النص المفهرس

صفحات 461-480

CO
وقيل : المرادُ بالقسط : الرزقُ الذي هو قِسطُ كلِّ مرزوقٍ ، فيَرفعُ لمن
يشاء في رزقه ، ويخفضُ لمن يشاء من رزقه(١)؛ ومنه قولُهُ تعالى: ﴿لِيُفِقْ
ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَيْةِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَانَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
والقسطُ أيضاً : اسم الإناء الذي هو نصف صاع (٢) ؛ ومنه الحديث :
((إنَّ النساءَ أسفهُ السفهاء، إلا صاحبةَ القِسْطِ والسراج))(٣)؛ أي: التي
تقومُ على رأس بعلها بالسراج وبالإناء توضّتُهُ وتَخدُمُهُ(٤)
(١) انظر ((غريب الحديث)) للخطابي (٦٨٤/١).
(٢)
انظر (٣ / ١٦٤ ).
(٣)
انظر (٣/ ١٦٤ ) .
انظر ((غريب الحديث)) للخطابي (٧٢٨/١)، و((الغريبين)» (١٥٤٢/٥).
(٤)
100000
م

قاضي الحاجات
ومنها : ( قاضي الحاجاتِ )؛ لأنه لا يقضيها غيرُهُ .
ويجوز أن يقالَ : إن الله عزَّ وجلَّ قاضي الحاجات ، ولا يقال له :
(القاضي ) على الإطلاق، ولا ( الحاكمُ) على الإطلاق ، وإن قيل فيه :
إنه يفعلُ ما يشاء ويحكمُ ما يريد ، وقد ورد القرآنُ: بأن الله عزَّ وجلَّ يقضي
الحقَّ(١) .. إلا أن الشرعَ لم يَرد بتسميته قاضياً وحاكماً على الإطلاق ، وورد
بتسميته حَكَماً ، وبأنه أحكم الحاكمين ، كما بيَّنَّه قبل هذا(٢).
O
(١) قال تعالى: ﴿وَاللّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠].
(٢)
انظر (٤٠/٢) .
قد يقال : قد أثبت المصنف أسماءً لم يرد الشرع بتسميته بها سبحانه على الإطلاق ؛
لدلالة القرآن عليها، فلِمَ استثنى هنا ( القاضي) و( الحاكم)، وأثبت هناك مثلاً
(المتوفِّي) و(المسمع)، مع أنهما وردا مقيدين بتوفي الأنفس وإسماع الصم ؟
والجواب والله أعلم : أننا وجدنا في القضاء والحُكْم ما يدلُّ عليهما من أسمائه عز
وجل ؛ كـ ( الحَكّم) و( أحكم الحاكمين ) ، ولم نجد من أسمائه تعالى ما يدلُّ على التوفي
والإسماع ؛ فجاز إثباتهما اسمين بمجرَّد دلالة القرآن عليهما وهما من الاشتقاق نفسه .
ثم لا يقال : ( الرائي ) أثبته المصنف وفي القرآن والسنة التصريح باسم في معناه ؛ وهو
( البصير ) .
لأننا نقول : إنهما قد اختلفا في الاشتقاق اللفظي .
فإن قيل: فِلِمَ لا نسميه تعالى بـ ( القاضي)؛ إذ إن اسم ( الحَكَم ) وإن دلّ عليه فإنه
=
يخالفه في الاشتقاق .
000000

GNOY
مسبب الأسباب
ومنها : ( مُسبِّبُ الأسباب ) ؛ جمعُ سببٍ .
والسببُ : كلُّ ما يُتوصَّلُ به إلى غيره .
ويقالُ للطريق إلى الشيء : سببٌ .
وللحبل الذي يُتوصَّلُ به إلى الماء في البئر : سببٌ .
ويقال للباب : سببٌ .
﴿ فَأَنْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥]؛ أي: طريقاً(١).
وقولُهُ تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥]؛ أي: بحبلٍ إلى
السقف(٢).
وقولُهُ: ﴿فَلْيَتَقُواْ فِى الْأَسْبَبِ﴾ [ص: ١٠]؛ قال مجاهد: أسبابُ السماء
طرقُها(٣) ، وقال قتادة: أبوابُها (٤)
فالجواب : أن المصنف لم يمنع من تسميته تعالى بـ ( القاضي ) ، بل أوجب التقييد
=
المذكور في الكتاب والسنة ؛ كـ ( قاضي الحاجات ) ، واسمه تعالى ( الرائي ) لم يرد
في دلالة القرآن مقيداً؛ قال تعالى: ﴿ أَلَّيَعْلَم ◌ِأَنَّ النَّهَيَرَى﴾ [العلق: ١٤].
(١) قاله مجاهد كما رواه الطبري في ((تفسيره)) (٩٥/١٨).
قاله سيدنا ابن عباس رضى الله عنهما كما رواه الطبري في ((تفسيره)) (١٨ /٥٨١).
(٢)
(٣)
رواه الطبري فى (تفسيره)) (١٥٦/٢١).
(٤) رواه الطبري في ( تفسيره)) (١٥٦/٢١).
00000,٤٦٣ 00000

COooD
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]؛ أي: الوُصَلُ
والموذَّاتُ(١)، وذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( كلُّ سببٍ ونسبٍ
ينقطعُ يومَ القيامةِ، إلا سبَبي ونسَبي))(٢)؛ أي: من توصَّلَ إلى الله عزَّ وجلَّ
بغير شرعي تقطّعت به الأسبابُ .
٥
فإذا صحَّ هذا : فالله سبحانه مُسبِّبُ الأسباب ؛ أي : خالقُ الوصائل
والوسائل ، ومبيِّنُ كلِّ طريق ، وميسِّرُ كلِّ عسير .
O
(١) قاله مجاهد كما رواه الطبري في ((تفسيره)) (٢٨٩/٣-٢٩٠)، وانظر (( الغريبين))
(٣ /٨٥١ ) .
(٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٠٣٥٤)، والطبراني في (( المعجم الكبير))
(٤٤/٣)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٤٢/٣) من حديث سيدنا عمر بن الخطاب
رضي الله عنه .
00000 ٤٦٤ 100000

O
DO
DC
مفتح الأبواب
ومنها : ( مفتِّحُ الأبوابِ )، وهو من قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ
اُلْغَيْبٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] (١) .
والمفاتحُ : جمع مِفْتَح(٢)؛ مثل: دراهم جمع درهم ، والمفاتيحُ:
جمعُ مفتاح ؛ مثل : قراطيس جمع قرطاس(٣)
000000V
و
(١) قال الزجاج في ((معاني القرآن)) (٢٥٧/٢): ( أي: عنده الوصلة إلى علم الغيب ).
(٢) أما المفاتح التي في قوله تعالى: ﴿ وَءَانَيَْهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَمُ لَنَنُوْأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِ الْقُوَّةِ﴾
[القصص: ٧٦] .. فمعناها : الخزائن .
(٣) قال الأزهري في (( تهذيب اللغة)) (٢٥٨/٤): (ويقال الذي يُفتَحُ به المغلاق: مِفْتَح
بكسر الميم ومفتاح ، وجمعهما : مفاتحُ ومفاتيحُ ، وهذا قول التحويين ) .
COR
٤٦000000 00000

O
منزل البركات
ومنها : ( مُنزِّلُ البركاتِ ) ، والمرادُ به: إنزالُ المطر والثلج والأرزاق
من السماء(١) ، وإنزالُ الوحي من السماء على رُسُلِهِ عليهم السلام ؛ فإن
الوحيّ أصلُ البركات كلِّها .
وأصلُ البركة : الاتساعُ في الخيرات(٢) ، والخيراتُ أجمعُ من الله عزَّ
وجلَّ ، فصحَّ أنه مُنزِّلُ البركاتِ وخالقُها .
(١) الحسية والمعنوية، ومن الحسية: إنزال المائدة المذكورة في قوله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى
أَبْنُ مَرْيَمَ الَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآَيَدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا وَءَايَةً مِّنٌ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ
خَيْرُ الزَّرِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤].
ومنها أيضاً : المنُّ والسلوى، المذكوران في قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾
[البقرة : ٥٧] .
(٢) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٣٠/١٠)، و((الغريبين)) (١٧٢/١).
Y
00000 8 7700000

ثيمات
فأما قولُ العامة في دعواتها : يا رجاءنا ، ويا غياثنا ، ويا ظهرَ الأغنياء ،
ويا كنزَ الفقراء .. فذلك كلُّهُ مجازٌ(١) ، لا يجوز إطلاقُ شيء منه على الله عزَّ
وجلَّ (٢) ، إلا أن يكونَ قد ورد بتسميته فيه توقيفٌ أو سنَّة؛ إذ ليس ذلك في
القرآن ، ولا ممَّا أجمعَ عليه علماءُ السلف .
ولكن يجوزُ أن يقال: يا مُرتجَى، بدلاً من أن يقال: يا رجاء(٣)
ولا يجوزُ أن يقال : يا غياثَ المستغيثينَ(٤)، وإنما يقال: يا مُغِيثَ كلِّ
مُغاثٍ .
(١) يعني: يا مَنْ كرمُهُ لا يتخطاهُ أَمَلُنا ورجاؤنا ، ويا من منه يكون غياتُنا ، ويا من اغتنى
الأغنياء من فضل عطائه ، ويا من هو ملجأ الفقراء عند كل حاجة ، وهي كما ترى
إطلاقات مؤسسة على المجاز المرسل .
(٢) لا من باب التسمية، ولا من باب الدعاء - كما يظهر - عند المصنف، وتَحرِّي الأدب
في مخاطبة الحقِّ سبحانه أولئ من التماس الأعذار لأشجان النفس ، وأهلُ العرفان من
الأنبياء والرسل وكُمَّلِ الأولياء أخبرُ وأعلمُ، فاتباعُهم أحكمُ وأسلم ؛ إذ إن كلامهم
يكون على قدر معرفتهم ، وحاكي كلامهم مع التسليم لهم حائزٌ لما ضمَّنوه في طيات
عبائرهم من معانٍ شريفة قد لا تخطر على باله القاصر .
(٣) إذ تسميته تعالى بالمصادر تحتاج إلى توقيف ، ووصفه بها لا يخلو عن تأويل ، وأما
وصفه بالمشتقات إن كانت صحيحة المعنى والإطلاق عليه سبحانه .. فهو حقيقة
لا تعنُّت فيها .
(٤) روى الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (١٤٥) من حديث سيدنا حذيفة بن اليمان
رضي الله عنهما قال: ( جاء جبريل إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا محمد ؛=
00000 8 V,000

ويجوزُ أن يقال : يا مُعِيذُ ، ولا يجوزُ أن يقال : يا عِياذُ ، ولا يا
مَعَاؤُ(١)
وهو المعيذُ على الحقيقة ؛ ولذلك يقال : نعوذُ بالله من الشيطانِ
الرجيم .
وقولُهُ تعالى: ﴿مَعَاذَ اَللَّهِ﴾ [يوسف: ٢٣] ؛ أي: أعوذ بالله؛ يقالُ منه :
عُذْتُ عِياذاً ومعاذاً وعَوْذاً(٢)
والعَوَذُ بفتح العين والواو : ما عُذْتَ به ؛ يقال : هو عَوَذي(٣)، ولكن
لا يقال لله : عَوَذٌ؛ لأنه لم يرد الشرعُ له بهذا الاسم .
OC
وفي الحديث : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تزوَّج امرأةً ، فلمّا دخلت
عليه قالت : أعوذُ بالله منك! فقال: ((لقد عُذْتِ بمَعَاذٍ ، فالحقي
بأهلِكِ )) (٤) ، فالله مَعاذُ مَنْ عاذ به .
وعلى هذا الوجه : يجوزُ أن يقال لله : ( مَعاذٌ) بفتح الميم ، ولا يقالَ
له : مُعاذ ؛ لأنه يعيذُ ولا يُعاذ .
ما بعثت إلى نبيٌّ قطُّ أحبَّ إليَّ منك، ألا أعلِّمك أسماءً من أسماء الله، هنَّ من أحبُّ
=
أسمائه إليه أن يدعى بهنَّ)، ثم ذكر منها : ( يا غياث المستغيثين ) ، ولعل المصنف لو
حضره هذا الأثر لم يمنع من هذه العبارة .
(١) قوله: (مَعاذ) على أنه مصدر ، وأما بتقدير اشتقاقه فسيأتي جواز إطلاقه ، بل وروده
في السنة .
(٢) انظر ((الغريبين)) (١٣٤١/٤)، والعَوْذُ: الالتجاء، والعَوَذُ: الملجأ. انظر ((تهذيب
اللغة)) (٩٣/٣ - ٩٤)، و(( تاج العروس» (ع وذ).
(٣) انظر ((الغريبين)) (٤/ ١٣٤٢).
(٤) رواه بنحوه البخاري (٥٢٥٥) من حديث سيدنا أبي أَسَيْدٍ الأنصاري رضي الله عنه.
00000, ٦٨ ٤ 00000

TODAY.PAY CO
00
وفي الحديث : (ومعهم العُوذُ المطافيلُ)(١) ؛ يعني: النساءَ والصبيان(٢).
والعُوذُ : جمعُ عائذ ؛ وهي الناقةُ التي وضعت إلى أن يقوى ولدُها ،
والمطافيلُ : جمعُ مُطْفِل؛ وهي الناقةُ معها فصيلُها(٣)
وقد بقي من شرح أسماء الله عزَّ وجلَّ .. [بيانُ] ما تعلَّقَ من أسمائه
وأوصافه بكلامه وإرادته ومشيئته(٤) ، ونفردُ لذلك بابين بعد هذا إن شاء الله
عزَّ وجلَّ .
د
-٠
000000000
00000
(١) رواه البخاري (٢٧٣١) من حديث سيدنا المسور بن مخرمة رضي الله عنه ومروان بن
الحكم .
(٢)
انظر ((الغريبين)) (٤ / ١٣٤٢ ).
(٣)
انظر ((الغريبين)) (٤ / ١٣٤٢ ).
(٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( وبيان) .
٤79700000 160000
10

Arravor
OOC
ONCZONYANCZONY
00000000
O

O
bOOK
ta
٥
باب
في بيان ما يتعلق من أوصاف الله تعالى
بـ (الإرادة) وذكر بعض مسائلها
O
10
5
٪
00

LONDRA
AX
O

باب
في بيان ما يتعلق من أوصاف الله تعالى
بـ (الإرادة) وذكر بعض مسائلها
اعلمْ : أنَّ الكلامَ في هذا الباب يتضمَّنُ مسائلٌ كثيرةٌ (١):
المسألةُ الأولى منها
الكلامُ في معنى ( الإرادة) و(المشيئة) وصفاتِهما (٢)
وهما عندنا : بمعنى القصدِ والاختيارِ (٣)
وزعمت الكراميَّةُ : أن المشيئةَ الأزليَّة صفةٌ واحدةٌ تتناول ما شاء الله عزَّ
وجلَّ بها من حَدَثٍ يَحدُثُ ، وإرادةَ الله غيرُها ، وإرادتَهُ حادثةٌ في ذاته قبل
حدوثٍ مراداته على عدد مراداته(٤)
2000
وقلنا : مشيئتُهُ إرادتُهُ ، وهي متعلّقةٌ بحدوث جميع الحوادث على
سيذكر الإمام في هذا الباب ستَّ مسائل .
(١)
سيأتي في هذه المسألة : أن الشهوة والتمني وصفانٍ للإرادة في بعض وجوهها ؛ فكلٌّ
(٢)
من الشهوة والتمني إرادة ، ولا عكس .
(٣) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٦٩)، و((رسالة الحرة)) المطبوع باسم
((الإنصاف)) (ص ١٣ ) .
(٤) وهذا قول بعض الكرامية ، وخالف في ذلك بعضهم ، فلم يفرق بين الإرادة والمشيئة ،
وزعم أنهما صفة حادثة في ذاته . انظر (٤١٩/١ - ٤٢٠).
00000 00000

2
oo
حَسَب تعلُّقِ علمِهِ بها ؛ في معنى : أنه أراد حدوثَ كلِّ ما عَلِمَ منها على
ما عَلِمَ من حدوثه عليه .
وقد ذكرنا قبل هذا قولنا : في رجوع الرحمةِ والمحبَّةِ والولايةِ : إلى
إرادة الثوابِ والإنعام أو الخيرِ أو النفع بالمرحوم والمحبوب ، أو إرادة
الطاعةِ للمحبوب في وصف العبدِ بأنه يُحِبُّ ربَّهُ سبحانه ، ورجوع البغض :
إلى إرادة العقاب والعذاب ، ورجوع العداوة من الله عزَّ وجلَّ: إلى إرادته
تخليدَ من عاداه في العذاب ، وهذا قولُ شيخنا أبي الحسن الأشعريِّ
رحمه الله (١)
وتأوَّلَ القلانسيُّ من أصحابنا رحمةَ الله عزَّ وجلّ : على إنعامه ونعمِهِ ،
وزعم : أن الرحمانَ الرحيمَ من الأوصاف المشتقَّةِ من أفعالٍ ، ولم يكن
موصوفاً بها في الأزل ، وكذلك قولُهُ في محبّةِ الله لعبده : إنها راجعةٌ إلى
إنعامه عليه(٢)
وقال شيخُنا أبو محمد عبدُ الله بن سعيد : برجوع محبَّته ورضاه : إلى
كون الشيءٍ عنده حسناً ، ورجوع سخطه : إلى كون الشيء عنده قبيحاً ،
وتأويلُ هذا : رجوعُهُ إلى علمه بحال المرضيِّ والمسخوطِ(٣)
(١)
انظر (٢ /٢٣٦).
(٢)
انظر (٢ / ٢٣٧).
(٣) أرجع الإمام المصنف المحبة والرضا والغضب والسخط عند الإمام ابن كُلاب إلى صفة
العلم، وهو خلاف ما ذكره (٢٣٨/٢)، وما نقله الأستاذ ابن فورك في « مجرد
مقالات الأشعري ( ص ٤٥) من إرجاع ذلك إلى صفات الفعل ، ونص الإمام الأشعري
في (( مقالات الإسلاميين)) (ص٥٨٢) على رجوع ذلك عند ابن كلاب إلى صفات
الذات .
COO٤٧٤ ٠٥, 00000
حد

وقد قال أكثرُ أصحابنا : إنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يزل غضبانَ على من علم أنه
يكون مُخلَّداً في النار ، وراضياً عمَّن علمَ أنه يوافيه على الإيمان به وبرسله
و کتبه (١)
واختلف مخالفونا في هذه المسألةِ :
فقال سليمانُ بن جرير وأتباعُهُ من الزيديَّة : إن الله تعالى لم يزل غضبانَ
على من علم أنه يموتُ كافراً ، راضياً عمَّن علم أنه يموتُ على طاعته ،
موالياً لأوليائه معادياً لأعدائه ، وإن العبدَ قد يكونُ مؤمناً واللهُ ساخطٌ عليه
معادٍ له إذا علم أنه يموتُ كافراً(٢)
وهذا القول قريبٌ من قول شيخنا أبي الحسن رحمه الله
وزعمت القدريَّة : أن الرضا والسخطَ والولايةَ والمحبَّةَ من صفات
الفعل ، وأن الله تعالى لا يرضى ولا يسخطَ ولا يوالي ولا يعادي إلا عند
وجود الأفعال المُوجِبة لههذه الأسماء عندهم(٣)
O
000000
(١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (٤٥)، قال الإمام الباقلاني في « رسالة الحرة)) (٤٣)
المطبوع باسم ((الإنصاف)): ( واعلم : أنه لا فرق بين الإرادة والمشيئة والاختيار
والرضا والمحبة على ما قدمنا ، واعلم : أن الاعتبارَ في ذلك كله بالمآل لا بالحال ) ،
ثم ضرب على ذلك مثالاً بسحرة فرعون ، وإبليس ، وغيرهم ، وقال : ( وقد سئل
الجنيد رضي الله عنه عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ﴾ .. فقال:
هم قوم سبقت لهم العناية في البداية ، فظهرت لهم الولاية في النهاية ) .
(٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٧٠)، و(( المغني في أبواب العدل والتوحيد))
( الإرادة) (٥/٦) .
(٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥٨٢)، وأرجعها قاضيهم عبد الجبار في « المغني
في أبواب التوحيد والعدل)) ( الإرادة) (٥١/٦) إلى صفة الإرادة ، ولا خلاف عندهم=

rATorAYYYOO
واختلفت الكراميَّةُ في هذه المسألة :
فذهب المعروفُ منهم بابن المازنيِّ : إلى أنَّ الرضا والسخطَ والولايةَ
والعداوةَ والمحبَّةَ من الله عزَّ ذكره . . أفعالٌ لا تُعلَمُ معانيها إلا بالخبر ، ولم
يَرِدْ بتفسيرها الخبرُ .
وزعم آخرون منهم : أن الحبَّ والبغضَ معنيانِ غيرُ الإرادة والكراهية ،
ولا يدخلان تحت قُدَرِ العباد .
ونحن إذا قلنا : ( إنها من جنس الإرادات ) فإنَّ الإراداتِ الحادثةَ يصحُ
كونُها مقدورةً للعباد .
[ الكلامُ على الشهوةِ ]
وأما الشهوةُ : فهي عندنا إرادةُ ما فيه نفعٌ أو لذةٌ للمريد ، وليس إرادةُ الله
سبحانه شهوةً ؛ لأنه لا يريدُ بها لنفسه لذةً ولا نفعاً ، وإنما يريدُ بها نفعَ غيرِهِ
وإضرارَهُ غيرَهُ(١)
0000
وزعم البغداديون من المعتزلة : أن الإرادةَ هي الشهوة(٢) ، وألزموا
في أن الإرادة من صفات الفعل. انظر الكتاب نفسه ( الإرادة) (٣/٦).
11
انظر (( مجرد مقالات الأشعري)) (ص ٤٥).
(١)
(٢) وهو مذهب بعض بغدادية المعتزلة؛ قال النيسابوري في (( المسائل في الخلاف بين
البصريين والبغداديين)) ( ص٣٦٨): ( الظاهر من مذهب البغداديين : أن شهوة القبيح
تكون قبيحة ، ليس لأجل أن عندهم الشهوةَ هي الإرادة ، فإن أبا القاسم فصل بين
الشهوة وبين الإرادة في موضع من (( عيون المسائل)) فقال: وهذا يقتضي أنه كان
يذهب إلى أن الشهوة غير الإرادة ) .
٠٠٥٥٥ ٤٧٦

Oo
ـومـ
YOY.
ـحدة
البصريين منهم : أن يكونَ الله تعالى مُشتهياً إن كان مريداً ، وألا يكونَ مريداً
إذا لم يكن مُشتهِياً ، وهم يمتنعون من وصف الله عزَّ وجلَّ بالإرادة على
- (١)
الحقيقة
وفرَّقَ الجبائيُ بين الإرادة والشهوة : بأن الشهوةَ للشيء قد تجامعُ
الكراهةَ له ، وإرادةَ الشيء لا تجامعُ الكراهةَ له .
وزعم : أنه يجوزُ أن يكون الإنسانُ مُشتِهِياً لِمَا لا يكونُ له مريداً .
وزعم : أن الصائمَ الشديدَ العطش يشتهي شُربَ الماء ولا يريدُ شربَهُ ،
بل يكرهُهُ ، وأنه لو أراد شربَهُ صار بههذه الإرادة مُفطِراً.
وقال أيضاً : إن المريضَ يريدُ شرب الدواء ولا يشتهيه .
فالشهوةُ عنده : تَوَقَانُ النفس إلى الشيء، ويصحُّ مجامعتُها
لكراهيته (٢)
00
وفرَّق أبو هاشم بين الإرادة والشهوة بأن قال : إن الشهوةَ : ما للمشتهي
فيها لذةٌ من جهة الحواسِّ ؛ إما التذاذٌ بما يسمعُ ، أو بما يذوقُ ، أو بما
يبصرُ، أو بما يَشَمُّ، أو بما يَمَسُّ، والإرادةُ لا تختصُّ بما يتعلَّقُ
بالحواسِ .
واختلفت المعتزلةُ في خالق شهَواتِ الزنا والمعاصي في الحيوانات :
فزعم البغداديون منهم : أن الله عزَّ وجلَّ لم يخلق لأحد شهوةَ الزنا ،
(١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٥)، وممن قال بنفي إرادة الله على الحقيقة
النظام والكعبي. انظر ((شرح الأصول الخمسة )) (ص٤٣٤)، وما تقدم (٥١٤/١) .
(٢) انظر ( شرح الأصول الخمسة)) (ص٤٣٣) في تفريقه بين الإرادة والشهوة.
0000D EV 00000

2
ولا شهوةَ شيء من المعاصي، كما زعموا : أنه ما خلقَ لأحد إرادةَ المعصية.
وزعم البصريون منهم : أنه خالقٌ لشهوات الإنسان للزنا والمعاصي ،
ولا يجوزُ أن يخلقَ إرادةَ الزنا والمعصية(١)
فقال لهم أصحابُنا مع البغداديين : لِمَ لا يجوزُ أن يخلقَ للعبد إرادةَ
السفه والمعصية ؟
[فقالوا](٢): لأنه لو خلق إرادةَ السفه لكان سفيهاً.
فقلنا جميعاً : يلزمكم إنْ خلقَ شهوةً الزنا والسفه أن يكون سفيهاً !
فقالوا : إن شهوةَ الزنا ضرورةٌ في الإنسان ، فلا يصيرُ الإنسان [بها]
سفيهاً ولا فاعلُها فيه(٣).
O
0000
فقلنا لهم : أجيزوا أيضاً أن يخلقَ الله عزَّ وجلَّ إرادةً ضروريَّةٌ للزنا ، فلا
يكونَ المريدُ بها سفيهاً ؛ لأنه ليس هو المريدَ بها .
000000
وأما الفرقُ الذي ذكره الجبائيُّ بين الشهوة والإرادة .. ففرقٌ فاسدٌ ،
وتشبيهُهُ بالصائم يشتهي الشربَ ويكرهُهُ .. خطأ ؛ لأنه يريدُ شربَهُ عند وقت
إفطاره ، وكذلك يشتهي شربَهُ ، وكما لا يريدُ شربَهُ في الحال لا يشتهيه في
الحال(٤)
ومريدُ شرب الدواء مشتهٍ لشربه ، وإنما يكرهُ الأذى فيه بعد شربه
(١) انظر ((المغنى فى أبواب التوحيد والعدل)) (الإرادة) (٢١٨/٦-٢٢٠).
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( فقال ) .
(٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( به ) .
(٤) العبارة في (أ): ( وكذلك يشتهي شربه في الحال كما يشتهيه في المآل) .
00000 VA00000

ولا يشتهيه، ولا يُنكَرُ عندنا أن يكونَ الشيءُ الواحد مراداً مشتهى من وجهٍ ،
مكروهاً من وجهٍ آخرَ ، كما لا يُنكَرُ كونُ الشيء معلوماً مجهولاً من
وجهينٍ ؛ كالذي يعلمُ وجودَ الجسم ويجهلُ حدوثَهُ(١).
وتخصيصُ أبي هاشم الشهوةَ بما يُلتذُّ به من جهة الحواسِّ .. لا ينفصلُ
فيه من قول : من جعل الشهوةَ عامَّةً ، وخصَّ الإرادةَ بما يلتذُّ به من جهة
طريق الحواسِّ ، وقد يشتهي الإنسانُ استنباطَ علمٍ بالدقائق ، فإذا استنبطَهُ
فرحَ به والتذَّ بفرحه ، وليس ذلك من جهة حواسِّهِ .
فبطل ما ذكرَهُ في الشهوة ، وصحَّ قولُنا : إنها إرادةُ ما فيه نفعٌ للمريد أو
استدفاعُ مضرَّةٍ ، من غير تخصيصٍ لها بالحواسِ(٢)
[ الكلامُ على التمنِّي ]
واختلفوا في التمنِّي :
000
فقال بعضُ أصحابنا : إنه إرادةُ ما لا يَعلمُ المريدُ كونَهُ ، أو يَشكُّ في
كونه(٣)، ولذلك لم تكن إرادةُ الله عزَّ وجلَّ تمنِّاً ؛ لأنه لا يريدُ إلا ما يَعلمُ
کونَهُ على وَفْقِ إرادته .
(١) والتحقيق : أن الإرادة تباين الشهوة ، وبينهما العموم والخصوص من وجه ؛ فقد يريد
ويشتهي ؛ كالحلال الذي تميل النفس إليه ، وقد يريد ولا يشتهي ؛ كمعاناة المشقة في
العبادة عند أهل السلوك ، وقد يشتهي ولا يريد ؛ كالحرام الذي تميل إليه نفس
السالك ، وقد لا يشتهي ولا يريد ؛ كالحرام الذي تتفر الطباع منه .
(٢) وعلى هذا : يكون بين الإرادة والشهوة علاقة العموم والخصوص بإطلاق ؛ إذ كل
شهوة إرادة ، ولا عكس .
(٣) وهو قول الإمام الأشعري. انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٤٥).
٤٩00000 00000

2
ولهذا ألزمْنا المعتزلةَ القائلينَ: بأن الله تعالى أرادَ لِمَا لم يكن ، وكرة
ما كان .. أن يكونَ متمنياً .
ومن قال بهذا القولِ من أصحابنا في معنى التمنِّي .. زعم : أن قولَ
القائل: ( [ليتَهُ] كان كذا)(١) إنما يقالُ له: (تمنٍّ) لأنه دلالةٌ على
التمنِّي ، كما تُسمَّى الحمرةُ في الوجه على بعض الوجوه خجلاً ؛ [لأنها]
تدلُّ على خجل في القلب (٢)
ومن أصحابنا من قال : إن التمنِّيَ قد يكونُ إرادةً في القلب على الوصف
الذي ذكرناه(٣)، وقد يكونُ قولاً في اللسان ؛ كقول القائل: [ليتَهُ] كان
كذا(٤) ، أو ليته لم يكن .
وعلى ذلك يُتأوَّلُ قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَتَمَنَّوَأْ اَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾
[البقرة: ٩٤]، وبهذا الوجه ظهرت معجزةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم(٥)؛
لأنهم لو علموا كذبَهُ لقالوا له : قد تمنَّيناه ، حتى إذا لم يموتوا مع هذا
القولِ أبطلوا حُجَّتَهُ .
SO
00
00000
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( ليت ) .
ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( لأنه ) .
(٢)
(٣)
انظر (( مجرد مقالات الأشعري)) ( ص٧٥) .
(٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( ليت ) .
(٥) إذ هم يعلمون من قبلُ أن القول باللسان ليس له أثر ، وقد طُولبوا به ، غير أن الذي
منعهم من ذلك : أنهم علموا أنه صلى الله عليه وسلم صادق ، وأن الله تعالى قد أطلعه
على ما في قلوبهم ، وأنهم لو فعلوا لنزل بهم ما يحرصون عليه أشدَّ الحرص ؛
﴿وَلَنَجِدَتَهُمْ أَخْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوْمٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، فظهر إعجاز إطلاعه صلى الله
عليه وسلم على الغيب بإذن الله تعالى .