النص المفهرس

صفحات 481-500

وزعم الجبائيُّ : أن التمنِّيَ لا يكون إلا في القول ، كما أن الخبرّ
لا يكون إلا في القول(١)
وقال ابنُهُ أبو هاشم : يجوز أن يكونَ التمنِّي قولَ القائل : [ليته] كان
كذا(٢) ، أو ليته لم يكن ، ويجوز أن يكونَ معنىّ في النفس ، وفرَّقَ بين ذلك
المعنى وبين الإرادة : بأن التمنَِّ يجوز أن يتعلَّقَ بالماضي والمستقبل ،
والإرادةَ : لا تتعلَّقُ بالماضى(٣)
والمسألةُ الثانيةُ
في بيانِ ما يصحُّ أن يكونَ مراداً
فنقول : إن المعلومَ معلومانِ
أحدُهما : معلومٌ لا يصحُّ أن يرادَ ؛ وهو الأزليُّ، سواءٌ كان صفةٌ أو
موصوفاً .
ومعلومٌ يصحُ أن يرادَ ؛ وهو المعدومُ الذي يصحُّ حدوثُهُ، وهذا القسمُ
منه(٤) : يكون مراداً قبل حدوثه أن يَحدُثَ ، وهو في حال حدوثه عندنا مرادٌ
حدوثُهُ أيضاً(٥) ، كما أنه مقدورٌ حدوثُهُ في حال حدوثِهِ وقبلَ حدوثِهِ .
C
(١) انظر ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (الإرادة) (٣٧/٦).
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( ليت ) .
(٣)
انظر («المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (الإرادة) (٣٧/٦).
قوله : ( منه ) الضمير فيه راجع على المعلوم عموماً .
(٤)
(٥) هذا أحد قولي أهل السنة في مسألة تعلق الإرادة التنجيزي ؛ وعليه يكون للإرادة الأزلية
تعلقان تنجيزيان ؛ الأول: تنجيزي قديم ، والثاني : تنجيزي حادث ، والقول الآخر : =

محد
وزعم البصريون من القدريَّة : أن إرادةَ الله عزَّ وجلَّ لا يجوز أن تريدَ من
أفعالنا إلا ما يكونُ حكمةً أو طاعةٌ له(١)
واختلفوا في المباحات : فمنهم من قال : إن الله تعالى مريدٌ لها ،
ومنهم من زعم : أنه غيرُ مريد لها(٢) .
وقال أصحابُنا : إن الله تعالى مريدٌ كلَّ ما علمَ حدوثَهُ ؛ من خير وشرٍّ ،
ومباح وواجبٍ ومحظور ، وغير ذلك من الأجسام والأعراض(٣)
والكلامُ في دليل قولنا في هذه المسألة يأتي بعد هذا(٤)
والمسألةُ الثالثةُ
00
في بيانِ صحَّةٍ كونِ الإلهِ سبحانَهُ مريداً
وقد اختلفوا في ذلك :
فقال جمهورُ أهل السنة : إن الله تعالى مريدٌ على الحقيقة ، والإرادةَ
=
هو أن لها تعلُّقاً تنجيزياً قديماً فقط ، قال العلامة الدسوقي في (( حاشيته على أم
البراهين)) (ص١١٤): ( إن قلت : لا حاجة للتعلق التنجيزي الحادث في جانب
الإرادة ؛ لإغناء القديم عنه لاستمراره .
قلت : إنه شِبْهُ إظهار للتعلُّق التنجيزي القديم ، ولذا أنكره بعضهم ) .
(١) لقولهم بوجوب اللطف على الله تعالى عن قولهم .
(٢) قال قاضي المعتزلة عبد الجبار في ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (الإرادة )
(٢١٥/٦): ( فأما أفعال عباده : فإنما يريد من جميعها العباداتِ ؛ كالواجبات
والنوافل ، فأما المباح والمعاصي : فإنه لا يجوز أن يريدها )
(٣) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٦٩).
(٤) انظر (٤٩٨/٣) .
CON

٥
شرطٌ في صحَّةٍ كونٍ كلٌّ فاعل فاعلاً ، وكما لا يكونُ الفاعلُ إلا قادراً كذلك
لا يكونُ إلا مريداً مختاراً لفعله .
واختلفت المعتزلةُ في هذه المسألة :
فمنهم : من وصف الله عزَّ وجلَّ بأنه مريدٌ على الحقيقة ، وبه قال
أبو الهذيل والجبائيُّ وابنُهُ وأكثرُ البصريينَ(١)
ومنهم : من زعم أن وصفَهُ بالإرادة مجازٌ ، وهذا قولُ النظَّامِ والكعبيِّ(٢).
وزعم النظّامُ : أن وصفَ الله عزَّ وجلَّ بأنه مريدٌ لتكوين الأشياء معناه :
أنه يكوِّنُها ، وإرادتَهُ للتكوين هي التكوينُ ، والوصفَ له بأنه مريدٌ لأفعال
عباده معناه : أنه قد أمرَهم بها ، والأمرَ بها غيرُها(٣)
وقد يقول : إنه مريدُ الساعةَ أن يقيمَ القيامةَ ، ومعنى ذلك : أنه حاكمٌ
بذلك مُخبِرٌ به .
وإلى مثل قول النظّام يميل أكثرُ البغداديينَ من المعتزلة(٤)
وزعم مَعْمَرٌ : أن الله عزَّ وجلَّ غيرُ مريدٍ على الحقيقة ، ولا متكلِّمٍ ،
ولا فاعلٍ للإرادة والكلام(٥)، وبناه على أصله في دعواه : أن الله تعالى لم
يخلق شيئاً من الأعراض (٦)
(١) انظر ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (الإرادة) (٣/٦).
(٢)
انظر (٢٢٨/١).
انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ١٩٠، ٥٠٩-٥١٠).
(٣)
(٤)
انظر (( مقالات الإسلاميين)) (ص١٩٠-١٩١).
انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥١٦-٥١٧).
(٥)
(٦) انظر (٦٢٦/١).
٢٨
50000,٤٨٣ 100000.

واختلفوا في وصف الله تعالى بأنه كاره :
فأطلقه عليه كلُّ من وصفَهُ : بأنه مريدٌ على الحقيقة ؛ من أصحابنا ،
ومن المعتزلة والنجَّاريّة(١)
وهؤلاء يقولون : إنه مريدٌ لمراداته ، وكارةٌ لمكروهاته في الجملة ،
وإن اختلفوا في صفة الإرادة والكراهيةِ منه ، كما نذكره بعد هذا(٢)
ومن أنكر كونه مريداً على الحقيقة أنكرَ أيضاً كونَهُ كارهاً على الحقيقة ،
وزعم : أن وصفَهُ بكونه كارهاً للمعصية معناه : أنه ناهٍ عنها فحسب .
والدليلُ على أن الله عزَّ وجلَّ مريدٌ على الحقيقة : اتفاقُنا مع هؤلاء على
أنه حيٌّ، وقد صحَّ أن الحيَّ إنما يخرجُ عن كونه مريداً بأن يكونَ ساهياً أو
موصوفاً ببعض أضدادِ الإرادةِ ، كما أن الحيَّ لا يخرجُ عن كونه عالماً إلا
ببعض أضدادِ العلمِ ، ولا يخرجُ عن كونه قادراً إلا ببعض أضدادِ القدرةِ ،
فإذا استحالت أضدادُ الإرادةِ على الله عزَّ وجلَّ .. وجب كونُهُ مريداً على
الحقيقة
ويقالُ لهم : إذا لم يكن الله عزَّ وجلَّ عندكم مريداً على الحقيقة لأفعاله،
ولا لأفعال غيره ، إلا على معنى أمرِهِ بفعل غيره .. لزمكم : أن تكونَ أفعالُهُ
واقعةٌ فَلْتَةً ، كما أثبته محمد بن زكريا الرازيُّ في دعواه الفعلَ طباعاً(٣)،
(١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥٤٦)، و((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٧١)،
و (( شرح الأصول الخمسة)) (ص٤٣٩) .
(٢) انظر (٤٨٨/٣).
(٣) انظر (٦١٨/٢).
00000 ٤٨ 00006

كما زعم أهلُ الطبائع من وقوع أفعال بعض الأجسام طباعاً من غير إرادةٍ
ولا اختيار (١)
فإن نسبوا الأفعالَ إليه على جهة الفَلْتة .. وصفوه بالسهو والغفلة ، وإن
نسبوها إليه بالطبع .. زعموا أنه مطبوعٌ مقهورٌ .
ولزمهم أيضاً إن كان فاعلاً بطبعه : أن يكونَ في الأزل فاعلاً ، وهذا
خلافُ قولهم وقولنا .
وإن قالوا : إنه لا يفعلُ فَلْتَةً ولا طباعاً ؛ لأنه عالمٌ بأفعاله قبل وقوعها
قادرٌ على إحداثها .
قيل : إن القادرَ على الفعل العالمَ به إذا وقع الفعلُ منه من غير اختياره
إتقانَهُ وإيثارِهِ إِيَّاه على ضدِّهِ .. فإن قدرتَهُ لم تفدْهُ زيادةً صفةٍ على وقوع
الفعل منه طبعاً كما ذهب إليه أهلُ الطبائع .
ويقال لهم : إن الفعلَ كما يدلُّ على أن فاعلَهُ قادرٌ، وإحكامَهُ وإتقانَهُ
دليلٌ على كون فاعله عالماً ؛ كذلك اختصاصُهُ بوقتٍ كان يجوز حدوثُهُ في
غيره ، وحصولُهُ على [صفة] كان جائزاً حدوثُهُ على خلافها(٢) .. دليلٌ على
أن فاعلَهُ قصد تخصيصَهُ بوقت حدوثِهِ ، وبالصفة التي حدث عليها ، لولا
ذلك لم يكن اختصاصُهُ بوقته وصفتِهِ في وقتٍ حدوثِهِ .. أولى من وقوعه في
وقتٍ آخرَ وعلى صفةٍ أخرى .
ويقال للمعتزلة المنكرةِ من البغداديينَ كونَ الإلله سبحانه مريداً على
(١) انظر (٣٢١/١).
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( وصفه ) .

الحقيقة : إنكم تزعمون أن الله سبحانه خلقَ الخلقَ لعلَّةِ المصلحة
والتعريضٍ للمنفعة ، ولو خلقَهم لا لعلَّةِ المصلحةِ كان عابئاً سفيهاً(١)
فإذا كان هذا أصلَكم .. فأخبرونا : أليس الله تعالى قد خلقَ الحيَّ وأراد
مصلحتهُ ؟!
فإذا قالوا : نعم .
قيل لهم : فما الإرادةُ لمصلحته وعندكم أنه ليست له إرادةٌ ولا هو مريدٌ
على الحقيقة ؟!
فإن قيل : إرادتُهُ لمصلحته هي فعلُهُ له فحسب .
OC
DO
قيل : يلزمكم على هذا : أن يكونَ الله عزَّ وجلَّ قد أراد صلاح
الأعراض والجمادات من حيث كان خالقاً لها ؛ إذ لم تكن إرادتُهُ لبقاء الحيِّ
وصلاحِهِ أكثرَ من فعله له ، وفي العلم بأن الله تعالى يخلقُ ما لا يقال: ( إنه
قاصدٌ إلى صلاحه ونفعه ) ، ويخلقُ ما أراد صلاحَهُ ونفعَهُ .. دليلٌ : على
أن الإرادةَ للنفع والصلاحِ معنىّ سوى فعلِ الشيء بعينه .
فإن قالوا : معنى قولنا : ( إنه خلقَ الخلقَ للمصلحة ) أنَّ عاقبتهم
المصلحةُ ، لا أنه أراد صلاحَهم ، ولا أن له إرادةً لصلاحهم .
قيل : لم تكن عاقبةُ جميعهم الصلاحَ ، بل كانت عاقبةُ أكثرهم
المضرَّةَ ، فيلزمكم : أن يكونَ إنما خلقَهم للمضرَّة .
وممّا يدلُّ على فساد قولهم : إجماعُ الأمةِ على القول : بأن الله تعالى لو
(١) انظر (٢ / ٦٢ ).

أراد أن يقيمَ القيامةَ اليومَ لأقامها ، ولو أراد [خلْقَ مثْلِ] السماوات والأرض
[لخلقَهُ](١) ، ولو أراد ألا يخلقَ شخصاً من الأشخاص الموجودةِ ما خلقَهُ ،
0
فلو كان معنى قولنا : ( إنه مريدٌ لفعلٍ من أفعاله ) أنه فاعلٌ له فحسبُ ..
لوجب أن يكون قولُهم : ( لو أراد خلقَ مثلٍ ذلك خلقَهُ) .. معناه : أنه لو
خلقَ مثلَهُ خلقَهُ ، وأنه لو أقام القيامةَ لأقامها ، وأنه لو لم يخلقْ زيداً لم
يخلقْهُ! وفي العلم بفساد هذا المعنى دليلٌ على أن إرادتَهُ لأفعاله معنىٌ غيرُ
أفعاله .
ويقال للنظَّام : إذا كان الوصفُ للمريد بأنه مريدٌ عندكم وَصفاً للجملة ،
وجاز أن يكونَ الوصفُ بالمراد راجعاً إلى محلُّه .. بطل تأويلُ الإرادة على
وقوع المرادِ من وجهٍ ما
DOO
وقولُهُ : إن إرادةَ البارئ لقيام القيامة خبرُهُ عن إقامته .. باطلٌ ؛ لأنا
نخبرُ عن الله سبحانه ونقولُ : إنه قديمٌ، ولا يجوز أن يكونَ القديمُ مراداً ،
فبطل أن تكون الإرادةُ بمعنى الخبر .
000
0000000
فإن قال : إن الإرادةَ في الشاهد إنما تكون شهوةً وميلَ نفسٍ ،
ولا يُوصَفُ الله تعالى بذلك، فلا يصحُّ وصفُهُ بالإرادة .
قيل : والعلمُ في الشاهد يكونُ ضروريّاً أو مكتسباً ، ولا يُوصَفُ الله
تعالى باضطرارٍ ولا اكتسابٍ ، فلا يصحُّ وصفُهُ بالعلم
فإن قال : وصفتُهُ بأنه عالمٌ لنفسه لا بعلمٍ ، فلم يلزمني إضافةُ الاضطرار
والاكتساب إليه .
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( مثل خلق ، لخلقها ) .
10oobo t AV 00000

v.ro
قيل : فهلَا وصفتَهُ بأنه مريدٌ لنفسه لا بإرادةٍ ، كما ذهب إليه النجَّارُ مع
قوله بنفي إرادته ، وهذا ما لا فصلَ له فيه .
والمسألةُ الرابعةُ
في أنَّ المريدَ يكونُ مريداً بإرادةٍ أم بغير إرادةٍ
وقد اختلفوا فيه على مذاهب :
فقال أصحابنا : كلُّ مريدٍ له إرادةٌ هي صفةٌ له قائمةٌ به ، وحقيقةُ المريدِ
على هذا المذهب : من له إرادةٌ(١)
وزعم الأصمُّ وسائرُ نفاة الأعراض : أن المريدَ يكونُ مريداً لا لنفسه
ولا لإرادةٍ ، وبنَوهُ على أصلهم في نفي الأعراض(٢)
وزعم النجَّارُ : أن المريدَ منَّا مريدٌ بإرادةٍ هي غيرُهُ ، واللهَ سبحانه مريدٌ
لنفسه(٣)، كما زعم أن العالِمَ منَّا عالمٌ بعلمٍ، وأن الله عالمٌ لنفسه .
0000000
000
ووافقَنا أبو الهذيل والجبائيُّ وابنه أبو هاشم : أن المريدَ لا يكونُ مريداً
إلا [بإرادةٍ](٤)، إلا أنهم زعموا : أن إرادتَهُ حادثةٌ لا في محلٍّ ، وأحالوا
كونَهُ في الأزل مريداً (٥)
(١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٦٩).
(٢) انظر (٢٢٥/١)
(٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥١٤)، و((شرح الأصول الخمسة)) (ص٤٤٠).
(٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( لإرادة ).
(٥) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٥١٠)، و(( المغني في أبواب التوحيد والعدل))
( الإرادة) (٣/٦ - ٤).
CON

rx
وزعم أبو الهذيل : أن إرادةَ الله تعالى غيرُ مراده ، وغيرُ أمره ، وأن
إرادتَهُ لمفعولاته غيرُ مخلوقةٍ على الحقيقة ، بل هي مع قوله للمخلوقات :
( كوني ) خَلْقٌ لها ، وأن إرادتَهُ لفعلٍ من أفعالِ غيره ليست بخَلْقٍ له ، وهي
غيرُ أمره به (١)
وزعم بشرُ بن المُعتَمِر وأتباعُهُ من القدريَّة : أن إرادةَ الله عزَّ وجلَّ على
ضربين : إرادةٌ وُصِفَ بها لذاته، وإرادةٌ هي فعلٌ من أفعاله(٢)
وإرادتَهُ التي وُصِفَ بها في ذاته يقال فيها(٣): إن الله عزَّ وجلَّ لم يزل
مريداً لجميع أفعاله وجميع طاعات عباده ؛ لأنه لا يجوزُ أن يعلمَ عالِمٌ
صلاحاً وخيراً ولا يريدُهُ ، فلمَّا كان عالماً بذلك في الأزل وجب أن يكونَ في
الأزل مريداً له .
والإرادةَ التي هي فعلٌ من أفعاله : فإنه إذا أراد بها فعلَ نفسه فهي خلقٌ
له ، وهي قبل الفعل ؛ لأن الشيئينٍ لا يكونُ أحدُهما بصاحبه وهما واقعان
معاً ، وإذا أراد بها فعلَ عباده فهي أمرُهُ [به](٤)
وزعمت الكراميَّةُ مجسّمةُ خراسانَ : أن الله عزَّ وجلَّ لم يزل مريداً
(١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٨٩-١٩٠).
(٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ١٩٠)، وعبارته فيه: (إرادة وصف بها الله في
ذاته ، وإرادة وصف بها وهي فعل من أفعاله ) .
(٣) لو قال: ( لذاته ) لكان أجلئ ؛ ليطابق مذهب القدرية .
٨
(٤) انظر ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (الإرادة) (٣/٦)، وهي عبارة قاضيهم
عبد الجبار نفسها ، وما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( بها ) ، وإنما يعود الضمير
على الفعل، والتصحيح من ( المغني)).
60000 9 00000
CON

بمريديّة في ذاته ؛ وهي قدرتُهُ على إحداث الإرادة في ذاته(١)
2
وزعموا : أن إرادتَهُ حادثةٌ في ذاته ، وأنه لم يصر بشيء من إراداته
مريداً ، بل كان مريداً في الأزل قبل حدوث الإرادة فيه (٢)
والكلامُ في أن المريدَ لا يكون مريداً إلا بإرادة .. كالكلام في أن العالِمَ
لا يكون عالماً إلا بعلم ، وقد تقدَّم ذلك قبل هذا(٣)
OO
والمسألةُ الخامسةُ
في أَنَّ اللهَ تعالى هل كانَ في الأزلِ مريداً
أو لم يكن مريداً ثمَّ صارَ مريداً
00
والكلامُ فيها مبنيٌّ على اختلافهم في صحَّة كونه مريداً على الحقيقة :
ومن زعم من القدريّة : أن وصفَهُ بذلك إنما هو على كونه فاعلاً لفعلٍ
نفسه ، أو آمراً بفعل غيره(٤) .. أحال وصفَهُ بذلك في الأزل ، ولم يثبت له
إرادةٌ على الحقيقة هي غيرُ فعله وأمره .
وأما الذين وصفوه بأنه مريدٌ على الحقيقة ، لا على معنى الفاعلِ ،
ولا على معنى الآمرِ .. فإنهم اختلفوا في إطلاق هذا الوصفِ له في الأزل :
فقال جمهورُ أصحابنا : إنه لم يزل مريداً بإرادةٍ ؛ صفةٍ له أزليَّةٍ قائمةٍ
(١) انظر (١ /٤٢٠)
(٢) انظر (٤٢٠/١).
(٣) انظر (٤٤٨/٢) .
(٤) وهو قول النظام والكعبي وبعض معتزلة بغداد. انظر (١ / ٥١٤).

به ، أراد بها جميعَ مراداته ، كما قالوا : إنه لم يزل عالماً بعلمٍ محيطٍ بجميع
المعلومات على التفصيل ، وكما لم يزل قادراً بقدرةٍ شاملةٍ [لجميع]
المقدورات على التفصيل(١) ، سامعاً بسمع رائياً برؤيةٍ محيطينِ بجميع
المسموعات والمرئيّات على التفصيل .
ووافقَنا النجَّارُ : على أنه لم يزل مريداً لكلِّ ما علم حدوثَهُ على الوجه
الذي علم أنه يحدثُ عليه، إلا أنه يزعمُ: أنه كان مريداً لنفسه(٢) ، كما
زعم: أنه كان عالماً لنفسه ، ولم يُثبِتْ له إرادةً، كما لم يُثبِتْ له علماً
ولا قدرةً .
وقد حكينا قولَ الكراميَّةَ : أنه لم يزل مريداً بمريديَّةٍ ، وأن إرادتَهُ صفةٌ
حادثةٌ فيه(٣)
واختلفت المعتزلةُ الذين وصفوا الله عزَّ وجلَّ بأنه مريدٌ على الحقيقة في
هذه المسألة :
000000
فقال أبو الهذيل : لم يكن في الأزل مريداً ، ثم صار مريداً بإرادةٍ حادثةٍ
أحدثَها لا في محلٌّ ، وإرادتُهُ غيرُ مراده وغيرُ أمره ، وإرادتهُ لمفعولاته
ليست بمخلوقةٍ على الحقيقة ، بل هي مع قوله لها : ( كوني ) خَلْقٌ لها ،
وإرادتُهُ لفعلٍ غيره غيرُ أمره، وليست بخَلْقٍ له (٤).
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( بجميع)، واللام للتقوية؛ إذ ما قبله متعدٍّ
بنفسه .ُ
(٣)
(٢) انظر (٣٧٩/١).
انظر (٣/ ٤٨٩).
(٤) انظر ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (الإرادة) (٤/٦)، وعبارته: (والمحكي =
٨

OOOO
ووافق الجبائيُّ وابنه أبو هاشم أبا الهذيل في حدوث إرادة الله عزَّ وجلَّ
لا في محلِّ ، لكنَّهما لم يجعلاها مع قوله لمفعولاته : ( كوني ) خلقاً
[لها] .
وزعم أبو هاشم : أن إرادتهُ وحدَها لفعله خلقٌ له .
وذهب بشرُّ بن المعتمر : إلى أن الله عزَّ وجلَّ قد كان في الأزل مريداً
لا بإرادةٍ ، وزعم أن الإرادةَ من الله عزَّ وجلَّ على ضربين : صفةُ ذاتٍ ،
وصفةُ فعل (١)
فالإرادةُ التي هي صفةُ ذاته : هو أن الله لم يزل مريداً لجميع أفعاله
وجميع طاعات عباده ؛ لأنه لا يجوز أن يعلمَ عالِمٌ صلاحاً وخيراً فلا
يريدَهُ ، فلمَّا كان لم يزل عالماً بذلك أجمعَ .. وجب كونُهُ في الأزل مريداً
له .
قال : والإرادةُ التي هي فعلٌ من أفعاله : فإنه إن أراد بها فعلَ نفسه فهي
كقوله ، وهي قبل الفعل المراد ؛ لأن الشيئين لا يكون أحدهما بالآخر إذا
=
عن شيخنا أبي الهذيل رحمه الله: أن إرادة الله غير المراد ، فإرادته لما خلقَهُ هي خلقُهُ
له ، وهي معه ، وخلق الشيء عنده غير الشيء ، وإرادته لطاعات العباد هي أمرُهُ بها ) ،
ثم ذكر قولين في أول من قال بأن إرادة الله لا في محلٌّ ؛ الأول : أنه جعفر بن حرب
الهمذاني (ت٢٣٦ هـ)، والثاني: أبو الهذيل العلاف ( ت٢٢٧ أو ٢٣٥ هـ).
(١) قال قاضي المعتزلة عبد الجبار في ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (الإرادة)
(٣/٦): (ولا خلاف بين المعتزلة في أن الإرادة من صفات الفعل)، ثم قال: (إلا
ما حكي عن بشر بن المعتمر أنه قال : إن الإرادة من الله على وجهين : صفة ذات ،
وصفة فعل ) .

.PAYOO
وُجدا معاً، وإذا أراد بها فعلَ غيره فهي الأمرُ به(١)
وحكى الكعبيُّ في ((مقالاته)) عن حفص الفرد: أن الإرادةَ من الله عزَّ
وجلَّ على ضربين :
إرادةٌ هي صفةٌ في ذاته ، وأنه أراد بها كلَّ مخلوقٍ من فعله وفعلِ غيره من
طاعةٍ ومعصيةٍ .
وإرادةٌ هي فعلٌ من أفعاله ؛ وهي أمرُهُ بالطاعةِ (٢)
فالإرادةُ الأولى على أصله : تقتضي أن يكونَ في الأزل بها مريداً ؛
لاستحالة حدوثٍ الحوادث في ذاته عنده وعندنا .
وإنما زعم أن إرادتَهُ الثانيةَ فعلٌ - وهي أمرُهُ بالطاعة - بناءً على أصله في
حدوث كلام الله عزَّ وجلَّ .
10oo
وزعم شيطانُ الطاقِ ، وزرارةُ بن أعينَ ، وعليُّ بن مِيثَم ، وأتباعُهم من
الروافض : أن الله عزَّ وجلَّ لم يكن مريداً ولا عالماً حتى أحدث لنفسه علماً
وإرادةٌ(٣)
وزاد زرارةُ القول : بأنه لم يكن حيّاً ولا قادراً حتى أحدث لنفسه هذه
الصفاتِ المُوجِبةَ لههذه الأوصاف .
وزعمت الكراميَّةُ مجسّمةُ خراسانَ : أن الله عزَّ وجلَّ إراداتٍ حادثةٌ في
(١)
انظر (٤٨٩/٣ ).
(٢) وقال بمثل قول حفص بشرٌ المريسي. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥١٥).
(٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٧، ٤٩٣).
00000 ٤٩٣ 00000

TODAYEGY
ذاته بعدد مراداته ، مع قولهم: بأن الله عزَّ وجلَّ لم يزل مريداً (١)
[ وجوهُ الاختلافِ في (الإرادةِ ) بينَ الكراميةِ والمعتزلةِ ]
والخلافُ بين الكراميّة وبين من قال بحدوث إرادة الله عزَّ وجلَّ من
المعتزلة . . من وجوه :
أحدُها : أن الكراميّة تقول : إن الإرادةَ الحادثةَ في ذات البارئ سبحانه
لا يكون هو بها مريداً (٢)
والمعتزلةَ تقول : إن الله تعالى مريدٌ بالإرادة التي أحدثَها لنفسه .
والثاني : أن المعتزلةَ تقول : إن إرادةَ الله تعالى مُحدَثةٌ .
والكراميَّةَ تزعم : أنها حادثةٌ غيرُ مُحدَثةٍ .
والثالثُ : أن المعتزلةَ قالت : إن الله عزَّ وجلَّ أحدث إرادتَهُ لا في
= (٣)
محل
وزعمت الكراميّة : أن إرادتهُ حادثةٌ فيه .
والوجهُ الرابعُ : أن الكراميّة قالت : بتقدُّم إرادة الله على مراده وقتاً
واحداً ؛ كتقدُّم الاستطاعة على الفعل ، والسببِ على المسيَّبِ .
(١) انظر (٤٢٠/١)، (٤٨٩/٣).
(٢) بل هو تعالى بزعمهم كان مريداً في الأزل قبل حدوث الإرادة فيه. انظر (١/ ٤٢٠).
(٣) وهو قول أبي الهذيل وبصرية المعتزلة ، وحكي مثله عن جعفر بن حرب كما تقدم تعليقاً
(٤٩١/٣ - ٤٩٢) .

وزعم الجبائيُّ وأتباعُهُ من المعتزلة : أن إرادةَ الله لبعض أفعاله تحدثُ مع
مراده ، لا قبلَهُ(١)
وأما أبو الهذيل : فإنه وافق الكراميَّةَ في أن إرادةَ الله عزَّ وجلَّ خلقٌ
للمخلوق(٢)، وأنها تحدثُ قبله(٣)
C
والدليلُ على النجَّاريَّةَ في إثبات إرادة الله عزَّ وجلَّ (٤) .. كالدليل عليه
وعلى المعتزلة في إثبات علم الله تعالى وقدرته .
والدليلُ على استحالة حدوث إرادةٍ لا في محلِّ ، خلافَ قول أبي الهذيل
والجبائيّ وابنه: أنه لو صحَّ حدوثُ إرادةٍ لا في محلٌّ لصحَّ حدوثُ كلِّ إرادةٍ
لا في محلِّ ؛ ألا ترى أن قائلاً لو قال : بحدوث لونٍ ما وحركةٍ ما لا في
محلٌّ .. لزمَهُ أن يجيزَ حدوثَ كلِّ لونٍ وحركةٍ لا في محلٌّ .
0000000
ولأن إرادةَ الله عزَّ وجلَّ عند هذه الفرقة من المعتزلة من جنس إرادتنا ،
فلو صحَّ وجودُ إرادته لا في محلٌّ لصحَّ وجودُ كلِّ ما هو من جنسه لا في
محلٌّ ؛ ألا ترى أن الجوهرَ الواحدَ لو صحَّ وجودُهُ لا في محلِّ لصحَّ وجودُ
كلِّ جوهرٍ لا في محلِّ ؛ لأنها جنسٌ واحدٌ ، ومن حُكْم المتجانسينِ أن يجوز
000
C
انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤١٨).
(١)
انظر (٢ /١٤٧) .
(٢)
(٣) قال الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤١٨): ( وقال أبو الهذيل : إن
إرادة البارئ مع مراده ، ومحال أن تكون إرادة الإنسان لكون الفعل مع الفعل ) ، وكذا
قال قاضي المعتزلة عبد الجبار في (( المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (٤/٦)،
فقول المصنف : ( إنه وافق الكرامية بأنها تحدث قبل المخلوق ) يُتأمَّل .
(٤) حيث أثبت أن الله مريداً لنفسه لا بإرادة كما تقدم (٤٩١/٣).
٠ ٤٩٥OOOO
حد

على كلِّ واحدٍ منهما ما يجوزُ على الآخر .
ولأنَّ الإرادةَ الحادثةَ عرضٌ، ولو صحَّ وجودُ عرضٍ لا في محلٌّ لصحَّ
وجودُ كلِّ عرضٍ لا في محلٌّ ، كما أنه لو جاز حدوثُ جسم لا في محلّ
صحّ حدوثُ جميعِ الأجسام لا في محلٌّ .
ولأنه لو صحَّ وجود إرادةٍ لا في محلٌّ لم يختصَّ حيٌّ من الأحياء بأن يريدَ
بها دون حيٍّ آخرَ ؛ إذ الإرادةُ لا تختصُّ بالمريد بها لكونه فاعلاً لها ؛ بدليل
أنه يصحُّ عندنا وعندهم أن يخلقَ الله عزَّ وجلَّ في قلب الإنسان إرادةً يكون
الإنسانُ بها مريداً دون خالقها(١)
فإذا لم تختصَّ الإرادةُ بالمريد من أجل أنه فاعلُها ، وكانت إرادةُ الله عزَّ
وجلَّ غيرَ قائمةٍ به ولا بغيره ، ولم يكن اختصاصُها به من أجل أنه فاعلُها ..
بطل أن يكونَ لها به اختصاصٌ دون غيره من الأحياء المريدينَ .
oor
ويجبُ من هذا أحدُ أمرين : إما أن يكون كلُّ الأحياء مريدينَ بتلك
الإرادة التي ليست في محلٌّ، فيجب حينئذٍ إرادةُ ( ... ) المريد(٢)،
وكلاهما فاسٌ محالٌ .
ولأن إرادةَ الشيء تضادُّ الكراهيةَ له من الوجه الذي تعلَّقت الإرادةُ به (٣).
(١) انظر (( المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) (ص٣٥٤).
٢٨
(٢) كذا في جميع النسخ ، فسقط تمام الأمر الأول ، وصدر الأمر الثاني ، ولعله أراد :
فيجب حينئذ إرادة المراد الحاصل بأحد المريدينَ ، أو اجتماع أكثر من إرادة على مراد
واحد ، والله أعلم .
(٣) فمن أراد كون شيء كره فقدَهُ، وإذا أراد فقدَهُ فقد كره كونه . انظر ((مجرد مقالات
الأشعري)» ( ص٧١٩) .
CON

Y
a
والضدَّان لا يتضادّان إلا على ما يتضادُّ عليه الكونان(١)؛ ألا ترى أن الإرادة
والكراهيةَ منَّا إنما تضادّتا على محلٌّ واحد ؛ لاستحالة اجتماع كون جسمينٍ
أو جوهرينٍ في محلُّهما ؟!
فلو كانت إرادةُ البارئ عزَّ وجلَّ وكراهيتُهُ [متضادتين] لا في محلٌّ (٢) ..
لصَّ تضادُّ كونِ جوهرينِ لا في محلٌّ ، حتى لا يوجدُ جوهرانٍ إلا في
محلٌّ ، وهذا فاسدٌ ، فما يؤدّي إليه مثلُهُ .
وأيضاً : فلو جاز حدوثُ إرادةِ الله عزَّ وجلَّ لا في محلٌّ .. لم يكن
للموحِّدينَ سبيلٌ إلى إثبات توحيد الصانع بدلالة التمانع(٣)، وكان للثنويَّةً أن
يقولوا لههذه الفرقة من المعتزلة : ما أنكرتم من وجود صانعينِ حيَّيْنِ
لا يختلفان في المراد ؛ لأن كلَّ إرادةٍ [يحدثُها] أحدُهما وجب أن يريدا جميعاً
بها(٤)؛ لوجود تلك الإرادة لا في محلِّ، فلا يجوز اختصاصُ أحدِهما بها من
حيث لم تقم بواحدٍ منهما ، واختصَّت بالمريد من حيث إنه فاعلُها ؟!
وهذا نظيرُ قول الجبائيِّ وابنه في فناء الأجسام : إنه إذا وُجِدَ لا في محلِّ
لم يختصَّ به حكمُ بعض الجواهر دون بعض ، ويجب أن تفنى به جميعُ
الجواهر (٥)
(١) لأن المتضادين يجب أن يشملهما جنسٌ واحد، ولأن التضاد لا يكون في الجواهر
والأجسام ، وإنما يكون في الأعراض، وهو مذهب جمهور المتكلمين. انظر (٣٠٦/١).
ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( متضادين ) .
(٢)
(٤) ما بين المعقوفين في (أ): (تحدث)، وفي ( ب، ج): ( يحدثه ).
(٣)
انظر (٣٤١/٣) .
(٥) انظر (٦٨٩/١).

وقَوْدُ هذا الأصل في الفناء وفي الإرادة يؤدِّي إلى إبطال دلالة التمانع في
باب التوحيد (١) ، وما أدّى إلى إفساد الصحيح فهو فاسدٌ.
وقد مضى الكلامُ على الكراميّة في إبطال قولهم بحدوث الإرادة والقولِ
والملاقاة في ذات البارئ سبحانه قبل هذا بما فيه كفايةٌ (٢)
والمسألةُ السادسةُ
في أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ هل أرادَ حدوثَ كلِّ ما حدثَ في العالم ؛ مِنْ
خيرٍ وشرٍّ ونفع وضرٍّ ، أو أرادَ حدوثَ بعضٍ الحوادثِ دون بعضٍ
اختلف المثبتونَ لله عزَّ وجلَّ مريداً على الحقيقة .. في ذلك :
فقال أصحابُنا : قد أراد الله سبحانه حدوثَ كلِّ ما علم حدوثَهُ على
الوجه الذي علمَ حدوثَهُ عليه ، ولم يزل مريداً كونَ ما علم كونَهُ في الوقت
الذي علمَ [كونَهُ] فيه ، ومريداً ألا يكونَ كلُّ ما علمَ أنه لا يكون إذا كان ممَّا
يصحُ کونُهُ وحدوثُهُ(٣)
[ اختلافُ أهل الحقِّ في إطلاقِ القولِ بإرادتِهِ تعالى للكفرِ والمعاصي ]
واختلف أصحابُنا في إطلاق القول بإرادته للمعاصي والكفر على
التفصيل :
(١) وقوله: (وقود) في (أ): (وقرر)، وفي هامشها: (وورود) من غير إشارة إلى
تصحيح أو كونها نسخة .
(٢)
انظر (١ /٤٣٥ ) .
(٣) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٦٩). وهو محل إجماع عند الأصحاب كما نبه
عليه الإمام المصنف في (( أصول الدين)) ( ص١٤٥ ).
100000 9400000

a
فمنهم من قال في الجملة : إن الله سبحانه مريدٌ حدوثَ كلِّ ما علمٌ
حدوثَهُ ، ولا يكون في سلطانه إلا ما يريد كونَهُ ، ولا ينتفي من مُلْكِهِ إلا
ما أراد انتفاءه ، كما أطلقَهُ المسلمون في قولهم : ( ما شاء الله كان ، وما لم
يشألا يكون )(١)
ولم يقل في التفصيل : إنه أراد الكفرَ به والفريةً عليه(٢) ، أو شيئاً من
المعاصي بأسمائها المختصَّة بها .
وقال : هذا كلُّهُ كقول المسلمين في الجملة عند الدعاء : يا خالقَ
الأجسام، ورازقَ الأنعام ، ولا يقولون في التفصيل : يا خالقَ الأنتان
والأقذار، والكلابِ والأنجاس والخنازير ، ولم يقولوا أيضاً : يا خالقَ الدود
والعقربِ ، وإن كان في الحقيقة هو خالقَها كلُّها ، والرازقَ لكلِّ مرزوق .
كذلك نقولُ في الجملة : إنه مريدٌ لكلِّ ما علم حدوثَهُ ، ولا نقول في
التفصيل : إنه مريدٌ للكفر وسائرِ المعاصي ، وإن كان حدوثُها بمشيئته
وإرادته .
00
ونظيرُها أيضاً : قولُنا في الجملة : ما دون الله ضعيفٌ ، ولا يقال على
التفصيل : إن دينَ الله ضعيفٌ؛ لأنه يوهمُ الخطأ(٣)
ـه
(١)
انظر (٢ / ٢٨١) .
(٢) في (ب): (والعربة)، وفي هامش (أ) كتب: (القدرة)، قال تعالى: ﴿قَدِ أَفْتَرَيِّنَا
عَلَى اَللَّهِ كَذِهَا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَِّحِكُم بَعْدَ إِذْ نَنَّنَا ◌َللَّهُ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ٨٩] .
(٣) قال العلامة ابن العربي المالكي في ((الأمد الأقصى)) (٢٤٨/٢): (إذا قلنا فى
الجملة : ((إن قضاء الله حقٌّ)) جازَ وإن كان كفر الكافر من قضائه، ولا نقول: (( إن
الكفر حقٌّ )»، کما نقول: (( إن ما دون الله ضعيف )) ، والإسلام دون الله ، ولیس =
00000 ٤٩٩

Ooo
YO
وهذا تفصيلُ شيخنا أبي محمد عبدِ الله بن سعيد رحمةُ الله عليه ،
وطائفة من قدماء أصحابنا (١)
ومنهم من قال : لا أقتصرُ في التفصيل على قولي : ( إن الله أراد الزنا
والكفرَ وسائرَ المعاصي) .. حتى أقرنَهُ بقرينةٍ فأقول : ( أراد من الكافر
الكفرَ كسباً له ، قبيحاً منه ) ، وكذلك كلُّ معصيةٍ أراد حدوثَها من العاصي
بها كسباً له ، قبيحاً منه، مذموماً عليها(٢) ، وبهذا التقييد يزولُ الإبهام الذي
احترزَ منه الأؤَلون، وهذا قولُ شيخنا أبي الحسن الأشعريِّ رحمه الله(٣)
O
ونظيرُهُ في التقييد : أن المؤمنَ لا يقال له : ( إنه كافرٌ) على الإطلاق ،
ولكن يقال على التقييد : ( إن المؤمنَ بالله كافرٌ بالجبت والطاغوت ،
٨
بضعيف؛ لأنا إذا قلنا: (( الإسلام ضعيفٌ)) كان خطأً، وإذا قلنا في الجملة : « ما
=
دون الله ضعيف)) اقتضى ذلك وصفه بالقدرة والسلطان ، ومثل هذا في الكلام كثير ) .
(٢) كذا في جميع النسخ على أنها أحوال ، ولو قيل: ( كسبٌ، قبيحٌ، مذمومٌ) لصحَ
(١)
انظر (( أصول الدين)) للمصنف (ص ١٤٥ - ١٤٦).
(٣) انظر ((اللمع)) له (ص٨٤)، وعبارته: (فإن قال: أو تقولون: إن الشرّ من الله
تعالى ؟
O
POOO
قيل له : من أصحابنا من يقول : بأن الأشياء كلها من الله بالجملة ، ولا يطلق بلفظ الشر
أنه من الله تعالى ؛ كما يقال : الأشياء كلها لله في الجملة ، ولا يقال على التفصيل :
((الزوجة والولد)) الله تعالى - يعني: زوجة العبد وولده -، وكما نقول في الجملة:
ما دون الله ضعيف ، ولا يقال على التفصيل : دين الله ضعيف .
فأما أنا فأقول : إن الشرّ من الله تعالى بأن خلقه شرّاً لغيره ، لا له ) .
وقال الأستاذ ابن فورك في (( مجرد مقالات الأشعري)) (ص٧٠) حكاية عن الإمام
الأشعري : ( وكان يقول : إطلاق ذلك يوهم الخطأ ؛ لأجل أنه يقال : قد أراد كذا ؛
بمعنى : أمر به ، على توسع اللغة ، وما يوهم الخطأ من إطلاق الألفاظ فالمنع منه
واجب ) .
CON