النص المفهرس
صفحات 121-140
VALY وقال أهل اللغة : إن الذي قاله المبردُ من أن الأصل في ( مهيمن ) : ( مؤيمن ) .. له مخرجٌ من الغريب؛ وذلك أن قولهم : ( آمَن يُؤْمِنُ ) كان في الأصل : أَأْمَنَ يُؤَأْمِنُ(١) ، وكذلك ( يُفْعِلُ) كلُّهُ في الأصل : ( يُؤَفْعِلُ ) ، وقد جاء ذلك في بعض الأشعار على الأصل ؛ كقولهم في صفة الأثافي(٢): [من مشطور الرجز] وصالياتٍ ككما يُؤَثْفَيْنْ أراد : ( يُْفَيْنَ ) ، فردَّهُ إلى الأصل فقال: ( يُؤَثْفَيْنَ ) وكذلك قولُ الآخر (٣): [من الطويل] كراتُ غلامٍ مِنْ كساءٍ مُؤَرْنَبٍ جعله من ( أَرْنِبَ) فهو ( مُرْنَبٌ) ، فردَّهُ إلى الأصل فقال : ( مُؤَرْنَبٌ ) ، وكذلك الأصلُ في ( مهيمن) : ( مُؤَيْمِنٌ)، وإنما تركت العربُّ هذه الهمزة في أكثر كلامها ، وأبدلت الهاءَ في بعضٍ ؛ لأنها مستثقلةٌ ، والهاءَ أخفُّ منها 00 ومهيمنٌ : وزنه ( مُفَيْعِلٌ)، وفيه على أمثاله سبعةُ أسماءٍ(٤): (١) جاء رسم كلمة ( أأَمَن يُؤَأْمِن) في جميع النسخ: ( أمن يومن)، والصواب إملاءً رسمها كالمثبت . (٢) هو لحطام المجاشعي كما في ((تهذيب اللغة)) ( ١٠٩/١٥). (٣) عجز بيت لليلى الأخيلية في صفة قطاة تدلَّتْ على رؤوس فراخها. انظر («المعاني الكبير)) (٣٢٧/١). (٤) انظر ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (٢٥٦/٢)، وقد ذكر أن المهيمن والمبيقر والمبيطر والمسيطر صفاتٌ . 00000 ٢٠ 00000 أحدُها : ( المهيمنُ ) كما ذكرناه . والثاني: ( المُسَيْطِرُ)، وهو المسلَّطُ، قال الله عزَّ وجلّ: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢](١). والثالثُ : ( المُبَيْطِرُ)، وهو البَيْطارُ، قال النابغةُ (٢): [من البسيط] شَكَّ الفريصةَ بالمِدْرى فأنفذَها شَكَّ المُبَيْطِرِ إذْ يشفي مِنَ العَضَدِ والعَضَدُ : داءٌ يدخل في العَضُد(٣) والرابعُ : (المُبَيْقِرُ ) ، من قولهم : قد بَيْقَرَ الرجل يُبَيْقِرُ بيقرةٌ ؛ إذا أفسد (٤)، ويقال أيضاً: قد بَيْقَرَ الرجل يُبَيْقِرُ؛ إذا أسرعَ في مشيه(٥)، ويقال أيضاً : قد بيقر الرجل ؛ إذا دخلَ الحضرَ(٦) ، قال الشاعر وهو امرؤٌ القيس (٧): [من الطويل] ألا هل أتاها والحوادثُ جمَّةٌ بأنَّ امرأَ القيسِ ابنَ تَمْلِكَ بيقرا والخامسُ: (المُدَنِرُ )، من الإدبار والتخلُّف (٨) (١) انظر ((معاني القرآن)) للفراء (٢٥٨/٣)، وانظر (١ /٧٥٨). (٢) يعني: الذبياني، وهو بيت من معلقته. انظر ((ديوانه)) (ص١٩)، وهو في صفة ثورٍ يطعن كلباً ، والمدرى : القَرْن ، والفريصة : تحت الكتف ، وهي مَقْتل . (٣) في هامش ( أ) : ( بلغ ) . انظر ((الزاهر في معاني كلمات الناس)) (١/ ٨٧). (٤) (٥) انظر ((الزاهر في معاني كلمات الناس)) (٨٧/١). انظر ((الزاهر في معاني كلمات الناس)) (٨٧/١). (٦) (٧) كذا أيضاً عزاه له البغدادي في ((خزانة الأدب)) (٥٢٥/٩). (٨) انظر ((الزاهر في معاني كلمات الناس)) (٨٧/١). AM10 00000 AO والسادسُ: ( المُجَيْمِرُ)، وهو اسمُ جبل(١)، وقيل: إنه جبلٌ من إقليم حرَّانٍ ، قال فيه امرؤ القيس(٢): [من الطويل] كأنَّ ذُرًا رأسِ المُجَيْمِرِ غُدْوةً مِنَ السيلِ والغُثَّاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ والسابعُ : ( مُحَيْصِنٌ) ، كأنه من الحَصَانة . [ الكلامُ على معنى ( المهيمنِ ) في اللغةِ ] وأما الكلامُ في معنى ( المهيمنِ ) في اللغة ففيه ستَّةُ أقوال قال ابنُ عباس رضي الله عنهما : هو المؤيمنُ ؛ من الأمانة(٣) قال الحسنُ البصري : هو المصدِّقُ (٤) وقال الكسائيُّ : هو الشهيدُ(٥) وقال أبو عبيد القاسمُ بن سلام : هو الرقيبُ ؛ يقال : هيمن الرجلُ يهيمنُ هيمنةً ؛ إذا كان رقيباً على الشيء(٦) وقال أبو معشر : هو الأمينُ(٧) انظر ((الزاهر في معاني كلمات الناس)) (١ / ٨٧). (١) بيت من معلقته. انظر ((ديوانه)) (ص٢٥ ) . (٢) (٣) كذا في جميع النسخ، ورواه الطبري في ((تفسيره)) (٣٧٨/١٠)، وفيه: ( المؤتمن ) بالتاء ، وسبق توجيه المثبت (١٢٠/٣). (٤) رواه الطبري في ((تفسيره )) ( ١٠/ ٣٨٠) عن ابن زيد. (٥) كذا في ((الزاهر)) (٨٥/١)، وهو قول ابن قتيبة في ((غريب القرآن)» (ص١١)، ورواه الطبري في ((تفسيره)) (٣٧٧/١٠) عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً . (٦) انظر ((شأن الدعاء)) (ص٤٦)، ولم يعزُهُ لأحد . (٧) في ((الزاهر)) (٨٥/١): (وقال أبو معشر: ((ومهيمناً عليه)) معناه: وقبَّاناً على = DOOOD ١٢٢٥٥ .PAYOVAT وقال بعضُهم: هو القائمُ على الشيء(١). p فإذا قيل : ( إنه المؤيمنُ ) فالأمينُ من الأمانة ؛ فمعناه : أن الله عزَّ وجلَّ هو المؤيمن على ما وعد عباده من الثواب في الآخرة(٢)، وعلى ما وعدهم من الرزق في الدنيا . فإذا قيل له : ( المُصدِّق) فمعناهُ : المُؤْمِنُ ، وقد مضى معنى ( المُؤْمِنِ ) في أوصاف الله تعالى قبل هذا(٣) وإذا قيل : ( إنه الشهيد والشاهد ) فقد بيَّنَّا أيضاً معنى وصفِ الله عزَّ وجلَّ بهما قبل هذا(٤) وإذا قيل : ( إنه بمعنى الرقيب ، والحافظ للشيء ، والقائم عليه ) فهو من قولهم : فلان مهيمنٌ على فلان ؛ إذا كان يحفظُ أمورَهُ ، قاله الأصمعيُّ وأبو عبيدةً(٥) oc OK وفي الحديث : أن حذيفة بن اليمانِ قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما : إنك لتستعينُ بالرجل الذي فيه عيبٌ ! فقال : أستعملُهُ لأستعينَ بقوَّته ، ثم أكونُ بعدُ على قَفَّانِهِ ؛ أي : على تحفّظٍ أخباره(٦) الكتب ) ؛ يعني : يتحقَّظُ أموره . = (١) قاله أبو بكر الأنباري. انظر ((الزاهر)) له (٨٥/١). (٢) ومرَّ بك غير مرَّة أن المؤيمن هو المؤتمن . انظر (٥/٣). (٣) انظر (٢ / ٢٩٢). (٤) انظر ((الزاهر)) (٨٦/١). (٥) (٦) كذا في ((الزاهر)) (٨٦/١)، و((النهاية في غريب الحديث)) (٤/ ٩٢). 00000: ٢٣ ١ 00000 Y قال ابنُ الأعرابيّ: ( المهيمنُ والقفَّان: الأمين ، والقفَّانُ : لا أصل له في اللغة ، وإنما هي كلمةٌ معربة القبَّان)(١) ، قالهُ صاحبُ الكتاب(٢) [ الكلامُ عن معنى (المهيمنِ ) على مذاهب المتكلمينَ ] وأما الكلامُ في معنى ( المهيمن ) على مذاهبِ المتكلمين .. فإنهم قالوا : الإيمانُ : مأخوذ من الأمانة والائتمان ، والحفظ والقيام على العباد في أمورهم ، فهو إذاً من أسمائه المشتقَّة من أفعاله ، وليس من أسمائه الأزلية . وإن كان مأخوذاً من الإيمان ؛ وهو التصديق : فالله المُؤْمِنُ المصدّقُ لعباده إذا شهدوا في القيامة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأداء الأمانة في الرسالة ؛ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿لَِّحَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (٣). وعلى هذا التأويل : يكونُ هذا أيضاً من أوصافه الفعلية عند من لم يسمّ كلامَهُ في الأزل تصديقاً وخبرً(٤) ، ومن أوصافه [الأزليَّة] عند من سمَّى كلامَهُ في الأزل خبراً عمَّا هو كائنٌ أبداً(٥) (١) انظر ((الزاهر)) (٨٥/١ - ٨٦). (٢) هذه العبارة أثبتت من (أ) وحدها، وصاحب الكتاب هنا : هو أبو بكر الأنباري صاحب (( الزاهر)) الذي ينقل عنه . (٣) انظر (٣ / ١٢ ). (٤) كالإمام أبى العباس القلانسى. انظر (٤٠٦/١)، (٣٤٧/٢). (٥) كالإمام أبي الحسن الأشعري. انظر (٣٤٧/٢). N.Y وإن كان مأخوذاً من الشهادة : فالشهادةُ من الله عزَّ وجلَّ على وجوهٍ قد ذكرناها قبل هذا في تفسير وصفه عزَّ وجلَّ بالشاهد والشهيد (١) ، ومن وجوه معانيه : ( العلمُ ) . وعلى هذا التأويل : يكون ( المهيمن ) من أسمائه الأزلية ؛ لأنه لم يزل عالماً بالمعلومات كلِّها . قال عبدُ القاهر : وقد جاء ذكرُ ( المهيمن ) في غير صفات الله سبحانه وتعالى ؛ فمن ذلك : قولُ الله عزَّ وجلَّ في صفة النبيِّ صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، قيل: معناهُ: كان مؤتمَناً عليه ، وأميناً فيه ، وقائماً عليه وبه ، ولذلك قال فيه عمّهُ العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه(٢): Ooor 0000 [من المسرح] حتى احتوى بيتُكَ المهيمنُ مِنْ خِنْدِفَ عَلْياءَ تحتَها النُّطُقُ خاطب النبيَّ صلى الله عليه وسلم : حتى احتويت أنت أيُّها المهيمنُ على علياءِ الشرفِ من قبيلة خندفَ ؛ وهم بنو خندفَ امرأةٍ إلياس بن مضرَ بن نزارٍ بن معدٍّ بن عدنانَ (٣) (١) انظر (٢/ ٢٩٢). (٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢١٣/٤)، والحاكم في ((المستدرك)» (٣٢٦/٣) من حديث سيدنا خريم بن أوس رضي الله عنه . (٣) وهي ليلى بنت حُلوان القُضاعية، وخِنْدِف - كزِبْرِج - لقبُها. انظر ((تاج العروس)) ( خ ن دف ) . CON 00000 000000 ومن ذلك أيضاً : وصْفُ أبي بكر الصديق رضي الله عنه بذلك ، قال فيه الشاعر (١) : [من الطويل] ألا إنَّ خيرَ الناسِ بعدَ نبيِّهِ مهيمنُهُ التالي لذي العُرْفِ والتُّكْرِ ومعنى ( المهيمنِ ) في هذا البيت : القائمُ على الأمة بعدَهُ . ومنهُ : وصْفُ عليٍّ بن أبي طالب رضوانُ الله عليه بذلك ؛ لقيامه بأمور القضاءِ ، وفي الحديث : ( كان ابنُ عباس رضيَ الله عنهما أعلمَ بالقرآن ، وكان عليٍّ رضي الله عنه أعلمَ بالمهيمنات)(٢) ؛ أي: بالقضايا ، وسميت القضايا بذلك لأن القضاةَ يقومون بها ، وفي بعض الروايات: ( المُهَيِّماتِ ) ؛ أي : دقائقِ المسائل التي يهيمُ الإنسانُ فيها ؛ أي : يتحيَّرُ ؛ يقال منه: هامَ إذا تحيّرَ ، ومن ذلك قولُ بعض الشعراء في رجل طُعِنَ : [من الوافر] فخرّ كأنَّهُ جذعٌ صريعٌ كما خَزَّ المهيمنُ للقريع (١) أورده الأنباري في ((الزاهر)) (٨٥/١)، والأزهري في ((تهذيب اللغة)) (٦/ ١٧٧) دون نسبة . (٢) والقائل: هو عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما. انظر ((غريب الحديث)) للخطابي (٢٠١/٢)، ورواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٣٦٧/٢) وفيه: ( المبهمات ) بدل ( المهيمنات ) ، ولعله تصحيف . ذكر (المصور) من أسمائهعزوجل قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ اَللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]. وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]. وفي قراءة الآية الأولى اختلافٌ بين القرَّاء ؛ وذلك أن الجمهور منهم قرؤوا : ( المُصوِّر) بكسر الواو ، وقرأ بعضُ القراء : ( هو اللهُ الخالقُ البارئُ المصوَّرَ) بفتح الواو والراء من ( المصور ) ، كأنه ذهبَ في المصوّرِ إلى آدمَ عليه السلام وإلى كلِّ صورة صوَّرَها الله عزَّ وجلَّ ، وأراد : البارئُ آدَمَ عليه السلام وسائرَ الصورِ المصوّرةِ(١)، وهذه قراءةٌ مع حُسْنِها ومعناها شاذةٌ لا يُعرَّجُ عليها (٢). 000 ثم الكلامُ في معنى هذا الاسم وفوائده يقعُ في ثلاثة فصول ؛ هذه و ترجمتها : فصلٌ : في معنى المصوِّرِ والصورة في اللغة . فصلٌ : في بيان الخلافِ فيمَنْ يقعُ فيه التصوير . (١) وعليه: فـ (المصوّر) مفعول به لاسم الفاعل ( البارئ)، بمعنى: الذي برأ المصوّر . (٢) وعبارة العلامة الزجاج في ((معاني القرآن)) (١٥١/٥): (وقد رُويت قراءة لا ينبغي أن تُقرأ ) . 00000 \ ٢ V 00000 فصلٌ : في تبرئة الله عزَّ وجلَّ عن وصفه بالصورة ، وتأويل ما وردَ فيه من الأخبار . وسنذكرُ في كلِّ فصل من هذه الفصول مقتضاهُ إن شاءَ الله عزَّ وجلَّ . TONY COODD A 00000 الفصل الأول في بيان معنى (المصور) و(الصورة) في اللغة اعلمْ : أن العربَ تقول (رجلٌ مصوَّرٌ) إذا كان حسنَ الصورة معتدلَها(١) ، ورجلٌ صَيِّرٌ شَيِّرُ؛ إذا كان حسنَ الصورة ذا شارةٍ وهيئة حسنةٍ (٢) ويقال : صار فلانٌ صورةً ، وصُوِّرَ صورةً ؛ بمعنىّ واحد . ويقال : صُرْتُ الشيءَ أصورُهُ؛ إذا أملتُهُ(٣) ومنه قيل للصورات : صور ؛ لأنها قد أُميلَ بعضُ أجزائها على بعض ، ومنه قولُ لبيد(٤) : [من البسيط] 000 [مِنْ] فَقْدٍ مولىٌ تَصُورُ الحيَّ جفنتُهُ أو رُزْءٍ مالٍ ورُزْءُ المالِ يختبرُ وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] .. اختلفوا في قراءته: (١) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٦٠/١٢). (٢) انظر ((جمهرة اللغة)) (٧٣٦/٢)، و((الإتباع والمزاوجة)) (ص٤١)، و((متخير الألفاظ)» (ص٨٨) وفيه : أن الشارةً الثيابُ. (٣) انظر ((غريب الحديث)) لابن قتيبة (٥٩٣/٢)، و((مقاييس اللغة)) (٣٢٠/٣). (٤) انظر ((ديوانه)) (ص٦٣)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( إن)، والمعنى : إن الخطوب - المذكورة في البيت قبله - جاءتني من فقْدٍ كريم يميلُ أهل الحي إلى جفنته فتجمعهم ، أو من مصابٍ في المال ، ومصابُ المال يميز بين الرجال . ٨ T.NCY فقرأ أبو جعفر المدنيُّ وحمزةُ الزَّات وخلفٌ البزار: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ بكسر الصاد ، وكذلك في رواية رويسٍ عن يعقوبَ الحضرمي ، وقرأ الباقون : ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ بضم الصاد(١) فمن قرأ: ( صُرْهُنَّ) أراد: أَمِلْهُنَّ وجَمِّعْهُنَّ إليك ؛ يقال منه : صَوِرَ يَصْوَرُ ؛ بكسر الواو من الماضي ، وفتحها من المضارع ؛ يعني: مالَ(٢) ومن قرأ: ( صِرْهُنَّ) بكسر الصاد ففيه قولان : أحدُهما : أنه بمعنى ( صُرْهُنَّ) مضمومةً الصاد ؛ لأنه يقال : [صارَهُ] يصورُهُ ويصيرُهُ ؛ إذا أماله ، لغتان(٣) والقولُ الثاني : ( صِرْهُنَّ) بكسر الصاد ؛ أي : قَطَّعْهُنَّ، والأصلُ فيه على هذا القول : صَرَيْتُ أَصْرِي ؛ أي قطعتُ ، فقلبَ ، وقيل : صِرْتُ أَصِيرُ ، كما يقال : عَثَيْتُ أَعْثِي، وعِثْتُ أَعِيثُ، وأعثيتُ إعثاءً لغةٌ فيه(٤) ، [من البسيط] وقد ذكر هذا أبو عبيدة ، وأنشد فيه قول الخنساء(٥): لظلَّتِ [الشُّمُّ] منها وهي تنصارُ (١) انظر ((الدر المصون)) (٥٧٥/٢). 40 (٢) انظر ((غريب الحديث)) لابن قتيبة (ص٩٦)، و((تهذيب اللغة)) (٢٢٤/١)، وقوله : ( صَوِرَ يَصْوَرُ) هذا الفعل لازم ، وما ورد في القراءة هو من المتعدي ؛ أي : من صارَهُ يصورُهُ . انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٢٥/١)، وهو اختياره، وما بين المعقوفين في جميع (٣) النسخ : ( أصاره ) . (٤) انظر ((الغريبين)) (٤ /١١٠٢). (٥) انظر ((مجاز القرآن)» (٨٠/١)، وقال: ( الشُّمُّ: الجبال ، وتنصار : تقطع وتصدع وتفلق ) ، وما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( الشمس ) . 00000 ١٣٠ 00000 10 أي : تنشقُ وتنقطعُ . وفي حديث مجاهد: ( كرةَ أن يَصُورَ شجرةٌ [مثمرةً])(١) ، يحتمل أن يكون أراد : كره أن يقطعَها ، ويحتمل أن يكون أراد : أنه كره أن يميلَها ؛ فإن إمالتَها ربما أدَّى إلى الجفوف . وفي حديث عمرَ : أنه ذكر العلماءَ وقال : ( تنعطفُ عليهم بالعلم قلوبٌ لا تَصُورُها الأرحامُ ) ؛ أي : لا تميلُها(٢) وفي حديث عكرمةَ : ( حملةُ العرش كلُّهم صُورٌ) ؛ يريدُ : جمعَ ( أصورَ)، وهو المائلُ العنق(٣) وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُورِ﴾ [الكهف: ٩٩] فإن الصُّورَ : هو القَرْنُ الذي ينفخ فيه إسرافيلُ عليه السلام(٤)، ومن قال: ( إنه جمعُ الصورة ) فقد أخطاً(٥) (١) انظر ((غريب الحديث)) لابن قتيبة (٥٩٣/٢)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( سمرة ) ، والحديث ليس مخصوصاً بالسّمر . (٢) انظر ((غريب الحديث)) لابن قتيبة (٥٩٣/٢)، و((الغريبين)) (١١٠٢/٤). (٣) انظر (( غريب الحديث)) لابن قتيبة (٦٠٠/٢)، و((الغريبين)) (١١٠٣/٤). (٤) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٢٩٠/٤). (٥) هو إمام اللغويين أبو عبيدة معمر بن المثنى، قاله في ((مجاز القرآن)) (٤١٦/١)، يعني : نفخ في الصور أرواحَها ، فهي عنده كثُوم وثُومة ، وُوم وبُومة ، ويمكن تأييدها بقراءة قتادة: ( ونُفِخَ في الصُّوَر )، وهي قراءة شاذة أوردها ابن جني في ((المحتسَب) (٢١٢/٢) . وأبو عبيدة رحمه الله تعالى إنما قال هذا من منزع لغوي ، غير أن المعتزلة المتأوّلين للميزان والصُّور والحوض ونحوها .. اتخذوا قوله حجةً في نفي حقيقة الصُّور الذي التقمه - كما ورد - سيدنا إسرافيل عليه السلام منتظراً أمرَ الله تعالى بقيام الساعة ، = CON ١٣١ ٥٥٥٥ وأما الصَّوْرُ - بفتح الصاد وسكون الواو - : فهو جُمَّاعُ النخل ، وفي الحديث : ( أنه عليه السلام خرج إلى صَوْرِ المدينة)(١)، قال شَمِرُ بن حمدويه : جمعُ صَوْر: صِيران(٢)، وقال غيرُهُ: لا واحدَ له من لفظه(٣). فالمصوِّرُ إذاً: هو المميلُ الأشكالَ والصورَ بعضها على بعض ، وهو المقطِّعُ لها تقطيعاتٍ مخصوصةٌ والمركِّبُ لها، وليس ذلك إلا اللهَ عزَّ وجلَّ . وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ اَلْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]، فجعل التصويرَ تابعاً للبَرْء ، والبَرْءَ تابعاً للخلق(٤) 0 00000 وقال أيضاً: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]. وقد قال بعضُ العلماء : بدأ الله عزَّ وجلَّ بذكْرِ الخالق ، ثم ذكرَ البارئَّ ، ثم ذكرَ المصوِّرَ ؛ لأنه ابتدأ بخلق الشيء ؛ وهو تقديرُ إيجاده ، ثم بدأه بأن خلقَهُ فسوَّاهُ ، ثم صوَّرَهُ على ما أراد من صورة ؛ في الطولِ والقصر ، والحسنِ والجمال ، ونفخَ فيه الروح حتى صار حيواناً ؛ قال الله ولذلك أورد الإمام الأزهري في (تهذيب اللغة)) (١٦٠/١٢) عن أبي الهيثم أنه قال = عمَّا رُوِيّ عن أبي عبيدة: ( هذا خطأ فاحشٌ، وتحريف لكَلِم الله عن مواضعها ؛ لأن الله جل وعز قال: [﴿وَصُوَّرَكَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ ] [غافر: ٦٤] بفتح الواو ، ولا نعلم أحداً من القراء قرأها : (( فأحسنّ صُؤْرَكم ») ، وما بين المعقوفين في مطبوع ((التهذيب)): ( بناء وصوركم فأحسن ) . (١) أورده أبو عبيد في ((غريب الحديث)) (٤/ ٢٦٤). (٢) انظر ((الغريبين)) (١١٠٣/٤). (٣) قاله الجوهري في (( الصحاح)) ( صور). (٤) انظر (المقصد الأسنى)) (ص١٤٨)، وعبارته: (والله تعالى خالقٌ من حيث إنه مقدِّرٌ، وبارئٍّ من حيث إنه مخترعٌ موجد ، ومصوّرٌ من حيث إنه مرتّبٌ صورَ المخترعات أحسن ترتيب ) . 00000 ١٣٢ 00000 40 oor عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُهَا الْإِنِسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ * فِىّ أَِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَّكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦- ٨]، وفي كلِّ صورة صوَّرَها البارئ عزَّ وجلّ من الفوائد والحِكَم ما لا يحصيه غيرُهُ . [ انظواءُ العالمِ الأكبرِ في جِزْمِ الإنسانِ ] وليس في الصور المحسوسةِ لنا الآن ما العجائبُ والفوائد فيه أبدعُ وأغرب سوى الإنسان ؛ فإنه في تركيبِهِ كالعالم في ترتيبه ، ولذلك قيل له : إنه العالَمُ الصغير ، سليلُ العالَم الكبير(١)، لوجودِنا فيه أشباهَ جميع ما في العالم الكبير ؛ فحواسُهُ كالنجوم ، وظنُّهُ كالرجوم ، والسمعُ والبصر بمنزلة الشمس والقمر ؛ بهما يدركُ الأجسام والألوانَ والأصواتَ ؛ كما بالنجوم يهتدي الإنسانُ في الظلمات ، وعروقُهُ بمنزلة الأنهار ، وكبدُهُ وأنثياه بمنزلة البحارِ التي تنصبُ إليها الأنهار ، والكبدُ أيضاً بمنزلة العيون التي تسيلُ منها الأنهارُ ، والعظامُ في الأجساد كالجبالِ التي في الأرض كالأوتاد ، وأعضاءُ الإنسان بمنزلة الأشجارِ ، وكما أن لكلِّ شجرة ثمرةً كذلك لكلِّ عضو فعلٌ وأثر ، وشَعَرُ الإنسان بمنزلة الحشيشِ والكلأ على الأرض، والمِرَّةُ السوداء بمنزلة الأرض في يُيْسِها وبرودتها ، والمِرَّةُ الصفراء بمنزلة النارِ في يُيْسِها وحرارتها ، والدمُ بمنزلة الهواء في حرارته ورطوبته ، والبلغمُ بمنزلة الماءِ في رطوبته وبرودته ولزوجته(٢) (١) انظر ((رسائل الجاحظ)) (٣٣/٣)، وفيه: أن الإنسان الكامل هو نسخة الأكوان كما يُعبِّرُ عن ذلك السادة الصوفية، وفي (ج): (،تمثيل للعالم) بدل ( سليل العالم). (٢) انظر ((أصول الدين)) للمصنف (ص٣٤). ٠ ١٣٣ ٥٧ CYO! وقيل : إن تشبيهَ الماء من البدن : المُّ الذي في تجاويف العظام ، والعرقُ الذي يخرج من المسامِّ ؛ كما أن المياه في الأرض مختلفةٌ ؛ منها حلْوٌ، ومنها زُعاقٌ(١) ، ومنها منتنٌ .. كذلك المياه في البدن ؛ لأن ماء العين مِلْحٌ؛ لأن العين شحمةٌ ، ولولا ملوحةُ مائها لفسدت ، والريقَ في الفم عَذْبٌ ، لولا ذلك ما استعذب الإنسانُ طعاماً ولا شراباً ، والماءَ الذي في صِماخَي الأذنينِ منتنٌ ؛ لأنهما عضوانٍ مفتوحان لا إطباقَ لهما ، وربما دخلتهما دودةٌ فماتت بمرارة ذلك الماء وبِلَّتِهِ ، ولولا ذلك لوصل بعضُ الهوامٌّ إلى دماغه فأفسدَهُ(٢). ومثالُ السحاب الذي يمطرُ أحياناً ويمسكُ أحياناً من الإنسان : عيناهُ اللتان تَدْمَعانِ أحياناً وتمسكانٍ مرَّةً . 0000 والنَّفَسُ في تجاويف البدن بمنزلة الريح في الهواء . ثم إنه وإن شارك البهائمَ في اليدِ فقد فارقَها في فضيلة الأصابع ، ولولاها لنَكَسَ رأسَهُ عند الأكل والشرب كما تفعل البهائمُ ذلك . ثم إن الإنسانَ مع هذا كلِّهِ يحكي بلسانه صورةً كلِّ شيء ، ويحاكي بيديه صنيعَ كلِّ حيوان ، وفيه مع هذا كلَّهِ أخلاقَ جميع الحيوانات ؛ كشجاعةٍ الأسد، ووقاحةِ الذئب ، وسماحةِ الديك وغَيْرته ، وبُكورِ الغراب وحذره ، وحرصِ الخنزير، وجمعِ الذَّرَّةِ، واحتكارِ النمل، وجبْنِ الصِّفْرِدِ (٣)، (١) الزعاق: الماء المُرُّ الذي لا يُطاق شربه من أجوجته . (٢) في (أ) وحدها : ( الديدان ) بدل ( الهوام ) . الصفرد - كزبرج - : طائرٌ يضرب به المثل في الجبن . (٣) 00000 ١٣٤ 66000 XT.MCY CO00 A وروغانِ الثعلب ، ويزيدُ على جميع البهائم والطيورِ والحشرات والجماداتِ بالنطق والعقل ، ووجوهِ التمييز والاستدلال بالشاهد الجليِّ على الغائب الخفي(١). ثم إنه مع هذه الفضائل ، ومع كثرة احتياله في دقائقِ الصنائع ، وتسخيرٍ الطيور والبهائم ، وحسْنِ غوصه في إخراج اللؤلؤ من بحره ، وحسابٍ النجم في سيرِهِ .. [لم] يصنع نفسَهُ(٢)، بل صنعَهُ وصوَّرَهُ خالقُهُ الذي قدَّره ودبَّره ، فكان ما دونه من الصور بالافتقار إلى صانعه ومصوِّرِهِ أولى ، فتباركَ الله أحسنُ الخالقين ، وأعلمُ المصوِّرين ، وأقدرُهم وأحكمُهم صنعاً ، وأكرمُهم صنيعاً ، واللهُ أعلم . في (ج ) : ( وجودة ) بدل ( ووجوه ) . (١) (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( ولم ) . CHONK DOoc." ١٣٥ 60000 ٢٠٦ الفصل الثاني في بيان من يقع منه تصوير الحيوان وبيان وجوه الخلاف فيه د أجمعَ الموحّدون من المسلمين وأهلِ الكتاب قبلَهم : على أن إللة العالم هو الذي يصوِّرُ الجنينَ في الرحم من غير استعانةٍ عليه بغيره ، ومن غير طبيعةٍ توجبُ تلك الصورةَ للجنين، بل يصوِّرُهُ من ماء الأب وماء الأرحام(١). وفي الحديث الصحيح : ( أن ماءَ الرجل يخرجُ من صلبه ، وماءَ المرأة من ترائبِها )(٢)، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَيُنْظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن ◌َّآءِ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتََّآَيِبِ﴾ [الطارق: ٥-٧]. ثم إن الله تعالى يجمعُ بين هذين الماءينِ في الرحم متجاورينِ غيرَ مختلطين أربعينَ يوماً ، لا يغيِّرُ أحدُهما الآخر ، وذلك كجمعِهِ في البحرينِ الماءَ العذب والمِلْحَ الزُّعاق(٣)، لا يغيِّرُ أحدُهما الآخر، ولا يختلطُ بهِ ، (١) قال جلَّ شأنه وعزَّ: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]، هذا على الحقيقة ، وإضافة التصوير للمَلَكِ الوارد في بعض الأخبار فهي على سبيل الكسب . (٢) رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما. انظر ((الدر المنثور)) ( ٨ / ٤٧٥ ) . (٣) في (ب، ج): ( كجمعه في البحر بين الماءِ ... ). auto ١٣٦ CoccO كـ 000 ولذلك قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْنَفِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَعُ لَّا يَتَفِيَانِ ﴾ [الرحمن: ١٩-٢٠]، وقال في موضع آخرَ: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَابِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا [فاطر: ١٢] . مِلْعُّ أُجَاجٌ﴾ ثم إن الله سبحانه وتعالى بعد أربعين يوماً يخلطُ أحدَ الماءين بالآخر ، فيصير فيها علقة، وذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةُ فِى قَارٍ مَّكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٣]، وأراد بالقرار الرحمَ، ثم إنه سبحانه يصوِّرُ في الأربعين الثالثةٍ من الماءينِ المختلطين أعضاءَ الجنين . وإن علا ماءُ المرأة [ماءَ الرجل] نزعَ الولدُ في الشَّبَهِ إلى أخواله ، وإن علا ماءُ الرجل ماءَ المرأةِ نزعَ الولدُ في الشَّبَهِ إلى أعمامه ، وكذلك قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (١) CO وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : إن للرحم أفواهاً وأبواباً ، فإذا دخل المنيُّ الرحمَ من باب واحدٍ خلقَ اللهُ عزَّ وجلَّ منه جنيناً واحداً ، وإذا دخل المنيُّ من بابينِ خلقَ منه ولدينِ ، وإن دخل من ثلاثة أبواب خلقَ منه ثلاثةً أولاد ، فيكون عددُ الأجنة في الرحم بقَدْرِ دخول المنيِّ من أفواه الرحم . 0 وقالت الحكماءُ : مثالُ ذلك فيما خلقَ من البيض : أن بيضة الدجاجة إذا كان فيها صُفْرَةٌ واحدة خرج فَرُوجٌ واحد ، وإن كان فيها صُفْرَتانِ خلق الله عزَّ وجلَّ منها فرُّوجينٍ ، ولم نجدْ في البيض ثلاثَ صُفرات ، ولو كانت لعساها صارت ثلاثَ فرُّوجاتٍ(٢) (١) رواه مسلم (٣١٤) من حديث سيدتنا عائشة رضي الله عنها . (٢) والأصل حسب السياق أن يقال: ( فراريج)، وقالوا : ( فروجة) كما قالوا : = 00000 V, 00000 CYOVAT.Y فإذا مضى من مدَّةِ الجنين أربعةُ أشهر نفخ الله عزَّ وجلَّ فيه الروح ، وتحرَّك فيما بين ذلك إلى عشرة أيام ، وأحسَّتْ أمُّهُ حينئذٍ بحركته ، ولذلك صارت عِدَّةُ الوفاة أربعة أشهر وعشراً ، وقال الله عزَّ وجلَّ في ذلك: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وكانت الفائدةُ في ذلك أن المتوفى عنها زوجُها ربما كانَتْ حاملاً ، فتنقضي عِدَّتُها بوضع الحمل ، فإذا لم تعلم هل بها حملٌ أم لا اعتدَّتْ أربعة أشهر وعشراً ؛ لكي إن كان بها حملٌ تحرَّكَ في تمام هذه المدَّةِ ، وصار انقضاءُ عدَّتها بوضّع الحمل . فهذا قولُ الموخِّدين في تصوير الجنين ومصوِّرِهِ ، وفيه خلاف من وجوه : أحدُها : مع أهل الطبائع : وهم مختلفون في تصوير الجنين في الرحم. فمنهم : من زعم أن في الرحم قوَّةٌ تصوِّرُ الجنين ؛ إمَّا منه ، وإمَّا من دم الطَّمْثِ، وأنكروا أن يكون مصوَّرُهُ [خالقاً عالماً قادراً](١). 000 ومنهم : من زعمَ أن في الرحم قالباً يَتصوَّرُ فيه الجنينُ بطبعه ، كما يَتصوَّرُ الرصاص المُذابُ على قالب مصوِّرِهِ بالنقوش إذا صُبَّ فيه . وحكى جالينوسُ في كتابه المعروف بـ (( كتاب المنيِّ)): أن بقراطَ زعم أن مقامَ المني مقامُ الفاعل ومقامَ الطمث مقامُ المفعول في تصوير الجنين (٢) ( فروج ) لما يخرج من بيض الدجاج . (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( خالق عالم قادر ) . (٢) انظر ((الملل والنحل)) (٢ / ١٧٠). O YorX XY.MSGY OOOOOO 000 وحُكِيَ عن أرسطاطاليسَ مثلُ ذلك ، وأن الجنين إنما يَتصوَّرُ من دم الطمث ، لا من المني ، وأن المنيَّ إنما يعطي الدمَ الحركةَ، ثم يستحيل ريحاً فيخرجُ من الرحم ، ويبقى فيه الدمُ جنيناً . وزعم جالينوسُ : أن الجنينَ يَتصوَّرُ من المنيِّ بطبعه ، وأنه يَجذِبُ إليه الدمَ الذي هو الطمثُ والروحَ من العروق والشريانات ، فيكون من المنيِّ ومن الروح التي تصيرُ إليه في الشريانات .. الحسُّ. وقال في موضع آخر : إن الطبيعةَ تصوَّرُ الجنينَ من المنيِّ والدم . وقال في موضع آخر : إن المنيَّ هو المحرَّكُ نفسَهُ ، وإن الجنين يكون من منيِّ الرجل والمرأة والطمث . Oo وحكى جالينوسُ عن أبرقلسَ : أن كونَ الجنين من ماءِ الذكر والأنثى بطبعِهما ، وأن شهوة الجماع إنما تسوقُ أجزاءَ الجنين إلى الالتئام . والخلافُ الثاني : مع قوم من الدهرية : زعموا أنه يخرجُ من أعضاء الإنسان أجزاءٌ لطيفة فيها من جنس كلٌّ عضو من أعضاء بدن الإنسان ، فينصبُّ في الرحم ، ثم يغتذي منه ، ويلتئمُ فيه ، فيكونُ منها الجنينُ . ٥ والثالثُ : مع طائفة من القدرية : هم أصحاب ابن خابطٍ الذي زعم أن للأجسام وجميع العالم إلهينِ : أحدُهما : قديمٌ، والآخرُ : محدَثٌ ؛ وهو المسيح ، وأن الإلله القديم فوَّضَ إلى عيسى خلْقَ العالم ، فهو الذي يخلق ويصوِّرُ ، وهو الذي يحاسبُ الخلقَ في الآخرة ، وزعم أنه خلقَ آدمَ على صورةِ نفسِهِ ، وصوَّرَ جنينَ الإنسان على صورة نفسه(١) (١) انظر أقوالهم فيما تقدم (١٥٥/٢) . 00000 ١٣٩ 00000