النص المفهرس

صفحات 141-160

OCK
AYO!
والخلافُ الرابع : مع طائفة من غلاة الرافضة : الذين زعموا أن الإلله
فوَّضَ خلْقَ العالم وتصويرَ الناس وسائرِ الأجنَّةِ إلى محمدٍ صلى الله عليه
وسلم ، وقولِ من قال منهم مثلَ ذلك في عليٍّ بن أبي طالب رضي الله
عنه(١)
وابنُ خابطٍ وغلاةُ الروافض في هذا الباب أسخفُ عيوناً من أن يخفى
فسادُ قولهم على المجانين فضلاً عن العقلاء ، وكيف يخفى فسادُ قولٍ مَنْ
زعم أن المتأخّرَ ظهورُهُ في العالم صوَّرَ من ظهر في العالم قبله ؟!
وقيل لابن خابطٍ : إن كان عيسى هو الذي صوَّرَ آدَمَ الذي كان قبلَهُ
ظهوراً .. فلِمَ لا يجوزُ أن يحدِثَ المحدّثُ ما كان قديماً موجوداً لم يزلْ
قبله ؟!
ويقال لمن زعمَ من أهل الطبائع : ( أن المنيَّ هو الفاعل ) : إن جاز أن
يكون المؤلّفُ مؤلّفاً والمصوَّرُ مصوَّراً .. فلِمَ لا يجوزُ أن يكون المألوهُ
إلهاً ، والمبدَعُ مبدِعاً ؟!(٢)
ويقال لمن نسب صورة الجنين إلى قوَّةِ الرحم : إنه قوَّةٌ تكون في
الرحم ، فتوجب أعضاءً مختلفة وحواسَّ مختلفة ، ومنافذَ في الجنين لأنواع
(١) انظر (المواقف)) (ص٤٢١).
(٢) تجد في بعض كتب المتأخرين استعمال لفظة (مألوه) بمعنى ( مستعبد )، وإنما
المألوه والإلله بمعنىّ؛ إذ يقال: ( أَلِهَ) بمعنى (عَبَدَ )، فهو آلِهُ، وذاك إِلَهٌ؛ فِعَالٌ
بمعنى مفعول، ومثله: ( أَمَّ)، فاسمُ المفعول منه على القياس : مأموم ، ويأتي
( إمام ) بمعناه ، فكان حقَّ العبارة أن يقول : لم لا يجوز أن يكون الآلِهُ إلهاً أو
مألوهاً ؟!

TODAY
OOOO
الشيء النافع ؛ كالعينينِ للبصر ، والأذنينِ للسمع ، والمَنْخِرِينِ للشمُ ،
والفم والحلق للمذاقِ ، واللسان للنطق ، وجواهرُ الرحم جوهرٌ واحد ،
ولا يكونُ للجوهر الواحد قوىّ مختلفةٌ عندكم ، والقوّةُ الواحدة لا توجبُ
أفعالاً مختلفة وصوراً متباينة .
ومنهم من قال : ( إن في المنيِّ قوَّةً تصوِّرُ الجنين ؛ إما منه ، وإما من دم
الطمث )، [ويقال] له (١): ما أنكرت أن تلك القوَّةَ في دم دون المني؟!
وما أنكرت أنهما قوَّتانِ إحداهما في الطمث والثانية في المني ؟! وما أنكرت
من قوَّةٍ ثالثة في الرحم ، وأن تصوُّرَ الجنين يكون من القوى الثلاثةِ ؟! وهذه
معارضةٌ فاسدة بفاسدةٍ مثلها .
وأما من قال منهم : بأن الرحم فيه قالبٌ يَتصوَّرُ فيه المنيُّ حينئذٍ
بنقوشه ؛ كالرصاص المُذاب على قالب منقوش .. فإنه يكذِّبُهم الوجودُ ؛
لأنَّا لو ذبحنا حيواناً بعد وقوع الماء في رحمها لم نجد في رحمها صورةً نقْشٍ
أعضاء جنينها ، والرصاصُ إذا تَصوَّرَ بنقشِ قالب لا يتغيَّرُ نقشه باكتساب
الرصاص ، ومُثِّلَ نقشُهُ في ظاهره ، ولو كان صورةُ الجنين من أجل صورة
قالبِهِ في الرحم .. لكانت الصورةُ على ظاهره دون أجزائه الباطنة ؛ كما أن
الرصاص إنما يظهر النقشُ في ظاهره دون باطنه الذي لم يطابقْ قالبَهُ
المنقوشَ (٢)، ولو كان ذلك من أجل القالب لتصوَّرَ المنيُّ به في وقت
سقوطِهِ كما يتصوَّرُ الرصاصُ بنقش قالبه حين يصبُّ فيه (٣)
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( يقال) .
(٢)
كأنه يقول : أيُّ قالَبِ هذا الذي ينقش المطبوع فيه ظاهراً وباطناً ؟!
(٣) وللزمَ تصوُّرُ جميع الإخوة بصورة واحدة أوَّل النزول، وهو خلافُ المشاهد والواقع .
AX10

ويقال لهم : إن كان في الرحم قالبٌ يَتصوَّرُ فيه الجنينُ فهل في البيضة
قالبٌ يتصوَّرُ فيه الفرخُ ؟
فإن قالوا : ( نعم ) أكذبَهم الوجودُ ؛ لأنَّا لو كسرنا البيضةً لم نجد فيها
لا في بياضها ولا في صُفْرتها مثالَ قالب ولا نقْشَ فرخ .
وإن قالوا : ( لا) أُلزموا مثلَهُ في الرحم .
وكذلك السؤالُ عليهم في الحيوانات التي تَتَصوَّرُ في الأرض ؛ من
الحشرات ، والحيات التي في الكمْأَةِ ، والذبابِ المتولِّدِ من الباقِلَّى،
والضفادع التي تحدث في منابع المياه من غير تناسل(١) ، ومع علمنا بأنه لم
يكن لمخارجِها من الأرض والماء والفواكه التي يخرج منها الديدانُ ، والخلِّ
الذي يخرج منه دودةٌ .. قالبٌ منقوش ، فيلزمون مثل ذلك في الرحم .
وقولُ من زعم منهم : ( أن مقامَ المنيِّ مقامُ الفاعل ، ومقامَ الطمث مقامُ
المفعول منه ) مِمَّ ينفصل ممَّن عكسَ عليه قولَهُ ، فجعل دمَ الطمث فاعلاً
والمنيَّ مفعولاً منه ؟!
DO
فأما من زعم من الدهرية : ( أن أجزاءً لطيفة تنفصلُ من الواطئين ،
فتجتمعُ في الرحم ، فيكون كلُّ جزء منها على شَكْلِ عضو من كلِّ جزء مثلَ
العضو الذي انفصلَ منه) .. فيلزمُهم على هذا الأصل : أن يكون ولد
(١) يعني : في مشاهدات أهل ذلك العصر ، على أن أهل الحق لا يمنعون من خلق هذه
المخلوقات ابتداءً ، ولكنها سنَّةُ الله تعالى في خلقه ، على أن المصنف رحمه الله تعالى
قسم خلق المخلوقات : إلى ما يحدث بالتناسل ، وإلى ما يحدث من غير تناسل . انظر
(( أصول الدين )) له (ص٣٩) .
١٤٢700000

الأعميينِ أعمى بلا بصرٍ ولا عين ، وما أشبه ذلك كثيرٌ ممَّا لا محيصَ للقائل
عن لزومه .
ثم العجب من قوم أنکروا وقوع الحگمِیَّاتِ من صانع حکیم عالمٍ قدیم
مختارٍ قدير ، ونسبوا صورةً الجنين إلى طبع لا يُعقلُ معناه ، أو رحم أو
طمث أو منيٍّ منزلتُهُ منزلةُ بُزاق أو مخاطٍ ، لا يملكُ ضرّاً ولا نفعاً،
والحمدُ لله على العصمة من الضلال(١)
00000
0000000
(١) وكلُّ ما ورد في كتب الاعتقاد والكلام التراثية في ردِّ القول بالطبع أو الطبائع .. هو ردٌ
على القائلين اليوم بإسناد الأفعال إلى الطبيعة ، ولئن سألتهم عن هذه الطبيعة :
ما هي ؟ لتبالهوا ، وخيرُهم - وليس في مثلهم خير - من يسند الأفعال إلى ما يعرف
بالحمض النووي داخل الصبغيات ، غير أن هذا الحمض نفسَهُ في غاية التعقيد
والإتقان ، وهو نفسُهُ يطلب صانعاً مُثْقَناً ، فلا نجد إجابة إلا إسنادَ ذلك إلى قِدَم المادة
وقانون المصادفة الاحتمالي ! ولا يدفعهم إلى هذا العَماء في الإجابة إلا بغضُ أن
يذكر الله الواحد الأحد؛ ﴿ وَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أُشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِّ وَ إِذَا ذُكِرَ
الَّذِينَ مِن دُونِ: إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥]، ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ: إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَمُ كَفَّرْتُمْ وَإِن
يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَِّ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]، اللهمَّ، مقلب القلوب؛ ثبت قلوبنا
على دينك .
00000 ٤٣ \ 100000
CHO

الفصل الثالث
في تنزي الإله عز وجل عن وصفه بالصورة
وتأويل ماذكرسي في الأخبار من لفظ ( الصورة)
وأجمع أصحابُنا : أن الله عزَّ وجلَّ خالقُ الصُّورِ كلّها ، ليس بذي صورة ،
ولا يشبهُ شيئاً، كما بيَنَّاهُ في باب نفي التشبيه، وفي بيان حدِّ المثلين قبل هذا(١).
والخلافُ في تسمية الله سبحانه صورةً أو اعتقادٍ معناه فيه بيننا وبين فرقٍ :
إحداها : جماعةٌ من اليهود ، زعموا أن معبودَهم على صورة الإنسان(٢)
0000
والخلافُ الثاني : مع طائفة من المنتسبين إلى الإسلام ، معروفين برواية
الكذب من الأخبار ؛ كإبراهيمَ بن أبي يحيى ، وداودَ الجواربيِّ، وقد سُئلَ
عمَّا يثبتُهُ من أعضاء معبوده ، فقال : ( اعفوني عن الفرح واللحية ) ؛
يعني : أنه يثبت له ما سواهما(٣)
وزعم هشامٌ : أن النصفَ الأعلى من معبوده مجوَّفٌ ، والنصفَ الأسفلَ
منه مُصْمَتٌ، وأن له الشَّعَرَ الأسود، سمَّاهُ نوراً أسودَ (٤)
(١) انظر (٢٨٨/١ - ٢٨٩، ٣٣٣).
(٢) انظر (٣٢٢/١).
(٣) انظر ((التبصير في الدين)) (ص ١٢٠).
(٤) هو هشام بن سالم. انظر (٣٢٣/١).
00000

والخلافُ الثالث : مع ابن خابطٍ المعتزلي ، الذي زعم أن للعالم
إلهينِ : أحدُهما : إلهٌ قديم ليست له صورة ، والآخر : إله محدَثٌ على
صورة الإنسان ؛ وهو عيسى بنُ مريم ، وهو الذي يحاسبُ الخلقَ في
الآخرة(١)
والخلافُ الرابع : مع غلاة الروافض ؛ منهم : بيانُ بن سمعانَ التميميُّ
صاحب البيانية منهم ، زعم أن معبودَهُ على صورة الإنسان ، وأنه يهلك كلُّهُ
إلا وجهَهُ(٢)
ومنهم : المغيريةُ أصحابُ المغيرة بن سعيد العجلي ، الذي زعم : أن
معبودَهُ على صورة رجل على رأسه تاج ، وله من الأعضاء ما للرجل ، وله
جوفٌ وقلب تنبعُ منه الحكمةُ ، وأن حروف ( أبي جادٍ ) على عدد أعضائه ،
والألف منها مثال قدميه ؛ لاعوجاجها، وشبَّهَ الهاءَ منه بما يقبح ذكرُهُ(٣)،
وزعم : أنه كتبَ بإصبعِهِ على كفِّهِ أعمال العباد ، فغضبَ من المعاصي ،
فعرقَ ، فاجتمع من عرقه بحرانِ ؛ أحدهما : مِلْحٌ مظلم ، والآخرُ : عذب
نيِّرٌ، ثم اطلع في البحر فأبصرَ ظلَّهُ ، فذهب ليأخذَهُ فطار ، فانتزع عينَ
ظلِّهِ ، فخلق منه الشمسَ ، وأفنى باقيَ الظلِّ، وخلق الخلق كلَّهُ من
البحرين ، فخلق الكفَّارَ من البحر المظلم ، وخلقَ المؤمنين من البحر
العذب (٤)
٥
و
انظر (٢ /١٥٥ ) .
(١)
(٢)
انظر (١ /٣٢٤) .
أراد - فيَّحه الله -: إثبات العورة .
(٣)
انظر (٣٢٥/١).
(٤)

وكان جابرٌ الجُعْفيُّ من أصحابه(١) ، وكذلك الأعورُ الهَجَرِيُّ القنَّاتُ
الذي ادعى وصية جابرٍ إليه بعد موته .
ومنهم المنصوريةُ أصحابُ أبي منصور العجلي ، الذي زعمَ : أنه
عُرِجَ به إلى السماء ، وأن معبوده مسح رأسَهُ بيده وقال: يا بنيَّ؛ بلِّغْ عني (٢).
وهؤلاء يكفرون بالجنة والنار والقيامة ، ويستحلّون المحرَّماتِ من
المحارم وسائرَ المحارم ، ويسقطون الفرائض من العبادات(٣)
ومنهم : طائفةٌ من الخطابية : زعموا : أن الحسن والحسين وولدَهما
أبناءُ الله وأحباؤه ، وأن الأئمةَ آلهةٌ ، وزعموا : أن جعفر بن محمد كان
إلهاً(٤)، غيرَ أن أبا الخطّاب أعظمُ منه وأعظمُ من عليّ(٥)، وأنه إليه(٦)
ومنهم : الغُرابيةُ : زعموا : أن عليّاً هو الإلله ، وكذَّبوا النبيَّ محمداً
صلى الله عليه وسلم وشتموهُ، وقالوا : إن علياً أرسلَهُ ليبيِّنَ، فادَّعى الأمرَ
لنفسه .
0000
ومنهم : الهشاميةُ أصحابُ هشام بن الحكم الرافضي : الذي حُكِيّ عنه
أنه قال : إن معبوده سبعةُ أشبار بشبرِ نفسه ، وإنه في مكان ، وله قَدْرٌ من
الأقدار ؛ كالسبيكة الصافية وكاللؤلؤة المستديرة ، وإنه ذو لون وطعم
(١) انظر (٣٢٧/١).
(٢) انظر (١/ ٣٢٧).
(٣)
انظر (١/ ٣٢٨).
(٤) أراد : جعفراً الصادق رحمه الله تعالى .
(٥) يعني : أبا الخطاب الأسدي زعيمهم .
(٦) انظر (( التبصير في الدين)) (ص١٢٦) وما تقدم (٣٢٨/١) .
00000 187 00000
ـحد

THEYODAY
ورائحة، ولونَهُ هو طعمُهُ ورائحتُهُ ، وذلك كذبٌ ، ولم يثبت هؤلاء له لوناً
وطعماً ورائحة غيرَ ذاته، وزعموا : أن مكانه العرشُ(١)
وحكى عنه أبو الهذيل : أنه زعمَ : أن الجبل أكبرُ منه .
وحكى ابنُ الراونديِّ عن هشام : أنه زعمَ : أن بين معبوده وبين الأجسام
مشابهةً ، لولاها ما دلَّتْ عليه(٢)
وحكى الجاحظُ عنه : أنه زعمَ : أن معبوده يعلمُ ما تحت الثرى باتصال
شعاع ينفصلُ منه فيتصلُ بما رآه ، ولولا ملامسةُ شعاعه [لِما] يراه لَما
أدركَهُ(٣)
والخلافُ الخامس : مع قوم أنكروا إطلاقَ لفظة ( الصورة) على الإلاه
سبحانه، وللكنهم زعموا : أنه يخُلُّ [في] الصور (٤) ، وهؤلاء فرقٌ:
00
أوَّلُها : النصارى في دعواها أن اللاهوتَ حلَّ في الناسوت فاتَّحدا(٥)
والفرقةُ الثانية منهم : أصحابُ التناسخ من غلاة الروافض ؛ فمنهم
أصحابُ عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ، زعموا : أن روحَ الإلله
تناسخَتْ في آدمَ ، ثم في الأنبياء والأئمة بعدَهم ؛ حتى صارت في
عبد الله بن معاوية هذا .
انظر (٣٢٢/١)، (٢ /٤٨٧).
(١)
(٢)
انظر (١/ ٣٢٢-٣٢٣).
(٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٣)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ :
( بما)، و( لامس ) يتعدى بنفسه ، وأثبتت اللام في مفعوله للتقوية .
(٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( من ) .
(٥) انظر (٢٨٧/٣ - ٢٨٨).
00000 ١٤٧ 00000

وهؤلاء يكفرون بالقيامة والجنة والنار ، ويستحلُّون الخمرَ والميتة
وذواتِ المحارم ، ويتأوَّلون في ذلك قولَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيَمَا طَعِمُواْ﴾ [المائدة: ٩٣] (١).
ومنهم : المعمريَّةُ ، صنفٌ من الخطابيَّة ، نُسبوا إلى رجل اسمُهُ معمر ،
قامَ بدعوتهم بعد أبي الخطاب ، وادَّعى الإلهيةَ بتناسخ الإلله فيه ، وزعموا :
أن الناسَ لا يموتون، [واستحلُّوا] المحارمَ، [وأسقطوا] الفرائضَ أيضاً (٢)
ومنهم : البزيغية ، صنفٌ آخرُ من الخطابية ، أصحابُ بزيغ ، زعموا :
أن جعفراً هو الإله ، ولم يكن هو الذي رأوه ، وإنما تشبّهَ للناس بتلك
الصورة ، وزعموا أيضاً : أنه لا يموتُ منهم أحد ، وأن أحدَهم إذا بلغ
النهايةَ رُفِعَ [إلى] الملكوت(٣)، واذَّعوا أنهم يرون أمواتَهم بكرةً وعشية (٤)
وأما الحلوليّةُ من أصحاب أبي حلمانَ الدمشقي : فإنهم زعموا : أن
الإلهَ يَخُلُّ في الصور المستحسنة ، وهؤلاء إذا رأوا صورةٌ حسنة سجدوا
لها ؛ يتوهَّمون أنه فيها(٥)
والمقنعيَّةُ: ممَّا وراء النهر (٦) ، يزعمون: أن روح الإلله كان في
انظر (٣٢٥/١)، وهم المعروفون بالجناحية .
(١)
(٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١١) وما تقدم (٣٢٨/١)، وما بين المعقوفين في
جميع النسخ : ( واستحلَّ ، وأسقط ) .
(٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( في) بدل (إلى)، والمثبت من (( مقالات
الإسلاميين )) .
(٤) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ١٢).
(٦) في ((التبصير في الدين)) ( ص ١٣٠): ( هم مبيضة ما وراء النهر ) .
(٥)
انظر (١ /٣٢٤) .
100000 8A00000

أبي مسلمٍ صاحب الدولة ، ثم انتقلت إلى المقنَّع ، وكانت فتنةُ المقنع في أيام
المهدي، وأهلكَهُ الله عزَّ وجلَّ في أيامه وبناحية إبلاقَ، المبيضة على دينه(١).
[ تأويلُ الأخبارِ التي ظاهرُها إثباتُ الصورةِ إليهِ سبحانَهُ ]
وقد استدلَّت المشبِّهةُ المنتمية إلى الإسلام على دعواها : ( أن الإلله
صورةٌ ) بأخبارٍ :
منها : ما رُوِيَ من قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ
على صورتِهِ)) (٢)
ومنها : ما رُوِيَ أنه قال: ((رأيتُ ربِّي في أحسنٍ صورةٍ))(٣)
Co
قالوا : في المسانيد الصحاح : ((إنَّ اللهَ يأتي المؤمنينَ في القيامةِ في
صورتِهِ التي يعرفونَها ، فيقولُ: أنا ريُّكم، فيقولونَ: أنتَ ربّنا))(٤)
فيقال لهم : إن الهاء في قوله : ((إنَّ اللهَ خلقَ آدَمَ على صورتِهِ )) كنايةٌ
عن آدمَ عليه السلام(٥)
٥
(١) انظر (( التبصير في الدين)) (ص١٣٠ - ١٣١)، وفي (أ): (بالمبيضة ) بدل
( المبيضة)، وإبلاق: اسم جبلٍ كما في (( التبصير)).
(٢) رواه البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٦١٢) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله
عنه ، وانظر (١ / ٣٤٣) .
(٣) رواه الترمذي (٣٢٣٤) من حديث سيدنا ابن عباس ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم،
وفيه: ((أتاني ربي))، و(( رأيت ربي))، وسيشرح المصنف - كما سترى قريباً - كلا
اللفظین
(٤) رواه مسلم (١٨٢) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه.
(٥) أراد بالكناية: الإضمار في قوله: (صورته)، وانظر (٣٤٣/١).

٧
وفائدتُهُ : أن الله عزَّ وجلَّ لمَّا أخرج آدمَ من الجنة بخطيئته أخرجَ معه
الحيةَ والطاوسَ والشيطانَ الرجيم ، وقبَّحَ صورة الشيطان حتى ضُرِبَ بقبحه
المَثَلُ ، وشؤَّهَ صورةً الحية ؛ بانتزاع قوائمها ، وردٌ مشيها إلى بطنها ،
وتشقيقٍ لسانها وتسويدِهِ ، وإثبات عينيها على وجهٍ لا تدورُ ، وتعقيفٍ نابها ؛
حتى لا تقدرُ على تخليص نابها ممَّا تَعَضُّ عليه إلا بانقلابها ، وبعدم فرجها ؛
حتى لا يخرجُ منها شيءٌ إلا من فيها، كالتمساح الذي مخرجُهُ فمُهُ، ولهذا
صار تسافدُ الحيَّاتِ من الفم (١)، وشوَّهَ الله أيضاً رِجْلَ الطاوس، وشؤَّةَ الأنثى
من الطواويس مع حُسْنِ الذكر منها ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ اللهَ
خلقَ آدَمَ على صورتِهِ )) ليُعلمَ أنه خلقَهُ حين خلقَهُ على الصورة التي كان عليها
في الدنيا ، وأنه لم يشوِّهْ خلقَهُ كما شوَّهَ خلْقَ الشيطان والحيَّة ، ولم يقبِّحْ
زوجتَهُ كما قبَّحَ أنثى الطواويس ، فلم يكن عقابُ آدَمَ وذريَّتِهِ وزوجته بتشويه
الصورة ، إلا [للذين] مسخّهم الله قردةٌ وخنازيرَ(٢)
وفيه فائدةٌ أخرى : وهي إبطالُ قول الدهرية وأهل الطبائع : أن لا إنسانَ إلا
من نطفة ، ولا نطفةَ إلا من إنسان ، وكذلك الحيواناتُ المتناسلة والمتولِّدةُ من
البيض ، وما وُجِدَ شيءٌ منها إلا على الرسم المعتاد ؛ من خلقها بالتدريج ،
ونقلها من صورة إلى صورة ، مع استحالةٍ وجود صورةٍ شيء منها على الكمال في
حالة واحدة ، فأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن الله عزَّ وجلَّ خلق آدمَ على
صورته ابتداءً من غير نقلٍ له في الأرحام ولا في الأصلاب كما نُقِلَ نسلُهُ من
(١) تقدم أن هذا مبنيٌ على ما خبره الإمام المصنف. انظر (٧٤٥/١).
(٢) انظر ((مشكل الحديث وبيانه)) (ص٥٠-٥٢)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ :
( الذين ) .
00000
١٥٠

الأصلاب إلى الأرحام ، ومن غير نَقْلِ صورته من هيئة النطفة إلى العلقة
والمضغة ، ومن مقدارهٍ جنيناً إلى صورته شاباً وكهلاً ، بل خلقَهُ ابتداءً على مقدار
كمال صورتِهِ من الطين ، ونفخ فيه الروحَ ، فجعله بشراً سويّاً ، على خلاف
العادة في خلق نسْلِهِ من صلبه وأصلاب أولاده وأرحامهم على التدريج (١).
ويحتملُ أن يكونَ المراد بقوله : خلقَهُ على صورته ؛ أي على صفته التي
قضاها من أكلِهِ من الشجرة التي نُهِيَ عنها ؛ إبطالاً لقول القدرية : ( إن الله
لم يقضٍ عليه ذلك ) .
وتصديقُ هذا التأويلِ : في قول ابن عباس رضي الله عنهما : ( إن الله
تعالى أخرج آدم من الجنة قبل أن دخلها(٢)؛ لقوله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّ
جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠])(٣) ، ولو لم يقض عليه ما يُوجِبُ
خروجَهُ منها إلى الأرض لصار خبرُهُ عن كونه خليفة في الأرض كذباً ؛ لأنه
أخبرَ أنه لا يخرجُ من الجنة إلا بموافقةِ الشيطان في أمرِهٍ ، ولذلك قال له في
الشيطان: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْحِكَ فَلَا يُخْرِحَتَُّهَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىَ﴾ [طه: ١١٧].
00
وعلى جميع هذه الوجوهِ سقطَ استدلال المشبِّهة بإضافة ( الصورةِ )
إلى الله عزَّ وجلَّ .
وأما قولهم: (( رأيتُ ربِّي في أحسن صورةٍ)) [فمعناه: في أحسنٍ
صورة] لي ، وأحسنٍ لباس لي (٤)
(١) انظر (( مشكل الحدیث وبيانه )» ( ص ٥٢ ) .
(٢) كذا في جميع النسخ، وفي ((الدر المنثور)) (١١٠/١): (يخلقه) بدل ( دخلها).
(٣) انظر ((الدر المنثور)) (١١٠/١).
(٤) انظر (١/ ٧٤٣).
00000 10 1700000

O
000
ويحتملُ : أن يكون المرادُ بـ ( الصورة ) معنى الصفة ، كأنه قال : ( في
أحسن صفة ) ؛ كقولهم : ما صورةُ هذا الأمر ؟ أي : ما صفتُهُ ؟ ويكون
المراد بالخبر : ما لقيَ في تلك الحال من رحمة ربِّهِ عزَّ وجلَّ ، وإنعامه عليه ،
وتقريبٍ منزله من العرش ومن السدرة المنتهى ، ونحو ذلك .
وأما قوله : ((أتاني ربِّي في أحسن صورةٍ ))(١) فمعناه إن صحّ الخبر : أنه
أتاني بأحسن صورة ، وتكون ( في ) بمعنى الباء ؛ كقوله: ﴿ هَلْ يَظُرُونَ
إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِىِ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] ؛ أي: بظللٍ من الغمام ،
وتكون فائدته : أن الله عزَّ وجلَّ أتاه بأحسن الملائكة أو الأنبياء عليهم السلام
صورةً ، فأراه إيَّاهُ .
والمراد بـ ( الصورة) في الخبر الرابع: [معنى] الصفة (٢)، ومعناها:
أن الله عزَّ وجلَّ يتجلَّى في القيامة للمؤمنين في صفته التي يختصُّ بها ، فيراه
عليها المؤمنون ، وصفتُهُ : أنه قديمٌ ، ليس له حدٍّ ولا نهاية ، ولا يشبهُ
شيئاً ، فيرونه كذلك كما عرفوهُ بهذه الصفة .
فأما الأخبارُ والآيات التي فيها ذكرُ بعض الأعضاءِ والجوارح : فقد
تأوَّلناها في كتابنا الموضوع لتأويل الآياتِ والأخبار المتشابهة (٣)، والله
سبحانه وتعالى أعلمُ .
(١) هو جزء من حديث الترمذي (٣٢٣٤) المتقدم قريباً (١٤٩/٣).
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( بمعنى).
(٣) يعني: كتابه ((تأويل المتشابهات في الأخبار والآيات)).
40000000

DOO
ـرة
ذكر معنى (المعز) و(المال) في أسمان عزوجل
قد وردت السنة الصحيحةُ بهلذين الاسمين لله عزَّ وجلَّ (١)، وشاهدُهما
من القرآن: قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنْزِعُ
الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءُ وَتُعِزُ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُ مَن تَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٢٦].
والمعزُّ والمذلُّ من أسمائه مقرونانِ ، ولا يحسنُ أن يقال : ( سبحانَ
المذلِّ) حتى يُضَمَّ إليه ( المعزُّ)، كما لا يقال : ( سبحانَ المميتِ ) حتى
يُضَمَّ إليه ( المحيي ) .
وإذا قيل : إن الله سبحانه هو المعزُّ المذلُّ [ففائدته](٢): التنبيهُ على أنه
لا يُعَزُّ إلا من أعزَّهُ ، ولا يُذَلُّ إلا من أذلَّهُ.
وفائدةُ هذين الاسمينِ : أن الله عزَّ وجلَّ يعزّ من يشاء بالنبوة
والرسالة(٣)، ويذلُّ من يشاءُ بالجحود برسالةِ الرسول، ويعزُّ من يشاءُ
بالإيمان والتوفيق ، ويذلُّ من يشاءُ بالكفر والخذلان ، ويعزُّ من يشاءُ
بولايته ، ويذلُّ من يشاءُ بعداوته ، ويعزُّ من يشاءُ بمعرفته ، ويذلُّ من يشاءُ
(١) انظر خبر الأسماء المتقدم (١/ ٤٤٧).
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( وفائدته ) .
40
(٣) وحياً واتباعاً؛ قال عزَّ من قائل: ﴿وَلِلَّهِ آلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُتَفِقِينَ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].
COO١٥٣ ٥٠ OCOCO
10
O

00
بالجهل به ، ويعزُّ من يشاءُ بالنعيم ، ويذلُّ من يشاءُ بالعذاب الأليم ، ويعزّ
من يشاءُ عن ذلَّةٍ كان عليها ، ويذلُّ من يشاءُ عن عزَّةٍ كان فيها
وتحقيقُ هذين الاسمين : اشتقاقُهما من أفعاله ، وليسا من أسمائِهِ
الأزلية .
والمعزُّ في غير صفات الله : الذي وقعَ في الأرض العَزاز الصلبة ؛ يقال
منه : أعززنا ؛ أي : وقعنا في أرض عَزازٍ(١)
والمذلُّ في غير صفات الله عزَّ وجلَّ : الذي معه دابَّةٌ ذلول ، والذي
أصحابُهُ أذلاءٌ(٢)
وقد ذكرنا معنى ( العزيز ) قبلَ هذا بما فيه كفاية وبلاغٌ (٣)، والله تعالى
أعلم .
000
500
(١) انظر (( الصحاح)) (ع زز)، و((النهاية في غريب الحديث)) (٢٢٩/٣).
(٢) انظر ((الصحاح)) ( ذل ل ) .
(٣) انظر (٤١٢/٢)، و((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٥٣).
00000 ,١٥٤ 00000

DAY
ذكر معنى (المتكبر) من أسماء الله عز وجل
قال أبو إسحاقَ الزجاجُ: ( معنى (( المتكبِّرِ)) في صفاتِ الله عزَّ وجلَّ:
الذي تكبِّرَ عن ظلم عبادِهِ )(١)
قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبِّرُونَ فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ
اُلْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦]؛ أي: أجعلُ جزاءَهم الإضلالَ عن هدايتي إيَّاهم.
قال: ( ومعنى ((يتكبرون))؛ أي: أنهم يرونَ أنهم أفضلُ الخلق ، وأن
لهم من الحقِّ ما ليس لغيرهم، وهذه الصفةُ ليست للمخلوقين)(٢).
00
وروى أبو الفضل المنذريُّ عن أحمد بن يحيى النحوي أنه قال في قوله
عزَّ وجل : ﴿يَتَكَّبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: ( إنه من الكِبَرِ مفتوحةَ الباء ،
لا من الكِبْرِ بسكون الباء )، قال المنذريُّ : ( أراد بالكِبَرِ : مصدر قولهم:
كبيرُ القوم ؛ أي: عظيمهم وأكبرهم قدراً )(٣)
(١) انظر ((معاني القرآن)) له (١٥١/٥)، قال الإمام الخطابي في ((شأن الدعاء))
(ص٤٨): ( والتاء في ((المتكبر)) تاءُ التفرُّد والتخصُّص بالكبر، لا تاءُ التعاطي
والتكلُّف ) .
(٢) انظر ((معاني القرآن)) له (٣٧٦/٢)، وقال: (وهذه الصفة لا تكون إلا لله جلَّ ثناؤه
خاصة ؛ لأن الله تبارك وتعالى هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس مثله ) .
(٣) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٢٠/١٠).
DO000, 0 0 700000
KAD

0000
2
٥
وكبَّرت الرجلَ وأكبرتُهُ؛ إذا عظَّمتُهُ ، ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ في قصة يوسفَ
عليه السلام: ﴿فَمَا رَأَيْنَهُ، أَكْبُرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١]؛ أي: عظَّمنَهُ(١)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِىِ كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا ﴾
[الأنعام: ١٢٣]؛ أي: جعلنا مجرميها أكابرَهم؛ رؤساءَهم وعظماءَهم ؛ لأن
الرئاسةَ أدعى لهم إلى الكفر (٢)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ في الحكاية عن فرعونَ قولَهُ للسحرةِ: ﴿ إِنَّهُ لَكِيْرُ كُمُ الَّذِى
عَلَّمَّكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١] ؛ أي: عظيمُكم ورئيسُكم في السحر .
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا اُلْكِبْرِيَاءُ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [يونس: ٧٨] ؛ أي :
العظمةُ والمُلْكُ (٣)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَّذِى تَوَلَّكْ كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ [النور: ١١]؛ أي: معظمَ
الإفك (٤)
قال الليثُ ابن المظفر: ( الكِبْرُ من الكبيرة بمنزلة الخِطءِ من الخطيئة )(٥).
وقولُهُ تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥]؛ أي: لإحدى العظائم؛
وهي النار(٦) ، نعوذُ بالله منها.
(١) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٢٠/١٠).
(٢) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٢٨٨/٢)، وفي (ج): (رؤساءَها وعظماءَها) بدل
(رؤساءهم وعظماءهم) .
(٣) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٢٩/٣).
(٤) انظر ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (٦٤/٢).
(٥) انظر ((العين)) (٣٦١/٥)، و ((تهذيب اللغة)) (١٢١/١٠).
(٦) انظر ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص ٤٩٧).
00000 10 1 00000

وفي حديث عبدِ الله بن الزبير في هَدْمِهِ الكعبةَ : أنه لمَّا أبرز عن رُبْضِهِ
دعا بكُبْرِهِ ، فنظروا إليه ) ؛ أي : بعظمائه ومشايخه من أهل الحرم ، وهو
جمع ( أكبر ) (١)
فالمتكبِّرُ على هذا الوجه يعني : المتعظّمَ عن التشبيه والتعطيل ،
وليسَتْ هذه الصفة إلا لله عزَّ وجلَّ ؛ لأنه ليس كمثله شيء .
وزعمَ البصريون من المعتزلة كالجبائيِّ وابنِهِ أبي هاشم : أن كلَّ قدرة
محدثة ليس لها مثلٌ في القدرة ولا في الإمكان ؛ لأنه لا يكون مثلَها إلا ما قد
تعلَّقَ بمقدورها ، ويستحيلُ عندهم وجودُ قدرتينِ تتعلقان بمقدورٍ واحد ،
فكلُّ قدرة محدثةٍ عندهم ليس كمثلها شيءٌ وهي موجودةٌ ، فنزَّهوها عن
التشبيه والتعطيل كما نزَّهَ الموحدون إلهَهم عن التشبيه والتعطيل ، فهذا
توحيدُ المدَّعين للعدل والتوحيدٍ من المعتزلة ، وكفاهم به خزياً (٢)
00
وقد يكون ( الكبيرُ) في اللغة [بمعنى] المعلم (٣)، وقيل: إن هذا
معنى قول فرعون للسحرة: ﴿إِنَّهُ لَكِيْرُكُمْ﴾؛ أي: معلِّمُكم، وقد فسَّرَهُ
بقوله: ﴿الَّذِى عَلَّمَكُمُ اَلْسِّحْرَ﴾ [طه: ٧١] (٤).
(١) انظر ((غريب الحديث)) لابن قتيبة (٤٤٨/٢)، و((الغريبين)) (١٦١٠/٥)، ورُبْض
الشيء : وسطه ، والمراد هنا : وسط المسجد وصريحه .
(٢) انظر (( المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) (ص٣٤)، نعم ؛ قال أهل
السنة بوحدة أفعاله تعالى؛ فليس كفعله فعلٌ، وليس فعلٌ من أفعاله مُشْبهاً لآخر ، مع
صلاحية القدرة الأزلية للتعلق بمثله .
(٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( معنى) .
(٤) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٢٠/١٠).

والغلامُ من أهل الحرمين يقول : جئتُ من عند كبيري ؛ أي :
معلِّمي(١) .
ولا يقال من ( الكبير ) على هذا المعنى : متكبِّرٌ .
وقال بعض أهل الإشارة في معنى وصف الله تعالى بأنه [متكبِّرٌ] : تكبِّرَ
وتجبَّرَ على الأكابر ، وتعطّفَ على الأصاغر ، وقيل : تكبَّرَ على العتاة ،
وتكبِّرَ على الأدناس والآفات .
وقيل : تكبِّرَ عن أن يكبّرَ بتكبيرِ غيره(٢)؛ كما روي عن الشبليِّ أنه قال:
( جلَّ عن أن يُجَلَّ ) .
وقال المتكلمون من أصحابنا : إن ( المتكبِّرَ ) من أوصافه الأزلية ،
استحقَّهُ لذاته ؛ لرجوعه إلى نفي التشبيه والتعطيل ؛ إذ هو لم يزلْ موجوداً
بلا تشبيه ولا تعطيل ، والله تعالى أعلم (٣)
(١) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٢٠/١٠).
(٢) يعني: جلَّ عن أن يقفَ تعظيمه وجلاله على تعظيم غيره تعالى له .
(٣) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٤٧، ٥٢).
حديـ

000
ذكر معنى المقدم) و(المؤخر)
في أسمائ عزوجل
والقِرانُ بين هذين أحسنُ من إفراد كلٌّ واحد منهما بالذكر في الدعاء
والخبر ، وألا يقال : ( سبحانَ المؤخِّرِ ) حتى يضافَ إليه ( المقدِّمُ ) .
وهما من أسمائه المشتقة من أفعاله ، وليسا من أسمائِهِ الأزلية ، [ولهما]
معانٍ كثيرةٌ (١) :
منها : أنه لا مقدِّمَ لما أَخَّرَ ولا مؤخِّرَ لما قدَّمَ من أفعاله وقضائه ، وإليه
التقديمُ والتأخير في الخلق والاختراع (٢)
ومنها : أنه يقدِّمُ من يشاءُ في العزِّ والرتبة، ويؤخِّرُ من يشاء عنهما ،
ويجعلُ بعضَ العباد فوقَ بعض فيما يشاءُ .
ومنها : أنه قدَّمَ ما شاء من الوحي بالإنزال ، وأخَّرَ ما شاءَ منه .
وفي هذه الجملة وجوهُ خلافٍ بيننا وبين طوائفَ من أهل البدع والضلال .
[منها] (٣) : الخلافُ بيننا وبين [أبي] علي الأسواريِّ وأتباعه من
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : (ولها) .
(٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٥٥)، و((تفسير أسماء الله الحسنى)) للزجاج
( ص٥٩ ) .
(٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( ومنها) .
00000 10 9 70000