايَتِنَاً
أُوْلَبْكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة:
٣٨-٣٩].
ثم كان من كيد الشيطان إلقاؤه الفتنة بين
ابني آدم، وقتل أحدهما الآخر (١).
بداية العداوة بين الشيطان والإنسان:
ابتداؤها من الشيطان، وسببه تکریم الله
بني آدم؛ لما رأی إبليس ربه كرم آدم وبنيه
عاداهم، فعاداه الله تعالى، والأولى منه
لؤمٌ، والثانية من الله كرمٌ، أما الأول: فلأن
الملك إذا أكرم شخصًا ولم ينقص من
الآخر شيئًا، فعداوة من يعادي ذلك المكرم
لا تكون إلا لؤمًا، وأما الثاني: فلأن الملك
إذا علم أن إكرامه ليس إلا منه؛ وذلك لأن
الضعيف ما كان يقدر أن يصل إلى بعض
تلك المنزلة لولا إكرام الملك، يعلم أن من
يبغضه ينكر فعل الملك فيحسن التعذيب
عليه فيعاديه إتمامًا للإكرام، ثم إن كثيرًا من
الناس على مذهب إبليس إذا رأوا واحدًا
عند ملكٍ محترمًا بغضوه وسعوا فيه إقامةً
لسنة إبليس (٢).
[انظر: الإنسان: الإنسان والشيطان]
(١) انظر: معارج القبول، الحكمي ٤٦٠/٢.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩٩/٢٦.
توبة آدم
أكل أدم وحواء من الشجرة التي نهاهما
الله عنها، وعصیا الله عز وجل فأخرجا من
الجنة، فانتابهما من الحسرة والألم ما الله
أعلم به، ويبدأ العتاب الرباني: ﴿أَلَوْ أَنْهَكُمَا
عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَّا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ
تُِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢].
وهنا يبدأ آدم عليه السلام بالتضرع
والرجوع إلى الله عز وجل. يقول الله
تعالى حاكيًا حال آدم وحواء: ﴿قَالَا رَبَّنَا
ظَتْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَّتَكُونَنَّ مِنَ
اَلْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
فأكرمه الله عز وجل بقبول التوبة، يقول
الله عز وجل: ﴿فَلَقَّ ءَادَمُ مِنْ زَيِّدِ كَلِمَتٍ فَتَابَ
عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧].
وقال:
ثُمَّ تَجْتَهُ رَبُّهُ، فَتَابَ عَلَيْهِ
وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٣].
ولقد أجمع الحجة من العلماء على
توجيه التلقي إلى آدم دون الكلمات(٣)،
والتلقي هنا معناه: الأخذ والقبول، أي:
یتقبله ویأخذه(٤).
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٥٤٣.
(٤) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ١/ ١٢٤.
٦٨
مُؤَسُولَة الْبَشِيَّة
جوبيبو
القرآن الكريم

آدم عليه السلام
أولًا: الكلمات التي تلقاها آدم من ربه: قوله عليه السلام: ﴿رَبَّنَا طَلَمْنَا أَنْفُسَنَا،
وقوله: أمخرجي أنت من الجنة؟ فقال: نعم،
فقال أتردني إليها؟ فقال: نعم(٣).
اختلف أهل التأويل في أعيان الكلمات
التي تلقاها آدم من ربه.
فعن ابن عباسٍ: «قال آدم: أي رب، ألم
تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: أي رب، ألم
تنفخ في من روحك؟ قال: بلى، قال: أي
رب، ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، قال: أي
رب، ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى،
قال: أرأيت إن أنا تبت وأصلحت أراجعي
أنت إلى الجنة؟ قال: نعم، قال: فهو قوله:
﴿فَلَقَّقَ ءَادَمُ مِنْ زَبِّهِ كَلِمَتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]))(١).
وعن ابن عباسٍ قال: ((لما أصاب آدم
الخطيئة فزع إلى كلمة الإخلاص، فقال:
لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت
سوءًا، وظلمت نفسي، فاغفر لي وأنت خير
الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك،
عملت سوءًا وظلمت نفسي، فتب علي إنك
أنت التواب الرحيم»(٢).
ويحتمل أن تكون كلمات آدم عليه
السلام اعتذارًا وتنصلًا، وكلمات الحق
سبحانه قبولًا وتفضلًا، وعلى لسان التفسير
أن قوله تعالى له: أَفِرَارًا منَا يا آدم؟ كذلك
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ١ / ٥٤٣، والحاكم
في المستدرك، ذكر آدم عليه السلام، رقم
٤،٢٢٠٠ /٠٥٩٤
قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه))، ولم يتعقبه الذهبي.
(٢) البداية والنهاية، ابن كثير ١٨٩/١.
وقيل إنها: جاءت في القرآن مفسرة
في قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا طَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن
أَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾
[الأعراف: ٢٣].
ومن المعلوم أن من هو دون آدم من
الكفار والفساق، إذا تاب أحدهم إلى الله
توبة نصوحًا تاب الله عليه، وإن لم يقسم
عليه بأحد، ونبينا ما أمر أحدًا في توبته بمثل
هذا الدعاء (٤).
نفذ قضاء الله تعالى وقدره بأكلهما
منها: ﴿لَيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾
[الأنفال: ٤٢].
وظن اللعين أنه قد أخذ بثأره من آدم وأنه
قد أهلكه معه، ولم يعلم بفضل الله عز وجل
وسعة رحمته الذي لا يقدر أحدٌ على شيءٍ
منه: ﴿وَ أَنَّالْفَضْلَ بِيَدِ اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو
اَلْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٩].
فلما عاتبهما الله تبارك وتعالى، لم
يعترضا على قضاء الله وقدره، ولم يحتجا
بذلك على ارتكاب ما نهى الله عنه، ولم
یخاصما به.
بل اعترفا بقدرة الله عليهما، وأقرا
(٣) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ١/ ٨٢.
(٤) انظر: المنتقى من منهاج الاعتدال، الذهبي
٤٣٩.
www. modoee.com
٦٩

حرف الألف
بظلمهما لأنفسهما، وصرحا بافتقارهما
إلى ربهما وبكمال غناه عنهما: ﴿قَالَا رَبَّنَا
ظَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّرْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ
الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
ثم أراد الله سبحانه أن يهبطهم إلى دارٍ
أخرى، هي دار الامتحان والابتلاء(١).
وإن هذه الكلمات تتضمن الإقرار
والاستغفار، ومن ندم واستغفر وتاب، غُفِرَ
له، وإن کان دون آدم عليه السلام، فحصل
بها المقصود ولم يحتج لغيرها(٢).
فأما آدم فسأل التوبة فتيب عليه، وأما
إبليس فسأل النظرة، فأُنْظِر (٣).
ثانيًا: الخطيئة الموروثة لبني آدم:
فكرة الإسلام عن الخطيئة والتوبة،
فالخطيئة فردية والتوبة فردية، فليست
هنالك خطيئة مفروضة على الإنسان قبل
مولده - كما تقول نظرية الكنيسة -.
فخطيئة آدم كانت خطيئةً شخصية،
والخلاص منها كان بالتوبة المباشرة،
وخطيئة كل ولد من أولاده خطيئة كذلك
شخصية، والطريق مفتوح للتوبة.
يحمل کل إنسان وزره، ویوحي إلی کل
إنسان بالجهد وعدم اليأس والقنوط،
(١) انظر: معارج القبول، الحكمي ٢/ ٤٦١.
(٢) انظر: منهج الشيخ محمد رشيد رضا في
العقيدة، تامر متولي، ص ٥٠١.
(٣) انظر: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية
الأشرار، أبو الحسين اليمني ٦٥٩/٣.
اللهَ تَوَابَ ر
[الحجرات: ١٢] (٤)
(٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٦٠-
٦١.
مَوَسُولَةُ النَِّيّة
القرآن الكريم
٧٠

آدم عليه السلام
آدم وزوجه
يقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى
خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا
رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَآءُ﴾ [النساء: ١].
ويقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن
نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَاً
فَلَمَّا تَغَشَّمُهَا حَمَلَتْ حَمْلَا خَفِيفًا فَمَرَّتْ
﴾ [الأعراف: ١٨٩].
يا بني آدم خلقكم: فرعكم من أصل
واحد وهو نفس آدم، والعطف في قوله:
﴿وَخَلَقَ مِنْهَازوجها﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن يعطف على محذوف، كأنه
قيل: من نفس واحدة أنشأها أو ابتدأها،
وخلق منها زوجها. والمعنى: شعبكم من
نفس واحدة أنشأها من تراب وخلق زوجها
حواء، ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ نوعي جنس الإنس.
ـاً
والثاني: أن يعطف على
والمعنى: خلقكم من نفس آدم، وخلق منها
أمكم حواء، ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءٍ﴾
غيركم من الأمم الفائتة للحصر.
والذي يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته
أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها
أو يدعو إليها، فكان خلقه إياهم من نفس
واحدة موجبًا للتقوى وداعيًا إليها؛ لأن ذلك
مما يدل على القدرة العظيمة(١).
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٤٦١/١
أولًا: خَلْق حواء:
في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي
صلی الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن
بالله واليوم الآخر، فإذا شهد أمرًا فليتكلم
بخيرٍ أو ليسكت، واستوصوا بالنساء، فإن
المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيءٍ
في الضلع أعلاه، إن ذهبت تقيمه کسرته،
وإن تركته لم يزل أعوج، استوصوا بالنساء
خیرًا)(٢).
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلی الله
عليه وسلم: (استوصوا بالنساء، فإن المرأة
خلقت من ضلعٍ، وإن أعوج شيءٍ في الضلع
أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم
يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء)(٣).
وعن ابن عباسٍ: ((أنها خلقت من ضلعه
الأقصر الأيسر وهو نائمٌ، ولأم مكانه
لحمًا)»(٤).
وقيل: إنه لم يؤذه أخذ الضلع شيئًا، ولو
آذاه لما عطف رجل على امرأة أبدًا(٥).
ومنهم من قال: إنها خلقت من تراب؛
بدليل قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَازَوْجَهَا﴾ أي:
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، باب الوصية
بالنساء، رقم ٢،١٤٦٨ / ١٠٩١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، باب خلق آدم
صلوات الله عليه، رقم ٣٣٣١، ٤ /١٣٣.
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره، ١/ ٥١٤.
(٥) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٣٩٣/١.
www. modoee.com
٧١

حرف الألف
من جنسها.
والقول الأول أقوى؛ بدليل الآيات(١)، أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩].
وذهب آخرون: أنها خلقت قبل دخول
الواحدة آدم، ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني: آدم الجنة، وأدخل الجنة معًا (٤).
وجمهور المفسرين: علی أن المراد بالنفس
حواء(٢).
حواء:
ذهب بعضهم إلى أنها خلقت بعد أن
أدخل آدم الجنة.
فذكر السُدِي عن ابن عباس وابن مسعود
وناس من الصحابة: أن الله تعالى لما أخرج
إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة فبقي فيها
وحده وما كان معه من يستأنس به، فألقى الله
تعالى عليه النوم، ثم أخذ ضلعًا من أضلاعه
من شقه الأيسر، ووضع مكانه لحمًا، وخلق
حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة
قاعدة فسألها من أنت؟ قالت: امرأة. قال:
ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي، فقالت
الملائكة: ما اسمها؟ قال: حواء. ولِمَ
سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء
حي (٣) ، أو أنها أم كل حي، أي: أم الأحياء،
کما أن سياق الآيات يدل على ذلك كما في
قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَكَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ
اُلْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥].
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٤٧٧-٤٧٨.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٣٧/٧.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ٣/ ٤٥١.
وكذلك قول الله تعالى: ﴿وَيَدَمُ أَسْكُنْ
إن من التکریم الإلهي للإنسان إسكان
واختلفوا في الوقت الذي خلقت فيه آدم وحواء في الجنة في بدء الخلق، فقد أمر
الله تعالی آدم وزوجه حواء بسكنى الجنة،
والتمتع فيها حيث شاءا، والأكل منها أكلا
هنيئًا لا عناء فیه، أو واسعًا لا حد له. ونهاهما
عن الأكل من شجرة معينة، فكان الأكل منها
ظلمًا لأنفسهما، وتجاوزًا لأمر الله ومخالفة
نهيه، ولكن الشيطان عدوهما أزلهما عنها،
أذهبهما وأبعدهما عن الجنة، وأخرجهما
من ذلك النعيم، بعد أن أغواهما بالأكل من
الشجرة، فحولهما من الجنة، قائلًا لهما:
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا ؤُدْرِىَ
عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ
الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكِّيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَلِينَ )
وَقَاسَمَهُمَّا إِ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف:
٢٠ - ٢١].
فتغلبت عليهما وساوس الشيطان،
وخرجا من الجنة إلى الأرض، وشقاء
الدنيا، وقد نشأت بعدها العداوة بين
البشر والشيطان: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌ
فَأَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ، لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبٍ
السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
(٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٥١/٣.
مَوَسُولَةُ النَِّ
القرآن الكريم
٧٢

آدم عليه السلام
وقال الله لهما: اهبطوا من الجنة إلى
الأرض، بعضكم عدو بعض، ولكم استقرار
في الأرض وتمتع بنعمها وخيراتها إلى مدة
معينة من الزمان. فألهم الله آدم كلمات،
فعمل بها هو وزوجته، فقالاها، وتابا توبة
خالصة، والكلمات هي قوله تعالى: ﴿قَالًا
رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنْفُسَنَا وَإِن ◌َّوْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
فتقبل الله منهما التوبة؛ لأنه كثير القبول
لتوبة عباده، وكرر الأمر بالهبوط من الجنة
هو وزوجه للتأكيد (١).
[انظر: الإنسان: خلق حواء]
(١) التفسير الوسيط، وهبة الزحيلي ٢٣/١-٢٦.
ذرية آدم
إن الله خلق آدم وأخرج من ظهره ذريته
کالذر، وأحیاهم، وجعل لهم عقلًا وإدراكًا،
وأخرج من ظهور بني آدم ذريتهم، وأشهدهم
على أنفسهم، وهم في عالم الأرواح، وقد
كرم الله بني آدم أن استخلفهم في الأرض؛
لإعمارها ولإقامة حدود الله، وأخذ عليهم
الميثاق.
أولًا: نداءات الله لبني آدم:
من خلال استقراء آیات کتاب الله نجد
أن الآيات القرآنية التي نادى الله بها البشر
بصيغة ﴿ یبنی ءادم﴾ خمس آیات، هي:
١. قول الله تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ قَدْ
أَنزَلْنَا عَلَيْكُوْ لِيَاسًا يُؤَرِى سَوْءَ ◌ِّكُمْ وَرِيِشَاً وَلِيَاسُ
النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ لَعَلَّهُمْ
يَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦].
هناك تلازم بين شرع الله اللباس؛ لستر
العورات والزينة، وبين التقوى، كلاهما
لباس، هذا يستر عورات القلب ويزينه،
وذاك يستر عورات الجسم ويزينه، وهما
متلازمان، فعن شعور التقوی لله والحياء منه
ينبثق الشعور باستقباح عري الجسد والحياء
منه، ومن لا يستحي من الله ولا يتقيه لا
يهمه أن يتعرى وأن يدعو إلى العري(٢).
(٢) انظر: في ظلال القرآن الكريم، سيد قطب
١٢٧٨/٣.
www. modoee.com
٧٣

حرف الألف
قال عبد الرحمن بن أسلم: ((يتقي الله أبويكم بأن أخرجهما منها.
فيواري عورته، فذاك لباس التقوى)) (١).
﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ حال إخراجهما،
فاللباس: ستر العورات، والرياش: ما فكان سببًا في أن نزع عنهما.
يتجمل به ظاهرًا، فالأول: ضروريات،
والثاني: مكملات. وفي الآية دليلٌ على
وجوب ستر العورة، وقيل: بل فيها دلالةٌ
على الإنعام فقط، بل إن من جملة الإنعام
ستر العورة، فبين أنه سبحانه وتعالى جعل
(٢)
.
لذریته ما يسترون به عوراتهم
٢. قول الله تعالى: ﴿يَلْبَّنِيّ ءَادَمَ لَا
يَفْئِنَنَّكُ الشَّيْطَانُّ كُمَا أَخْرَجَ أَبَوَيِّكُم مِّنَ الْجَنَّةِ
يَنْزِعُ عَنْهُمَا ◌ِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَ تِهِمَاْ إِنَّهُه
يَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ، مِنْ حَيْثُ لَا نَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا
الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّةُ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:
٢٧].
تنبيه لبني آدم بأن الشيطان عدو الإنسان،
فيجب التنبه لمخاطره وتذكر عهد الله
ومیثاقه بأن نعبده وحده لا شريك له،
ونزكي النفس بالأخلاق الكريمة والآداب
الحميدة؛ لنحقق السعادة الأبدية في الآخرة،
ونؤدي الرسالة في هذه الحياة على الوجه
الأكمل(٣).
لا يصرفنكم الشيطان عن الدین ولا
يمتحننكم بأن لا تدخلوا الجنة، كما فتن
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١٤٥٨/٥.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٨٢/٧.
(٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١ / ٦٤٧.
قوله: ﴿إِنَُّ يَرَنَكُمْ﴾ هو تعليلٌ
للنهي، وتحذير من فتنته، بأنه بمنزلة العدو
المداجى، يكيدكم ويغتالكم من حيث لا
تشعرون.
وقيل: إن عدوًا يراك ولا تراه، لشديد
المؤنة إلا من عصم الله.
﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ جنوده ونسله،
قال مجاهدٌ: يعني الجن والشياطين، ﴿مِنْ
حَيْثُ لَاتَرَوْنَهُمْ﴾ (٤)، وعطف ﴿وَقَبِيلُهُ﴾ على
﴿يَكُمْ﴾ المؤكد بـ﴿هُوَ﴾،
الضمير في
والضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ للشأن (٥).
وفي الآية دليلٌ على وجوب ستر العورة
وتحذير من زوال النعمة، كما نزل بآدم(٦).
٣. قول الله تعالى: ﴿يَبَقِىَّ ءَادَمَ خُذُواْ
زِينَتَكُمْ عِندَكُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
هذا خطاب عام لجميع العالم وأمروا
بهذه الأشياء بسبب عصيان حاضري ذلك
الوقت من مشركي العرب فيها، والزينة
هاهنا: الثياب الساترة، ويدخل فيها ما
كان من الطيب للجمعة والسواك، وكل ما
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٨٦/٧.
(٥) انظر: الكشاف، الزمخشري ٩٨/٢.
(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٨٦/٧.
مُوسُوبَةُ التَّق
القرآن الكريم
٧٤