النص المفهرس

صفحات 201-220

GOVA
أيضاً قد عاقدَهُ وقبل العاقدُ منه الأولُ، وهذا قولُ أبي حنيفة وأصحابِهِ (١)
CONS
فإذا ثبت ما ذكرناهُ في وجوه معنى ( المولى ) : فاللهُ مولىّ بمعنى المنعِم
بالنِّعَمِ .
وعلى معنى المُعتِقِ؛ لأنه هو الذي أعتقَ أولياءَهُ من النار والعذاب ،
وأعتق الكعبةَ من تسلّط الجبَّارين عليها ؛ ولذلك قيل لها : البيتُ العتيق .
وهو المولى بمعنى الوليِّ؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال أيضاً: ﴿فَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١] (٢).
وهو المولى بمعنى الناصر والحليف ، وإنما سُمَِّ مولىّ لنصرته .
وهذا معنى قولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا
مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]؛ أي : لا ناصرَ لهم.
وهذا معنى قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ كنتُ مولاهُ فعليٌّ
مولاهُ))(٣)، بدليل أنه قالَ في آخر الخبر: « اللهمَّ؛ والِ مَنْ والاهُ ، وعادٍ
مَنْ عاداهُ، وانصرْ مَنْ نصرَهُ، واخذُلْ مَنْ خذلَهُ))(٤)، ففسَّرَ المولى
0000
(١) انظر ((المحيط البرهاني» (٤ /١٨٧).
(٢) قال الإمام القشيري في ((لطائف الإشارات)) (٣٣٠/٣): (وهذا الخطاب يحتمل أن
يكون من قبل الملائكة الذين تنزَّلوا عليهم ، ويحتمل أن يكون ابتداء خطاب من الله
تعالى ) ، وعلى الثاني مشى المصنف .
(٣) رواه الترمذي (٣٧١٣)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) ( ٨٤١٥) من حديث سيدنا
زيد بن أرقم رضي الله عنه ، وابن ماجه ( ١٢١ ) من حديث سيدنا سعد بن أبي وقاص
رضي الله عنه .
(٤) رواه بههذه الزيادة النسائي في ((السنن الكبرى)) (٨٤٢٩) من حديث سيدنا علي
رضي الله عنه .
GOODO . OCOC

OOOO
بالناصر ؛ لذكرِهِ النصرةَ(١)
ولا يجوز تسميةُ الإله مولىّ على معنى النسب والقرابة ، تعالى الله عن
ذلك علوّاً كبيراً ، ولا يجوزُ أن يقال لغير الله تعالى : ( المولى ) بالتعريف
والتفريد ، وإنما يقال لغيره: ( موليّ) بالإضافة والتقييد ؛ كقولهم : مولى
نعمةٍ ، ومولى عَتَاقٍ ، ومولى عَتَاقةٍ ، ومولى حِلْفٍ ، ومولى جِوارٍ ، ونحوَ
ذلك .
وأما قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَحِبْرِيلُ وَصَلِحُ
الْمُؤْمِنِينَّ وَالْمَلَتِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، فليس (جبريلُ وصالحُ
المؤمنين والملائكةُ) معطوفينَ على ( الله)، ولكنَّ الوقفَ على ( الله)
وقفٌ تامٌ، و( جبريلُ وصالحُ المؤمنين والملائكةُ) ابتداءٌ ثانٍ، وخبرُهُ
قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾(٢)
فالمولى في أسماء الله عزَّ وجلَّ : من أسمائه المضافة إلى أفعاله ، دون
أسمائه الأزليَّةِ ؛ لأنَّ الذي هو مولاهُ على جميع وجوهِهِ فعلُهُ كما بيَّنَّاهُ .
(١) وفسَّره أبو عبيدة في ((مجاز القرآن)) (١٢٤/١) بالوليٍّ، وكذا الأزهري في ((تهذيب
اللغة)» ( ١٥ / ٣٢٤) .
(٢) ومن جعل ( جبريل وصالح المؤمنين والملائكة ) معطوفين على ( الله) .. جعل العطف
على محل اسم ( إنَّ). انظر ((معاني القرآن)) للفراء (١٦٧/٣)، و((الدر المصون))
(٣٦٧/١٠) .
CON

cao
O
THATONATE

٥
ذكر ما جاء من أسماء الله عز وجل
مفتتحاً بحرف النون
٥
٢٠٣
.00000
Co

Novara
٢
r.
C
C
O
O
000
O
00OOOO
0

ذكر ما جاء من أسماءالله عز وجل
مفتتحاً بحرف النون
وقد ورد الشرعُ بتسميتِهِ سبحانه : بالنافع ، والنصير ، والنور .
ونحن نذكرُ تفسير كلٌّ واحد من ذلك على وجههِ إن شاء الله عزَّ وجلَّ .
OC
00000
٥٥٥٥٥ ٢٠٥

ذكر معنى (النافع) في أسمان عزوجل
هذا الاسمُ ورد مقروناً بـ ( الضارِّ)، واقترانُ هذين الاسمينِ أحسنُ
من إفراد كلٍّ واحد منهما ، وإن جاز إفرادُ ( النافع ) في وصف الإلله
سبحانَهُ، ولم يجزْ إفرادُ ( الضارِّ) في وصفِهِ حتى يُقْرنَ بـ (النافع)(١) .
وقد ينفعُ الله عزَّ وجلَّ بعضَ عباده بأنواعٍ من اللذات والمنافع .
وقد ينفعُ بعضاً بأنواعٍ من البلاء والمشقَّة ؛ كالأمراضِ التي يكفِّرُ بها
الذنوب .
وقد ينفعُ واحداً بالإضرار بغيره إذا اعتبرَ به المنتفعُ ؛ ولذلك قيل :
( القتل أنفى للقتل، وأبقى للنفس)(٢)، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَكُمْ فِى
اُلْقِصَاصِ حَيَوَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، والحدودُ كلَّها مَرْدَعةٌ لمَنِ اعتبر فيها ، فانتفعَ
بها من أجل خوفِهِ منها ، فاجتنب المحارمَ ، وكان ضررُ غيرِهِ سبباً لانتفاعِهِ .
واعلم : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يسمِّيَ الرجلُ مملوكَهُ
نافعاً (٣)، وأشارَ بذلك إلى أن هذا الاسم الله عزَّ وجلَّ خاصَّةً على الحقيقة ،
(١) انظر ما تقدم (٣٥٩/٢).
(٢) انظر ((الصناعتين)) (ص١٧٥)، وقد مَجَّتِ العرب هذا المَثَلَ بعد نزول الآية الآتية.
(٣) رواه مسلم (٢١٣٦) من حديث سيدنا سمرة بن جندب رضي الله عنه ، وحملوا النهي
على كراهة التنزيه كما بينه الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) (١٤/ ١١٩).
OOOO٢٠٦٥ ٥

هو الضارُّ النافع ، والخافضُ الرافع ، ومنه الضرّ والنفع ، والدفعُ والمنع ،
خلاف قولِ الثنوية في نسبة الخير والشرٌ والنفع والضرِّ إلى خالقينٍ، وقولٍ
القدريَّة في نسبة اختراع الخير والشرِّ من الأكساب إلى المكتسبينَ، كما بيَّنَّاه
في تفسير ( الضارِّ) قبل هذا(١)
وقد كان في هذه الأمة جماعةٌ أسماؤهم نافعٌ ، وهم صنفانِ :
أحدُهما : صنفٌ ثبتَ لهم هذا الاسمُ قبل نهْي النبيِّ صلى الله عليه
وسلم عن التسمية به :
فمنهم : نافعُ بن عتبةً بن أبي وقاص ، وهو ابنُ أخي سعدٍ بن
أبي وقاص ، صحب النبيَّ صلى الله عليه وسلم (٢)
ومنهم : نافعٌ مولى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وله روايةٌ عن النبيِّ
صلى الله عليه وسلم(٣).
po
00
ومنهم : نافعُ بن عبد الحارث الخزاعيُّ ، يُذكرُ أن له صحبةً ، وكان
عاملَ عمرَ على مكةً(٤)
والصنفُ الثاني منهم : قومٌ من التابعين ومَنْ بعدَهم من الموالي وغيرِهم
اسمُ كلٌّ واحد منهم نافع ، وعسى أن الذي سمَّاهم بذلك لم يكن عالماً
بالنهي عن هذه التسمية :
(١) انظر (٢ /٣٦٦).
انظر ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٣٢/٦).
(٢)
(٣) انظر ( تاريخ دمشق)» (٤ /٢٨٥).
(٤) انظر (( الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٤٦٠/٥).
COOOO ٢ . V, 00000

فمنهم : نافعُ بن جبير بن مطعم ، يروي عن أبيه عن أبي هريرةً ، وقد
روى عنه الزهريُ(١)
ومنهم : نافعٌ مولى أبي قتادةَ(٢)
ومنهم : نافعُ بن أبي نافع مولى أبي أحمدَ ، يروي عن أبي هريرة(٣)
ومنهم : نافعُ بن سَرْجِسَ مولى بني سباع ، يروي عن أبي واقدٍ
اللیثی (٤)
د
ومنهم : نافعٌ مولى حمْنَةً بنتِ شُجاع ، يروي عن أبي هريرة رضي الله
عنه وأمّ قیس(٥)
ومنهم : نافعُ بن عُجير ، يروي عن عليٍّ بن أبي طالب ، وقد يروي عنه
ابنُهُ محمد(٦)
ومنهم : نافعُ بن عاصم بن عروة بن مسعود ، أخو يعقوبَ الثقفيِّ ،
روى عنه يعلى بنُ عطاء(٧)
ومنهم : نافعٌ الجُرَشيُّ، يروي عن أُبيِّ بن كعب (٨)
(١) انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٤/ ٥٤١).
(٢)
انظر (( الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٣٠٤/٥).
(٣)
انظر ((تهذيب الكمال)) (٢٩/ ٢٩٣).
(٤)
انظر ((التاريخ الكبير)) البخاري (٨٤/٨).
٢٨
(٥) انظر (( التاريخ الكبير)) البخاري (٨٣/٨)، وأم قيس: هي بنت محصن أخت سيدنا
عكاشة رضي الله عنهما .
(٦) انظر ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٨٤/٨).
انظر (( التاريخ الكبير)) للبخاري (٨٤/٨).
(٧)
(٨) انظر ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٨٤/٨).
00000 ٢٠٨
PAT101

ومنهم : نافعٌ أبو نوفلٍ ، روى عن أزواج النبيِّ صلى الله عليه
(١)
وسلم(١)
ومنهم : نافعُ بن كيسانَ ، وهو من التابعين(٢)
ومنهم : نافعٌ مولى بني هاشم ، روى عن عمرَ بن الخطاب ، وروى عنه
ابنُهُ عبيدُ الله بن نافع(٣)
ومنهم : نافعٌ أبو عبد الله مولى عبدِ الله بن عمر ، سمع الحديثَ عن ابن
عمر وأبي سعيد الخدري وجماعةٍ من الصحابة ، روى عنه الزهريُّ
ومالكُ بن أنس وأيوبُ وعبيدُ الله بن عمر وجماعةٌ من الأئمة (٤)
ومنهم : نافعُ بن خالد الخزاعيُّ ، يروي عن أبيه عن النبيِّ صلى الله عليه
وسلم ، روى عنه سعدُ بن طارق(٥)
ومنهم : نافعٌ أبو غالب الخيَّاطُ، يروي عن أنس(٦)
ومنهم : نافعٌ [الطاحي] البصريُّ، يروي عن هَرِم بن حيانَ ، وروى عنه
ابنُهُ محمد(٧)
(١) انظر (( التاريخ الكبير)) للبخاري (٨٤/٨).
(٢)
انظر (( التاريخ الكبير)) للبخاري (٨٤/٨).
(٣)
انظر ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٨٤/٨).
انظر ( التاريخ الكبير)) للبخاري (٨٤/٨).
(٤)
(٥)
انظر ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٨٥/٨).
(٦) انظر ((التاريخ الكبير)) البخاري (٨٥/٨).
(٧) انظر ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٨٥/٨)، وما بين المعقوفين في (أ، ب):
( الطائي )، وفي (ج): ( الصمداني)، والطاحي : نسبة إلى طاحية ؛ قبيلة من
الأزد. انظر ((الأنساب)) (٣/٩).

Coocoo
ومنهم : نافعٌ الهَمْدانيُّ ، يروي عن الحارث عن علي، روى عنه
زياد بن المنذر (١)
ومنهم : نافعُ بن مالك بن أبي عاصم الأصبحيُّ ، أبو سهيل ، عمّ
مالكِ بن أنس ، سمع أباه وعمرَ بن عبد العزيز ، روى عنه الزهريُّ
ومالك بن أنس(٢) .
ومنهم : نافعُ بن سليمان القرشيُّ ، يروي عن يعقوب بن سعد ، روى
عنه حَيْوةُ بن شريح(٣)
ومنهم : نافعُ بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام ، يروي عنه ابنُ
المبارك (٤)
ن
ومنهم : نافعُ بن عمر بن عبد الله بن جميل المكيُّ ، يروي عن ابن
أبي مليكةَ وعمرو بن دينار، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريُّ والفضلُ بن
دُكِينٍ(٥) .
ومنهم : نافعُ بن يزيدَ ، أبو يزيدَ المقرئُ ، يروي عن أبي سفيان بن
جابر ، روى عنه عبدُ الله بن وهب وسعيد بن أبي مريمَ(٦).
ومنهم : نافعُ بن عبد الرحمن بن أبي نُعيم القارئُ المدنيُّ ، الذي
(١) انظر (( التاريخ الكبير)) البخاري (٨٥/٨).
انظر (( التاريخ الكبير)) البخاري (٨٦/٨).
(٢)
(٣)
انظر (( التاريخ الكبير)) للبخاري (٨٦/٨).
انظر (( التاريخ الكبير " للبخاري (٨٦/٨).
(٤)
(٥) انظر ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٨٦/٨).
(٦) انظر (( التاريخ الكبير)" للبخاري (٨٦/٨).

نُسَبَتْ إليه قراءةُ نافع، وقد روى عنه ابنُ أبي مريمَ(١).
ومنهم : نافعُ بن عبد الرحمن مولى ثقيفٍ ، يروي عن أبي هريرةً
رضي الله عنه (٢).
فهذا ذكْرُ المعروفين منهم ، فأما مَنْ بعدَهم من أصحاب هذا الاسم
فالله تعالى أعلمُ بهم .
(١) انظر ((التاريخ الكبير)) البخاري (٨٧/٨).
(٢) انظر ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٨/ ٨٧).
٢١١٠٥٥٥
00000

COOO
ق
ذكر معنى (النصير) و(الناصر)
في أسمائه عز وجل
معنى ( النصير) و(الناصر) في اللغة: المعينُ ، والنصيرُ أبلغُ في
الإعانة من الناصر ؛ كالعليم والقدير والرحيم أبلغُ في معانيها من العالم
والقادر والراحم (١)
ويقال : نصرَ الغيثُ البلدَ؛ إذا أعانَهُ على الخصب والنبات(٢)
وقولُهُ عزّ وجلّ: ﴿فَمَن يَنصُرُنِ مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْنُهُ﴾ [هود: ٦٣]، فمَنْ
يعينُي عليه فيمنعني من عذابه إن عصيته (٣)
وقولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَأَنصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٨] ؛ أي :
أعينوها (٤)
والنصرةُ: العونُ(٥) ، واللهُ سبحانه وتعالى ناصرُ المؤمنين ونصيرُهم
(١) انظر ((شأن الدعاء)) (ص١٠١)، و((الغريبين)) (١٨٤٦/٦).
(٢) انظر ((الغريبين)) (٦ /١٨٤٦).
(٣) انظر (( معاني القرآن)) للفراء (٢٠٤/٢) وقال: ( ذلك معناه - والله أعلم - في عامة
القرآن)، و((الغريبين)) (١٨٤٦/٦).
(٤) انظر ((تفسير الطبري)) (٤٦٥/١٨)، وفي ((الغريبين)) (١٨٤٧/٦): (أي :
عظموها ) .
(٥) انظر (( مفردات الراغب)) (ص٨٠٨).
٢
COOOOO ٢\٢ ,00000

Coo
po
O
ومعينُهم على أعدائهم من الجنِّ والإنس، ونصرتُهُ إيَّهم على الجنِّ
والشياطين : بالعصمة عن غائلةِ وساوسهم (١) ، وعلى الإنس : بالظفر
تارةً ، وبالعصمةِ عن الظلم أخرى ؛ ولذلك قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :
(( انصر أخاكَ ظالماً أو مظلوماً»، فقيل له: كيف ينصرُهُ ظالماً؟ قال :
((يمنعُهُ مِنَ الظلم»(٢)، والله عزَّ وجلَّ إذا عصم عبدَهُ عن ظلم غيرِهِ فقد
نصرَهُ ، كما لو أظفرَهُ على عدوِّهِ لكان ناصراً [له] عليه.
وكيفما دارَ عليه وجوهُ تصرُّفِهِ فإن الناصر والنصيرَ من أسمائه المشتقَّةِ من
أفعاله ، وليس من أسمائه الأزليّة(٣)
00000
واعلم : أن النصر والعونَ من الله عزَّ وجلَّ عندنا .. للمؤمنين خاصَّةً
دون الكافرين(٤) ، وليست غلبةُ الكفَّار في بعض المواطن نصرةً لهم ،
ولا خلْقُ الحياة والقدرةِ فيهم عوناً لهم(٥)
0000
(١) الأصل في تعدية (عصم) ومصدره ومشتقاته تكون بـ ( مِنْ)، لا بـ ( عن ) .
(٢) رواه البخاري ( ٢٤٤٣، ٦٩٥٢) من حديث سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه .
(٣) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٤٩).
(٤) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٤٩)، وعبارته: ( ولا يختلف جوابه أن نصره
للمؤمنين خصوصاً ، وأنه لم ينصر كافراً ولا عصمه ولا هداه ولا وقَّقه ) .
(٥) قال جلَّ من قائل: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُنَدَنَا لَهُ
الْغَلِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١-١٧٣]، وقال أيضاً: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَنكُمْ وَهُوَ خَيْرُ
النَّصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]، وقال في حقِّ الكفَّار: ﴿أُوْلَمْكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ
فِي الدُّنَا وَاُلْآَخِرَةِ وَمَالَهُممِّن نَّصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٢٢].
وأما قوله تعالى: ﴿وَرِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ اَلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] فقد قال العلامة
الزجاج في (( معاني القرآن)) (١/ ٤٧٠): (أي: نجعل الدولة في وقت من الأوقات
للكافرين على المؤمنين إذا عَصَوْا فيما يؤمرون به؛ من محاربة الكفَّار ، فأما إذا =

Y
وقد تكون النصرةُ في غير معنى العون ؛ وذلك أنه يقال : نصرتُ
المكانَ ؛ إذا أتيته (١)، وأنشدَ فيه أحمدُ بن يحيى النحويُّ(٢):
[من الطويل]
إذا دخلَ الشهرُ الحرامُ فودٌّعي بلادَ تميمٍ وانصري أرضَ عامٍ
وفي الحديث: ((إنّ هذهِ))؛ يعني: السحابَ (تنصرُ أرضّ بني
كعب ))؛ تمطرُ(٣).
ة
يقال : نُصِرَتِ الأرضُ ، فهي منصورةٌ ؛ أي : ممطورة (٤)
وفي الحديث أيضاً: (( لا يَؤُمَّنَّكُم أَنصَرُ ولا أزَنُّ ولا أفرعُ))(٥)؛
أطاعوا فهم منصورون أبداً؛ كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَّ إِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ الْفْلِحُونَ﴾
[المجادلة: ٢٢])، وقال الحافظ القسطلاني في (إرشاد الساري)) (٢٨٩/٦):
( وليس المراد من هذه المداولة أن الله سبحانه وتعالى تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر
الكافرين ؛ لأن نصر الله تعالى منصب شريفٌ لا يليق بالكافر ، بل المراد : أنه تارة يشدِّد
المحنة على الكافر ، وتارة على المؤمن ؛ فعلى المؤمن أدباً له في الدنيا ، وعلى الكافر
غضباً عليه ) .
وأما قوله تعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] فالجمهور على
أنه مخصوص بيوم القيامة ، والسبيل : الحجة ، على أن أهل الحق غالبون بحججهم
في كل حين .
(١)
انظر ( الدر المصون)) (٣٤٠/١) .
(٢) انظر ((الغريبين)) (١٨٤٦/٦)، وأحمد بن يحيى: هو ثعلب، والبيت للراعي
النميري. انظر («ديوانه)» ( ص١٤٤)، وفيه : ( انسلخ ) بدل ( دخل ) ، والخطاب
في البيت للخيل .
(٣) رواه البيهقي في (( دلائل النبوة)) (٥/٥) من حديث مروان بن الحكم وسيدنا
المسور بن مخرمة رضي الله عنه ضمن خبر فتح مكة، وفي ((الغريبين)) (١٨٤٧/٦):
( أي : تمطرهم ) .
(٤) انظر ((الغريبين)) (١٨٤٧/٦).
(٥) انظر ((النهاية في غريب الحديث)) (٣١٦/٢، ٤٣٧).
CON

O
فالأنصرُ : الأقلف، والأزنُّ: الحاقن ، والأفرعُ: الموسْوِسُ(١)
فأما النصارى : فمنسوبون إلى ناصرةً ، وواحدُ النصارى : نَصْرانٌ؛
مثل : نَدْمان وندامى، والأنثى: نَصْرانةٌ(٢)، قال الشاعرُ: (٣) [من الطو
كما سجدَتْ نَصْرانةٌ لم تَحَنَّفِ
ويقال أيضاً : نصرانيٌّ وأنصارٌ، ومنه قولُ الشاعر (٤): [من مشطور الرجز]
لمَّا رأيتُ نَبَطاً أنصارا
ويقال أيضاً : نصرانيٌّ بَيِّنُ النصرانيّة، وصابىٌّ بَيِّنُ [الصُّبوئيَّة](٥)
والحمدُ لله الذي نصرَنا على النصارى والصابئين وغيرهم من أهل الكفر
والبدع .
000
(١) انظر ((الغريبين)) (١٨٤٧/٦)، وكراهة الأقلف لاحتمال النجاسة فيما تحت قلفته،
والأزنُّ مشغولٌ بحاله فاقدٌ للخشوع ، والأفرعُ مثله .
(٢) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (١٤٧/١)، و((الغريبين)) (١٨٤٦/٦).
(٣) عجز بيت لأبي الأخزر الحماني ، وصدره :
فكلتاهما خرَّتْ وأسجدَ رأسها
وهو في صفة ناقتين طأطأتا رأسيهما من الإعياء. انظر (( تاج العروس)) ( ن ص ر) .
(٤) البيت دون عزوٍ في ((معاني القرآن)) للفراء (٤٤/١)، و((الزاهر)) للأنباري
(٢١٣/٢)، و((الغريبين)) (٦ /١٨٤٦).
(٥) انظر ((الغريبين)) (١٨٤٧/٦)، وفي (ب، ج): ( من) بدل ( بين ) في
الموضعين ، وما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( الصبوبية ) .
LON
COODO ٢١0 00000

ذكر معنى (النور) في أسمان عزوجل
ـر.
الكلامُ في تفسير هذا الاسم في أربعة فصولٍ ؛ هذه ترجمتُها :
فصلٌ : في معنى النورِ في اللغة(١)
فصلٌ : في بيانِ المذاهب في وصف الله تعالى بالنور(٢)
فصلٌ : في بيانِ معاني قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾
[النور: ٣٥] (٣).
000
فصلٌ : في بيانٍ معنى [النور في القرآن] (٤)
وسنذكرُ في كلِّ فصل من هذه الفصول مقتضاهُ إن شاء الله عزَّ وجلَّ .
(١) وهو الفصل الأول الآتي (٢١٧/٣).
(٢) وهو الفصل الثالث الآتي (٢٢٤/٣) .
(٣) وهو الفصل الرابع الآتي (٢٣٢/٣).
(٤) وهو الفصل الثاني الآتي (٢٢١/٣)، وما بين المعقوفين في (أ): (وصف القرآن
بالنور ) ، وفي ( ب، ج) : ( القرآن بالنور ) .
ـحـ
00000 700000

الفصل الأول
في بيان معنى (النور) في اللغة
النور في اللغة على وجوهٍ :
أحدها : النَّيِّرُ المضيءُ؛ يقال منه: نارَ الشيءُ فهو نَيٌِّ ، وأنار فهو
منيرٌ ؛ إذا أضاءَ .
وفي الحديث في صفة النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ( أنورُ المتجَرَّدِ)(١)؛
أي : مضيءٌ مشرقٌ إذا تجرَّدَ، وأراد الراوي بالأنور : النَّيَِّ ؛ كقوله عزَّ
وجلَّ: ﴿وَهُوَ أَهْوَثُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]؛ أي: وهو هيِّنٌ عليه(٢)
booo
0000
وفي الحديث : ( أنه لمَّا نزلَ تحت الشجرةِ [أنورَتْ])(٣)؛ أي: أضاءً
نَوْرُها، وحسُنَتْ خضرتُها ، وإنارةُ الشجرة إنما هي بحُسْنِ خضرتها وضياءٍ
نَوْرِها (٤)
000
(١) رواه الترمذي في ((الشمائل)) (٧)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٥٥/٢٢)،
والبيهقي في (( شعب الإيمان)) (١٣٦٢) من حديث سيدنا هند بن أبي هالة رضي الله
عنه ، والمتجَّرَّد : هو بفتح الراء المشددة وكسرها ، والفتح أكثر ، وعليه يكون
مصدراً ، وعلى الکسر یکون جسماً . انظر (( تاج العروس )) (ج ر د).
(٢) انظر ((غريب الحديث)) لابن قتيبة (٥٠٠/١)، و((الغريبين)) (١٨٩١/٦).
(٣) انظر ((النهاية في غريب الحديث)) (١٢٧/٥) وقال: (وفي حديث خزيمة) ،
وما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( أنور ) .
(٤) انظر ((الغريبين)) (١٨٩١/٦)، وفي ((النهاية في غريب الحديث)) (١٢٧/٥) بعد =

O
والوجهُ الثاني : النورُ بمعنى الواضح البَيِّنِ ، الذي ليس له لَبْسٌ
ولا إشكالٌ(١)
وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه : ( نائرات الأحكام ، ومنيرات
الإسلام)(٢)؛ يريد: الواضحاتِ البيّناتِ(٣)
وفي الحديث أيضاً : ( فرض عمرُ للجدِّ، ثم [أنارَها] زيدُ بن ثابت ) ؛
أي : أوضحَها وبيَّنَها (٤).
والوجهُ الثالث : النور بمعنى المَنار ، وهو العَلَمُ ؛ يقال منه : نورٌ
الطريق ومَناره .
وفي الحديث: ((لعنَ اللهُ مَنْ غيَّرَ مَنارَ الأرض)»(٥)؛ أي: العَلَمَ والحَدَّ
بين الأرضين ، ومَنارُ الحرم : أعلامُهُ التي ضربها إبراهيمُ عليه السلام على
أقطاره(٦)
00
والوجهُ الرابع : النور بمعنى المنوِّرِ .
ذكر هذا القول : ( وقيل : إنها أطلعت نَوْرها؛ وهو زهرها؛ يقال : نؤَّرت الشجرة
=
وأنارت ، فأما (( أنورت )) فعلى الأصل ) .
(١) يقال: أنار الشيء واستنار؛ إذا وضح. انظر ((الغريبين)) (١٨٩١/٦).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (٣٠١٣٤) من دعائه رضي الله عنه .
(٣) انظر ((الغريبين)) (٦/ ١٨٩١).
(٤) انظر ((الدلائل في غريب الحديث)) (٨٠٠/٢)، و((الغريبين)) (١٨٩١/٦)،
والضمير في قوله : ( أنارها ) يرجع إلى الفريضة المفهومة من قوله : ( فرض عمر
للجد ) ، وما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( أناره ) .
(٥) رواه مسلم (١٩٧٨) من حديث سيدنا علي رضي الله عنه .
(٦) انظر ((غريب الحديث)) لأبي عبيد (١٨٣/٣)، و((الغريبين)) (١٨٩٢/٦).
OOOOD ١٨ ٢ 00000

وعلى ذلك تأوَل الموحّدون قولَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ
وَاَلْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]؛ أي: منوِّرُهما، وقد قال بمثل ذلك ابنُ الأعرابي
وجماعةٌ من النحويين .
قال ابنُ الأعرابي : إن ذلك كقولهم : فلانٌ غياثُنا ؛ أي : مُغِيثُنا ،
وفلان زادي ؛ أي : مُزَوِّدي(١)
وقال جرير (٢):
[من الطويل]
وأنتَ لنا نورٌ وغيثٌ وعصمةٌ ونبتٌ لمَنْ يرجو نَداكَ وَرِيقُ
والوجهُ الخامس : النور بمعنى البريءٍ من كلِّ آفة وريبةٍ ؛ من قولهم :
امرأة نَوَارٌ ، ونساء نُورٌ ؛ إذا كنَّ بريئاتٍ من الريبة والفحشاء ، قال الشاعر
أبو تمام(٣):
[من الوافر]
٨
po
00
نَوَارٌ في صواحبِها نَوَارُ كما فاجاكَ سِرْبٌ أو صُوارُ
وعلى هذا الوجه : يصحُّ وصف الله عزَّ وجلَّ بأنه نورٌ ؛ لأنه بريءٌ من
الآفات والعاهات .
Coo
والوجهُ السادس : النور بمعنى النارِ ؛ ولذلك سمَّى الله عزَّ وجلَّ نارَ
(١) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٧٠/١٥)، و((الغريبين)) (٨٩١/٦)، وفيهما: ( ابن
عرفة ) بدل ( ابن الأعرابي ) .
(٢) قاله ضمن قصيدة يمدح بها الحجّاج. انظر ((ديوانه)) (٣٧٤/١)، ووَرِيق: ذو وَرَق.
(٣) مطلع قصيدة له. انظر ((ديوانه)) (١٥٢/٢)، ونوار الأولى: اسم امرأة، والثانية :
النَّفور، كذا فسَّرَه الآمدي في ((الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» (٥٩/٢)،
والصوار - بضم الصاد وكسرها - : الجماعة من بقر الوحش ، والسرب : الجماعة من
الظباء .
COOOOP ٢ \ 9 20000