النص المفهرس
صفحات 221-240
XY المصباح الذي في المشكاة نوراً ؛ كما نبيُّهُ بعد هذا(١) والنارُ معروفةٌ ، وهي أيضاً بمعنى الوسم ؛ لأنه وقعَ بالنار ؛ يقال للإبل : ما نارُها ؟ أي : ما سِمَتُها ؟(٢). ولذلك قيل في المثل : (تِجارُها نارُها)(٣) وقد تكون النارُ الرأيّ . وفي الحديث : (( لا تستضيئوا بنارِ المشركينَ))(٤) قال ابنُ الأعرابي : معناهُ : لا تستشيروهم(٥) وفي الحديث : (( أنا بريءٌ مِنْ كلِّ مسلمٍ معَ مشركٍ))، قيل: لِمَ يا رسولَ الله؟ قال: « لا تتراءى ناراهما » (٦)؛ أي: لا يتجاورانِ مجاورةٌ يرى أحدُهما نارَ الآخر (٧) وللنار معانٍ ليس هذا موضعَ ذكرها . انظر (٢٣٢/٣ - ٢٣٣). (١) انظر ((تهذيب اللغة)) ( ١٦٧/١٥)، و((الغريبين)) (١٨٩٢/٦). (٢) (٣) يعني: سِمَتُها تدلُّ على نِجارِها، والنِّجار: الأصل. انظر ((تهذيب اللغة)) (١٦٧/١٥)، و((الغريبين)) (٦/ ١٨٩٢). (٤) رواه النسائي (١٧٦/٨) من حديث سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه . (٥) انظر ((الغريبين)) (١٨٩١/٦ - ١٨٩٢)، وهو قول الحسن البصري رحمه الله تعالى، رواه عنه البيهقي في (( السنن الكبرى)) ( ١٠/ ١٢٧ ). (٦) رواه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤) من حديث سيدنا جرير بن عبد الله رضي الله عنه . (٧) انظر ((غريب الحديث)) لأبي عبيد (٨٨/٢)، و((الغريبين)) (٦٩٥/٣)، وتتراءى: يقابل بعضها بعضاً . الفصل الثاني في بيان معنى (النور) في القرآن والنور في القرآن على اثني عشر وجهاً (١): أحدُها : النورُ : البارئُّ سبحانه وتعالى؛ ومنه قولُهُ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]. O والثاني : النورُ : محمدٌ صلى الله عليه وسلم ؛ ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ : قَدّ جَاءَ كُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌّ مُبِيرٌ﴾ [المائدة: ١٥] (٢) والثالثُ : النورُ : القرآنُ؛ ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٣). والرابعُ : النورُ: التوراةُ؛ ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدِّى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] (٤) . (١) ذكر المصنف أحدَ عشرَ وجهاً فقط ، وسيأتي التنبيه على الساقط. (٢) انظر (( معاني القرآن)) للزجاج (١٦١/٢). (٣) انظر (( معاني القرآن)) للزجاج (١٨٠/٥). (٤) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (١٧٨/٢)، ويظهر أن موضع السقط هو هنا، فكان يمكن أن يقال: ( الخامس: النور: الإنجيل؛ ومنه قوله عز وجل: ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْإِنِجِيلَ فِيهِ هُدِّى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦]). ٥٥٥٥٥ ٢٢١٣ 0 COOK والخامسُ: النورُ بمعنى العدل؛ ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَيِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩]؛ أي: بعدله(١) والسادسُ: النورُ بمعنى الدين؛ ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يُرِيدُونَ لِلْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَاللَّهُ مُثُمُ نُرِهٍ﴾ [الصف: ٨]؛ أي: دينِهِ (٢) والسابعُ : النورُ بمعنى الطاعةِ والإيمان ؛ ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ : ﴿ لِيُخْرِحَّكُمْ مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣]. والثامنُ : النورُ بمعنى المعرفة ؛ ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]؛ أي: مثلُ المعرفةِ به (٣) والتاسعُ: النورُ الذي هو القمر ؛ ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]. والعاشرُ: النور بمعنى النار ؛ ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَمَّا أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]؛ أي : بنارهم . (١) إذ ورد: ((الظلم ظلمات يوم القيامة))، فإذا تجلَّى مولانا جل وعز بعدله خلق نوراً يكسو أرضَ الحساب ، فيذهب بظلمات ظُلْمِ العباد . (٢) قال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْخَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلَمَ دِينًا ﴾ [المائدة : ٣] . (٣) في ((غريب القرآن)) لابن قتيبة ( ص ٣٠٥): ( مثل نوره في قلب المؤمن ) ، وما في قلب المؤمن هو معرفة الله سبحانه وتعالى، وقال الزجاج في (( معاني القرآن)) (٤٣/٤): ( وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو النور الذي قال : مثل نوره ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو المرشد والمبيِّن والناقل عن الله ما هو نيِّرٌ بيِّنٌ ) . والحادي عشرَ : نورُ المؤمنين في القيامة على الصراط ؛ ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ يَسْعَى نُورُهُم بَيِّنَ أَيْدِيِهِمْ وَبِأَيْفَنِهِ﴾ [الحديد: ١٢] (١)، ولذلك يقول لهم الكفار: ﴿أَنْظُرُونَا نَفْئِسْ مِن نُّوْرِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، وفي الحديث: ((إنَّ النارَ تقولُ للمؤمنِ وهو على الصراطِ : جُزْ يا مؤمنُ ؛ فقد أطفأَ نورُكَ لهبي ))(٢) فهذا معنى ( النور) في القرآن ، والله أعلم . ٥ و (١) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (١٢٤/٥). (٢) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٣٢٩/٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٦٩)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٤٠٣/٥) من حديث يعلى ابن منية، مختلف في صحبته ، ومنية أمُّهُ. انظر ((تبصير المنتبه)) (٤ /١٣٢١). CON ٢٢٣ 00000) MCON XY.NGYOTATO الفصل الثالث في بيان معنى وصف الله سبحانه بـ (النور) وذكر الخلاف فيه أجمع أصحابُنا : على أن الله عزَّ وجلَّ ليس بجسم ولا جوهر ، ولا هيئةٍ الضياء والشعاع . وأجمعوا : على أنَّ وصفه بأنه النور راجع إلى أحد معنيينِ : إما إلى معنى المنوِّرِ، وأن قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] معناهُ: منوِّرُهما، والثاني: النور بمعنى أنه بريءٌ من كلِّ عيب وآفةٍ، وعلى هذا الوجهِ : يكون النورُ من أوصافه الأزليّة ، وعلى الوجه الأول : يكونُ من أوصافه المشتقَّةِ من فعله دون أوصافه الأزليّة . وأجمعوا : على أن الله خالقُ الأنوار والظلمات؛ كما قال: ﴿ وَجَعَلَ الْقُلُمَتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]. والخلافُ في هذا بيننا وبين فِرَقٍ : أولاها : الثنويةُ القائلة بِقِدَم النور والظلمة ؛ فإنها زعمَتْ : أن الإلكه منهما هو النور المضيء الذي له شعاع كما بيَّنَّهُ قبل هذا من مذاهب الثنوية(١). (١) انظر (٣٢١/١). CON COCOOD Y E bOO00 والفرقةُ الثانية : قومٌ من الحلولية ، زعموا : أن الإلله نور يحُلُّ في الأشخاص التي لها أنوار ، وأجازوا حلولَهُ في إنسان وسَبُع وبهيمة وغير هذا ، وأصحاب هذا القول إذا رأوا صورة حسنةً سجدوا لها ؛ يوهمون أن حسنَها من نور الإلله أو ذاته ، ومالوا مع هذا القول إلى الإباحات ، وزعموا : أن الإنسان إذا وصل إلى معبوده لم يكن عليه فرضٌ ولا عبادة ، وهذا قولٌ منسوب إلى أبي حلمانَ الدمشقيِّ وأتباعه(١) والفرقةُ الثالثة : هم الحلوليَّةُ من الروافض ، الذين زعموا : أن الإلكه يحُلُّ في الأئمة ، وأن ذلك إنما هو نورٌ يخُلُّ فيهم ، وزعم هؤلاء : أن الأئمةَ كانوا آلهةً (٢) 000000 والفرقةُ الرابعة منهم : الشريعيةُ من غلاة الروافض ، زعموا : أن الإلله نور حلَّ في خمسة أشخاص فحسبُ ؛ وهم النبيُّ، وعليٌّ ، والحسنُ ، والحسينُ ، وفاطمةُ ، وأن هؤلاء الخمسةَ آلهةٌ عندهم (٣) والفرقةُ الخامسة منهم : الهشاميةُ من الروافض ؛ وهم أصحابُ هشام بن الحكم الذي زعم أن معبوده جسمٌ طويل عريض عميق ، ذو نهاية وحدٍّ ، وأن طوله مثلُ عرضه ، وعرضَهُ مثلُ عمقه ، وليس الطول والعرض والعمق غيرَ ذاته ، وأنه مع ذلك نورٌ ساطع ، وأنَّه كالسبيكةِ الصافية ، يتلألأ كالنور المستدير من جميع جوانبه ، وأنه ذو لون وطعمٍ ورائحةٍ ومَجَسَّةٍ ، وأن لونه (١) انظر (٣٢٤/١). (٢) انظر (٣٢٥/١، ٣٢٨). (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣١ -٣٢). X هو طعمه، وطعمه هو رائحته، [وهي] مَجَسَّتُهُ(١)، وكلُّ ذلك نعتٌ له(٢). وحكى الجاحظ عن هشام بن الحكم : أنه زعم أن الله عزَّ وجلَّ إنما يعلمُ ما تحت الثرى بالشعاع المنفصل منه الذاهبِ في عمق الأرض ، وأنه لولا ملامستُهُ لما وراءَ الثرى بشعاعه لما رأى ما هناك (٣). وحكى عن هشام أيضاً : أن الله عزَّ وجلَّ قد كان ولا مكانَ ، ثم أحدث المكانَ بحركته فصارَ فيه ، وأن مكانه هو العرشُ (٤). وحكى عنه أبو الهذيل : أنه أجابَهُ إلى أن جبل أبي قبيس أعظمُ منه(٥) وحكى الوراقُ عنه: أنه زعم أنه ملأ العرش ، لا يفضلُ منه شيءٌ (٦). وحكى عنه : أنه زعم أنه بشِبْرِ نفسه سبعةُ أشبار (٧) والفرقةُ السادسة منهم : أصحابُ هشام بن سالم الجواليقيِّ ، زعموا : أن معبودهم على صورة الإنسان ، غير أنه ليس بلحم ولا دم ، وأنه نورٌ ساطع يتلألأ بياضاً ، وأنه ذو حواسَّ خمسةٍ كحواسِّ الإنسان ؛ له يدٌ ورِجْل وأنفٌ وأَذُنٌ وعين وفمٌ، وأن حواسَّهُ وأبعاضَهُ متغايرةٍ(٨)، وأن له وَفْرَةٌ سوداءَ، وأن ذلك نورٌ أسودُ(٩) . 0 200 (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( وهو ) . (٢) انظر (٣٢٢/١). انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٣). (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٢). (٤) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٢). (٥) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٣). (٦) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٣). (٧) (٨) في (ج): ( متعادلة) بدل ( متغايرة) . (٩) انظر (٣٢٣/١)، و((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٤). COODOO ٢٢ 100000 DoOX 00000 والفرقةُ السابعة : قومٌ من الغلاة أيضاً ، زعموا : أن الله عزَّ وجلَّ ضياءٌ خالص ، ونورٌ بحت ؛ كالمصباح الذي من حيث جئتَهُ ألفيتَهُ بأمرٍ واحد ، وأنكروا أن تكون له صورةٌ أو جارحة . والفرقةُ الثامنة : الكراميَّةُ مجسِّمةُ خراسانَ ، زعموا : أن الله نورٌ ، وله صفةٌ هي نوريَّةٌ فيه ، وبها يُميَّزُ عند الرؤية بينَهُ وبين غيره ، وأنكروا أن يكون معناه أنه منوِّرٌ للأشياء كلِّها كما قالَهُ أصحابنا والكلامُ في هذه المسألة مبنيٌّ على إحالة القول بالتجسيم(١) ، وإذا صحّ لنا أنه سبحانه ليس بجسم ولا جوهرٍ ولا ذي حدٍّ ونهاية، وصحَّ قولُنا باستحالة اتصالٍ به وانفصالِ شيءٍ عنه .. فقد صحَّ أنه ليس بضياءٍ ولا شعاع ولا نورٍ من الأنوار التي تكون من جنس الشعاعات كما بيَّنَّهُ قبلَ هذا . c فإن قيل : إن لم يكن الإلله سبحانه عندَكم نوراً ساطعاً ولا شعاعاً لامعاً .. فما تأويلُ الحديث الذي روي : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم وصف ربّهُ عزَّ وجلَّ فقال: (( حجابُهُ النورُ ، لو كشفَهُ لأحرقَتْ سبحاتُ وجهِهِ كلَّ شيءٍ أدركتْهُ)) ؟(٢) د وما تأويلُ ما روي من قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم : ((دونَ اللهِ تعالى سبعون ألفَ حجابٍ مِنْ نورٍ وظلمةٍ)»؟(٣) (١) يعني : في حقٌّ كلِّ الفرق المتقدم ذكرُها . رواه بنحوه مسلم (١٧٩ ) من حديث سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه . (٢) (٣) رواه الروياني في (( مسنده )× (١٠٥٥)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٤٨/٦) من حديث سيدنا سهل بن سعد رضي الله عنهما . ـة وما تأويلُ ما رواه عبدُ الله بن عمرو بن العاص : ( أنَّ اللهَ سبحانَهُ خلقَ الملائكةَ مِنْ شَعَرِ ذراعيهِ وصدرِهِ ، أو مِنْ نورِهما)؟(١) قيل : إن كلَّ خبر ذُكِرَ فيه الحجابُ فإنه يرجعُ معناه إلى الخلق ؛ لأنهم هم المحجوبون عن رؤيةِ الله سبحانه ، وليس الخالقُ محجوباً عنهم ؛ لأنه يراهم (٢)، ولا يجوزُ أن يكونَ مستوراً بحجاب؛ لأنَّ ما يسترُهُ غيرُهُ فساترُهُ أكبرُ منه ، وليس لله عزَّ وجلَّ حدٌّ ولا نهايةٌ ، فلا يصحُ أن يكون بغيره مستوراً(٣) . ودليلُ هذا التأويل: قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّخْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، ولم يقل: إنه محجوبٌ عنهم. (١) رواه أبو الشيخ في ((العظمة)) (٧٣٣/٢)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) ( ص٤٧٦ ) موقوفاً عليه . (٢) قال الأستاذ ابن فورك في ((مشكل الحديث وبيانه)) (ص٢١٧): (وإنما يقال لههذه الأجسام الساترة: ((إنها حجاب عن رؤية المحجوب لما وراءه )" من أجل أن المتع من الرؤية يحدث عنده ، فسُمِّيَ باسم ما يحدث عنده ، ولذلك عطّلت المعتزلة في قولهم : (( إن البارئ سبحانه لا يُرى؛ لأجل أنه لو كان مرئياً لرأيناه الساعة؛ لارتفاع الحجاب والبعد واللطافة والرقة))، وذلك أن ما قالوا: (( إنه حجاب ومنع )، فليس بحجاب ولا منع على الحقيقة ، وإنما يطلق عليه مجازاً ؛ لأجل أن المنع يحدث عنده ) . وبهذا تعلم : أن المعتزلة ينفون وجودَ حجاب من طرفٍ واحد ، ويلزمون إن قيل بوجود حجاب للخلق عن الحق أن يكون هذا الحجابُ أيضاً حجاباً للحقِّ عن الخلق ، ولو قلنا بقياس الغائب على الشاهد - تعالى ربنا أن يكون غائباً - لمثَّلنا برؤية الملائكة للإنس ، وحجاب الإنس عن رؤية الملائكة عادة وهم حضور معهم لا يفارقونهم . (٣) وقد أبدع الحكيم ابن عطاء الله الإسكندري حينما قال في واحدة من (حِكَمِهِ)): ( كيف يتصوَّر أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟!). انظر (( التنبيه شرح الحكم)) (ص٢٢٣)، وانظر سياق المصنف في ((مشكل الحديث وبيانه)) لابن فورك (ص ٢١٣) . ٥ ٢٢٨ ٠٠٠٠٠ ويؤكّدُ ذلك : ما رواه ابنُ أبي ليلى عن عليٍّ رضي الله عنه : أنه مرَّ بقصَّاب ، فسمعَهُ يقول في يمينه : لا والذي احتجبَ بسبعةٍ أطباق ، فعلاه بالدِّرَّة وقال له : يا لُكَعُ ؛ إن الله لا يحتجبُ عن خلقه بشيء، ولكنه حجبَ خلقَهُ عنه ، فقال له القصَّابُ : أَوَلا أُكَفِّرُ عن يميني يا أميرَ المؤمنين ؟ فقال : لا ، إنك حلفتَ بغيرِ الله(١) فأما قوله : ((لو كشفَها لأحرقَتْ سُبُحاتُ وجههٍ))(٢) .. فقد تأؤَلَهُ أبو عبيد على أن المراد به : لو كشف الرحمةَ عن النار لأحرقَتْ مَنْ على الأرض(٣) وكذلك قوله: (( دونَ اللهِ سبعون ألفَ حجابٍ مِنْ نورٍ وظلمةٍ)) معناهُ: أنها أجمعَ حجابٌ لغيره ؛ لأنه غيرُ محصور في شيءٍ(٤) وقيل : معناهُ : أن الله عزَّ وجلَّ علاماتٍ ودلالاتٍ على وحدانيته ، لو شاهدها الخلقُ لقامَتْ مَقامَ العِيان في الدَّلالة عليه ، غيرَ أنه خلقَ دون تلك (١) أورد الخبر الأستاذُ ابن فورك في ((مشكل الحديث وبيانه)) (ص٢١٥)، وقال في طالعته : ( وروى عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ) وساقه ، وقال ( ص٢٩٢) : (رواه ابن عاصم عن عطاء بن السائب عن أبي البختري عن علي رضي الله عنه ) . (٢) تقدم قريباً بلفظ : ( كشفه ) بدل ( كشفها ) . (٣) نقله الأستاذ ابن فورك في ((مشكل الحديث وبيانه)) (ص٢١٥)، وتؤيده رواية الحديث عند مسلم من طريق ابن أبي شيبة : ( حجابُهُ النارُ)، والذي في ((غريب الحديث)) لأبي عبيد (١٧٣/٣): ( السبحة : إنها جلال وجهه ونوره ، ومنه قيل : سبحان الله ؛ إنما هو تعظيم الله وتنزيهه ) . (٤) انظر ((مشكل الحديث وبيانه)) لابن فورك (ص٢١٦)، وقال: (ومعنى الإضافة في الحجاب إليه : من طريق الجعل والخلق ؛ وهو أن جعل الخلق محجوباً به ) . فيها٥ ٢٢٩ محددة 000 الدلائلِ سبعينَ ألفَ حجاب من نور وظلمة ؛ ليتوصَّلَ الخلقُ إلى معرفته بالأدلَّةِ النظرية دون المعارفِ الضرورية(١). ثم إن هذه الأنوارَ من خلْقِهِ ، ولا يُنكَرُ أن يكون النورُ والظلمة فعلينِ له ، وإنما يُنكَرُ أن يكون شعاعاً ولوناً له ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً . وأما قول عبد الله بن عمرو بن العاص : ( إنه خلق الملائكة من شَعَرِ ذراعيهِ وصدرِهِ أو نورِهما) .. فإن عبدَ الله بن عمرو لم يرفعْهُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم(٢) وقد قيل : إنه أصاب يومَ اليرموك وَسْقينٍ من كتب الروم ، فكان يحدِّثُ بما فيها من العجائب ، حتى قيل له يوماً : حدِّثْنا بما سمعتَ من رسول الله، ولا تحدِّثْنا من وَسْقِكَ(٣) coc (١) نقل الأستاذ ابن فورك في ((مشكل الحديث وبيانه)) (ص٢١٦) نحو هذا عن محمد بن شجاع الثلجي البغدادي الحنفي ، كان بحر علم وصاحب عبادة وتهجد وتلاوة . انظر (( سير أعلام النبلاء)) (٣٧٩/١٢) (٢) انظر ((مشكل الحديث وبيانه)) لابن فورك (ص١٤٣)، قال الحافظ البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص٤٧٧): (هذا موقوف على عبد الله بن عمرو ، وراويه رجل غير مسمّى ، فهو منقطع ، وقد بلغني أن ابن عيينة رواه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ، فإن صحَّ ذلك فعبد الله بن عمرو كان ينظر في كتب الأوائل ، فما لا يرفعه إلى النبي عليه السلام يحتمل أن يكون مما رآه فيما وقع بيده من تلك الكتب ، ثم لا ينكر أن يكون الصدر والذراعان من أسماء بعض مخلوقاته ، وقد وجد في النجوم ما سُمِّي : ذراعين ، وفي الحديث الثابت عن عروة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( خُلِقَتِ الملائكةُ مِنْ نورٍ)» ، هكذا مطلقاً ). (٣) روى أحمد في ((المسند)) (١٩٤/٢): أن رجلاً قال لعبد الله بن عمرو : حدثني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودعني وما وجدت في وَسْقِك يوم اليرموك ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((المسلمُ من سلم = 2 ولو صحَّ هذا الحديث مرفوعاً لاحتملَ أن يكون خلق الملائكة من شَعَرِ ذراع بعضٍ خلقه ؛ يؤيِّدُ ذلك ما رُوِيَ : أن الزهريَّ لما روى هذا الحديث قال عقيبه : (والأذرعُ كلُّها لله عزَّ وجلَّ )، وأشار بذلك إلى إضافة ( الذراع) و(النور) إليه من جهة المُلْكِ(١)، لا من جهةِ الصفة(٢)، والله تعالى أعلم . المسلمون من لسانه ويده )) . وروى الخليلي في ((الإرشاد)) (١٦٦) عن عامر الشعبي أنه قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص بمكة ، فقلت : حدثني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تحدثني من السفطينِ ، فذكر الحديث ، ثم قال الخليلي : قال علي بن المديني : أراد بالسفطين كُباً أصابها يوم اليرموك . واعلم : أن احتمال الرواية عن هذين الوسقين إنما هي في أخبارٍ موقوفة عليه رضي الله عنه ، ويكاد يجزم بكونها من الإسرائيليات إن كان ذلك مما يخالف الأصول ، ومثل هذا دائرٌ بين التأويل والردِّ . كبيت الله، وناقة الله ، وخَلْق الله ، وعبد الله . (١) (٢) كوجه الله ، ويد الله، وجنب الله ؛ على القول بأنها صفات معانٍ ثبوتية، أو هداية الله، ونور الله ، ورحمة الله ، وتوفيق الله ؛ إذ هي من صفاته الفعلية . Y ٠00 ٢٣١ oo الفصل الرابع في بيان فو الشد قوله عز وجل: ﴿الله نور السماوات والأرض» قد مضى الكلامُ في معنى: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وقد بيًَّّا أن ( النور ) في أسماءِ الله عزَّ وجلَّ بمعنى المنوِّرِ على مذاهبٍ الموحِّدين ، دون المشبّهة والملحدين(١) وقد اختلف أهلُ التفسير في ذلك : DOx فقال بعضُهم : الله نورُ السماوات والأرض ؛ أي : هادي أهل السماواتِ والأرض(٢)؛ لأنهم اهْتَدَوا إلى معالم دينهم بنورِ معرفتهم، ونورُ معرفتهم هدايةٌ من الله عزَّ وجلَّ إِيَّاهم لذلك(٣)؛ قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْقٍ﴾(٤)؛ لأن المهتديَ بنور المعرفة في باب الدين كالمهتدي بنور السراج في الظلمات (٥) (١) انظر (٢٢٤/٣). (٢) انظر ((تفسير الطبري)) (١٧٧/١٩)، رواه عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما . (٣) انظر ((تفسير الطبري)) (١٧٧/١٩)، فقد روى عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : ( إن إلاهي يقول : نوري هداي ) . (٤) تقدم (٢٢٢/٣) أن النور هنا في قلب المؤمن ، وأنه محمول على المعرفة . انظر ((تهذيب اللغة)) (١٧٠/١٥)، و((الغريبين)) (١٨٩١/٦)، و((الشامل)) لإمام (٥) الحرمين ( ص٥٤٤ ) . COODO ٢٣٢٠00000 ومنهم من قال : إن الله عزَّ وجلَّ نوَّرَ السماواتِ بالشمس والقمر والكواكب ، ونوَّر الأرض بالنبات ، ونوَّر القلوب بالمعرفة . ومنهم من قال : إن الله سبحانه نوَّرَ السماءَ بالملائكة، ونوَّرَ الأرضّ ببني آدمَ ، ونوَّرَ بني آدمَ بالأولياء ، ونوَّرَ الأولياءَ بالأنبياء ، ونوَّرَ الأنبياءَ بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، ونوَّرَ أَمَّتَهُ بالصحابة ، ونوَّرَ الصحابةَ بالخلفاء الأربعة ، ونوَّرَ الشهورَ بشهر رمضانَ، ونوَّرَ الأيام بيوم عرفةً ، ونوَّرَ اللياليَ بليلة القدر . وقالت العلماءُ وأهلُ الإشارة : الحكمةُ في ضَرْبِ المَثَّلِ في النور بالسراج في مشكاةٍ : أن البيتَ إذا كان فيه السراجُ اجتنبَهُ اللصُّ ؛ كذلك القلبُ الذي تكونُ فيه المعرفةُ يَفِرُ منه الشيطانُ الذي هو اللصُّ في القلوب(١) والحكمةُ في ضَرْبِ المَثَلِ بالزجاجة دون الذهب والفضة : أن الذهب والفضَّةَ يَحجُبان الرائيَ عن رؤية ما وراءهما في العُرْفِ والعادة، والزجاجَ لا يَحجُبُ عن رؤية ما وراءَهُ، فكذلك صاحبُ المعرفة غيرُ محجوبٍ عن رؤية معبوده . والحكمةُ في ضَرْبِ المَثَلِ بالكوكب الذُّرِّيِّ : أن الكواكبَ تَهدي السالكين في الطُّرقِ من الأرض ؛ كذلك نورُ المعرفة من قلب المؤمن يضيءُ لأهل السماء ، بل المعرفةُ في القلب أنورُ من الكواكب في السماء ؛ لأن (١) حكاه الإمام الرازي في «عجائب القرآن)) (ص٧٥). CON 00000 ,٢٣٣ 00000 أنورَ الكواكب الشمسُ، وقد يسترُها السحابُ عن الأرض ، وقد يغشاها غبارُ الهواء فيضعفُ شعاعُها في الأرض ، وضوءَ معرفة قلبِ المؤمن يَخرِقُ السماواتِ السبعَ . وقيل : أين يقعُ نورُ الكوكب من نور المعرفة ونورُ الكوكب لا يطفئ نارَ الدنيا ونورُ معرفة المؤمن يطفئ لهبَ جهنم ؟! ولذلك رُوِيَ في الخبر : أن النارَ تقول للمؤمن وهو على الصراط: (( جُزْ يا مؤمنُ؛ فقد أطفاً نورُكَ لهبي ))(١) والحكمةُ في ضَرْبِ المَثَلِ بالزيت والزيتونِ الذي ليس [شجرتُهُ] بشرقِيَّةٍ ولا غربية ، دون سائر الأدهان التي تنبتُ أصولُها في كلِّ مكان : أن المعرفةً لا تنبتُ في كلِّ قلب ، كما أن الزيتون لا ينبتُ في كلِّ أرض . وقيل : إنما ضُرِبَ المثلُ به لأن الزيتونَ إنما ينبت على الجبل الذي تجلَّى له الربّ .. بعد التجلِّي(٢)، فلحقَتْهُ بركةُ التجلِّي، فلمَّا كان ظهورُهُ من نور التجلِّي شُبِّهَ به نورُ المعرفة . وقيل في قوله : ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾؛ أي : هي بينَهما ، وليس من أجل خاصِّيَّةٍ ؛ لأن نصفَها في الشرق ، ونصفَها في الغرب (٣) وعن الحسن البصريِّ : أن المراد به شجرةٌ في الجنة ، ضرب المثل بها (١) تقدم (٣/ ٢٢٣) . (٢) قوله : (بعد) كذا هو في جميع النسخ ، والمراد : أن الزيتون نبت على الطور بعد وقوع التجلي لسيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام . (٣) انظر ((الكشف والبيان)) (١٠٣/٧)، فهي شجرة شرقية وغريبة معاً، فتكون نهايةً في صفاء الزيت . COODO ٢٣٤oop00 لشرفها، ولو كانَتْ في الدنيا لكانت شرقيَّةً أو غربية(١) وقيل : إن المراد بالشجرةِ إبراهيمُ عليه السلام ؛ لأنه ما كان يهوديّاً مشبِّهاً ، ولا نصرانيّاً معطّلاً؛ كما أن الشجرة لم تكن شرقيّةً ولا غربية (٢) وقيل : أراد بالشجرةِ محمداً صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه وُلِدَ بمكةً وهي سُرَّةُ الدنيا ، وليست بشرقيّةٍ خالصة ولا غربيَّةٍ خالصة، ومنها مُدَّتِ الأرضُ . وقيل : المعرفةُ بلا تشبيهٍ ولا تعطيل كالشجرةِ السليمة من آفاتٍ الشرق وعاهاتِ الغرب . وقولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥] كذلك نورُ المعرفة يضيءُ وإن لم يكن معه طاعةٌ . وقيل : إن الزيت إذا مسَّتْهُ النارُ ازداد ضياءً ؛ كذلك معرفةُ المؤمن تزدادُ على مقاساة المحن . وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿نُورُ عَلَى نُورِ﴾ [النور: ٣٥]، فذكر فيه أهلُ الإشارة : أن النور له مقاماتٌ؛ أوَّلُها نورُ المعرفة ، ثم نورُ الخوف ، ثم نورُ الرجاء ، 00 (١) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٤٥/٤)، و((زاد المسير)) (٢٩٦/٣)، و((النكت والعيون)) (١٧٤/٣)، غير أن الإمام الرازي عقَّب على هذا القول في ((مفاتيح الغيب)) (٢٣٧/٢٣) بقوله: (وهذا ضعيف ، لأنه تعالى إنما ضرب المثل بما شاهدوه ، وهم ما شاهدوا شجرة الجنة ) . (٢) روى هذا المعنى ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٤٦٠٩) عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما، وقال ابن الجوزي في ((زاد المسير)، (٢٩٧/٣): ( سمَّى إبراهيم عليه السلام شجرة مباركة لأن أكثر الأنبياء من صلبه ) . ثم نورُ المحبّة ، ثم نورُ الحياء ، ثم نورُ الحلاوة ، ثم نورُ الهيبة ، ثم نورُ الحيرة ، ثم نورُ الأنس ، ثم نورُ الاستقامة ، ثم نورُ الاستكانة ، ثم نورُ التعظيم والجلالة ، ثم نورُ رؤية المنَّة . وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ، مَن كَشَآءُ﴾ [النور: ٣٥]؛ أي: لنور معرفتِهِ ؛ لأن هدايةً الدعوة عامة للكلِّ ، وهدايةَ المعرفة خاصَّةٌ لأهلها ، وهذا خلافُ قول القدريَّةِ مجوسٍ هذه الأمة : إن هدايةَ المعرفة ليست من الله عزَّ وجلَّ ، وإنما يكون منه هدايةُ الدعوة والبيان ، وهي مع ذلك عندهم غيرُ مختصَّةٍ ببعض المكلفين دون بعض ، فإن يكن بين الآية وبين مذاهبِهم وفاقٌ فلا تضادّ بين السواد والأعراض ، ولا اختلافَ إذاً بين الأجسام والأعراض(١) ، والله أعلم . 00000 000 (١) قال الإمام الرازي في ((مفاتيح الغيب)) (٢٣٩/٢٣): (وضوح هذه الدلائل لا يكفي ولا ينفع ما لم يخلق الله الإيمان ، ولا يمكن أن يكون المراد من قوله : ﴿يهدي الله﴾ إيضاحَ الأدلة والبينات ؛ لأنَّا لو حملنا النور على إيضاح الأدلة لم يجز حمل الهدى عليه أيضاً ، وإلا لخرج الكلام عن الفائدة ، فلم يبقَ إلا حملُ الهدى ها هنا على خلْقٍ العلم ) . واعلم : أن حجة الإسلام الغزالي ذهب في (( مشكاة الأنوار)» إلى أن النور على الحقيقة هو الله تعالى وحده ؛ لأن النور عنده راجع إلى حقيقة الوجود ، ووجوده سبحانه واجب ، ووجود غيره وجودٌ عرضي، ولذا قال (ص ٥٥): ( الوجود ينقسم إلى ما للشيء من ذاته ، وإلى ما له الوجود من غيره ، وما له الوجود من غيره فوجوده مستعار لا قوام له بنفسه ، بل اعتُبر ذاته من حيث ذاتُهُ فهو عدم محض ، وإنما هو موجود من حيث نسبته إلى غيره ، وذلك ليس بوجود حقيقي ) ، ثم قال : ( فالموجود الحق هو الله تعالى ؛ كما أن النور الحق هو الله تعالى ). O OC 000 Y OOO ذكر ما ورد من أسماءالله عز وجل مفتتحاً بالواو دون غيرها من الحروف GOOD ٢٣٧ 00000 0 kuratoran Bravora YOU 0 CO C ذكر ما وردمن أسماء الله عز وجل مفتتحاً بالواو دون غيرها من الحروف قد ورد الخبرُ المأثور من هذا النوع من تسميته : بالوتر ، والواجد ، والواحد ، والودود ، والوارث ، والواسع ، والوكيل ، والوليٍّ ، والوالي ، والوهَّابِ ، وأجمعَ المسلمون على تسميته : بالوفيِّ، ودلَّ عليه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. ونحن نذكرُ الآن تفسيرَ ما ورد به الخبرُ المأثور من هذه الأسماء المفتتحة بحرف الواو ، ونؤخِّرُ تفسير ( الوفيّ ) إلى بابِ بعد هذا نذكرُ فيه أسماءَهُ التي يجوزُ إطلاقُها بالإجماع ، وإن لم تكن مذكورةً في السنة التي تقدَّم ذكرها(١) ومـ (١) انظر (٤٣٣/٣). COOOO ٢٣٩-00000