النص المفهرس

صفحات 281-300

000
يضادُّهُ ؟(١) فتولَّدَتْ من هذه الفكرة عقوبةٌ في نفسه ، وتولَّدَ الشيطانُ من
تلك العقوبة .
وزعم بعضُهم : أن الشيطان والإلله قديمانِ ، وأن الشيطانَ بغى على
الإلهُ وحاربَهُ(٢)، ثم إن الشِّعْرَى صالحَ بينهما، فهما على ذلك الصُّلْح
يدبِّرانِ أمرَ العالم إلى انقضاء مدَّةِ الهُدنة بينهما سبعة آلاف سنة ، وأنهما إنما
تهادنا على أن يكون إبليسُ وجنودُهُ في قرار الضوء ، ثم يخرجَ إلى موضعه
من الظلمة ، ولمّا تهادنا وضعا سيفَهما عند عدلين وقالا لهما مَنْ غدرَ
بصاحبه فاقتلاهُ بسيفه ، ونسبوا الخيرَ كلَّهُ إلى النور، والشرّ كلَّهُ إلى
الشيطان ، وسمَّوْهُ بالفارسية : أهرمن(٣)
وتكلم زرادشت صاحبُ المجوس في أنواع من الخرافات والحماقات
وقال : إن العَظاءَ ليس من ذوات السُّموم(٤) ، وإن سامَّ أبرصَ من ذوات
السُّموم(٥) ، وإن أهرمن قعد يقسمُ السُّمومَ، فسبقت إليه الحيَّاتُ والثعابين
000000
(١) وهذا قريب من القول بأنه شكَّ شكَّة تولد منها الشيطان، وهذا القول صريح بحدوث
الشيطان على مذهبهم
(٢) قال الإمام الرازي في «مفاتيح الغيب)) (١٢٢/١٣): (جعلُ الضعيف الناقص شريكاً
للقوي الكامل .. محالٌ في العقول ) .
(٣) انظر (( الملل والنحل)) (٣٨/٢-٣٩)، و(( أصول الدين)) للمصنف (ص٨٣ )، وقد
قال العلامة الشهرستاني في ((الملل والنحل)) (٤٠/٢) بعد ذكره لههذه العقائد :
( ولست أظنُّ عاقلاً يعتقد هذا الرأي المائل ، ويرى هذا الاعتقاد المضمحلَّ الباطل ،
ولعله كان رمزاً إلى ما يتصور في العقل ، ومن عرف الله سبحانه وتعالى بجلاله و کبریائه
لم يسمح بههذه التُّرَّهات عقلُهُ، ولم يسمع مثلَ هذه التُّرَّهات سمعُهُ ).
(٤) العظاء : جمع عَظاءة؛ دويبة أكبر قليلاً من سامُ أبرصَ، ويقال : عَظاء وعَظايا .
(٥) سامُّ أبرصَ : من كبار الوزغ .
C

والجرَّارات والعقاربُ وسوامُّ أبرصَ(١)، فكان حظُّها من السُّموم أوفرَ،
واحتبست العَظَايةُ عنه حتى نَفِدَ السُّنُّ ، فدخلها من الحسرة ما لأجله صار
مأواها الخراباتِ والمزابلَ ، فهي تمشي سريعاً ثم تقف وقفةً حسرةٍ على
ما فاتَها من السُّم !(٢)
ومن خرافاته التي يُسخرُ منها : قولُهُ : إن الفأرة من خلْقِ الإلله ، وإن
السَّنَّورَ من خلق الشيطان ؛ لأنه يأكل الحيوانات ، فقيل له : كيف يستمرُّ
على أصلك نسبةُ خلْقِ الفأرِ إلى الإلله مع دعواك أن الإله لا يخلقُ الحيوانَ
الضارَّ المفسد ، والفأرُ مُفسِدةٌ تَجذِب فتيلةَ السراج من أجل دُهْنِها فتحرقُ بها
قبيلةٌ، وتنقُبُ المُسَنَّةَ فتغرقُ البلدَ(٣) ، وتقرضُ دفاترَ العلم والحسابِ
والصكوكَ مع الثيابِ الفاخرة ؟!(٤)
وكيف صار خلْقُ الفأرة المفسدة من الإلله ، وخلقُ السِّنَّورِ النافع المنقذِ من
أذى ذلك المفسدِ من الشيطان، وهو آفةُ كلِّ ما خلقَهُ الشيطانُ بزعمك ؛ من
العَظاء، والعقارب ، والحيات ، والجرَّارات ، والجِعْلان وسائرِ الحشرات ؟!
فقال : إن السنور شرٌّ كلُّهُ؛ لأن السنور لو بالَ في البحر لماتَ من نتْنِ
بوله عشرة آلاف سمكة !(٥)
OO
00
(١) الجرَّارات: جمع جرارة؛ عُقيرِب صفراء تجرُّ ذنبها ، وهي من أخبث العقارب وأقتلها
لمن تلدغه .
(٢) انظر ((الحيوان)) للجاحظ (٢٩٦/٤).
المُسَنَّاة : سدٌّ لخَزنِ الماء ، أو لمنع السيل من أن يعلو فيذهب بمنازل البلد ومقابره ،
(٣)
وقيل : إن سيل العرم بأرض سبأ كان سببُهُ قرضَ الجرذ للعرم الذي هو المسنَّةُ .
(٤) انظر (( الحيوان)) للجاحظ (٤ / ٢٩٨).
(٥) انظر ((الحيوان)) للجاحظ (٢٩٩/٤-٣٠٠).
COO00 A00000

OYRY
وهذه حماقةٌ لم يبلغْها أحمقُ قبلَهُ .
وأنكرت المجوسُ كلُّها : ما عليه المسلمون وأهلُ الكتاب ؛ في انتساب
الناس إلى آدمَ وحوَّاءَ ، وما ذكروهُ من خلْقِ آدمَ عليه السلام من التراب ،
وخلْقِ حواءَ من ضِلَع آدم ، وانتشارِ النسل منهما بعد ذلك ، وقالت من
أنفسها في بَدْءِ التناسل قولين :
أحدهما : أن طائفةً منهم زعموا : أن مبدأ كون البشر وسائر الحيوان من
رَجُلٍ وثور، واسم الرجل : ( كيومرث)(١) ، ومعناه : الحيُّ الناطق
المائت(٢) ، ولقبه : كِلْ شاه؛ أي: ملكُ الطين، واسم ذلك الثور :
إيزداد (٣) ؛ أي: عطيةُ الإلله .
000
50
000
قالوا : فبقي ذلك الثورُ وذلك الرجلُ في الأرض ثلاثين سنة ، فلما نزل
إبليسُ إلى الأرض لم يجدْ عليها حيواناً غيرَهما ، فقتلَهما ، فخرج من صُلْبَيٍ
الرجلِ والثورِ نطفتانِ ، فغاصتا في الأرض أربعين سنةً ، ثم نبت من نطفة
الرجل رِيباستانٍ(٤)، واستحالتا فصارتا إنسانينٍ ؛ ذكرٌ وأنثى، واسمُهما :
مشة وميشانة ، ثم تسافدا ، فكان الناسُ من نسلِهما ، وخرجَ من نطفة ذلك
الثورِ الإبلُ والبقرُ والغنم وسائرُ الحيوانات من طير وحوت وغيرهما (٥) .
(١) في (ب، ج) : ( كي كومرت ).
(٢) قال العلامة الشهرستانى فى ((الملل والنحل)) (٣٨/٢): ( وقد ورد في تواريخ الهند
والعجم : أن كيومرث هو آدم عليه السلام ) .
في (ج) : (إیزذداز) بدل (إيزدداذ) .
(٣)
(٤)
ريباستان : نبتتانِ .
(٥) انظر ((الملل والنحل)) (٣٩/٢).
AXX/10
00000 -٢٨٢

هذا هو الذي ذكروه في كتابهم المعروف بـ ((الأَبِسْتا)) (١)، وفي بعض
نسخه : أن اسم الذكر والأنثى : مهلا ومهلايا .
وقرأت في كتب مُوبَذِهم المعروف بمَرْدانشاه المجوسيِّ : أن أول
ما خلق الله عزَّ وجلَّ رجلاً وثوراً ، وأنهما بقيا في أكناف السماء ثلاثة آلاف
سنة ؛ وهي ألوفُ الحَمَلِ والثور والجوزاء ، ثم أهبطا إلى الأرض فبقيا فيها
ثلاثةَ آلاف سنة ؛ وهي ألوفُ السرطانِ والأسد والسُّنْلَةِ ، فلمَّا دخلت نويةُ
ألفِ الميزانِ نزل إبليسُ صادَهما وقتلهما(٢) ، وكان من نطفتهما ما كان .
وفي هذه الحكاية : تصريحٌ منهم بأن عمر الدنيا اثنا عشر ألفَ سنةٍ على
عدد بروجِ الفلك ؛ لكلّ برج ألفُ سنة ، وهذا مناقضٌ لقولهم : إن مدة
الهُدْنة بين الإلله وبين إبليسَ سبعةُ آلاف سنة بعد نزوله في نوبة الميزان ؛
وهي الألف السابعة ؛ لأنه لا يبقى بعد انقضاء ستة آلاف سنة من اثني عشر
ألفَ سنةٍ سبعةُ آلاف سنة(٣)
وإنما أسّسَ للمجوس هذا الدين زرادشت ، وكان من أَذْرَبيجانَ من
ناحية مُوقانَ ، وزعم أصحابُ التواريخ : أن زرادشت دخل الشامَ في عنفوان
شبابه ، وخدمَ بعضَ أنبياء بني إسرائيل وهو أرمياءُ ، ثم خانَهُ خيانةٌ قبيحة ،
وهربَ منه ، فدعا عليه ولعنَهُ ، فصار أبرصَ ، ثم ضلَّ في دينه ، فوضع
بأَذْرَبيجانَ دينَ المجوسية ، وخرج إلى بلخَ عند كشتاسب بن لهراسب ملكِ
(١) الأَبِسْتا: اسم لمجموع متون كتب المجوسية المنسوبة إلى زرادشت ، وشرحها
زرادشت بكتاب سماه: ((الزند)). انظر مقدمات كتاب ((الفنديداد)) (ص٣).
(٢) في (ج): ( ضادَّهما ) بدل ( صادهما) .
(٣) وقد مضى أن مدَّة الخلاص وما بعدها كان يجب أن تنقضي من قرابة ألف سنة !
COOOD AY 00000

XY.
40000
العجم ، وكان مع أهل مملكته على دين الصابئة ، فدعاهُ إلى المجوسية ،
ووافقَهُ على تصديقه جاماشب المنجِّمُ ، فَآَمنَ به كشتاسب وأهلُ مملكته ،
ودعاهم بعد ذلك إلى تعظيم النار ، فبيوتُ النار من يومئذٍ ، وخالفهم رُستمُ
صاحب سِجِسْتانَ والهند ، ووقع من أجله القتال بينه وبين إسفنديار بن
كشتاسب ، وقتل إسفنديار ، وبقي زرادشت فيهم خمساً وثلاثين سنة ، ثم
خرج إلى نسا ، فقتله بها رجلٌ اسمه نور (١)
د
[ فرقُ الصابئةِ ]
وأما الصابتةُ : فهي اليوم فِرَقٌ :
إحداها : فرقةٌ قالت : إن العالم محدَثٌ، وله صانع أزليٌّ غير مُشْهٍِ
لشيء من العالم ، غير أنهُ خلق الفلكَ حيّاً ناطقاً سميعاً بصيراً مُدبِّراً لما في
هذا العالم ، وسَمَّوا الكواكبَ التي فيه : ملائكةً ، وسمَّاهم قومٌ منهم :
آلهة، وعبدوها، وبنَوا لها بيوتَ عباداتٍ على عدد الأفلاك السبعة(٢).
وزعم بعضُ من تحامقَ منهم : أن الكعبة منها بيتُ زُحَلَ ، فلذلك دام
بقاؤها ؛ لأن زحلَ يدلُّ على طول العمر والبقاء (٣)
وأضاف هؤلاء كلَّ الحوادث في العالم من صلاحٍ أو فسادٍ إلى سُعود
الكواكب ونُحوسِها ، وزعموا : أن الفلك مدبّرُ العالم ، واللهَ مدبِّرُ الفلك
فحسبُ .
(١) انظر ((تاريخ الطبري)) (٥٤٠/١_٥٦٤).
(٢) انظر ((أصول الدين)) للمصنف (ص٣٢٤)، ووصفهم أنهم من اليونانية .
(٣) انظر ((الملل والنحل)) (٧٨/٣).
0
00000 ٢٨٤
00000
٢٨٢

D
والفرقة الثانية منهم : قالت بمثل قولِ الفرقة الأولى ، إلا أنها زعمت :
أن الإله لا يُوصفُ بأوصاف الإثبات ، وإنما يُوصفُ بألفاظ النفي ؛
فيقال : إنه غيرُ معدوم، ولا محدّثٍ ، ولا ميت ، ولا عاجزِ،
ولا جاهل ، ولا سفيهٍ ، ولا جائر، بدلاً من قولنا : قديمٌ ، وموجود ،
وحيٌّ ، وعالم ، وقديرٌ ، وحكيم(١)
والفرقةُ الثالثة منهم : زعمَت أنها لا تصفُ الإلهَ إلا بأنه الإله فقط .
وقد ناظرتُ من هذه الطائفة رجلاً في دينه .
وجميعُ هذه الفرق: تدَّعي أن لهم أنبياءَ ، ويزعمون : أن منهم هِرْمِسَ
المنجمَ ، وزعم بعضُهم : أنه إدريسُ عليه السلام ، وادَّعى بعضُهم : نبوةً
سولونَ جدِّ أفلاطونَ لأمِّهِ (٢)، واذَّعوا أيضاً : نبوةَ دوريتوسَ وواليسَ
وجماعةٍ من المنجِّمين الذين وصفوا أرصاد الكواكب ، وأقرُّوا بشريعة
سولونَ جدِّ أفلاطونَ لأمِّهِ ، وقالوا : من شريعته : ثلاثُ صلوات في كلِّ
وم :
أولاها : ثمانِ ركعات ، في كلِّ ركعة ثلاثُ سجدات ، وانقضاءُ وقتها
عند طلوع الشمس .
والثانيةُ : خمسُ ركعات ، في كلِّ ركعة ثلاثُ سَجَدات قبل زوال
الشمس .
(١) انظر ((أصول الدين)) للمصنف (ص٣٢٤).
(٢) وكان سولون شاعراً حكيماً ، وهو بعد هرمس وقبل سقراط ، سُئلَ مرّة : ما الحياة ؟
فقال: التمسّك بأمر الله تعالى. انظر (( الملل والنحل)) (١٦٢/٢ -١٦٣).
00000 A030000

والثالثةُ : مثلُ الثانية قبل غروب الشمس .
ولا صلاةً إلا على طهرٍ ووضوء .
وأوجبوا صومَ ثلاثين يوماً ؛ أوَّلُها لثمانٍ مضين من آذارَ ، وتسعةِ أيام ؛
أوَّلُها لتسعِ بقينَ من كانونَ الأولِ ، وسبعة أيام ؛ أوَّلُها لثمانٍ مضينَ من
شُبَاط .
وذبحوا من ذوات الأربع الذكورَ من البقر والضأن والمعز ، ومن سائر
ذواتِ الأربع غيرِ الجزور [ما] ليس له أسنان في الشدقين جميعاً(١)، ومن
الطير ما ليس له مِخلبٌ غيرَ الحمام ، وحرَّموا لحمَ الخنزير ، ولا يأكلون من
القُرْبان ، ويرون الغسلَ من الجنابة ومسٌّ الميت والطامث ، وينهون عن
الاختتان ، والسُّكرِ من كلِّ شراب .
2000
وقالوا : النكاح بوليٍّ وشهود ، ولا يتزوَّجون من أقربِ الأقارب ،
ولا يكون الطلاقُ عندهم إلا بحكم حاكمٍ بعد بيَّةٍ على فاحشة ظاهرة ،
ولا يجمعون بين امرأتينٍ ، ولا يراجعون المطلّقة، ولا يرون النكاحَ إلا
لطلب الولد .
فهذه مذاهبُ الصابئة بحرَّانَ(٢)
وبأسافلِ واسطٍ : قومٌ من الصابئةِ على خلاف دين الحرَّانية منهم في
العبادات وإن وافقوهم في قولهم في الفلك والكواكب ؛ وذلك أنهم :
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( وما)، والتصحيح من ((أصول الدين))
(ص٣٢٥)، وما في محل نصب على المفعولية .
(٢) انظر ((الملل والنحل)) (١١٥/٢).
XTa
٥٥٥٥٥ ٢٨٦

2
يأكلون الخنزير ، والحرَّانيةَ لا تأكلُهُ ، ويصلُّون إلى القطب الشماليِّ ،
والحرَّانيةَ تستدبرُ القطبَ الشماليّ في صلاتها .
[ فِرَقُ النصارىُ ]
وأما النصارى : فقد زعمت اليعقوبيةُ منهم والملكانيَّةُ والتُّسْطُوريَّةُ
أصحابُ نُسْطُورَ : أن الإله جوهرٌ واحدٌ، وهو ثلاثةُ أقانيمَ ؛ أحدهم
الأبُ، والآخرُ الابن ، والثالثُ روحُ القدس(١).
وزعموا : أن الإلله واحدٌ في الجوهر لا في العدد ، وليس بواحدٍ في
النوع ولا في الجنس .
ثم اختلفوا في الأقانيم والجوهر :
فحُكِيَ عن الملكانية : أن الجوهر غيرُ الأقانيم ، وليس برابع لها في
العدد ، وأن الأقانيمَ هي الجوهر ، واختلفوا في تسمية الأقانيم :
فزعم بعضُهم : أنها خواصُّ .
وقال بعضُهم : إنها وجوه .
وقال آخرون : إنها صفاتٌ .
وزعم آخرون منهم : أنها أشخاصٌ .
0000000000000000 /2020100557
(١) الأقنوم : الأصل ، لفظة رومية أو يونانية ، وأقنوم الأب عندهم هو الوجود ، وأقنوم
الابن أو الكلمة هو العلم ، وأقنوم روح القدس هو الحياة . انظر (( شرح العقائد
النسفية )) ( ص١٦٩ ) .
GOODO AV OOODO

COO
O
واختلفت النسطورية ؛ فزعم بعضُهم : أن كلَّ واحد من الأقانيم حيٍّ
ناطق ، إلهٌ فاعل
وقال آخرون منهم : ليس كلُّ واحد منها عند الانفراد في الذكر إلهاً
واحداً ، ولا حيّاً ناطقاً
وزعموا أيضاً : أن الابن لم يزل متولّداً عن الأب ، ولم يزل الأبُ والداً
للابن ، لا لولادةِ المتناسلين ، ولم تزل الروحُ فائضةً بين الابن والأب .
وقالوا : إن تولَّدَ الابن من الأب كتولَّدِ ضوء الشمس من الشمس ،
والضوءُ غير سابقٍ لها (١)
واختلف هؤلاء الفرقُ الثلاث في المسيح وفي الاتِّحاد :
00000
فزعمت النُّسطورية : أن المسيح إلهٌ وإنسانٌ ماسح وممسوح اتحدا
فصارا واحداً ، فالمسيحُ عندهم جوهرانِ أقنومان ؛ جوهرٌ قديم لم يزل ؛
وهي الكلمةُ ، وهي أحدُ أقانيم الإلله ، وجوهرٌ محدث ؛ وهو المولودُ من
مريمَ .
وزعم أكثرُ اليعقوبية : أن المسيح جوهرٌ واحد أقنومٌ واحد ، إلا أنه من
جوهرينٍ ؛ أحدُهما : جوهرُ الإلله القديم ، والآخرُ : هو الإنسان ، تركَّبًا
فاتَّحدا كما تتركَّبُ النفس والبدنُ فيصيران جوهراً واحداً وشخصاً واحداً
وإنساناً واحداً ، وذا مشيئةٍ واحدة ، وهو إنسانٌ كلُّهُ وإلهٌ كلُّهُ .
وقال بعضُهم : الاتِّحادُ هو الامتزاجُ من الكلمة بالإنسان .
(١) انظر هذه الأقوال في ((تمهيد الأوائل)) (ص١٠٦ -١٠٧).
CON

وقال آخرون منهم : ليس بامتزاج ، ولكن الكلمةَ اتخذت ذلك الجسد
هیکلاً ومحلاً
وقال بعضُهم : بل ادّرعَتِ الجسدَ .
وقال بعضُهم : بل ظهرَتْ عليه فدبَّرَتْ به وعلى يديه .
وقال بعضُهم : إن ذلك على نحو ما يظهرُ من صورة الإنسانِ في المرآة .
وقال بعضُهم : بل ظهرَ فيه كما يظهرُ نقشُ الخاتم في الطينة المطبوعة
من غير أن يكون النقشُ انتقلَ عن الخاتم أو حلَّ في الطينة (١)
وقال بعضُهم : ظهورُهُ فيه كظهور شعاع الشمس على ما وقعَ عليه .
وقالت اليعقوبيةُ : ليس على شيءٍ من هذه الوجوه ، ولكن على أن
الجوهرينِ صارا جوهراً واحداً(٢)
وأطلق الجمهورُ الأكثرُ منهم : أن المسيح ابنُ الله، وادَّعَوا أن ذلك
نسبتُهُ في الإنجيل ، وأطلقوا على الله عزَّ وجلَّ أنه أبٌ .
وأجمعوا : على أن المسيح قُتِلَ وصلب ودُفِنَ ، ثم قامَ بعد دفنه .
واختلفوا في محلِّ القتل والصلب :
فزعمت النُّسطوريةُ : أن القتل والصلبَ وقعا على المسيح من جهة
ناسوتِهِ ، لا من جهة لاهوتِهِ .
(١) قوله: (ظهر) الضمير فيه راجع على الكلمة ، ومذهب المصنف جواز التذكير في مثل
هذا ؛ لكون التأنيث مجازياً ، وهو مذهب ابن كيسان ، وكذا يقال في قوله الآتي :
( ظهوره ) .
(٢) انظر هذه الأقوال في ((تمهيد الأوائل)) (ص ١٠٧ - ١٠٩).

وزعمت الملكانيةُ : أن الصلبَ وقع على المسيح بكماله ، والمسيحَ هو
اللاهوتُ والناسوت .
وزعم بعضُ اليعقوبية : أن المسيحَ جوهرٌ واحد ؛ قديمٌ من جهة ،
محدَثٌ من جهة ، مولودٌ من جهة ، غيرُ مولود من جهة ، مقتولٌ مصلوب
من جهة ، غيرُ مقتول ولا مصلوبٍ من جهة ؛ فجهةُ الولادةِ والقتل والصلب
هي جهةُ الناسوت ، والجهةُ التي تنفي ذلك عنه هي جهةُ اللاهوت.
وزعم أكثرُ اليعقوبية : أن القتل والصلبَ وقعا بالجوهر الكائنِ من
الجوهرين اللَّذَين هما الإلهُ والإنسان، وذلك الجوهرُ هو المسيحُ على
الحقيقة ، وبه حلَّتِ الآلام .
0000
0000
وزعموا : أن المسيحَ بعد دفنه قامَ في اليوم الثالث ، وصعدَ إلى
السماء ، وجلس عن يمين أبيه .
وبهذا ونحوِهِ ختمَ كلُّ صنف منهم إنجيلَهُ ، ولهم أربعةُ أناجيلَ كلُّها
و
مختومة بهذا ، وكلَّهم يزعمُ أن الإنجيل الذي أُنزلَ على عيسى عليه السلام
إنما هو حديثُهُ وكلامه وكلامُ تلامذته الأربعة ؛ وهم : يوحنا ، ومتَّى،
ولوقا ، ومرقس .
10
واجتمعت المطارنةُ والأساقفة منهم بقُسطنطينيةَ ، وكانوا ثلاثَ مئة وثلاثةً
عشرَ رجلاً ، فألَّفوا شريعةً لدينهم ؛ زعموا أنهم أنطقوا بها بروح القدس .
وأصلُ دينهم الذي إليه يَدعُون مَنْ يَعرضون عليه دينَهم أن يقولوا : إنه
يؤمنُ بالله الأبِ الواحد ، مالكِ كلِّ شيء ، صانع ما يُرى وما لا يُرى ،
وبالربِّ الواحد أنْشُوعَ المسيحِ ابنِ الله الواحد بِكْرِ الخلائق
00000 9,00000

DOC
كلُّها (١) ، وأنه ليس بمصنوع ، بل هو إله حقٌّ من إلله حقٍّ من جوهر أبيه ،
ومن أجل خلاصِنا نزلَ من السماء، وأنه صُلِبَ ودُفِنَ، وقامَ في الثالث ، وصعدَ
إلى السماء ، وجلسَ عن يمين أبيه ، وهو مستعدٌّ للمجيء تارةً أخرى للقضاء
بين الأحياء والأموات ، ويؤمنُ بالروح القدس الخارج من أبيه روح محبّته ،
[وبمعمودية] لغفران الخطايا(٢)، وبقيامه بأبداننا وبالحياة الدائمة أبداً.
[ أهلُ الطبائعِ ]
فأمَّا أهلُ الطبائع فإنهم فِرَقٌ :
إحداها : زعمت أن أربع طبائعَ قديمةٌ غيرُ قابلة للفساد في جنسها ،
وزعموا : أنها أجزاءٌ لا تتجزَّأ ، وقالوا : لا نهايةَ لعدد الأجزاء ، وسمّوها
أُسْتُقْصاتٍ(٣)، وأثبتوا معها الإلهَ (٤)، وقالوا: إنه متصوَّرٌ بالعقل للطافته ،
(١) أَيْشُوع : هو اسم سيدنا عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، والبِكْر : أول كل
شيء ، كما أنه أول ولد لأبوين .
(٢) المعمودية: لفظة معربة من (معموذيت)، ومعناها : الطهارة ، وهم يغمسون
أولادهم بماء أصفر معتقدين أنه به يطهر من الخطيئة ، وهو علامة دخول المغموس في
دينهم ، وما بين المعقوفين في (أ): ( وبمعبود به)، وفي (ب، ج) :
( وبمعبودیة ) لكن دون واو في (ج)
(٣) الأُسْتُقْص - ويقال له: الأُسْطُفْس أيضاً -: لفظة يونانية بمعنى الأصل، وبه تسمى
العناصر الأربع؛ الماء، والهواء، والتراب، والنار. انظر ((مفاتيح العلوم))
(ص١٥٨-١٥٩)، و((معيار العلم)) (ص٣٩٨).
(٤) قال إمام الحرمين في ((الشامل)) (ص٢٣٨) عن هؤلاء: ( وللكنهم يصيرون إلى
أن الله تعالى خلق الأجسام على طبائع وخواصَّ تقتضي أفعالاً طبيعية غير صادرة عن
اختيار ، وقد مال إلى ذلك ثمامة بن الأشرس وطائفة من المعتزلة ) .
0000000007

وأضافوا التدبيرَ إلى الإلله ، والأفعالَ إلى الطبائع الأربع ، وهذا قولُ
المعروف منهم [بإبيقورس](١)
والفرقةُ الثانية منهم : جمهورُهم الأعظم زعموا : أن العالَم عالمانِ ؛
علويٌّ وسفلي :
فالعلويُّ : من السماء العليا إلى السماء السفلى وما بينَهما من
الكواكب ، وحركةُ هذا العالم حركةُ الدور .
والعالمُ السفليُّ: ما في وسط سماء الدنيا ، وهو أربعةُ أشياءَ : أولها
وأعلاها : النارُ ، والثاني : الهواءُ في وسط النار ، والثالثُ : الماء ،
والرابعُ : الأرض .
VA
وزعموا : أن الأرض والماءَ كرةٌ واحدة ، والهواءَ محيط بهما ، والنارَ
محيطة بالهواء ، والسماءَ محيطةٌ بالنار .
وقالوا : إن كلَّ ما يتولَّدُ في العالم السفلي من أحداث الجوٍّ ،
وما يتركَّبُ من الجواهر المعدنية ، والحيوانات المتناسلة .. فإنما يكون
ذلك بامتزاج الأربعةِ التي هي الأرضُ والماء والهواءُ والنار بعضها ببعض .
وزعموا أيضاً: أن العالم العلويَّ ثابتُ الذات ، غيرُ متغيِّرٍ ،
ولا مستحيلٍ في الكلِّ ولا في الأجزاء ، ولكنه متحرِّكٌ بحركة الدور ، فاعلٌ
بحركته في العالم السفليِّ لما يكونُ من آثار صنعته ، فأضافوا الآثارَ التي
ذكرناها إلى الفلكِ والكواكب .
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( إنيقوس ).
00000 ٢٢ 00000

2
وزعموا أيضاً : أن الطبائع الأربعَ : اثنتانِ [منها] فاعلتانِ(١)؛ وهما
الحرارة والبرودةُ ، وأقواهما الحرارة ؛ لأن قتل الشُّموم للحيوان أسرعُ من
قتل الزَّمْهَرير له ، [واثنتان منها] منفعلتانِ قابلتان للفعل(٢)؛ وهما الرطوبةُ
واليبوسة ، وأضعفُهما الرطوبة ؛ لأن العلَّة إذا كانت من رطوبة فعلاجُها
أيسر ، وإن كانت من يبوسة فعلاجُها أعسر .
والفرقةُ الثالثة منهم : قالت بقدم خمسةِ أشياءَ ؛ منها الطبائعُ الأربع
أضافَتْ إليها الأفعال ، والخامسُ : روحٌ سابحة فيها تدبِّرُها ، وزعموا :
أنها لم تزل ممتزجةً على ما هي عليه اليوم .
وقالوا : إن أفعال كلِّ واحد من الأربع خلاف فعل سائرها .
وقالوا أيضاً: ليس في العالم شيءٌ إلا وفيه روحٌ(٣)، وإنما اختلفَتْ في
الأنواع والأجناس ، فصار بعضُها ألواناً ، وبعضُها طعوماً ، وبعضُها على
هيئة مخصوصة .. من جهة اختلاف مزاج الطبائع الأربع مع الروح ؛ من
جهة قلَّةِ الروح في بعضها ، وكثرتها في بعض .
والفرقةُ الرابعة منهم : قالت بمثل مقالةِ الفرقة الثالثة في قدم الطبائع
الأربع والروح السابحة فيها ، إلا أنها زعمت : أن الروحَ في حيوانها
ونباتها ، دون جماداتِها .
والفرقةُ الخامسة منهم : خصَّتِ الروحَ بحيواناتها ، دون نباتها وجماداتها .
ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( منهما ) ، وإنما يرجع الضمير على الطبائع .
(١)
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( واثنان منهما ).
(٣) حتى في الجمادات ، كما يفهم من ظاهر العبارة وما يأتي في الفرقة الرابعة .

والفرقةُ السادسة منهم : قالت بقدم الطبائع الأربع والروح السابحة
فيها ، وقدم قضاءٍ بتحرُّكِ الأشياء ، وهذه الفرقةُ يقال لها : انقضائية .
[المنجّمون ]
وأما المنجّمون منهم فصنفانِ : موحّدون ، وملحدون .
فالموحّدون منهم : مقرُّون بحدوث العالم وقدم صانعه وتوحيده ونفي
التشبيه عنه كما ذهبَ إليه المسلمون ، إلا أنهم خالفوا المسلمين من
وجهين :
أحدُهما : في صورة الأفلاكِ والكواكب والأرضِ وأعدادها .
والثاني : في دعواهم أن حركاتِ الكواكب على بعض الوجوه أدلَّةٌ على
الحوادث في العالم وأسبابٌ لها .
00000
وأما الملحدون منهم فأصنافٌ كثيرة :
أحدُها : قالت بقدم الأفلاك والكواكبِ ، وزعمت : أن حركاتِها موجبةٌ
لحدوث الحوادث في العالم ، ونسبوا اختلافَ التركيب في أجسام العالم
السفليِّ وألوانها وهيئاتِها إلى أنها تظهرُ من طبائع البروج ، واختلافٍ دوران
الكواكب فيها .
10
وقالوا : إن اختلافَ الأمم في أبدانهم وألوانهم وذكائِهم إنما هو
لاختلافِهم في محاذاة ما يحاذون من الفلك والكواكب ؛ وذلك من ثلاثة
أوجه :
CON

٥
أحدُها : مجاورةُ مساكنهم لخط الاستواء من الأرض في محاذاة فلك
مُعَدَّلِ النهار .
والثاني : من مرور بعض الكواكب على سَمْتِ رؤوسهم .
والثالث : من محاذاة مساكنهم مدارَ رأس السرطان ولبناتِ نَعْشٍ
الكبرى .
الذين تمرُّ الشمس على سَمْتِ رؤوسهم ، أو يقربون من محاذاة مرور
الشمس .. هم السودان ؛ لأن الشمس أحرقَتْ أبدانهم وشعورَهم وسُوِّدوا
بها ؛ ولذلك كانت أخلاقُهم إلى الوحشية أقربَ .
والذين يسكنون في محاذاة بناتِ نعشٍ الكبرى ، ومَنْ قَرُبَ منهم .. فهم
المفرطون في البياض والحمرة ؛ كالصقالبة والروس ؛ لبعدهم عن محاذاة
ممرِّ الشمس [عليهم](١) ، فلذلك صار البردُ عليهم أغلبَ ، وصارت
أخلاقُهم وحشيةً ؛ لدوام البرد عليهم .
000
ولمَّا اعتدلَ المِزاجُ بين الحرارة والبرودةِ في الإقليم الرابع وما قَرُبَ
منه .. صار الاعتدال في أخلاق أهلها وألوانهم أغلبَ .
وقالوا أيضاً : إن أرض بابلَ ويونانَ إنما خرج [منها] الحكماءُ لممرٍ
بعض الكواكب السبعة(٢) - وهي الزُّهَرَةُ - في بعض الأوقات على سَمْتٍ
رؤوسهم .
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (عليها) .
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( منهم ) .
0

٢
وأضافَ هؤلاء : اختلافَ أحوال الناس في الأموالِ والأرزاق والأفعالِ
وسائر الأحوال .. إلى البروج والكواكب على طريق الوجوب .
وزعموا أيضاً : أن من وُلِدَ على طالع برج الحمل غلبَ على طبعه المِرَّةُ
الصفراء ، وكان في الغالب نَكُوحاً غضوباً سريعَ الانقلاب(١)، والثورَ إذا
كان هو الطالعَ في الميلاد دلَّ على غلبة المِرَّةِ السوداءِ ، وعلى قلَّةِ الأولاد ،
وحموضة المذاق ، وكذلك قالوا في دَلالةِ كلِّ برج على ما يؤثِّرُ هو فيه
عندهم إذا كان طالعَهُ(٢)
وأضافوا كثيراً من الأفعال إلى الكواكب السبعة ؛ كدلالة الشمس عندهم
على الضياء والعقل والمعرفة والملكِ والرئاسة والشرفِ والمال وكثرةٍ
الكلام ، وزعموا : أَن أكثرَ آثارها في بدنِ الإنسان يكون في رأسِهِ وساعديه
وفي عينه اليمنى ، وتأثيرَ القمر في عينه اليسرى .
وكذلك زعموا : أن الشمس إذا كانت في برج منحوسٍ في طالع مولدٍ
الإنسان .. دلَّتْ على فساد في رأسه أو عمى أو عَوَرٍ في عينه .
وكذلك أضافوا إلى سائرِ الكواكب أجناساً من الأفعال والأخلاقِ والآثار ،
وقسّموا تدبيرَ الأيام على الكواكب السبعة ، وسَمَّوها أربابَ الأيام السبعة .
فزعموا : أن الشمسَ ربُّ يوم الأحد ، والقمرَ ربُّ يوم الاثنين ،
(١) في (ج): (لحوحاً) بدل (نكوحاً) .
(٢) وقد ردَّ العلامة الآمدي على القائلين بتأثير الطوالع في ((أبكار الأفكار)) بردود مفحمة
متعددة، منها ما ذكره ( ٢/ ٢٧٢): ( أنَّا قد نصادف مولودين توءمين وُلدا في وقت
واحد ، وأحدهما في غاية السعادة ، والآخر في غاية الشقاوة ، والطالع لهما واحد ) .
0

CO00
والمِرِّيخَ ربُّ يوم الثلاثاء ، وعُطاردَ ربُّ يوم الأربعاء ، والمشتريَ ربُّ يوم
الخميس، والزُّهَرَةَ رتُّ يوم الجمعة، وزُحَلَ رتُّ يوم السبت .
وقسموا أيضاً الساعاتِ على الكواكب السبعة ، وسَمَّوها أرباباً لها ،
ونسبوا كلَّ ساعة منها إلى أحد الكواكب السبعة ، وقالوا : إنه ربُّها ومدبِّرُها .
وقسموا أيضاً تدبيرَ شهور الجنينِ على الكواكب السبعة ؛ فجعلوا الشهرَ
الأول من شهور الجنين في تدبير زُحَلَ ، والشهرَ الثاني في تدبير المشتري ،
والشهرَ الثالث في تدبير المِرِّيخ ، والرابعَ في تدبير الشمس ، والخامسَ في
تدبير الزُّهَرَةِ ، والسادسَ في تدبير عطاردَ ، والسابعَ في تدبير القمرِ ، وفي
الشهر الثامن يعودُ الأمرُ إلى تدبير زُحَلَ ، وفي التاسع إلى تدبير المشتري .
وزعموا : أنه إن ولد في السابع أو التاسع عاشَ ، وإن ولد في الثامن لم
يعشْ؛ لأنه في تدبير زُحَلَ ، وهو نحسٌ عندهم .
وعلى هذا قسموا جميعَ حوادث هذا العالم على الكواكب السبعة
بإضافة تدبيرها إليها ، وزعموا أن العالم لم يزل على هذا الترتيب ،
وأضافوا الحوادثَ في الأعراض والهيئاتِ في الأشكال إلى تدبيراتٍ
الكواكب ، وإلى محاذاة البروج وكيفيّةٍ مرورها ودورانها على المتغيّرات
منها .
والصنفُ الثاني منهم : زعموا أن الأفلاك والكواكبَ قديمةُ الهَيُولى
والأصل، [حديثةٌ] التركيب(١)، فاعلةٌ لآثارها في العالم السفليِّ بعد
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( حديث)، أو تُقرأ العبارة: (والأصلَ حديثُ
التركيب) ويحمل الأصل على العناصر الأولية ؛ كالتراب والماء مثلاً، ولا شك أن =
C

تركيبها ، وهذا قولُ منجِّمي الهند .
والصنفُ الثالث منهم : منجمو الفلاسفةِ الذين زعموا أن الأفلاك
قديمة ، ولها صانعٌ قديم (١) ، وقالوا مع ذلك بوجوب تأثيرِها بسيرها في
العالم السفليِّ ، وزعموا : أن الذي أوجب وقوفَ الأرض دورانُ الفلك
عليها ، ولولا ذلك لم يصحّ وقوفها ، وهذا قولُ أبرقلسَ وأرسطاطاليسَ
وأتباعِهما .
والصنفُ الرابع منهم : قومٌ ادَّعَوا قدمَ الأفلاك والكواكب والصانع ،
وتأثيرَ الكواكب في الأرض وما عليها ، إلا أنهم أثبتوا لمسيرِ الكواكب
ابتداءً ، وزعموا : أن الكواكب كلَّها كانت مجتمعةً في أولِ برج الحَمَل ،
فسارت منه واختلفَتْ في السير ، ومن وقت سيرها إلى أن تعودَ جميعاً
مجتمعةً في أول الحَمَل أربعةُ آلاف ألفِ ألفِ ألفِ سنة وعشرون ألفَ ألفٍ
سنة ، وهذه مدَّةُ عمر العالم عندهم .
0
والصنفُ الخامس منهم: قومٌ زعموا : أن الفلك قديمٌ، وأن [زُحَلَ]
وحده قديمٌ دون سائر الكواكب(٢) ، وأضافوا إلى الفَلَكِ وإلى زحلَ كلَّ تأثير
يقعُ في الأرض ، وهذا قولٌ حكاه أبقراطَ عن طائفة من الفلاسفة يقال لهم :
أصحابُ الرُّواق(٣)
=
هذه العناصر عندهم حديثة التركيب .
(١) كذا في جميع النسخ على الاستئناف، ولو عطف لقال: (ولها صانعاً قديماً).
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (زحلاً)، واتفقوا على منعه من الصرف ؛ للعلمية
والعدل .
(٣) زعيمهم : زينون القبرصي ، كان يُدرِّس تلامذته تحت رواق، ولهذا نسبوا إليه.
COOOOD ٢٩٨ 00000

COO
والصنفُ السادس منهم : هم الذين دانوا باللهيّةِ الشمس ، وأضافوا إليها
حوادثَ العالم ، وعليه كان قومُ بِلْقيسَ قبل إيمانِهِم بسليمان عليه السلام .
والصنفُ السابع : قومٌ دانوا بإلهيّةِ الشمس والقمرِ .
والصنفُ الثامن : قوم دانوا بإلهيّةِ الشِّعْرى من بين الكواكب ؛ لدعواهم
أنها عبرَتِ المجرَّةَ فسُمِّيَتِ الشِّعْرى العَبُورَ ، وهذا قولُ قوم من العرب من
خزاعةَ في الجاهلية ، دعا إليه رجلٌ كان يعرفُ بأبي كبشةَ .
[ الفلاسفةُ ]
وأما الفلاسفةُ : فأديانُها مختلفة :
فمنهم : من قال بقدم العالم، وأنكرَ صانعَهُ ، وبه قال فيثاغورس(١)
ومنهم : من ادَّعى قدمَ العالم، وأثبت له صانعاً مدبِّراً للأفلاك ،
وأضاف التأثيراتِ في الأرض إلى طبائع الفلك والكواكب واختلافِها في
السير .
OOOO
ومنهم : من قال بقول أصحاب الهَيُولى ، وزعم : أن هَيُولى
العالم - وهي طينتُهُ وجوهره - قديمةٌ، وأعراضَها حادثةٌ فيها ، وإنما
اختلفت في الصور والأجناس لحدوث الأعراض فيها .
ثم إن من هؤلاء من زعم : أن تلك الأعراضَ حدثَتْ فيها بقوة لها من
غير صانع ، ومنهم : من أثبت صانعاً لحدوث الأعراض في الهيولى ، ثم
(١) الذي في ((نهاية الأقدام)) (ص٥)، و((الملل والنحل)) (١٣٢/٢) أن فيثاغورس كان
ممن قال بأن العالم محدث ، وأن البارئ سبحانه هو الذي خلقه .
00000 ٢٩٩ 00000