النص المفهرس

صفحات 361-380

وقال أبو يزيد البسطاميُّ : ( المحبَّةُ : استقلالُ الكثير من نفسك،
واستكثارُ القليل من محبوبك )(١)
وقيل : ( المحبَّةُ : دوامُ الذكر ؛ ولذلك قيل : من أحبَّ شيئاً أكثرَ
ذكره )(٢)
وقيل : ( المحبَّةُ: إيثارُ المحبوب على كلٍّ حال)(٣)
وقيل : ( المحبَّةُ : ما لم تكن لطلب ◌ِوض ) (٤)
وقيل : ( هي : رضا القلوبِ بأفعال المحبوبِ ) .
وقال يحيى بن معاذ الرازيُّ: ( حقيقةُ المحبَّةِ : ألا تزيدَ بالبرِّ ،
ولا تنقصَ بالمنع )(٥)
وقال عبدُ القاهر بن طاهر (٦) : حقيقةُ المحبَّةِ : محبَّةُ المحبَّةِ .
وقالوا في محبّة الإلله سبحانه ومحبَّتِهِ لعباده : إنه تودَّدَ إلى أوليائه
بولايتهم ، وتودَّدَ إلى أعدائه بكفايتهم .
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٥٧ )، والقشيري في (( رسالته))
(ص ٦٥٢ ) .
(٢) أورده الطوسي في ((اللمع)) (ص٨٦) عن سمنون المحب بلفظ: (صفاء الود مع دوام
الذكر ؛ لأن من أحبَّ شيئاً أكثر ذكره ) .
(٣) انظر ((تهذيب الأسرار)) (ص ٥٥) .
(٤)
انظر ((قوت القلوب)) (٢ /١١٦٢).
(٥) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٥٨)، والسلمي في (( حقائق التفسير »
(ص٩٦ ).
(٦) يعني: المصنف نفسه، وفي ( ب): ( عبد البر)، وفي (ج): ( عبد القادر ) بدل
( عبد القاهر ) .
100000
٣٦١,٥٥

وقيل : محبَّتُهُ لغيره : أن هداهُ إلى صراطه .
وقال الشبليُّ : ( المحبَّةُ: صراطُ الأولياء)(١)
وأحسنُ ما قيل في علامة المحبَّة : ما رُوِيَ أن ذا النون دخل على مريضٍ
يعوده ، فقال له : ليس بصادقٍ في حبِّهٍ من لم يصبر على ضربه ، فقال
المريضُ : ليس بصادقٍ في حبٍِّ من لم يتلذَّذْ بضربه(٢)
قلنا : ما هذا التحقيقُ إلا بالتوفيق ، والله تعالى أعلم .
0000000
POO
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٦٩/١٠).
(٢) أورد الخبر الإمام أبو طالب في ((قوت القلوب)) (١١٢١/٢)

ذكر معنى (الوارث) من أسماء الله تعالى
الوارثُ : مأخوذٌ من الإرث، والأصلُ في الإرث : ( وِرْثٌ ) بكسر
الواو ، إلا أنهم قلبوا الواو همزةً لانكسارها في أوَّل الكلمةِ ، كما قالوا في
وِعاء ووٍكاف ووِسادة ووٍشاح: إعاءٌ وإكافٌ وإسادةٌ وإشاحٌ (١)
وقد أبدلوا الواو المضمومةَ التي هي فاءُ الفعل همزةً ؛ فقالوا في وجوهٍ :
أَجُوهٌ، وفي وُعِدَ: أَعِدَ، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُفِّنَتْ﴾ [المرسلات:
١١]؛ معناه: وُقَّتت، وكذلك كلُّ [واويٍّ] انضمَّتْ منه [فاؤُهُ فهمزُهُ]
.(٢)
جائزٌ (٢).
وقد أبدلوا أيضاً الواوَ المفتوحةَ في أوَّل الكلمةِ همزةٌ ؛ فقالوا في وَحَدٍ :
أَحَدٌ ، وفي وَناةٍ : أناةٌ، وفي وَسْماءَ : أسماءُ، وفي وَجٍَ : أجمٌ (٣).
فهذا أصلُ الإرث من الوِزْثِ ، وله معنيان :
أحدُهما : الأصلُ ؛ من قولهم : فلانٌ يرجعُ إلى إرثِ صدقٍ ، ووِرْثٍ
صدقٍ ؛ أي : إلى أصلٍ ومَخْتِدٍ صدقٍ(٤)
000000
(١) انظر ((العين)) (٢٣٤/٨)، وما تقدم (٥٠٢/١) .
(٢) انظر ((الكتاب)) (٣٣١/٤)، و((المنصف)) (٢١٢/١)، وما بين المعقوفين في
جميع النسخ: ( واو ، لامُّهُ فهمزها ) .
(٤) انظر (( الألفاظ)) لابن السكيت (ص ١١٣).
(٣)
انظر (١ / ٥٢٨ ) .

والثاني : الفوزُ بميراث الغير بعد وفاته .
وإذا حملناه على معنى الأصل .. فالله عزَّ وجلَّ الوارثُ : بمعنى أنه لم
يزل مالكاً للأشياء ، وهي الآن باقيةٌ على أصل مُلْكِهِ لها، لم يَزُلْ مُلْكُهُ
عنها(١)
وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لبني إسماعيل عليه السلام: (( اثبتُوا
على مشاعرِكم ؛ فإنها على إرثِ أبيكم إبراهيمَ))(٢)؛ يعني: على أصله
وبقيّة شرعه .
وإذا حملنا الإرثَ على الفوز بميراث الموروث .. فالله تعالى الوارثُ
على الحقيقة ؛ لأن الأشياء كلَّها ترجعُ إليه ؛ ولذلك يقول بعد فناء الخلق :
﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ﴾، ثم يجيبُ نفسَهُ بقوله: ﴿لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾
(٣)
[غافر: ١٦](٣).
C
00
وليس معنى إرثه للأشياء دخولَها في ملكه ؛ لأنه مالكٌ لها في كلِّ حال ،
وللكن معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: ٤٠]: أنه يزيلُ
(١) فملكُهُ سبحانه وتعالى للأشياء لم يتغيَّر بتمليك بعضها لبعض عباده، بل تملُّكُ
العبد لبعض الأشياء إنما هو مُلْكٌ عرضي زائل حائل ، ألا ترى أن الفقهاء قد قرَّروا بأن
العبد وما ملكت يمينه لسيِّده ؟!
(٢) رواه بنحوه أبو داود (١٩١٩)، والنسائي (٢٥٥/٥)، وابن ماجه (٣٠١١) من
حديث سيدنا ابن مِرْبَع الأنصاري رضي الله عنه .
(٣) وإليه ذهب الإمام الأشعري في معنى اسمه ( الوارث )؛ قال الأستاذ ابن فورك في
((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٥٦) حكاية عنه: (وأما الوارث فمعناه : أنه الباقي
بعد انقضاء الخلق ، والمالكُ بعد زوال المُلَّاك وفناء أملاكهم)، ثم قال : ( وهو بمعنى
الآخِر ، وذلك من صفات النفس ) .

OOK
عنها وعمَّن عليها مُلكَ غيره وتصرُّفَهم فيها ، فلا يكونُ مالكٌ ولا متصرِّفٌ
في مُلكِ سواه(١)
وأما ميراثُ الآدميِّينَ بعضِهم من بعضٍ : فعلى معنى أن الوارثَ يقوم مَقامَ
الموروث عنه في ماله بعد وفاته ؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأَوْرَتَكُمْ أَرْضَهُمْ
وَدِيَرَهُمْ ﴾ [الأحزاب: ٢٧] على هذا المعنى، وكذلك قوله عزَّ وجلَّ:
﴿ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَ اخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٨].
وقولُهُ صلى الله عليه وسلم: (( متِّعْني بسمعي وبصري ، واجعلْهُما
الوارثَ مِنِّي))(٢) .. اختلفوا في معناه :
فقال النضرُ بن شميل : ( معناه : أبقِهِما معي حتى أموتَ)(٣)؛ لأنَّ
الإرثَ معناه : الباقي ، وميراثُ الإنسان من غيره بقيَّةٌ له من موروثه ، وإنما
قال: ((واجعلْهُ الوارثَ منِّي)) على الإفراد (٤)؛ لأنه ردَّ الهاء إلى
(١) وبه تعلُم: أن ملكَهُ سبحانه لا يُتصوَّرُ زواله؛ كيف وهو الخالق للأشياء وممسكها أن
تزول؟! وبه تعلم نكتة ذلك الخلق في قوله جلَّ شأنه: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَا عَمِلَتْ
أَيَدِينَآَ أَنْعَنَمَّا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ﴾ [يسّ: ٧١]، ومن أعظم أذكار السنة في الصباح
والمساء: ( لا إله إلا الله، وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، بحبي
ويميت، وهو على كل شيء قدير)، وقد قال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْنِ
اُلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّن قَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦].
(٢) رواه الترمذي ( ٧/٣٦٠٤) - طبعة دار الغرب - من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله
عنه ، ورواه بنحوه الترمذي ( ٣٥٠٢)، والنسائي في (( السنن الكبرى)) ( ١٠١٦١)
من حديث سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما ، وورد الحديث بلفظ: ((واجعلهما » ،
وبلفظ: (( واجعله)) ، وعليهما سيشرح المصنف .
(٣) انظر ((تهذيب اللغة)) (٨٥/١٥)، و((الغريبين)) (١٩٨٦/٦).
(٤) كذا هي الرواية من حديث سيدنا ابن عمر المتقدم ذكرها في التعليق السابق ، وهي أيضاً=
COOOOD ٥٥ ٣٦٥

الإمتاع(١) ؛ ومعناه: اجعل السمعَ والبصرَ باقبينٍ عند ضعف القُوى الباقيةِ ،
فيكونُ السمعُ والبصرُ وارثَ سائر القُوى مِنِّي .
وقال آخرون : معناه : أن الميِّتَ بعد فراق روحه يشخّصُ بصرُهُ ؛ ينظرُ
إلى معراج روحه وفيه بقيّةُ حياة بلا روح ؛ لأن الحياةَ غيرُ الروح ، وإن
كانت لا تدومُ بعد فراق الروح في البدن إلا مقدارَ ما يرى به البدنُ معراجَ
روحه ، فكأنه صلى الله عليه وسلم أراد : بقاءَ سمعِهِ وبصرِهِ إلى ذلك الوقت
من غير دخول نقصانٍ فيهما .
وقد أجمعَ المسلمون : على تصحيح الإرثِ من غير الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام في الجملة .
واختلفوا في الميراث عن الأنبياء عليهم السلام في الأموال :
فأثبتَهُ الشيعةُ ، واذَّعَوا : أن فاطمةَ عليها السلام ادَّعت لذلك ميراتَها في
فَدَكِ(٢)
=
رواية الترمذي ( ٣٤٨٠) من حديث سيدتنا عائشة رضي الله عنها .
(١) هذا وجهٌ، وقيل: وحَّدَ الضمير باعتبار المذكور؛ بدليل رواية: ((واجعل ذلك
الوارثَ منَّا )) ، والمعنى على هذا : متعنا بها في حياتنا ، واجعل ثوابها الوارث - أي :
الباقي - لنا بعد الموت؛ لبقاء الوارث، وقيل: إنه يعود على مصدر الجعل، و(( منًّا ))
المفعول الثاني ، والمعنى : اجعل الوارث منَّا الذي يقتدي بنا في استعمال هذه
الجوارح في طاعتك من نسلنا ، وفيه إشارة إلى طلب الذرية الصالحة . انظر (عقود
الزبرجد)) ( ٤٠/٢) .
(٢) روى البخاري (٣٧١١)، ومسلم ( ١٧٥٩) عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها : أن
فاطمة عليها السلام أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم فيما
أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ، تطلب صدقةً النبيِّ صلى الله عليه وسلم التي
بالمدينة وفَدَكٍ وما بقي من خُمُس خيبر .
00000,٣٦٦ 00000

وقال الباقون : إن الأنبياءَ لا يُورِّثونَ المالَ ؛ لقوله صلى الله عليه
وسلم: ((إنَّا لا نُورَثُ، ما تركناهُ فهو صدقةٌ)) (١)
فأما قولُهُ عليه السلام: (( العلماءُ ورثةُ الأنبياءِ))(٢) .. فمحمولٌ على
توارثٍ في العلم والأحكام بالإجماع(٣)
وقد رُوِيّ أن أعرابيّاً أتى ابن مسعود في حَلْقته فقال : علامَ اجتمعَ
هؤلاء ؟ فقال ابن مسعود : على ميراثِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم
يقتسمونَهُ(٤) ؛ يعني : العلمَ الموروث عنه .
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]؛ يعني: أنه ورثَ منه
0000
(١) رواه البخاري (٣٧١١)، ومسلم (١٧٥٩) من حديث سيدتنا عائشة رضي الله عنها .
(٢) رواه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه ( ٢٢٣) من حديث سيدنا
أبي الدرداء رضي الله عنه .
(٣) ومثله قوله سبحانه: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]، وقوله تعالى حكاية: ﴿يَرِقُنِى
وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦]، فالمراد : النبوة والعلم، وحاشا الأنبياء أن يسألوا
الوارث لأموالهم ويتهمَّموا لذلك ، وسيأتي لذلك مزيد بيان من قبل المصنف .
O
(٤) رواه الخطيب البغدادي في (( شرف أصحاب الحديث)) (ص٤٥).
وروى الطبراني في (( المعجم الأوسط)) (١٤٢٩) عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أنه
مرَّ بسوق المدينة ، فوقف عليها فقال : يا أهل السوق ؛ ما أعجزكم ! قالوا : وما ذاك
يا أبا هريرة ؟ قال : ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسمُ وأنتم ها هنا
لا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه ! قالوا : وأين هو ؟ قال : في المسجد .
فخرجوا سراعاً إلى المسجد ، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا ، فقال لهم : ما لكم ؟
قالوا : يا أبا هريرة ؛ فقد أتينا المسجد فدخلنا ، فلم نرَ فيه شيئاً يقسم ، فقال لهم
أبو هريرة : أما رأيتم في المسجد أحداً ؟ قالوا : بلى، رأينا قوماً يصلُّون ، وقوماً
يقرؤون القرآن ، وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام ، فقال لهم أبو هريرة : ويحكم !
فذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم .
x
00000 ٣٦٧ 00000

العلمَ والمُلكَ(١)، ثمَّ زادَهُ الله مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده .
وقولُ زكريا عليه السلام : ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِى وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ
يَعْقُوبَ﴾ [مريم ٥-٦]؛ أي: يرثُ منِّ الحُبُورةَ، ومن آل يعقوبَ النبؤَّةَ،
فيكونُ حبراً ونبياً(٢)
وقد رُويَ أنه عليه السلام قال لعليّ رضي الله عنه: (( أنتَ أخي
ووارثي))، قال: وما إرتُكَ؟ قال: (( ما أورثَ الأنبياءُ قبلي ؛ كتابُ اللهِ
وسُنََّي))(٣)
[ فصلٌ في بيان ما يُورَثُ وما لا يورثُ ]
وهذا فصلٌ يتعلَّقُ ببيان ما يُورَثُ وما لا يُورَثُ :
فنقول : إن الميراثَ شائعٌ في جميع الترِكَةِ ؛ عيناً كان أو ديناً ، وقد
أجمعت الأمَّةُ على هذه الجملة ، إلا في مسائلَ اختلفوا فيها :
0000
منها : أن يكونَ الموروثُ مقتولاً خطأ، ووجبت الديةُ على عاقلةِ قاتِلِهِ ،
فقد اختلفوا فيمن يرثُ من تلك الدية :
فروى الحسنُ عن علي رضي الله عنه : أن الزوجَ والزوجةَ والإخوةَ
(١) قاله مقاتل. انظر ((تفسيره)) ( ٢٩٩/٣).
(٢) قاله الحسن البصري. انظر ((الكشف والبيان)) (٢٠٦/٦)، والحبورة : الإمامة
والعلم .
(٣) روى صدره النسائي في (( السنن الكبرى)) (٨٣٩٧) من حديث سيدنا علي رضي الله
عنه، ورواه أحمد في ((فضائل الصحابة)) ( ١٠٨٥)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد
والمثاني)» (٢٧٠٧) من حديث سيدنا زيد بن أبي أوفى رضي الله عنه .
٥ ٣٦٨ ٥٥٥
٥

والأخواتِ من الأمُّ .. لا يرثون من الدية شيئاً، وبه قال الحسن(١)
وذهب الجمهورُ من الصحابة والتابعينَ والفقهاءِ منهم : إلى قسمة الدية
بين جميع الورثة كسائر التركَة (٢)
ومنها : اختلافُهم في توريث القاتل خطأ من الدية :
فمذهبُ الجمهورِ الأعظم : أنه لا يرثُ من الدية ولا من غيرها (٣)
وزعم قومٌ: أنه يرثُ من صُلبٍ مالِ المِيِّت ، ولا يرثُ من الدية(٤)
وزعم قومٌ : أنه لا يرثُ من صُلبٍ مالِ المَيِّت ، ولا يرثُ من الدية
الواجبة على عاقلته شيئاً ، وبه قال عطاء(٥)، والحسنُ(٦)، وسعيدُ بن
المسيَّب(٧)، والزهريُ(٨)، والحكمُ بن عُتَيَبةَ، ومجاهد، ومالك،
والأوزاعيُّ ، وأبو ثور (٩)
OOO
0
000
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٨١٢١) في حق الزوج والزوجة ، وانظر
((المبسوط)) للسرخسى (١٧٤/٢٦)، و((نهاية المطلب)) (٣٥٦/٩).
و
(٢) انظر ((المبسوط)) (١٦٤/٢٦)، و((نهاية المطلب)) (١٤٣/١٦).
(٣) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٣٢٠٤٤ -٣٢٠٥٣)
رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (٣٢٠٥٤) عن محمد بن جبير ، وهو مذهب الإمام
(٤)
مالك. انظر ((المدونة)) (٣٤٧/٤)، و((بداية المجتهد)) (١٤٤/٤)
(٥) رواه الدارمي في (( سننه)) (٣١١٩) غير أنه خصَّه بالقتل الخطأ.
(٦)
تقدم مذهبه قريباً .
(٧)
رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) ( ٣٢٠٤٨).
(٨) رواه أبو داود في ((المراسيل)) (٣٦٠).
(٩) انظر ((المغني)) لابن قدامة (٣٦٥/٦)، ونقل الماوردي في (( الحاوي الكبير))
(٨٥/٨) عن الحسن وابن سيرين: أن قاتل الخطأ يرث من المال والدية جميعاً .
00000/٦٩ ٣ 60000
CON
حد

OOOO
OO
0000
bo
ومنها : اختلافُهم في ميراث دية الجنين :
فعلى قول الجمهور : تكونُ الديةُ الواجبةُ فيه مقسومةً بين ورثة الجنين
على فرائض الله عزَّ وجلَّ (١)
وقال ربيعةُ والليثُ بن سعد: تكونُ الغُرَّةُ لأمُّ الجنين خاصَّةً(٢)
ومنها : اختلافُهم في دية المقتول : هل هي من ترِكَتَه ، أم حادثةٌ على
مُلك ورثته ؟
فعلى قول الجمهور : هي من تركته ؛ تُقُضى منها ديونُهُ ، وتُنفَّذُ منها
وصاياه ، ويُقسَمُ باقيها بين ورثته كسائر أمواله (٣)
وقال أبانُ بن عثمانَ وعمرُ بن عبد العزيز وشريكُ بن عبد الله وأبو ثور :
إن الديةَ تَحدُثُ على مُلك الورثة ؛ لا يُقضى منها دينٌ للميِّت ولا وصيةٌ
له (٤)
واختلفوا في الحقوق التي ليست بمال ، ولكنها متعلّقةٌ بمال ؛ مثل :
خدمة العبد ، وسكنى الدار ، والخيارِ في البيع ، والشفعةِ ، وغيرها :
(١) انظر ((المدونة)) (٦٣٢/٤)، و((الأم)) (١١٦/٦)، و((المبسوط)) (٨٨/٢٦)،
و ((المغني)) (٤٠٨/٨).
(٢) قال ابن رشد في ((بداية المجتهد)) (١٩٩/٤): ( وقال ربيعة والليث : هي للأم
خاصة ؛ وذلك أنهم شبهوا جنينها بعضو من أعضائها)، وانظر ((المغني)) (٤٠٨/٨).
(٣) انظر ((المبسوط)) (٤٩/٣٠).
(٤) انظر (( المغني)) لابن قدامة (٣٨٨/٦)، وذهب إلى مثل ذلك مكحول ، انظر
((المدونة)) (٤ /٣٥٠) .

فقال الشافعيُّ رضي الله عنه : جميعُها موروثٌ (١)
وقال أبو حنيفةَ : لا يُورَثُ شيءٌ منها إلا خيارُ الردِّ بالعيب(٢).
واختلفوا أيضاً في حدِّ القذف :
فقال الشافعيُّ : إنه من حقوق الآدميِّينَ ، ويجري فيه الميراثُ
كالقصاص(٣)
وقال أبو حنيفةً : إنه من حقوق الله عزَّ وجلَّ ، لا يسقطُ بالعفو ،
ولا يجري فيه الميراثُ(٤)
واختلفوا في الولاء :
فأسقط الجمهورُ الإرثَ فيه وقالوا : إن الولاءَ كالنسب يُورَثُ به ،
ولا يُورَثُ في نفسه(٥)
00000000
وذهب قومٌ : إلى أنه موروثٌ كالمال(٦)
O
وإذا صحَّ بما ذكرناه من الفصل بين ما يُورَثُ وما لا يُورَثُ .. كانت
أموالُ الأنبياء عليهم السلام من جملة ما لا يُورَثُ كما بيَنَّهُ قبل هذا(٧)
وكلُّ ما يرتُهُ العبادُ وما لا يرثونَهُ من الأعيان والحقوق .. فإن الله تعالى
(١) وهو مذهب الإمام مالك. انظر ((بداية المجتهد)) ( ٢٢٧/٣).
(٢)
انظر ((المبسوط)) (١٨٦/٢)، (١١٦/١٤).
(٣)
انظر (( الحاوي الكبير)) ( ٢٥٩/١٣).
(٤)
انظر (( المبسوط)) (٤٨/٩) .
انظر (( المبسوط)) (٨٣/٨)، و((الحاوي الكبير)» (٨/ ١١٧).
(٥)
(٦)
انظر ((الإشراف على مذاهب العلماء)» (٣٨٨/٤).
(٧) انظر (٣٦٦/٣).
٢
00000 , ٣٧

00
وارثٌ جميعَ ذلك ، فلذلك قيل له : ( الوارثُ ) على الإطلاق من غير تقييد
شيءٍ دون شيءٍ ، وإنما يقالُ لغيره : (وارثٌ ) على التقييد والإضافة إلى
شيء بعينه .
ولوقوع اسم ( الوارث ) لله مطلقاً يُنسَبُ بعضُ العباد إليه ؛ فقيل : عبدُ
الوارث ، وعلى هذا الاسم كان جماعةٌ من العلماء من رواة الحديث :
منهم : عبدُ الوارث مولى أنس بن مالك ، يروي عن أنس(١)
ومنهم : عبدُ الوارث بن أبي حنيفةَ ، يروي عن أبيه ، روى عنه شعبةُ ،
وحديثُهُ في الكوفيينَ(٢)
ومنهم : عبدُ الوارث بن سعيد ؛ أبو عبيدةً مولى بلعنبر ، مات سنة
ثمانين ومئة ، وروى عنه ابنه أبو سهل عبدُ الصمد بن عبد الوارث(٣)
000
ومنهم : عبدُ الوارث بن صخر أبو صخرِ الحمصيُّ، يروي عن عقبةً بن
زرعةَ ، روى عنه سليمان بنُ عبد الرحمن(٤) ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
000
(١) انظر ((التاريخ الكبير)) البخاري (١١٨/٦).
(٢) انظر ((التاريخ الكبير)) للبخاري (١١٨/٦).
انظر ((التاريخ الكبير)) للبخاري (١١٨/٦).
(٣)
(٤) انظر ((التاريخ الكبير)) البخاري (١١٨/٦).

٥
ذكر معنى (الواسع) من أسماءالله عز وجل
قال الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ إِنَ اَللَّهَ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾
[البقرة : ١١٥] .
وقد حكى ابنُ الأنباريِّ عن أبي عبيدةً : أن الواسعَ : الكثيرُ العطايا ،
الذي يسعُ لما يُسأل(١)
وقال آخرون : الواسعُ : المحيطُ بعلم كلِّ شيء ؛ من قوله عزَّ وجلَّ :
﴿وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلّمًا﴾ [طه: ٩٨]؛ أي: أحاط بكلِّ شيء علماً (٢)
وقال قتادةٌ: وسعَ كلَّ شيء علماً؛ أي: ملأ كلَّ شيء علماً(٣)
وفائدتُهُ : أنه هو الذي خلقَ علمَ كلِّ ذي علم سواه ، خلافَ قول القدريَّة
في دعواها : أنهم يخلقون لأنفسهم العلومَ النظريةً(٤)
وخلافَ قول من قال من المرجئة : إن العلومَ كلّها مكتسبةٌ ، ليس منها
(١) انظر ((مجاز القرآن)) (٥١/١)، و((الزاهر في معاني كلمات الناس)) (٩٤/١).
(٢) انظر ((الزاهر في معاني كلمات الناس)) (٩٤/١)، فيرجع معنى الواسع إلى صفة
العلم، وهو مذهب الإمام الأشعري. انظر (( مجرد مقالات الأشعري)) ( ص٥٤) ،
وزاد : ( وقيل : إنه واسع الفضل والرحمة ) .
(٣)
انظر ((تفسير الطبري)) ( ١٨/ ٣٦٧) .
(٤) انظر (٥١١/١)، وذلك قولهم بالتوليد، وإنما أرادوا نفي الكسب الذي قال به أهل
السنة ، وإثباتَ العدل بزعمهم .
00000 :٣٧٣ 00000 1

شيءٌ اضطَرَّ اللهُ عزَّ وجلَّ العالمَ به(١)
ومن قال بالقول الأوّل قال: قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾؛
أي: وسع علمُهُ كلَّ شيء، وهو كقوله: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ زَّحْمَةٌ
وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، وانتصبا على التمييز(٢).
ويقال : وسعَ علمُ الله كلَّ شيء ، وبكلِّ شيء ، وسعت رحمتُهُ كلَّ
شيء، ولكلِّ شيء، وعلى كلِّ شيءٍ(٣)
وفي هذا دليلٌ على فساد قول من قال من غلاة الروافض : إن الله لا يعلمُ
الشيءَ حتى يكونَ، كما ذهب إليه زرارةُ بن أعينَ وبعضُ القائلين بالبَداء(٤)
وفيه فسادُ قول المعتزلة والنجَّاريّة : بنفي علم الله عزَّ وجلَّ ؛ لإخباره أنه
وسع كلَّ شيء علماً، فأثبت لنفسه علماً محيطاً بالأشياء كلِّها ، خلافَ
قول : من نفى علمَهُ(٥)، وخلافَ قولِ من زعم: أن علمَهُ مقصورٌ على
بعض المعلومات دون بعض .
وقال قومٌ : الواسعُ : الغنيُّ ؛ من قوله : فلانٌ في سَعَةٍ ؛ أي : في يسارِ
وجِدَةٍ (٦)
(١) انظر الكلام على المعارف (٢/ ٤٧٤).
(٢) انظر ((الغريبين)) (١٩٩٨/٦).
انظر ((تهذيب اللغة)) (٦١/٣)، و((الغريبين)) (١٩٩٨/٦).
(٣)
(٤)
انظر (٢ /٢٦٠) .
وهم الجهمية والمعتزلة والنجارية ، وأثبتوا له تعالى العالمية فقط .
(٥)
(٦) انظر ((تفسير أسماء الله الحسنى)) للزجاج (ص٥١)، و((اشتقاق أسماء الله)) للزجاجي
(ص٧٢-٧٣ ) .

OUT.MAY CO00
وهذا القولُ بعيدٌ من الصواب ؛ لأن المعروفَ في كلام العرب أن يقال
الغني : مُؤْسِعٌ ، لا واسع ؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ
قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقولُ ابنِ الأنباريِّ في هذا أصوب .
وقال آخرون : الواسعُ : هو الواسعُ العطاء ؛ من قولهم : فرسٌ وَسَاعٌ ؛
إذا كان واسعَ الذَّرْعِ، بعيدَ ما بين الخُطا(١)؛ كما يقال: امرأةٌ ذَراعٌ ؛ إذا
كانت جيدةَ المَسْدِ باليدين [بالغزل](٢).
ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَهَا بِأَبْيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] ؛
أي : جعلنا بينها وبين الأرض سَعةٌ (٣)
ومن هذا قالوا في المثل : أوسعُ من الدهناء ، وأوسعُ من اللوح (٤)
وأوسعُ من الأرض ذاتِ الطول والعرض .
CO
وقال آخرون : الواسعُ : الذي يعجِّلُ بالعطاء ، ويسرعُ بكلِّ خير .
وفي حديث جابر : ( فضرب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَجُزَ جملي ،
فانطلق، فكان أوسعَ جملٍ ركبتُهُ)(٥) ؛ يريد: أعجلَ جمل سيراً (٦)
(١) انظر ((تهذيب اللغة)) ( ٣ /٦١).
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (بالقول). انظر ((الغريبين)) (٦٧٣/٢)، والمَشْدُ :
مصدرُ مَسَدَ الحبلَ يَمْسُدُهُ مَسْداً؛ إذا أجاد فتله. انظر ((تهذيب اللغة )) ( ٢٦٤/١٢).
(٣) انظر (( معاني القرآن)) للزجاج (٥٧/٥) .
(٤) انظر المثلين في ((جمهرة الأمثال)) (٣٢٩/٢)، و((مجمع الأمثال)) (٣٨٢/٢)،
والدهناء : الفلاة ، ويعنون باللوح : الهواء ما بين الأرض والسماء .
أورده الخطابى فى ((غريب الحديث)) (٤٤٩/١)، وروى الخبرَ البخارى (٢٠٩٧)،
(٥)
ومسلم ( ٧١٥) وليس عندهما موضع الشاهد .
(٦) انظر ((غريب الحديث)) للخطابي (٤٤٩/١)، و ((الغريبين)) (١٩٩٩/٦).
COO000 ٣٧٥ 00000

وقال آخرون : الواسعُ : القادرُ ؛ قال أبو زُبيد الطائيُّ رحمه الله
تعالى (١):
[من البسيط]
حمَّالُ أثقالِ أهلِ الودٌّ آونةً أُعطِيهِمُ الجَهْدَ مِنِّي بِلْهَ ما أسعُ
معناه : أعطيهم ما لا أجدُهُ إلا بجَهْدٍ ، فدعْ ما أقدرُ عليه وأجدُهُ(٢)
وفي ( بلْهَ ) ثلاثةُ أوجه : على، وكيف ، ودَعْ(٣)
والعربُ تنصبُ بـ ( بلْهَ) وتخفضُ بها :
وفي الخفض بها ورد قول الشاعر (٤):
[من الكامل)
تدعُ الجماجمَ ضاحِياً هاماتُها بَلْهَ الأكفِّ كأنَّها لم تُخلَقِ
[من البسيط]
وقال الآخرُ في النصبِ بها (٥) :
مشيَ الجوادٍ فَلْهَ الجِلَّةَ النُّجُبا
تمشي القَطُوفُ إذا غنَّى الحُداةُ بها
(١) انظر (( ديوانه)) (ص١٠٩).
(٢)
انظر ((تهذيب اللغة)) (٦ /١٦٧ ) .
(٣) قال الخليل في ((العين)) (٤/ ٥٥): (بلة: كلمة بمعنى أجل )، ثم قال: ( وبلْهَ :
بمعنى كيف، ويكون في معنى ((دَعْ ))، بكلِّهِ نطق الشعر ) ، ويجوز رفع ما بعدها على
الابتدائية أيضاً ، وتكون هي متعلقة بخبر مقدم محذوف .
(٤) البيت لسيدنا كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه، يصف فيه سيوفاً . انظر
((ديوانه)) (ص٢٤٥)، وفيه: ( فترى) بدل ( تدع)، قال أبو عبيد في ((غريب
الحديث)) (١٨٦/١): (والأكفِّ: ينشد بالخفض والنصب ، والنصب: على معنى
دع الأكفَّ)، وروي بالرفع أيضاً على أنها بمعنى ( كيف ) وما بعدها مبتدأ . انظر
((مغني اللبيب)» (١٥٧/١).
(٥) البيت لابن هَرِمَةً كما نسبه إليه ابن سلام في ((غريب الحديث)) (١٧٨/١)،
والقطوف : الدابة البطيئة المشي ، ويقال لمشيها : القطف .
100000
40

PO00
وأنشده القواهرُ بنُ السبق وقال(١): من خفض بـ ( بلةَ ) جعلها بمنزلة
( على)، ومن نصب بها جعلها بمنزلة ( دَعْ ).
قال عبدُ القاهر :
فإذا صحَّ ما قلناه في معنى ( الواسع ) من طريق اللغة .. قلنا :
إن أخذنا معنى وصفِ الله تعالى بالواسع : من معنى إحاطةِ علمِهِ
بالمعلومات ، أو من معنى قدرتِهِ على الأشياء ، أو من معنى الغنى .. كان
على هذه الوجوه كلِّها من أوصافه الأزليّةِ (٢)
وإن أخذناه : من معنى التوسُّع في العطاء .. فهو من أوصافه المشتقَّة من
أفعاله ، دون أسمائه الأزليّة(٣)، ومنها: المُؤْسِعُ؛ لأنه بمعنى: الموسع
في العطاء ، وليس من أوصافه الأزليّة (٤)
(١) في (ب، ج): ( المسبق) بدل ( السبق) ، ولعله قد وقع تصحيف في هذا الاسم.
(٢) قال الإمام الحليمي في (( المنهاج في شعب الإيمان)) (١٩٨/١): ( الواسع:
ومعناه : الكثيرُ مقدوراته ومعلوماته ، والمنبسطُ فضله ورحمته ، وهذا تنزيه له من
النقص والعلة، واعترافٌ له بأنه لا يُعجزُهُ شيءٌ، ولا يخفى عليه شيءٌ، ورحمتُهُ
وسعت كلَّ شيء ) .
(أبكار الأفكار)) (٢/ ٥١٢): (الواسع : قيل معناه : العالم ،
قال الإمام الامدي في
(٣)
وقيل معناه : الغني ، وقيل معناه : الكافي للخلق ، والأوَّلُ : صفةُ علم ، والثاني :
صفةُ سلب ، والثالثُ : صفةُ فعل )
(٤) قال الإمام أبو بكر بن العربي في (( الأمد الأقصى)) (٥٥٥/١) بعد تقريره أن ( الواسع )
يكون من أسماء الذات ومن أسماء الأفعال : ( وَهِمَ فيه حَبْرٌ عظيم ؛ وهو الأستاذ
أبو إسحاق ، فعذَّده في جملة صفات الأفعال وجعله منها ، وقال بعد أن عدده فيها :
((هو الذي لا تتعذَّرُ عليه عطية))، وهذا هو الحجة عليه ؛ فإنه إشارةٌ إلى عموم
القدرة ؛ إذ التعذُّرُ نقيضُ الإمكان ، والإمكانُ متعلِّقٌ بالقدرة ومن أحكامها ) ، ولیس=

[ معاني (الواسع ) عندَ الصوفيةِ ]
وتكلَّمت الصوفيّةُ في معنى هذا الاسم :
ـى
فمنهم من قال : الواسعُ : الذي وسع علمُهُ الأزلَ والأبدَ .
ومنهم من قال : هو الذي لم يَعزُبُ عنه أثرُ الخواطر في الضمائر ،
ولا خافياتُ السرائر(١).
ومنهم من قال : هو المشَِّعُ في مُلْكه ومِلْكه .
ومنهم من قال : هو الواسعُ الذي يعطي بلا حسابٍ ، ويمنع بلا
عتابٍ(٢)
وفي هذا القول : إشارةٌ إلى آيتينِ ؛ وهما قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَقَالٌ لِّمَا
يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]، وقولُهُ تعالى ﴿لَا يُسْشَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾
[الأنبياء : ٢٣].
00000
=
وجه الوهم في كون ( الواسع ) من صفات الأفعال ، بل في الاستدلال على ذلك بأنه
الذي لا تتعذَّر عليه عطية؛ إذ هذا الوصف أزلي له تعالى ؛ لرجوعه إلى صفة القدرة .
(١) وهذا المعنى يرجع إلى صفة العلم أيضاً، قال سبحانه: ﴿وَمَا تَكُونُ فِ شَأَنٍ وَمَا نَتْلُوا مِنْهُ مِن
قُزْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهٍ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ زَيِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةِ
فِي الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّفِ كِتَبٍ مُّبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].
(٢) يعني : إذا منع فلا أحد يعاتبه على منعه ؛ لأن المؤمن يعلم أن منعه لحكمة خفيت
عنه ، والكافر ليس بأهل للعتاب أصلاً ، فكلماته عند المنع هي اعتراض وجرأة .
CON

ذكر معنى (الوكيل) من أسماءالن عزوجل
قال الله تعالى: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢].
واختلفوا في معناه على ثلاثةِ أوجه :
قيل : معناه : شريكاً (١)
وقيل : ربّاً (٢)
O
وقيل: كافياً، وهو اختيارُ الفرَّاء(٣)، وهو الأصحُ؛ لقوله عزَّ وجلَّ:
﴿ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اُللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ومعنى ( حسبنا ) :
کافینا(٤)
p
ويجب أن يكون ما بعد ( نِعْمَ ) موافقاً لما قبله(٥) ؛ كقول القائل : الله
رازقُنا ونِعْمَ الرازقُ، وهو راحمُنا ونِعْمَ الراحمُ ، وهذا أحسنُ من أن يقالَ :
كافينا ونِعْمَ الربُّ، ويقالَ : ونِعْمَ الكفيلُ(٦)
(١) قاله مجاهد، كما رواه الطبري عنه في ((تفسيره)) (٣٥٣/١٧).
أورده الفراء في (( معاني القرآن)) (١١٦/٢).
(٢)
وتابعه عليه ابن الأنباري في (( الزاهر في معاني كلمات الناس)) (٨/١).
(٣)
انظر ((الزاهر فى معانى كلمات الناس)) (٧/١-٨).
(٤)
(٥) قوله : (ويجب ) هو مذهب الفراء، والوجوب هنا بمعنى الأحسنية ؛ بدليل ما يأتي في
آخر سياقه .
(٦) انظر ((الزاهر في معاني كلمات الناس)) (٨/١).
00000,٣٧٩ 00000

٢٠١
Cooo
ولأنه عزَّ وجلَّ قد قال: ﴿وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُّهُ﴾ [الطلاق: ٣]؛
أي : كافيه(١) .
G
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧] ؛ أي:
ليَكِلوا أمورَهم إليه ؛ يقالُ: [توكَّلَ] بالأمر؛ إذا قام به كافياً (٢)، ووَكَّلَ
فلانٌ فلاناً ؛ إذا وَكَلَ أمرَهُ إليه يستكفيه إيّاه ، فربما يكونُ ذلك أضعفَ في
المُوكِّلِ ، وربما يكونُ ثقةً بالكفاية(٣) ، ويقالُ: استعنتُ القومَ فتواكلوا ؛
أي : [وَكَلَني ◌َ بعضٌ إلى بعضٍ (٤)
وفي الحديث : ( فتواكلا الكلامَ)(٥) ؛ أي : اتكلَ كلُّ واحدٍ منهما على
الآخر فيه .
وقال آخرون : الوكيلُ : الحفيظُ ؛ رجلٌ وَكِلٌ ووَكَلٌ ؛ أي : بليد ،
والوَكالُ : البلادة(٦) ، وقد واكَلَتِ الدابَّةُ: إذا سارت بسير غيرها (٧)
انظر (( تفسير الطبري)) ( ٤٤٨/٢٣) .
(١)
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( وكل ) .
أنظر ((الغريبين)) (٢٠٣١/٦)، و(تاج العروس)) ( وكل).
(٣)
(٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (وكل)، وانظر ((الغريبين)) (٢٠٣١/٦)،
و(( لسان العرب)) ( وك ل) .
(٥) أورده ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) (٥١٨/١)، ورواه النسائي (١٠٥/٥) من
حديث سيدنا عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب والفضل بن العباس
رضي الله عنهما ، وليس فيه موضع الشاهد .
(٦)
انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٠٣/١٠).
قال الأزهري في ((تهذيب اللغة » ( ١٩٩/١٠): (وواكَّلَتِ الدابَّةُ وِكَالاً؛ إذا أساءت
(٧)
السير )
CON
00000 A000