النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
آدَهْرٌ عَلَيْهِ السِّلَام
عناصر الموضوع
التعريف بآدم عليه السلام
٣٦
ذكر آدم عليه السلام في القرآن الكريم
٤٠
فضائل آدم عليه السلام
٤١
خلق آدم والحكمة منه
٥١
آدم والجنة
٦١
آدم وإبليس
٦٨
توبة آدم
٧١
آدم وزوجه
٧٣
ذرية آدم
٨١
موت آدم عليه السلام
٨١
الدروس المستفادة من قصة آدم
المُجَلَدَ الأول
٣٩
آدم والملائكة
٥٦

حرف الألف
التعريف بآدم عليه السلام
أولًا: آدم لغةً:
(أدم) الهمزة والدال والميم أصلٌ واحدٌ، وهو الموافقة والملاءمة، ومنه قول النبي صلى
الله عليه وآله وسلم للمغيرة بن شعبة عندما خطب امرأة: (اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن
یۉدم بینکما)(١).
قال الكسائي: يؤدم يعني أن يكون بينهما المحبة والاتفاق، وقيل: إنه الإدام أي: الطعام،
يقال: طعامٌ مأدومٌ، وقيل: الأسوة، أدمة أهلي، أي: أسوتهم، والأدمة: الوسيلة.
والأدمة أحسن ملاءمةً للحم من البشرة، ولذلك سمي آدم عليه السلام؛ لأنه أخذ من أدمة
الأرض.
والعرب تقول مؤدٌ مبشرٌ، أي: قد جمع لين الأدمة وخشونة البشرة، فأما اللون الآدم؛
فلأنه الأغلب على بني آدم، وناسٌ تقول: أديم الأرض وأدمتها وجهها، وأدم أدما وأدمة
اشتدت سمرته فهو آدم وهي أدماء وجمعها أدم، والآدمي: هو الإنسان نسبة إلى آدم أبو
البشر(٢).
ويقول أبو حيان: ((آدم: اسمٌ أعجميٌّ كآزر وعابر، ممنوع الصرف للعلمية والعجمة،
ومن زعم أنه أفعل مشتقٌ من الأدمة، وهي كالسمرة، أو من أديم الأرض، وهو وجهها، فغير
صوابٍ؛ لأن الاشتقاق من الألفاظ العربية قد نص التصريفيون على أنه لا يكون في الأسماء
الأعجمية، وقيل: هو عبريٌّ من الإدام، وهو التراب))(٣).
ورد محمود أبو سعدة على هذا الادعاء بقوله: ((إن اليهود يدعون أنه علم عبري، ليس له
جذر في العبرية إلا (أدم) أي احمر أي المجبول من الحمراء وهو الدال على تربة الأرض
عند العبرانيين، وهذا لا يصح بالطبع، وإنما الصحيح هو أن العبرية لم تشتق (أدما) من الجذر
العبري (أدم)، وإنما نقلتها نقلًا عن العربية (الأدمة)، اسمًا جامدًا لا اشتقاق له عندها، أما آدم
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، ١/ ٥٩٩،
ح ١٨٦٥.
وصححه الألباني. في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ١٢٤.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١/ ٧٢، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ١/ ١٠.
(٣) البحر المحيط، ١/ ٢٢٣.
جَوَسُولَةُ التَّقِين
القرآن الكريم
٣٦

آدم عليه السلام
العربي فهو غزير المعاني، من معانيه الامتزاج والخلط))(١).
ويقول القرطبي في تفسيره: ((قيل: هو مشتقٌ من أدمة الأرض وأديمها وهو وجهها،
فسمي بما خلق منه، قاله ابن عباسٍ، وقيل: إنه مشتقٌ من الأدمة وهي السمرة. واختلفوا في
الأدمة، فزعم الضحاك أنها السمرة، وزعم النضر أنها البياض، وعلى هذا الاشتقاق جمعه
أدمٌ وأوادم، كحمرٍ وأحامر، ولا ينصرف بوجهٍ، وعلى أنه مشتقٌ من الأدمة جمعه آدمون،
ويلزم قائلو هذه المقالة صرفه، قلت: الصحيح أنه مشتقٌ من أديم الأرض، قال سعيد بن
جبيرٍ: إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، ذكره ابن سعدٍ في الطبقات))(٢)، وما ذهب
إليه القرطبي هو ما تطمئن له النفس.
ثانيًا: التعريف بآدم عليه السلام:
هو أول مخلوق من البشر، خلقه الله بيده، وخلق حواء من ضلعه الأيسر، وسمي آدم؛
لأنه خلق من أدیم الأرض (٣).
كنيته: أبو البشر، وقيل: أبو محمدٍ، كني بمحمدٍ خاتم الأنبياء صلوات الله عليهم، قاله
السهيلي، وقيل: كنيته في الجنة أبو محمدٍ، وفي الأرض أبو البشر (٤).
أجمع أهل الأثر أن آدم عليه السلام خلق يوم الجمعة، وكساه الله لباسًا من ظفره، وأسجد
له ملائكته (٥).
ثالثًا: صفة آدم عليه السلام:
مما ذكر من صفات آدم عليه السلام: أن طوله ستون ذراعًا في السماء، وعرضه سبعة
أذرع، وذلك ما ورد عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يدخل أهل الجنة
الجنة جردًا، مردًا، بیضًا جمادًا، مکحلین، أبناء ثلاثٍ وثلاثین، على خلق آدم، طوله ستون
ذراعًا في عرض سبعة أذرع)(٦).
وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله
(١) انظر: العلم الأعجمي في القرآن، ١/ ١١٧.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٧٩/١.
(٣) انظر: روح المعاني، الألوسي، ٤٣٣/٥.
(٤) انظر: لباب التأويل، الخازن، ٣٥/١، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٧٩/١.
(٥) انظر: أخبار الزمان، المسعودي، ص٧١.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب صفة الجنة والنار، باب ما ذكر في صفة الجنة، وما فيها مما أعد
لأهلها، ١٣ / ١١٤، قال الألباني: حديث صحيح.
www. modoee.com
٣٧

حرف الألف
عليه وسلم قال: (كان طول آدم ستين ذراعًا في سبعة أذرع عرضًا، وفي رواية: فلم يزل الخلق
ينقص حتى الآن) (١).
وكان عليه السلام وافر الشعر، فعن أبي بن كعبٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (إن أباكم آدم كان طوالًا، كان كالنخلة السحوق، ستين ذراعًا كثير
الشعر موارى العورة، فلما أصاب الخطيئة في الجنة خرج منها هاربًا، فلقيته شجرةٌ فأخذت
بناصيته فحبسته، فناداه ربه تعالى: أفرارًا مني يا آدم؟ قال: لا بل حياءً منك بما جنيت، فأهبط
آدم إلى الأرض، فلما حضرته الوفاة بعث الله عز وجل إليه من الجنة مع الملائكة بكفنه
وحنوطه، فلما رأتهم حواء ذهبت لتدخل دونهم، فقال: خلي بيني وبين رسل ربي، ما أصابني
الذي أصابني إلا فيك، ولا لقيت الذي لقيت إلا منك. فلما توفي غسلوه بالماء والسدر، وترًا
وكفنوه في وترٍ من الثياب، ثم لحدوه ودفنوه، وقالوا: هذه سنة ولد آدم من بعده) (٢).
رابعًا: عمر سيدنا آدم عليه السلام:
ورد أنه عليه السلام عاش ألف سنة إلا أربعين عامًا، فقد روى الإمام أحمد عن ابن عباس
أنه قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أول من جحد آدم
عليه السلام، إن الله عز وجل لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج منه ما هو من ذراري إلى يوم
القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلًا يزهر (٣)، فقال: أي رب، من هذا؟، قال:
هذا ابنك داود، قال: أي رب، کم عمره؟، قال: ستون عامًا، قال: رب زد في عمره، قال: لا،
إلا أن أزيده من عمرك، وكان عمر آدم ألف عام، فزاده أربعين عامًا، فكتب الله عز وجل عليه
بذلك كتابًا، وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضرآدم وأنته الملائكة لتقبضه، قال: إنه قد بقي
من عمري أربعون عامًا، فقيل: إنك قد وهبتها لابنك داود، قال: ما فعلت! وأبرز الله عز وجل
عليه الكتاب، وشهدت عليه الملائكة)(٤).
(١) أخرجه أحمد في مسنده، مسند أبي هريرة، ١٦/ ٥٣٢.
وصححه المحقق.
(٢) أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في العظمة، ١٥٥٦/٥، والحاكم في المستدرك ٤٩٥/١.
قال الحاكم: هذا حديث حسن الإسناد.
(٣) يزهر: صفا لونه وأضاء، وزهر الرجل: ابَيَضَ وجهه.
انظر: المصباح المنير، الفيومي ١/ ٢٥٨.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٣/ ٤٣.
قال أحمد شاكر: ((وما نرى في هذا الحديث شيئًا من النكارة، أما أنه غريب، بمعنى أنه لم يروه غيره،
فعسى، ولكن مجيء معناه من حديث أبي هريرة قد يذهب بغرابته)).
مَوَسُوبَةُ النَّسيد
القرآن الكريم
٣٨

آدم عليه السلام
ذكر آدم عليه السلام في القرآن الكريم
ورد ذكر آدم عليه السلام في القرآن الكريم (٢٥) مرة، في (٩) سور.
وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:
السورة
الآيات
البقرة
٣١-٣٧
الأعراف
١١-٢٥
طه
١١٥-١٢٣
وقال الألباني: ((حسن صحيح)).
وانظر: المسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة ١/ ١٥٦.
www. modoee.com
٣٩

حرف الألف
فضائل آدم عليه السلام
کرم الله عز وجل سيدنا آدم عليه السلام
تكريمًا عظيمًا، ويظهر هذا التكريم في
النقاط الآتية:
١. خلقه الله بيده.
قَالَ بَإِلِسُ مَا مَنَعَكَ أَن
فقال تعالى:
تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَقَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ
اَلْعَالِينَ ﴾ [ص: ٧٥].
٢. نفخ فيه من روحه.
فقال تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِهِ مِن ◌ُوحِ﴾
[الحجر: ٢٩].
٣. فضله على الملائكة، فأسجدهم
له.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن
◌ُّوحِى فَقَعُواْ لَّهُ سَجِدِينَ ﴾ [الحجر: ٢٩].
٤. شرفه بالعلم.
فقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ
كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١].
٥. شرفه بتعليم الملائكة، فجعله
معلمًا لهم.
فقال تعالى: ﴿قَالَ يَقَدَمُ أَنْبِتْهُم بِأَسْمَا بِهِمّ
فَلَمَّا أَنْبََّهُم بِأَسْمَاءِهِمْ ﴾ [البقرة: ٣٣].
وروى البخاري ومسلمٌ عن أنس بن
مالكٍ عن رسول الله صلی الله عليه وسلم
قال: (يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون:
لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون:
أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك
ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء) (١).
يقول ابن كثير: «فهذه أربع تشريفاتٍ:
خلقه له بيده الكريمة، ونفخه فيه من روحه،
وأمره الملائكة بالسجود له، وتعليمه أسماء
الأشياء. ولهذا قال له موسى الكليم حين
اجتمع هو وإياه في الملأ الأعلى وتناظرا:
أنت آدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده،
ونفخ فیك من روحه، وأسجد لك ملائكته،
وعلمك أسماء كل شيء)» (٢).
والتشريفة الخامسة وهي أنه سبحانه
وتعالى جعله معلمًا للملائكة.
ومما ينبغي الإشارة إليه: أنه عليه السلام
نبي مکلم من أنبياء الله تعالى، وذلك فيما
رواه ابن حبان في صحيحه أن النبي صلى
الله عليه وسلم سئل عن آدم أنبي هو؟ قال:
(نعم نبي مكلم)(٣).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قول الله تعالى: (وعلم آدم
الأسماء كلها)، رقم ٦،٤٤٧٦/ ١٧، ومسلم
في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل
الجنة منزلة، رقم ١٨٠/١،٣٢٢.
(٢) البداية والنهاية ١ / ٧٨.
وانظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢/ ٣٩٦
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢١٢٥٤٦،
٤٣١/٣٥، وابن حبان في صحيحه،
رقم ٦٩/١٤،٦١٩٠.
وصححه شعيب الأرنؤوط في تعليقه على
صحيح ابن حبان.
٤٠
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

آدم عليه السلام
خلق آدم والحكمة منه
يقول الله تعالى: ﴿وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلَتَبِكَةِ إِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوّا
أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ
وَتَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكِّ قَالَ إِّ
أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
ويقول أيضًا: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَئِكَةِ
إِي خَلِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَسْئُونٍ﴾
[الحجر: ٢٨].
ويقول أيضًا: ﴿إِذْقَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَكَةِ إِنِ خَلِقٌ
بَشَرًا مِّنِ طِينٍ﴾ [ص: ٧١].
إن قصة خلق آدم أخذت في كتاب الله
طابعًا مميزًا، اختلف عن بقية القصص
القرآني؛ ذلك لأنها لم تتكلم عن نبي
فحسب، بل تتكلم عن بدء الخليقة بأسرها،
تتكلم عن أبي البشر آدم عليه السلام، الذي
نحن جميعًا ذرية له، فناسب المقام أن يأتي
الخطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
بكاف الخطاب المتصلة بصفة الربوبية لله
تعالی، ذلك أن هذا النبي الكريم هو أكرم
خلق الله على الله، والذي هو من ذرية آدم
عليه السلام.
وفي ذلك يقول أبو حيان رحمه الله:
(تنبيةٌ على شرفه واختصاصه بخطابه،
وهزٌ لاستماع ما يذكر بعد ذلك من غريب
افتتاح هذا الجنس الإنساني، وهذا تنویعٌ
في الخطاب، وخروجٌ من الخطاب العام
إلى الخطاب الخاص، وفي ذلك أيضًا
إشارةٌ لطيفةٌ إلى أن المقبل عليه بالخطاب
له الحظ الأعظم والقسم الأوفر من الجملة
المخبر بها، إذ هو في الحقيقة أعظم خلفائه،
ألا تری إلی عموم رسالته ودعائه، وجعل
أفضل أنبيائه أَمَ بهم ليلة إسرائه، وجعل
آدم فمن دونه يوم القيامة تحت لوائه، فھو
المقدم في أرضه وسمائه، وفي داري تكليفه
وجزائه)»(١).
يقول الإمام محمد رشيد رضا: ((وقد
قص الله علينا في هذه الآيات خبر النشأة
الإنسانية، ومثل لنا المعاني في صور
محسوسةٍ، وأبرز لنا الحكم والأسرار
بأسلوب المناظرة والحوار، كما هي سنته
في مخاطبة الخلق وبيان الحق؛ لأنها
بحسب قانون التخاطب: إما استشارةٌ
وذلك محالٌ على الله تعالى، وإما إخبارٌ منه
سبحانه للملائكة واعتراضٌ منهم ومحاجةٌ
وجدالٌ، وذلك لا يليق بالله تعالى أيضًا، ولا
بملائكته، ولا یجامع ما جاء به الدین من
وصف الملائكة ككونهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا
أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]»(٢).
(١) البحر المحيط، ٢٢٥/١.
(٢) تفسير المنار، ٢١٠/١.
www. modoee.com
٤١

حرف الألف
أولًا: إعلام الملائكة بخلق آدم:
يقول الله تعالى: ﴿وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلَتَبِكَةِ إِ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوّا
أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكِّ قَالَ إِنّ
أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
یخبر اللهعز وجل ملائكته الكرام بحدث
في ملكوت الله عظيم ألا وهو: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ
فِي الْأَرْضِ﴾.
ولعل هناك حكمة عظيمة في هذا
الإخبار؛ ذلك أن الله سبحانه لا يُسأل عما
يفعل، وليس لملك ولا لمخلوق أن يسأل؛
ولكن الله عز وجل هو الذي باشر بالإخبار،
فردت الملائكة ردًا في ظاهره اعتراض،
وليس لها أن تعترض، وهي التي وصفها
ربها فقال: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ
مَا يُؤْمَرُونَ﴾، فكانت الإجابة الفصل من الله
عز وجل: ﴿إِنِّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ فكان
الاستسلام والإذعان من الملائكة لله ربها
سبحانه وتعالى، فقالت: ﴿قَالُواْ سُبْحَنَّكَ لَا
عِلْمَ لَنَّا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾
[البقرة: ٣٢].
الحكمة من إخبار الله للملائكة بخلق
آدم:
تكلم المفسرون في الحكمة أقوالًا
عديدة، تتآلف فيما بينها لتتناسب مع عظمة
الله وعصمة الأنبياء، فیری البيضاوي أنه:
(«تعليم المشاورة، وتعظيم شأن المجعول،
بأن بشر عز وجل بوجود سكان ملكوته،
ولقبه بالخليفة قبل خلقه، وإظهار فضله
الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم،
وجوابه وبيان أن الحكمة تقتضي إيجاد ما
يغلب خيره، فإن ترك الخير الكثير لأجل
الشر القليل شر كثير إلى غير ذلك»(١).
أما الزمخشري فيقول: ((ليسألوا ذلك
السؤال ویجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته
في استخلافهم قبل كونهم، صيانة لهم عن
اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم،
وقيل: ليعلم عباده المشاورة في أمورهم
قبل أن يقدموا عليها، وعرضها على ثقاتهم
ونصحاتهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته
البالغة غنيًا عن المشاورة))(٢).
فنقول: إن الله أعلمها قبل الخلق حتى
لا تعترض بعد خلقه فتهلك، وحتى يعلم
خلقه المشاورة وهم محتاجون إليها، وحتى
يستخرج ما عندهم فيجيبهم عليه فيعرفهم
حکمته في الخلق، ومن ثم يؤدبهم بالأدب
الذي یرید سبحانه.
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي، ٦٨/١.
(٢) الكشاف، الزمخشري، ١/ ١٢٤.
مُونَوَةُ النَّفِيَّة
الْقُرآن الكَرِيْمِ
٤٢

أحمر عليه السلام
ردة فعل الملائكة من إخبار الله لهم
بخلق آدم عليه السلام:
لما أخبر الله ملائكته بالخلق قالت
﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ
الملائكة:
فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَثَحْنُ نُسَبْحُ
بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠].
((فظاهر الآية أنهم استنكروا استخلاف
بني آدم في الأرض؛ لكونهم مظنةً للإفساد
فیها))(١).
وقيل: تعجب من أن يستخلف مکان أهل
الطاعة أهل المعصية، وهو الحكيم الذي لا
يفعل إلا الخير، ولا يريد إلا الخير (٢).
وقيل: إنه ليس على وجه الاعتراض
على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم،
وقد وصفهم الله تعالى بأنهم ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ.
بِاَلْقَوْلِ﴾ [الأنبياء: ٢٧].
وإنما هو سؤال استعلام واستكشافٍ
عن الحكمة في ذلك، يقولون: یا ربنا، ما
الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم ﴿مَن
يُفْسِدُ﴾ في الأرض ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾،
فإن كان المراد عبادتك، فنحن ﴿نسَبْخُ
بَحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، ولا يصدر منا شيءٌ
من ذلك، وهلا وقع الاقتصار علينا؟
قال الله تعالى مجيبًا لهم عن هذا السؤال:
﴿إِنَّّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ من المصلحة
(١) فتح القدير، الشوكاني، ٧٤/١.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري، ١/ ١٢٤.
الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد
التي ذكر تموها، ﴿مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ أنتم؛ فإني
سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل،
(٣)
ویوجد فيهم
٠
وتعجب الملائكة إما من استخلاف
الله من يعصيه، أو من عصيان من يستخلفه
الله في أرضه وینعم عليه بذلك، وإما على
طريق الاستعظام والإکبار للفصلین جميعًا،
الاستخلاف، والعصيان.
وقيل: على جهة الاستفهام المحض، هل
هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن
أم لا؟ وقال آخرون: على جهة الاسترشاد
والاستعلام، هل هذا الخليفة هو الذي كان
أعلمهم به قبل أو غيره؟(٤).
فاحتمل استفهام الملائكة عدة وجوه: إما
الاستفهام المحض لعلمهم المسبق بطبيعة
هذا الخليفة، أو التعجب من العصيان، أو
التعجب من استخلاف العاصي، أو أنه أفاد
الاستعلام والاسترشاد.
وفي قوله تعالى: ﴿وَغَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ
وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فهو على جهة الاستفهام،
كأنهم أرادوا ﴿وَغَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ الآية،
أم نتغير عن هذه الحال؟ أو من التمدح
ووصف حالهم، أو الاسترشاد والاستعلام
هل هذا الخلیفة هو الذي کان أعلمهم به قبل
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٢١٦/١.
(٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ١/ ١١٧.
www. modoee.com
٤٣

حرف الألف
أو غيره؟ أو من التعجب والاستعظام لأن
يستخلف الله من يعصيه، وعلى هذا أدبهم
بقوله تعالى: ﴿إِنَّّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾(١).
هل تعلم الملائكة الغيب؟ من أين عرفوا
أن الخليفة سيفسد في الأرض ويسفك
الدماء حين تعجبوا منه وإنما هو غيب؟
فیکون ذلك أيضًا من وجوه:
إما من إخبار الله لهم.
أو من جهة اللوح.
أو ثبت في علمهم أن الملائكة وحدهم
هم الخلق المعصومون، وكل خلق
سواهم ليسوا على صفتهم.
أو قاسوا أحد الثقلین علی الآخر حيث
أسكنوا الأرض فأفسدوا فيها قبل
سکنی الملائكة.
أو أنهم عرفوا طبيعة المادة وفيها الخير
والشر(٢).
وقال ثعلب وغيره: ((إنما كانت الملائكة
قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن
وسفكهم الدماء في الأرض)»(٣).
وخلاصة القول: إن الملائكة لا تعلم
الغيب، وإنما سبب علمها بإفساد بني آدم
يرجع إلى ما يلي:
(١) المصدر السابق ١ / ١١٧.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ١٧٥،
الكشاف، الزمخشري ١٢٤/١، التفسير
المنير، الزحيلي ١/ ١٢٦.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ١١٧.
الوجه الأول: أن الله تعالى أعلمهم بطبيعة
ذرية آدم عليه السلام، وأنهم يفسدون في
الأرض ويسفكون الدماء، وعن ابن عباس
وابن مسعود: أن الله تعالى قال للملائكة:
﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، قالوا: ربنا
وما یکون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية
يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل
بعضهم بعضًا.
الوجه الثاني: أنهم فهموا من لفظ
(خليفة): أن في بني آدم من يفسد؛ إذ
الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك
الفساد، والفصل بين الناس فيما يقع بينهم
من المظالم ويردعهم عن المحارم والمآثم.
الوجه الثالث: أن الملائكة قد رأت
وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم
الدماء؛ وذلك لأن الأرض كان فيها الجن
قبل خلق آدم، یقول ابن عباس: ((کانت الجن
قبل بني آدم في الأرض فأفسدوا وسفكوا
الدماء، فبعث الله إليهم قبيلًا من الملائكة
قتلهم وألحق فلهم بجزائر البحار ورؤوس
الجبال، وجعل آدم وذريته خليفة)» (٤).
ولعل أصح هذه الأقوال: ما ورد أن هناك
حذفًا دل عليه ما بعده؛ تجنبًا للتكرار، فكأن
الآية: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِ جَاعِلٌ
فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ من شأنه أن ﴿ُقْسِدُ
﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾، ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾
(٤) المصدر السباق.
صَوَسوبر البقية
جوسى
القرآن الكريم
٤٤

آدم عليه السلام
وإلا فلا یمکن أن یکون توقعًا أو قياسًا،
أو غير ذلك مما ورد عند المفسرين. حتى
ذهب بعضهم إلى وجود بشر قبل آدم.
ثانيًا: مراحل خلق آدم:
أخبر الحق سبحانه وتعالى عن خلق
آدم عليه السلام في مواضع عديدة من
القرآن الكريم، وكذلك ورد الحديث عن
خلق آدم في أحاديث النبي صلى الله عليه
وسلم، ومن خلال الآيات القرآنية الكريمة
وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم
في خلق آدم عليه السلام يمكن أن نقول
بأن خلق آدم عليه السلام مر في ثلاثة أطوارٍ
رئيسة هي:
١. طور التخليق.
٢. طور التصوير.
٣. طور نفخ الروح (١).
الطور الأول: طور التخليق:
ويتضمن أربع مراحل رئيسة، هي:
المرحلة الأولى: التراب.
يعد التراب المرحلة الأولى والبداية
الحقیقیة لخلق الإنسان الأول، أي: آدم عليه
السلام.
قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ
كَمَثَلِ مَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُنَّ
(١) انظر: مراحل خلق الإنسان في آيات القرآن
ص١٦.
فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران: ٥٩].
فهذه الآية صريحة في أن آدم عليه السلام
خلق من تراب، فالهاء في قوله: ﴿خَلَقَهُ﴾
تعود على آدم عليه السلام.
وقد أشار القرآن الكريم في آياتٍ أخرى
منه إلى خلق آدم من ترابٍ: فقال تعالى:
﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ: أَنْ خَلَقَكُمْ مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُم
بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ﴾ [الروم: ٢٠].
وقال جل شأنه: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَّكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ
مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْأَزْوَجًا﴾﴾ [فاطر: ١١].
المرحلة الثانية: من طينٍ.
وهذه هي المرحلة الثانية التي يصير فيها
التراب طيئًا.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِنِّ خَلِّقٌ
بَشَرًا مِنِ طِينٍ ﴾ [ص: ٧١].
وقال سبحانه: ﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ
٦٠٠ ١٠٠٠
خَلَقَةٌ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ
[السجدة: ٧].
والطين ناتج عن خلط التراب بالماء،
والماء يمثل عنصرًا أساسيًا في كافة
الكائنات الحية، وذلك تصديقًا لقوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن ◌َّهِ﴾ [النور: ٤٥].
وقوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ
شَىْءٍ حَيْ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
ويلاحظ أن هذا الطين بالنسبة للإنسان
الأول، وهو آدم عليه السلام، كان: طينًا لازيًا.
يصور ذلك قوله سبحانه: ﴿فَأَسْتَفْئِهِمْ أَهُمْ
www. modoee.com
٤٥

حرف الألف
أَشَدُّ خَلْقًّا أَم مَّنْ خَلَقْنَاْ إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّن طِينٍ لَازِبٍ
١) [الصافات: ١١].
واللازب: هو الثابت شديد الثبوت(١).
المرحلة الثالثة: خلقه من حماً مسنونٍ.
بعد ذلك يتغير الطين اللازب إلى أن
یصیر طینا متغير الرائحة أسود، وهو ما سماه
القرآن الکریم بالحماً المسنون، قال تعالی:
وَلَقَدْ خَقْنَا الْإِنسَنَ مِنْ صَلْصَلٍ مِّنْ حَلٍ مَسْنُونِ
﴾ [الحجر: ٢٦].
وقال سبحانه: ﴿إِنْ خَلِقٌّ بَشَرًا مِن
صَلْصَلٍ مِنْ حَلٍ مَسْنُونٍ ﴾ [الحجر: ٢٨].
فالحمأ: جمع حمأة، وهو الطين الأسود
المتغير (٢)، والمسنون: قيل: إنه المصور من
سنة الوجه، وهي صورته. وقيل: المسنون
المنتن المتغير، من قولهم قد أسن الماء إذا
تغير (٣). والمعنى متقارب، فإن هذا الطين
المنتن المتغير الأسود حين تماسك صوره
الله تلك الصورة الإنسانية.
المرحلة الرابعة: خلقه من صلصالٍ
کالفخار.
والمراحل السابقة مجتمعة أدت إلى
مرحلة الصلصال هذه.
(١) انظر: المفردات، الراغب ص٤٤٩.
(٢) انظر: تفسير السمرقندي ٢١٨/٢، النكت
والعيون، الماوردي ٣/ ١٥٧، زاد المسير،
ابن الجوزي ٩٣٧/٤، التسهيل، ابن جزي
الكلبي ١ / ٤٥١.
(٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣/ ١٥٧-
١٥٨.
قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن
صَلْصَلٍ كَالْفَخَارِ ﴾ [الرحمن: ١٤].
والصلصال: الطين اليابس الذي تسمع له
صلصلة، أي: صوتٌ إذا قرع بشيء(٤).
وهذا الصلصال یشبه الفخار إلا أنه ليس
فخارًا؛ لأن الفخار مطبوخ بالنار بخلاف
الصلصال، فهو طين يابس غير مطبوخ
بالنار.
هذا هو الطور الأول- طور التخليق-
بمراحله الأربعة السابق ذكرها، وفي هذه
المراحل رد على بعض الشبهات التي أثيرت
حول القرآن الكريم في إخباره عن خلق
آدم بألفاظ مختلفة، فتعبر الآيات القرآنية
الكريمة عن تكامل هذه المراحل دونما أية
شبهة للتعارض أو التناقض، حيث بدأت
بالتراب الذي أضيف إليه الماء فصار طينًا،
ترك الطين قليلًا فأصبح طينًا لازبًا، ثم تحول
هذا الطين إلى حما مسنون، فلما ييس هذا
الطين سمي صلصالًا.
الطور الثاني: طور التصوير.
يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ
ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لِلَدَمَ
فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ لَوْ يَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ
[الأعراف: ١١]. ويلاحظ من خلال
(٤) انظر: جامع البيان ١٩١/٢٢، النكت
والعيون، الماوردي ١٥٧/٣، زاد المسير،
ابن الجوزي ٤ / ٩٣٧.
٤٦
القرآن الكريم

آدم عليه السلام
هذه الآية الكريمة أن مرحلة التصوير ثانية
بعد الخلق، حيث عطفت جملة صورناكم
بحرف (ثم) الدالة على تراخي رتبة التصوير
عن رتبة الخلق (١)، فبعد أن خلقه الله من
الطين، صوره وسواه وجعله ثمثالًا مجسمًا
على صورة الإنسان، وهذا قبل أن ينفخ فيه
الروح.
الطور الثالث: طور نفخ الروح.
بعد أن سوى الله عز وجل الإنسان الأول
وصوره، وهو آدم عليه السلام أراد أن يبث
فيه الحياة، نفخ فيه من روحه، فصار بشرًا
حیًا.
قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِنِ
خَلِقٌ بَشَرًا مِنِ صَلْصَلٍ مِّنْ حَلٍ مَسْنُونٍ
٢٨
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ.
سَجِدِينَ
(٢١)﴾ [الحجر: ٢٨-٢٩].
وقال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِنِّ
خَلِقٌ بَشَرًّاً مِّنِ طِينٍ (٧) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِمِن
رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ ﴾ [ص: ٧١ - ٧٢].
والنفخ: إجراء الريح في الشيء. والروح:
جسمٌ لطيفٌ، أجرى الله العادة بأن يخلق
الحياة في البدن مع ذلك الجسم. وحقيقة
الإضافة (روحي) إضافة خلقٍ إلى خالق؛
فالروح خلقٌ من خلقه أضافه إلى نفسه
تشريفًا وتكريمًا، كقوله: أرضي، وسمائي،
وبيتي، وناقة الله، وشهر الله. ومثله:
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٦/٨.
﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] (٢).
وإنما سمى إجراء الروح فيه نفخًا؛ لأنها
جرت في بدنه مثل جري الريح فيه (٣).
[انظر: الإنسان: خلق الإنسان]
ثالثًا: تعليم آدم الأسماء كلها:
إن هذا التعليم بمثابة محطة مميزة في
حياة آدم عليه السلام؛ إذ أكرمه الله بالسر
الإلهي العظيم الذي أودعه فيه وهو يسلمه
مقاليد الخلافة. سر القدرة على الرمز
بالأسماء للمسميات، وهى قدرة ذات قيمة
كبرى في حياة الإنسان على الأرض، ندرك
قيمتها حين نتصور الصعوبة الكبرى لو لم
يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء
للمسميات، والمشقة في التفاهم والتعامل،
حين يحتاج كل فرد لكي يتفاهم مع الآخرين
على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته
أمامهم ليتفاهموا بشأنه (٤).
﴿ وَعَلَّمَ﴾ معناه: عرف. وتعليمه هنا:
إلهام علمه ضرورةً. ويحتمل أن يكون
بواسطة ملكٍ وهو: جبريل عليه السلام،
وقرئ: ﴿وعلم﴾ غير مسمى الفاعل.
والأول أظهر (٥).
والابتداء بحكاية التعليم يدل بظاهره
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٨/١٢.
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٤٠٠/٤.
(٤) انظر: في ظلال القرآن الكريم، سيد قطب،
١ / ٥٧.
(٥) فتح القدير، الشوكاني ٢٧٩/١.
www. modoee.com
٤٧

حرف الألف
على أن ما مر من المقالة المحكية إنما يتعارف بها الناس، إنسان، ودابة، وأرض،
وسهل، وبحر، وجبل، وجمل، وحمار،
وأشباه ذلك من الأمم وغيرها))(٤).
جرت بعد خلقه عليه السلام بمحضر منه،
وهو الأنسب بوقوف الملائكة على أحواله
علیه السلام بأن قیل إثر نفخ الروح فيه ﴿إنّ
جَاعِلٌ﴾ إياه ﴿خَلِيفَةً﴾ فقيل: ما قيل(١).
والأسماء واحدها اسم، وهو: ما به
يعلم الشيء، والمراد به: أسماء المسميات،
فحذف المضاف إليه؛ لكونه معلومًا مدلولًا
علیه بذکر الأسماء؛ لأن الاسم لابد له من
مسمى، ثم عرضهم، أي: عرض المسميات،
وفيه تغليب العقلاء.
الأسماء التي علمها الله عز وجل
آدم عليه السلام:
أكثر المفسرون من سرد الأقوال
المختلفة في هذه الأسماء ومن ذلك:
قيل: كل شيء حتى القصعة والقصيعة.
وقيل: خلق الله كل شيء من الحيوان
والجماد وغير ذلك، ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَآءَ
كُلَهَا ﴾ فقال: يا آدم هذا بعير وهذا فرس
وهذه شاة حتى أتى على آخرها(٢).
وقيل: أسماء الملائكة وأسماء ذريته.
مْ عَرَضَهُمْ﴾
وقيل: علمه اللغات كلها
يعني: تلك الأشخاص(٣).
قال ابن عباس: ((هي هذه الأسماء التي
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٠٨٣/١
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٦/١.
(٣) المصدر السابق ٣٦/١.
وقيل: اسم ما كان وما يكون إلى
يوم القيامة. وقال الربيع بن أنسٍ: أسماء
الملائكة. وقيل: أسماء ذريته، وقيل: صنعة
كل شيءٍ، قال أهل التأويل: إن الله عز وجل
علم آدم جميع اللغات، ثم تكلم كل واحدٍ
من أولاده بلغةٍ، فتفرقوا في البلاد، واختص
كل فرقةٍ منهم بلغةٍ (٥).
وعن ابن عباس قال: ((علم الله آدم
أسماء الخلق، والقرى والمدن والجبال،
والسباع، وأسماء الطير، والشجر، وأسماء
ما کان وما یکون، و کل نسمة الله عز وجل
بارئها إلى يوم القيامة، وعرض تلك الأسماء
على الملائكة))(٦).
وذكر البخاري عن أنس بن مالك،
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون:
لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون:
أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد
لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء) وذكر
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٢٣/١
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٨٥/١، معالم
التنزيل، البغوي، ٨٠/١، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي، ١/ ٢٨٢.
(٦) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي، ١٧٨/١،
المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ١١٩.
مُؤَسورة البقرة
جوب
القرآن الكريم
٤٨

أحمر عليه السلام
تمام الحديث(١).
والأولى بتأويل الآية: أن تكون الأسماء
التي علمها آدم أسماء أعيان بني آدم وأسماء
الملائكة وإن كان غيره جائزًا؛ لاتساع
الكلمة (الأسماء کلها)، إضافة إلى أنه دل
على المسميات بضمير جمع الذكور العقلاء
فقال: ﴿عَرَضَهُمْ﴾ ولم يقل عرضها؛ لأن في
جملة هذه المسميات أنواعًا من العقلاء:
کالملائكة، والإنس(٢).
وقال ابن عطاءٍ: «لو لم یکشف لآدم علم
تلك الأسماء لكان أعجز من الملائكة في
الإخبار عنها، وهذا واضحٌ»(٣).
ويحتمل أن يكون التعليم بواسطة ملكٍ
وهو: جبريل عليه السلام، أو بتكليم قبل
هبوطه الأرض، فلا يشارك موسى عليه
السلام في خاصته.
وقيل: إن اسماعيل هو أول من نطق بها،
ويرد على ذلك بأنه أول من نطق بها من ولد
ابراهیم.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب صفة
الجنة والنار، رقم ٤٤٧٦، ١٤٤٢/٢.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، الطنطاوي ١ / ٩٤.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٧٩/١.
وقيل: يعرب بن قحطان.
والصحيح أن أول من تكلم باللغات
كلها من البشر آدم عليه السلام، والقرآن
يشهد له، فقال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ
الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١].
واللغات كلها أسماءٌ فهي داخلةٌ تحته،
وكذلك إن صح ما سواه فإنه يكون محمولًا
على أن المذكور أول من تكلم من قبيلته
بالعربية بدليل ما ذكرنا والله أعلم، وكذلك
جبريل أول من تكلم بها من الملائكة،
وألقاها على لسان نوحٍ بعد أن علمها الله
(٤)
آدم أو جبريل(٤).
خامسًا: الحكمة من خلق آدم وذريته:
يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم
مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((و کان خلق
آدم وحواء أعجب من خلق المسيح؛ فإن
رابعًا: أول من تكلم اللغة العربية:
حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب
قيل: أول من نطق بالعربية جبريل، ويرد
عليه بأن جبريل أول من نطق بالعربية من من خلق المسيح في بطن مريم، وخلق
الملائكة.
آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق
حواء)»(٥).
ويمكن استنباط الحكمة من ذلك: إن
الله تعالى خلقه من التراب والطين لإظهار
عظيم قدرته، ((والمقصود من ذكر هذه
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٨٤/١.
(٥) الجواب الصحيح، ٥٥/٤.
www. modoee.com
٤٩

حرف الألف
الأشياء: التنبيه على عجيب صنع الله تعالى؛ شيء في المهمة الضخمة التي وكلها الله
إذ أخرج من هذه الحالة المهينة نوعًا هو سید
أنواع عالم المادة ذات الحياة)»(١).
إن الله خلق هذا الإنسان لأمر عظيم،
خلقه ليكون مستخلفًا في الأرض، مالكًا
لما فيها، ودوره في الأرض إذن وفي
أحداثها وتطوراتها هو الدور، ولیس تابعًا
للتطورات التي تحدثها الآلة في علاقات
البشر وأوضاعهم كما يدعي أنصار المادية
المطموسون، وكل قيمة من القيم المادية
لا يجوز أن تطغى على قيمة الإنسان،
فكرامة الإنسان أولًا، والنعمة التي يمتن
الله بها على الناس هنا ليست مجرد الإنعام
عليهم بما في الأرض جميعًا، ولكنها - إلى
ذلك- سیادتهم على ما في الأرض جميعًا،
هي نعمة الاستخلاف والتكريم فوق نعمة
الملك والانتفاع العظيم، فيقرر أن الله خلق
كل ما فيها لهم، فهنا في هذا الجو تجيء
قصة استخلاف آدم في الأرض، ومنحه(٢).
يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلَئِكَةِ إِنِ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةَ﴾
[البقرة: ٣٠].
إليه، فهناك وحدة أو تناسق بين النواميس
التي تحكم الأرض، والنواميس التي تحكم
هذا المخلوق وقواه وطاقاته؛ كي لا يقع
التصادم بين هذه النواميس، وهو التكريم
الذي شاءه له خالقه الکریم.
ویوحي قول الملائكة هذا بأنه كان لدیھم
من شواهد الحال، أو من تجارب سابقة في
الأرض، أو من إلهام البصيرة، ما يكشف
لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق،
ثم هم بفطرتهم البريئة التي لا تتصور إلا
الخير المطلق، يرون التسبيح بحمد الله
والتقديس له، هو وحده الغاية المطلقة
للوجود، وهو وحده العلة الأولى للخلق،
وهو متحقق بوجودهم هم، يسبحون بحمد
الله ویقدسون له»(٣).
((وإذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم
لهذا الكائن الجديد في الوجود، زمام هذه
الأرض، وتطلق فيها يده، وتسخير له كل
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٢/١٤.
(٢) انظر: في ظلال القرآن الكريم ٥٤/١.
(٣) المصدر السابق ١/ ٥٣-٥٤.
موسوعة النفسية العضو
القرآن الكريم

آدم عليه السلام
آدم والملائكة
أخبر الله عز وجل الملائكة بأنه جاعل
في الأرض خليفة، فأجابت بقولها لله
سبحانه وتعالى: ﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ
فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠].
تعجب الملائكة من استخلاف الله من
يعصيه، أو من عصيان من يستخلفه الله في
أرضه وينعم عليه بذلك، أو كان ذلك على
طريق الاستعظام للاستخلاف، والعصيان
معًا. أو على جهة الاستفهام المحض، هل
هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن
أم لا؟ أو على جهة الاسترشاد والاستعلام؟
هل هذا الخلیفة هو الذي كان أعلمهم به قبل
أو غيره؟(١) كما مر في إعلام الملائكة بخلق
آدم من الكلام السابق.
يقول الله تعالى: ﴿قَالَ يَقَدَمُ أَنْبِتْهُم
يَأَسْمَاءِمّ فَلَمَّا أَنْبَهُم بِأَشَاِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ١١٧/١.
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٢٦/١
إِّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا
نُّبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣].
عقد الرب سبحانه وتعالى امتحانًا
للملائكة؛ لإظهار عجزهم، وإبطال زعمهم
أنهم أحق بالخلافة من خلیفته، بعد أن علم
آدم أسماء الأشياء والأجناس المادية من
نبات وجماد وإنسان وحيوان، مما تعمر
به الدنيا، ثم عرض مجموعة المسميات
على الملائكة، وقال لهم: أخبروني بأسماء
هؤلاء، إن كنتم صادقين في ادعائكم أنكم
أحق بالخلافة من غيركم، فعجزوا، وقالوا:
يا رب ﴿سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَأْ
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾ بكل شيء، ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ في
كل صنع (٣).
يقول الإمام الطبري: ((إن الله جل ثناؤه
عرف ملائكته -الذين سألوه أن يجعلهم
الخلفاء في الأرض- أنهم من الجهل
فأجابهم الله تعالى: ﴿إِّ أَعْلَمُ ﴾ من
المصلحة في استخلافه مما هو خفي عنكم،
وأعلم كيف تصلح الأرض، وكيف تعمر،
ومن هو أصلح لعمارتها، ولي حكمة في
خلق الخليقة لا تعلمونها(٢).
بمواقع تدبيره ومحل قضائه، قبل إطلاعه
إياهم عليه، على نحو جهلهم بأسماء الذين
عرضهم عليهم، إذ كان ذلك مما لم يعلمهم
فيعلموه، كما علم آدم أسماء ما عرض على
أولًا: تعليم آدم الملائكة أسماء الملائكة، ومنعهم علمها إلا بعد تعليمه
الأشياء:
إياهم.
﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ ﴾ يقول: فلما أخبر آدم
الملائكة بأسماء الذين عرضهم عليهم،
فلم يعرفوا أسماءهم، وأيقنوا خطأ قيلهم:
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١/ ١٢٦.
www. modoee.com

حرف الألف
﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفُِ
اُلْدِمَآءَ وَفَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ ﴾، قال
لهم ربهم: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ غَيْبَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ﴾ والغيب: هو ما غاب عن
أبصارهم فلم يعاينوه)) (١).
والأمر ﴿أَنْتُونِ﴾: تعجيز؛ لأن
المأمور یعلم أن الآمر عالمٌ بذلك ﴿إِنكُنتُمْ
صَدِقِينَ ﴾ في أنكم أفضل من هذا المخلوق
إن كان قولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ إلخ تعريضًا
بأنهم أحقاء بذلك، أو ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾
في عدم جدارة آدم بالخلافة، قولهم: ﴿وَنَحْنُ
نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠].
للتفويض أو الإعلان للسامعين من أهل
الملأ الأعلى بالبراءة من شائبة الاعتراض،
وإذا انتفى الإنباء انتفى كونهم صادقين في
إنكارهم خلافة آدم(٢).
ثم قال المولى جل جلاله: أخبرهم یا
آدم بأسماء الأشياء التي عجزوا عن علمها،
فلما أخبرهم بكل أسماء تلك الأشياء،
أدركوا السر في خلافة آدم وذريته، وأنهم
لا يصلحون للاشتغال بالماديات، والدنيا
لا تقوم إلا بها، إذ هم خلقوا من النور، وآدم
خلق من الطين، والمادة جزء منه.
وحينئذ قال تعالى للملائكة:
أَقُل لَّكُمْ إِّ أَعْلَمُ﴾ ما غاب في ﴿السَّمَوَتِ
(١) جامع البيان، الطبري ١ / ٤٩٦.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤١٢/١.
وَاْأَرْضِ﴾ عنكم، وما حضر أيضًا، ولا أجعل
الخليفة في الأرض عبثًا، وأعلم ما تظهرون
وما تکتمون من نحو قولکم فیما روي عن
ابن عباس: لن يخلق الله خلقًا أكرم عليه
منا، فنحن أحق بالخلافة في الأرض (٣).
ويقول ابن عباس في قوله: ﴿وَأَعْلَمُ﴾-
مع علمي ﴿غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾- ما
تظهرون بألسنتكم، وما كنتم تخفونه في
أنفسكم، فلا يخفى علي شيء، سواءٌ
عندي سرائرکم وعلانیتکم، والذي أظهروه
بألسنتهم ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم
قالوه، وهو قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ
فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَغَحْنُ نُسَبْحُ بِحَمْدِكَ
وَتُقَدِّسُ لَكَ﴾ والذي كانوا يكتمونه: عن
ابن عباس وابن مسعود: المراد ما كتمه
إبليس في نفسه من الكبر والكفر، والتكبر
عن طاعته، أو كتمان الملائكة بينهم لن
یخلق الله خلقًا إلا کنا أكرم علیه منه(٤).
قالوا -يعني الملائكة -: ﴿سُبْحَنَكَ
تنزيهًا لك، وذلك لما ظهر عجزهم
لآ
عِلْمَ لَنَّا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآَ﴾ أي: إنك أجل من
أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علمتنا
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾ أي: بخلقك وهو من
(٣) جامع البيان، الطبري ١٧٧/١، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٧١/١، التفسير المنير،
الزحيلي ١/ ١٢٧.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٥٠٠، المحرر
الوجيز، ابن عطية، ١/ ١٢٣.
مُؤَسُولَرُ الْبَفِيد
جوبيبو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٥٢

آدم عليه السلام
أسماء الصفات التامة وهو المحيط بكل
المعلومات ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ أي: في أمرك،
القاضي العدل والمحكم للأمر؛ کیلا یتطرق
إليه الفساد (١)، وفي هذا اعتراف من الملائكة
بقصور علمهم واعتذار لله عز وجل.
ثانيًا: أيهما أفضل بنو آدم أم الملائكة؟
اختلف العلماء في أيهما أفضل الملائكة
أم بنو آدم؟ على قولين: فذهب قومٌ إلى
أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من
الملائكة، وأكثر أهل السنة على ذلك،
والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من
الملائكة(٢).
وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى
أفضل، واحتج من فضل الملائكة بأنهم
وَعِبَادٌ مُكْرَمُونَ ) لَا يَسْبِقُونَهُ.
بِاَلْقَوَّابِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:
٢٦ - ٢٧].
يَعْصُونَ اَللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا
يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
واحتج من فضل بني آدم بقوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أَوْلَئِكَ هُمْ
خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧].
بالهمز، من برأ الله الخلق، وقوله عليه
السلام: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣٦/١.
(٢) انظر: لوامع الأنوار البهية، السفاريني،
٣٩٨/٢.
لطالب العلم) (٣).
وبما جاء في أحاديث من أن الله تعالى
یباهي بأهل عرفات الملائكة، ولا يباهي إلا
بالأفضل.
وقال بعض العلماء: ولا طريق إلى
القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة، ولا
القطع بأن الملائكة خيرٌ منهم؛ لأن طريق
ذلك خبر الله تعالی وخبر رسوله أو إجماع
الأمة، وليس ها هنا شيء من ذلك (٤).
ثالثًا: سجود الملائكة لآدم:
والسجود معناه في كلام العرب: التذلل
والخضوع، وغايته وضع الوجه على
الأرض، سجد إذا تطامن، وكل ما سجد
فقد ذل، والإسجاد: إدامة النظر. وسجد إذا
طأطأ رأسه(٥).
ويكون السجود تعظيمًا وتقربًا إلى من
سجد له، وهذا سجود عبادة ولا يكون إلا
لله وحده في جميع الشرائع.
ویکون سجود تحية وتکریم، وهذا ما
أمر الله به الملائكة لآدم فسجدوا له تکریمًا،
وهو منهم عبادة لله سبحانه بطاعتهم له إذ
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب العلم،
باب الحث على طلب العلم، رقم ٣٦٤١،
٥/ ٤٨٥، والترمذي في سننه، باب في فضل
التوبة والاستغفار، رقم ٣٥٣٥، ٤٣٦/٥.
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح)).
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨٩/١.
(٥) المصدر السابق، ٢٩١/١، فتح القدير،
الشوكاني، ٧٨/١
www. modoee.com
٥٣

حرف الألف
أمرهم بالسجود.
يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ
أَسْجُدُ واْلَّدَمَ فَسَجَدُواْ﴾ [البقرة: ٣٤].
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ
ويقول أيضًا:
صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ أَسْجُدُواْ لِدَمَ
فَسَجَدُوَأْ﴾ [الأعراف: ١١].
ويقول أيضًا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُواْ
◌َِدَمَ فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ
أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠].
ويقول أيضًا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ
أَسْجُدُواْ لِأَدَمَ فَسَجَدُوْاْ إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ﴾
[طه: ١١٦].
ويقول أيضًا: ﴿ فَإِذَا سَوَتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِمِن
زُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَنَجِدِينَ ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَبِكَةُ
كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [ص: ٧٢ - ٧٣].
إنه التكريم في أعلى صوره لهذا
المخلوق الذي يفسد في الأرض ويسفك
الدماء لقدرته على تحكيم إرادته في شق
طريقه، واضطلاعه بأمانة الهداية إلى الله،
ولقد سجد الملائكة امتثالاً للأمر العلوي
الجليل (١).
يقول ابن عاشور في تفسير قول الله
تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ أُسْجُدُ واْلَّدَمَ
فَسَجَدُوَا﴾ [البقرة: ٣٤].
((عطفٌ على جملة ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
(١) انظر: في ظلال القرآن الكريم، سيد قطب
١/ ٥٧.
لِلْمَلَبِكَةِ إِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾
[البقرة: ٣٠] عطف القصة على القصة، وإعادة
﴿إِذْ﴾ بعد حرف العطف المغني عن إعادة
ظرفه تنبيهٌ على أن الجملة مقصودةٌ بذاتها؛
لأنها متميزةٌ بهذه القصة العجيبة فجاءت
على أسلوبٍ يؤذن بالاستقلال والاهتمام،
ولأجل هذه المراعاة لم يؤت بهذه القصة
معطوفةً بفاء التفريع فيقول: ﴿وَإِذْ قُلْنَا
لِلْمَلَئِكَةِ أُسْجُدُوالِآدَمَ ﴾ وإن كان مضمونها
في الواقع متفرعًا على مضمون التي قبلها
فإن أمرهم بالسجود لآدم ما كان إلا لأجل
ظهور مزيته عليهم؛ إذ علم ما لم يعلموه ...
وإظهار لفظ الملائكة ولفظ آدم هنا دون
الإتيان بضميريهما كما في قوله: ﴿قَالُواْ
سُبْحَنَكَ﴾[البقرة: ٣٢].
وقوله: ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾ [البقرة: ٣٣].
لتكون القصة المعطوفة معنونةً بمثل
عنوان القصة المعطوف عليها، إشارةً إلى
جدارة المعطوفة بأن تكون قصة مقصورة
غير مندمجةٍ في القصة التي قبلها. وأسنده
إلى ضمير العظمة ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ وأتى به في
الآية السابقة مسندًا إلى رب النبيء ﴿وَإِذْ
قَالَ رَبُّكَ﴾ [البقرة: ٣٠] للتفنن، ولأن
القول هنا تضمن أمرًا بفعلٍ فيه غضاضةٌ
على المأمورين فناسبه إظهار عظمة
الآمر، وأما القول السابق بمجرد إعلام من
الله بمراده ليظهر رأيهم، ولقصد اقتران
٥٤
القرآن الكريم