النص المفهرس

صفحات 401-420

وفي حديث آخر: ((اهدُوا هَذْيَ عمَّارٍ))(١)؛ يقال منه: هَدَيْتُ هَدْيَ
فلانٍ ؛ إذا سرتَ سيرته (٢)، ومن سارَ بسيرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم فهو
الذي هدی هَدْیَهُ .
وأما الذي رُويَ : أنه عليه السلام خرجَ في مرضه يُهادَى بين اثنين(٣) ..
فمعناه : أنه يميلُ بينهما ، ويعتمدُ عليهما من ضَعْفه ، وكلُّ من فعلَ ذلك
بأحدٍ فھو یُهادِیه(٤)
وتهادت المرأةُ في مِشيتها : إذا تمايلت(٥)
وفي الحديث : (( ابعثي بالرقبةِ؛ فإنَّها هاديةُ الشاةِ ))(٦)، والهاديةُ من
كلِّ شيء : أوَّلُهُ وما يتقدَّمُ منه ؛ ولهذا قيل : أقبلت هوادي الخيل ؛ إذا
بدت أعناقُها (٧)، وهاديةُ الصِّوار : متقدّماتُها(٨)
(١) رواه الترمذي (٣٨٠٥) من حديث سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
O
(٢) انظر ((تهذيب اللغة)) (٦/ ٢٠٢).
(٣) رواه البخاري (٧١٢)، ومسلم (٤١٨/٩٥) من حديث سيدتنا عائشة رضي الله
عنها .
انظر (( غريب الحديث)) لأبي عبيد (١٨٥/٢).
(٤)
(٥)
انظر ((غريب الحديث)) لأبى عبيد (١٨٥/٢).
(٦) رواه بنحوه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٦٦٢٤) من حديث سيدتنا ضباعة بنت
الزبير بن عبد المطلب رضي الله عنها .
(٧) انظر (( غريب الحديث)) لأبي عبيد (٢٥١/١).
(٨) انظر ((الغريبين)) (١٩٢٢/٦)، وهو مأخوذ من معلقة سيدنا لبيد رضي الله عنه في
[من الكامل]
صفة بقرة الوحش :
أفتلك أمْ وحشيَّةٌ مسبوعةٌ خَذَلَتْ وهاديةُ الصِّوارِ قِوّامُها
انظر ((ديوانه)) ( ص ٢١٧)، والصوار : القطيع من البقر ، قال ابن قتيبة في =
CON
٤٠١,٥٥

وفي أمثال العرب في معنى الهداية قولُها : أهدى من الإنسان إلى فيهٍ ،
وأهدى من يدٍ إلى فٍ ، وأهدى من النجمِ ، وأهدى من قطاةٍ ، وأهدى من
حمامةٍ ، وأهدى من جملٍ ، وأهدى من دُعيمِيص الرمل(١)، وكان رجلاً
دليلاً خِرِّيتاً غلب عليه هذا الاسمُ ، ويقال : هو دُعَيْمِصُ هذا الأمرِ ؛ أي :
العالمُ به (٢)؛ قال الشاعر (٣):
[من مجزوء الكامل]
كٍ وراتقٌ للفتقِ فاتقْ
دُعَيْمِصُ أبوابِ الملو
وإنما قالوا : أهدى من قطاةٍ ، وأهدى من حمام .. لأنهما يسيران من
وَكْرَيهما ومَنْهَلَيهما مسافةَ أيامٍ كثيرةٍ ، ثُمَّ يهتديان إليهما .
0000
=
((المعاني الكبير)) (٧٠٩/٢): ( وهاديةُ الصِّوار : يعني أنها كانت تتقدم القطيع ،
وكانت قُوامَهُ ؛ أي : تقوم به ) .
(١) ويقال: أدل من دعيميص الرمل. انظر (( جمهرة الأمثال)) (٤٥٧/١)،
(٣٧٥/٢)، وانظر ما تقدم من أمثال في ((جمهرة الأمثال)) (٣٥٣/٢)، و(مجمع
الأمثال» (٤٠٩/٢).
(٢) قال الزبيدي في ((تاج العروس)) (دع م ص): (يقال: هو دُعَيْمِصُ هذا الأمر ؛
أي : عالم به ، وأصله : دُعَيْمِيصُ الرمل ؛ عبد أسود داهية خريت ، يضرب به المثل
المتقدم ) .
(٣) البيت لأمية بن أبي الصلت. انظر (( ديوانه)) (ص٣٤)، وقوله: ( دعيمص ) كذا في
النسخ ، وعليه يختلُّ الوزن ، والبيت في ((ديوانه)):
ك وجانب للخرق فاتخ
دعموص أبواب الملو
٢٨

Cx
الكلام في فوائد وصف السب (المادي)
وأما الكلامُ في فوائد وصفِ الله عزَّ وجلَّ بـ ( الهادي ) .. فإن الوصفَ
فيه سبعةُ معانٍ :
أحدُها : الهادي بمعنى المُبيِّن : وهو المبيِّنُ للأدلَةِ العقليّةِ، والمُبيِّنُ
للأحكام الشرعيَّة، فقال في كتابه: ﴿يِبْيَنَّا لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩](١).
والثاني : هو الهادي بمعنى المُرشِدِ : لأن الهُدَىُ يكونُ بمعنى الإرشاد ؛
ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ في سورة ( القصص): ﴿عَسَى رَبِّ أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَآءَ
السَكِيلِ﴾ [الآية: ٢٢]؛ أي: يرشدَني إليه (٢).
وقال أيضاً في سورة ( ص) حكايةً: ﴿وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَآءِ الصِّرَطِ﴾ [الآية: ٢٢]؛
أي : أرشدْنا إليه، ودُلَّنا عليه(٣).
والثالثُ : الهادي بمعنى المُصلِحِ ، والهُدَى بمعنى الصلاح: ومنه قولُهُ
عزَّ وجلَّ في سورة ( يوسفَ ): ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَابِنِينَ﴾ [الآية: ٥٢]؛
أي : لا يصلحُ عملَ الزناة (٤) ، فالله الهادي المصلحُ الخالقُ لصلاح
(١) انظر ((تهذيب اللغة)) (٣٥٦/١٥)، وعبارته: ( أي: بيَّنَ لك فيه كل ما تحتاج إليه
أنت وأمتُك من أمر الدين ، وهذا من الأمر العام الذي أريد به الخاص ) .
(٢) قاله مقاتل. انظر ((تفسيره)) (٣٤١/٣).
(٣) قاله مقاتل. انظر ((تفسيره)) (٦٤٠/٣)، و((تفسير الطبري)) (١٧٦/٢١).
(٤)
قاله مقاتل. انظر ((تفسيره)) (٢ / ٣٤٠).
00000 ,٤٠٣

00000
كلّ ذي صلاح ، وإن رَغَمَ أنفُ القدريَّة .
والرابعُ : الهادي بمعنى المُنقذِ من الضلال : ومنه قوله عزَّ وجلَّ في
سورة ( الجمعة): ﴿وَ اللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الَّلِينَ﴾ [الآية: ٥]؛ أي:
لا ينقذُهم من ضلالتهم .
وفي هذا : دليلٌ على أنه هو المنقذُ منها لمن أنقذه ، خلافَ قول
القدريَّة : إنَّ المهتديَ هو الذي أنقذ نفسَهُ منها ، ويشهدُ عليهم قولُهُ عزّ
وجلَّ: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، فدلَّ
على أنه هو المنقذُ دون غيره .
والخامسُ : الهادي بمعنى المُلهِم ، والهُدَى قد يكونُ بمعنى الإلهام :
ومنه قوله عزَّ وجلَّ في سورة ( طه) حكايةً: ﴿رَبُّنَ الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ
هَدَى﴾ [الآية: ٥٠]؛ يعني: أنه ألهم كلَّ حيوان طريقَ مرعاه(١).
0000
والسادسُ : الهادي بمعنى الخالقِ للهداية في القلوب بخلْقِ الإيمانِ فيها ،
خلافَ قول القدريَّة، وهذه الهدايةُ لا يقدرُ عليها عندنا غيرُهُ(٢)، وفيها نزل
قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَوُ لِلْإِسْلَمِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] (٣).
(١) وقيل: ثم هداه لموضع ما يكون منه الولد. انظر ((معاني القرآن)) للزجاج
(٣٥٨/٣)، و((الكشف والبيان)) (٢٤٧/٦) .
(٢) فلا تتعلق بها القدرة الحادثة كسباً ؛ إذ هي بمعنى الحامل على التصديق ؛ لا عينُ
التصديق الذي هو الإيمان ، إلا أن علامة وجودها في القلب : الصدقُ في البحث عن
الحقِّ .
(٣) انظر ((الغريبين)) (٩٨٤/٣)، وعبارته: ( أي : يجعله واسعاً منفتحاً حتى يتقبله ).
وروى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٤٥٦)، والحاكم في ((المستدرك))
(٣١١/٤)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٠٦٨) من حديث سيدنا ابن مسعود=
٥٥ ٤٠٤ ٠٠٠٥٥

وعلى هذا الوجه يُتأوَّلُ قولُهُ تعالى النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ﴿ إِنَّكَ لَا
تَهْدِى مَنْ أَحْبَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]؛ إذ لا يجوزُ أن يكونَ
المرادُ بههذه الهدايةِ هدايةَ البيان ، ولا هدايةَ الدعوة ؛ فإنَّ الرسولَ عليه
السلام كان مُبيّناً وداعياً ، وللكنه لم يكن خالقاً للهداية في القلوب ،
ولا شارحاً لها بالإيمان، والله سبحانه خالقٌ للهداية؛ ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ
وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [النحل: ٩٣].
ولا معنى لتأويل المعتزلةِ ذلك : على تسميته أهل الضلال ضُلَالاً ،
ونسبتِهِ إيَّاهم إلى الضلال، ووجودِهِ [لهم] كذلك(١)؛ لأنه لا يقال: أضللتُ
فلاناً ؛ أي: وجدتُهُ ضالّاً ، كما يقال: أهديتُهُ بمعنى وجدتُهُ مُهتدِياً (٢)
رضي الله عنه أنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿فَمَن يُرِدِ اَللَّهُ أَن يَهْدِ يَهُ يَشْرَعْ
=
صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾، فقالوا: يا رسول الله؛ وما هذا الشرح؟ قال: ((نورٌ يُقذفُ به في
القلب، فينفسح له القلب))، قال : فقيل : فهل لذلك من أمارة يُعرفُ بها ؟ قال:
((نعم))، قيل: وما هي؟ قال: (( الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ،
والاستعداد للموت قبل لقاء الموت )) .
000000
(١) وعبارة الإمام المصنف في ((الفرق بين الفرق)) (ص ٢٤٠-٢٤١): (وهذا خلافُ قول
القدرية في دعواها : أن الهدايةَ من الله تعالى على معنى الإرشاد والدعاء إلى الحق ،
وليس إليه من هداية القلوب شيءٌ، وزعموا : أن الإضلال منه على وجهين :
أحدهما : التسميةُ ؛ بأن يُسمِّي الضُّلَّالَ ضُلَالاً .
والثاني : على معنى جزاء أهل الضلال على ضلالتهم ) .
قال ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) (٤٠٨/١): (وتأتي ((فعلت)) و((أفعلت)) في
حروف يختلف المعنيان فيهما ؛ من ذلك : قولك : أكفرت الرجل وأضللته ؛ إذا
أدخلته في الكفر والضلال ، فإن أردت أنك رميته بهما نسبته إليهما قلت : كفَّرته
وضلَّلته » .
(٢) بل (أضللته) بمعنى: أضعته. انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٣٥٩/٣)، و((الزاهر=
00000 8,000000
ON

Y
فإذا أريد النسبةُ قيل: ضَلَّلتُهُ، لا أضللتُهُ .
ولو كان الإضلالُ من الله تعالى بمعنى التسميةِ والحُكم .. لجاز أن
يقالَ : إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أضلَّ الشياطينَ والكفَّارَ ؛ إذ سمَّاهم
ضُلَّالاً(١) ، ولجاز أن يقال: إنَّ الشيطانَ قد أضلَّ الأنبياءَ والمؤمنينَ ؛ لأنه
نسبَهم إلى الضلال ، وسمَّاهم ضُلَّالاً ، وحكم عليهم بذلك .
وفي بطلان هذا : دليلٌ على أن الإضلالَ من الله عزَّ وجلَّ إنما هو بخلق
الضلالِ في القلوب، كما قال: ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا
كَأَنَّمَا يَصَّغَّدُ فِي السَّمَآءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وإذا صحَّ بهذا أن ضلالَ القلوب
عن الإيمان من فعله .. صحَّ أن هدايةَ القلوب بالإيمان من فعله .
OO
والوجهُ السابعُ : الهادي بمعنى الدليل : فالله هو الدليلُ على الحقيقة ؛
لأنه فاعلُ الأدلّة ومُظهرُها .
=
في معاني كلمات الناس)) (٣٥٥/١)، و((تهذيب اللغة)» (٣١٨/١١)،
و((الغريبين)) (١١٣٨/٤)، ولكن ذكر الهروي في ((الغريبين)) (٤/ ١١٤٠) في
بيان الأثر : ( إن النبي صلى الله عليه وسلم أتى قومه ، فأضلَّهم ) يقول : ( وجدهم
ضُلاَّلاً ؛ يقال : أضللته ؛ أي : وجدته ضالاً؛ كما تقول : أحمدته وأنحلته ) ، وهَبْ
أن ذلك صحَّ لغةً ، غير أن دليل أهل الحق مؤسس على النقل والعقل .
(١) روى الترمذي (٣٥٢٣) من حديث سيدنا بريدة الأسلمي رضي الله عنه ، من دعائه
صلى الله عليه وسلم في نفي الأرق: ((وربّ الشياطين وما أضللن)).
00000 ٦ ٤٠

OO
الكلام في فوائد وصف الرسول منهم
بـ (المادي) و(الهدى)
فأما بيانُ معنى ( الهادي ) في أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم ..
فإن له فيه سبعة أوجهٍ :
أحدُها : الهادي بمعنى الداعي، وذلك معنى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلِكُلّ
قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]؛ أي: داع (١)
والثاني : بمعنى المُبيِّن .
والثالثُ : بمعنى المُرشد .
والرابعُ : بمعنى الرسول ؛ إذ قد يكونُ الهُدَى بمعنى الرسول : وقوله
عزَّ وجلَّ في سورة ( البقرة ): ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِى هُدَى فَمَن تَّبِعَ هُدَاىَ ﴾
[الآية: ٣٨]؛ أي: رسولي(٢)
والخامسُ : بمعنى المُوحِّد ؛ إذ قد يكونُ الهُدى بمعنى التوحيد : ومنه
قوله عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ الَّذِىَّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣]؛
أي : بالتوحيد ودين الحقِّ(٣)
(١) قاله قتادة، كما رواه الطبري في ((تفسيره)) (٣٥٣/١٦).
(٢) قاله مقاتل. انظر ((تفسيره)) (١٠٠/١).
(٣) قاله السدي. انظر ((الدر المنثور)) (١٧٥/٤).
00000 . 00000

XY.Y
والسادسُ : بمعنى التائب ، وقد يكون الهُدى بمعنى التوبة ؛ كقوله
تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]؛ أي: تبنا إليك(١)
والسابعُ : بمعنى المُستنِّ المُهتدي ، وقد يكونُ الهُدى بمعنى السنّة
والاستنان: ومنه قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَ هُمُ أَقْتَدِةٍ﴾
[الأنعام: ٩٠]، وقال أيضاً: ﴿ وَإِنَّا عَلَىّ ءَاثَرِهِم ◌ُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]؛ أي:
مقتدون بهم فيها .
وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم داعياً، ومُبيِّناً ، ومُرشِداً ،
ورسولاً ، ومُوحِّداً لربِّهِ ، وتائباً إليه آيباً ، ومقتدياً بأمره ونهيه ، لا ينطقُ عن
الهوى ، ولا يعملُ إلا بما أوحى إليه المولى، فاستحقَّ اسمَ ( الهادي ) من
هذه الوجوهِ السبعة .
DO
co
(١) قاله سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما، وسعيد بن جبير وغيرهما ، كما رواه الطبري في
«تفسيره)) ( ١٥٣/١٣-١٥٤) .

الكلام في بيان وجود (الهدى) في القرآن
وأما الكلامُ في وجوه ( الهُدى ) في القرآن فإنه فيه على سبعةَ عشرَ
وجهاً :
أحدُها : بمعنى البيان، قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ
اٌلْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]؛ أي: بيَّنَّاً لهم(١) ، وكذلك الهُدى في قوله
تعالى: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] بمعنى: البيان.
والثاني : الهُدى بمعنى دين الإسلام ؛ كقوله تعالى في سورة
( الحج ): ﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدَّى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الآية: ٦٧]؛ أي: دينٍ مستقيمٍ .
والثالثُ : الهُدى بمعنى الإيمان في القلوب ؛ كقوله تعالى: ﴿ وَيَزِيدُ
اللَّهُ الَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ هُدَّى﴾ [مريم: ٧٦]، وقال أيضاً في سورة ( الكهف ) :
﴿وَزِدْنَهُمْ هُدَّى﴾ [الآية: ١٣]؛ أي: إيماناً(٢)
والرابع : الهُدى بمعنى الداعي ؛ كقوله في ( الرعد ): ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ
هَادٍ﴾ [الآية: ٧]، وقال في (حمّ عَسَقّ): ﴿وَإِنَّكَ لَنَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ
مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] (٣)، وفي (قل أوحي): ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبَاً **
(١) انظر ((الغريبين)) (١٩٢٠/٦).
انظر ((تفسير الطبري» ( ١٧ /٦١٥).
(٢)
(٣) انظر ((تفسير الطبري)) (٥٦١/٢١).
COCCO 8.9 00000

MAYO
يَهْدِىّ إِلَ الرُّشْدِ﴾ [الجن: ١-٢]؛ أي: يدعو إليه ويدلُّ عليه.
والخامسُ : الهُدى بمعنى المعرفة؛ كقوله تعالى: ﴿وَعَلَمَتَّ وَ بِالنَّجْمِ
هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]؛ أي: يعرفون بها الطرقَ، وفي سورة
(الأنبياء): ﴿فِجَاجًا سُبُلًّاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الآية: ٣١]؛ أي: يعرفونها.
والسادسُ : الهُدى بمعنى الرسل؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ◌ِنِّى
هُدَى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ﴾ [البقرة: ٣٨]؛ أي: رسلي(١)
والسابعُ : الهُدى بمعنى الإرشاد والدَّلالةِ ؛ كقوله عزَّ وجلَّ حكايةً :
◌ِ عَسَى رَبِِّ أَن يَهْدِيَنِ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]؛ أي: يرشدَني إليه(٢)
والثامنُ : الهُدى بمعنى أمر محمدٍ صلى الله عليه وسلم ؛ كقوله : ﴿ إِنّ
الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَاَلْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩]؛ يعني: من أمر محمدٍ
صلى الله عليه وسلم(٣)
والتاسعُ : الهُدى بمعنى القرآن ؛ كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّيَّهِم
اَلْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]؛ أي: القرآنُ(٤)، وقيل: القرآنُ والرسولُ(٥)
00000
والعاشرُ: الهُدى بمعنى التوراة؛ كقوله في ( حمّ المؤمن): ﴿وَلَقَدْ
ءَنَيْنَا مُوسَى اَلْهُدَى﴾ [غافر: ٥٣] (٦)، وفي (تنزيل السجدة) تفسيرُ ذلك في
(١) انظر (٣ /٤٠٧).
(٢)
انظر (٤٠٣/٣).
قاله قتادة والربيع، كما رواه الطبري فى ((تفسيره)) (٣/ ٢٥٠-٢٥١) .
(٣)
قاله مقاتل. انظر ((تفسيره)) (٤ /١٦٢).
(٤)
في (ب) وحدها : (الرسول) بدل ( القرآن والرسول ) .
(٥)
(٦) انظر ((التفسير الوسيط)) (١٨/٤).
00000 8 1 . 00000
O

٢٠MAY
قوله: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ ... وَجَعَلْنَهُ هُدًى لِبَنِىِّ إِسْرَّهِيلَ﴾
[الآية: ٢٣] (١).
والحادي عشرَ : الهُدى بمعنى هداية القلوب ؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ
:
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدٍ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] (٢).
والثاني عشرَ : الهُدى بمعنى الإنقاذ من الضلالة؛ كقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ
لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]؛ أي: لا ينقذُهم من ضلالتهم(٣)
والثالثَ عشرَ: الهُدى بمعنى التوحيد ؛ كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ
أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣] (٤).
00
0
والرابعَ عشرَ : الهُدى بمعنى الاستنانِ والاقتداء ؛ كقوله عزَّ وجلَّ :
﴿ وَإِنَّا عَلَىَّ ءَاثَرِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، و﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَيِهُدَدُهُمُ
اقْتَدِهُ﴾ [الأنعام: ٩٠] (٥) .
والخامسَ عشرَ : الهُدى بمعنى الصلاح ؛ كقوله تعالى في سورة
( يوسف): ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَيِنِينَ﴾ [الآية: ٥٢]؛ أي: لا يصلحُ عملَ
الزناة(٦)
000
(١) والآية بتمامها: ﴿وَلَقَدْ مَانَيْنَا مُوسَى الْحِكِتَبَ فَلاَ تَكُنْ فِ مِرْيَكِ مِّن لِقَابِةِ، وَحَعَلْنَهُ هُدًى لِبَنِىّ
إِسْرَِّيِلَ﴾ [السجدة: ٢٣].
(٢) انظر (٣ /٤٠٤).
(٣) انظر (٣/ ٤٠٤) .
(٤) انظر (٤٠٧/٣).
انظر (٤٠٨/٣) .
(٥)
(٦) انظر (٤٠٣/٣).
000DO ٤\ \ 7:000

GY
والسادسَ عشرَ : الهُدى بمعنى الإلهام ؛ كقوله تعالى في ( طه )
حكايةً: ﴿رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [الآية: ٥٠](١).
والسابعَ عشرَ : الهُدى بمعنى التوبة ؛ كقوله تعالى: ﴿ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾
[الأعراف: ١٥٦]؛ أي: تبنا إليك(٢)
وقد اختلف المفسّرونَ في قوله تعالى: ﴿هُدِّى لِلْتُنَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]:
فقال قتادةُ: نورٌ وضياءٌ لمن آمن به(٣).
وقال مقاتلُ بن حيَّانَ : بيانٌ لهم من الضلالة (٤)
وقال أبو روق : كرامةٌ لهم يهديهم بها .
وقال القُتَّيْبِيُّ : رشدٌ لهم إلى الحقِّ
وقال آخرون : هدىّ للمتقين إلى الصراط المستقيم الذي سألوا الهدايةَ
إليه في قوله تعالى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمُ﴾ [الفاتحة: ٦].
وقالت الصوفيّة: ﴿هُدِّى لِلْمَّقِينَ﴾؛ أي: كشفاً لأهل المعرفة(٥)
وقال سهلُ بن عبد الله التُّشْتَرِيُّ : بياناً لمن تبزَّاً من حَول نفسه وقُوَّتها (٦).
(١)
انظر (٣/ ٤٠٤) .
(٢)
انظر (٤٠٨/٣) .
(٣)
أورده السيوطي في ((الدر المنثور)) (٦١/١).
(٤)
روى الطبري فى « تفسيره)) (٢٣/١) نحوه عن الشعبي .
(٥) انظر (( تفسير السلمي)) (ص٧٤) وزاد: ( وزيادة بيان وهدى)، ونصب ( كشفاً )
و( بياناً) الآتية .. على أن (هدى) حال، فأطلق المصدر ، وأراد اسم الفاعل؛
يعني : كاشفاً ومبيِّناً .
(٦) انظر (( تفسير السلمي)) (ص٧٤).
00000
30000 ٤١٢
SC16

وقال الجنيدُ: هدىّ للمنقطعينَ عن الأغيار(١)
فهذا ما حضرنا من وجوه معاني ( الهدى) و( الهداية ) و( الهادي ) ،
وقد بيَّنَّا ما يصحُ من معاني ( الهادي ) في أسماءِ الله تعالى ، وفي أسماءٍ
رسوله صلى الله عليه وسلم .
00
O
(١) انظر ((تفسير السلمي)) (ص٧٤).
٥٥٥٥٥ ٤١٣
00000

Bravovarro 00000
Arravorar
LO
00000 ン
C
CLONA
000

0
باسب في بيان أسماءٍ من عزوجل
أجمعت الأمة عليها أو نطق بها القرآن أو بمعناها
مماليس في الخبر ذكرها
COoo
Q.
LONG
٤١٥700000
000
00000
000000
2

Arravora
CCOOC
000
00
٨

OO
باسب في بيان أسماءٍ من عزوجل
أجمعت الأمة عليها أو نطق بها القرآن أو بمعناها
مما ليس في الخبر ذكر ما(١)
اعلمْ : أَنَّ أسماءَهُ التي يقعُ ذكرها في هذا الباب ثلاثةُ أنواع :
نوعٌ منها : اسمٌ مفرد دلَّ عليه القرآنُ .
ونوعٌ منها : اسمٌ مضافٌ لا يطلق إلا مع الإضافة ، وقد دلَّ عليه القرآنُ
أيضاً .
ونوعٌ منها : دلَّ على جواز إطلاقه الإجماعُ ؛ من مفردٍ ، ومضافٍ
إليه (٢)
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( الله ) .
(٢) قد يقال : يبقى ذكْرُ باب فيه من أسمائه سبحانه ما لم ينطق به القرآن ، ولكن ورد في
السنة في غير الخبر المذكور ، وتلقتها الأمة بالقبول .

Arravorar
الأسماء المفردة التى ول عليها القرآن
فأما الأسماء المفردةُ التي دلَّ عليها القرآن :
الغالب والغلاب
فمنها : ( الغالبُ والغَلَّابُ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ غَالِبُ عَلَى أَمْرِهِ﴾
[يوسف: ٢١] (١) .
وبما قال حسانُ بن ثابت في هجاء المشركين من قريش (٢): [من الكامل]
زعمَتْ سَخِينةُ أنْ ستغلبُ ربَّها ولميُغْلَبَنَّ مُغالِبُ الغلَّابِ
ولم يُنكِر عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم تسميتَهُ الإللة غلَّاباً، ورضي
منه ذلك(٣) ، فدلَّ على جواز تسميته به .
(١) الهاء في قوله : ( أمره ) عائدة على سيدنا يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام ، قال
الهروي في ((الغريبين)) (١٣٨١/٤): (أي : الله غالبٌ الخلقَ على أمر يوسف ،
فيكون النصر له ) ، أو أنها ترجع إلى الله سبحانه وتعالى ، فيكون المعنى: والله غالب
على ما أراد من قضائه. انظر ((زاد المسير)) (٢/ ٤٢٤).
(٢) البيت لسيدنا كعب بن مالك رضي الله عنه، وقد سبق التنبيه عليه (٢/ ٥٥٠).
(٣) انظر (٢/ ٥٥٠)، والإقرار منه صلى الله عليه وسلم جزء من السنة.

الفرد
ومنها : (الفردُ)، وقد أجمع على إطلاقه الأمةُ كلُّها ، إلا من خالفَ
الأمةَ من معتزلة الحقِّ ؛ وهو عبَّادُ بن سليمانَ الصيمريُّ ؛ فإنه زعم : أن الله
تعالى لا يجوزُ تسميتُهُ فرداً (١) ، وقال : إنما يصحُّ إطلاقُ لفظ ( الفردِ ) على
الواحد الذي يجوز أن يكونَ له زوجٌ ؛ لأنهم يقولون في العدد : فردٌ وزوجٌ .
وقد أجمعت الأمةُ قبل ظهور عبّاد على إطلاق هذا الاسم عليه في
قولهم : ( يا واحدُ، يا فردُ) ، فلا اعتبارَ بخلاف المبتدع الضالِّ لأهل
الإجماع مع صحّةٍ معناه فيه ؛ لأن الفردَ : هو الذي لا يتنصَّفُ ، والله سبحانه
ليس له نصفٌ ولا شيءٌ من الأجزاء والأبعاض .
وأما قولُهُ : ( إن الفردَ هو الذي يصحُّ أن يكونَ له زوج ؛ لأن أهل
الحساب قالوا : زوجٌ وفردٌ، فقرنوا أحدَهما بالآخر) .. فيلزمُهُ عليه : ألا
يُسمَّى الإلهُ واحداً؛ لأن الحُسَّابَ قرنوا الواحدَ بالاثنين وأكثرَ منه ؛
فقالوا : واحدٌ واثنانٍ(٢)
(١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٩٩).
(٢) وقد تقدم (٢٤١/٣) أن الواحد عند الفلاسفة ليس عدداً ، بل هو عندهم ركن العدد ،
وتقدم معنى الوحدة في حقه سبحانه وتعالى .
AON

د
المتوحسه والمتفرد
ومنها : ( المتوخِّدُ والمتفرِّدُ)، وقد دلَّ توحيدُ ذاته على كونه متوحِّداً
متفرِّداً ؛ بالتاء دون النون(١)
وقد نطق الكتابُ والسنَّةُ بأنه (واحدٌ)(٢) ، وفى معناه: المتوحِّدُ
والمتفرّدُ ؛ ولذلك قال أصحابنا : إن الإلهَ متفرِّدٌ بالإلهيّة، متوحِّدٌ
بالفردانيَّة(٣)
1 0000000
(١) نقل الحافظ الزبيدي القطعة الآتية في ((إتحاف السادة المتقين)) (٢٠/٢)، وذكر أن
المصنف يرى أن الصحيح عدم تسمية الله تعالى بالمنفرد .
(٢) انظر (٤٤٧/١، ٥٣٣).
(٣) وهم يعبِّرون عن الإمكان والفقر بالزوجية ، وعن الاستغناء والكمال بالفردانية ؛ فقال
سبحانه: ﴿سُبْحَنَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِنَّا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾
[يس: ٣٦].
00000
قال الإمام الرازي في (( مفاتيح الغيب)) (١٩٩/٢٧): (الزوج لا بد أن يكون كلُّ
واحد من قسميه مشاركاً للقسم الآخر في بعض الأمور ، ومغايراً له في أمور أخرى ،
وما به المشاركة غيرُ ما به المخالفة ، فكل زوجين فهما ممكنا الوجود لذاتيهما ، وكلُّ
ممكن فهو محتاج ، فثبت أن الزوجية منشأ الفقر والحاجة ، وأما الفردانية فهي منشأ
الاستغناء والاستقلال ؛ لأن العدد محتاج إلى كل واحد من تلك الوحدات ، وأما كل
واحد من تلك الوحدات فإنه غني عن ذلك العدد ) ، فقولهم : ( متوحد بالفردانية )
بمعنى أن هذه الفردانية لا يشاركه فيها غيره ، فليس هو تعالى كالوحدات المذكورة في
نصُّ الإمام .
10
00000 ,٤٢٠