النص المفهرس
صفحات 101-120
يَحِلُّ شيءٌ من ذلك(١)، إلا الموارثةَ؛ ففيها خلافٌ بين أصحابنا (٢): (١) ونقل المصنف في ((أصول الدين)) (ص ٣٤٠) الإجماعَ على أنه لا يحلُّ أكل ذبائحهم، وقال : ( وكيف نبيح من لا يستبيح ذبائحنا ؟! ) ، وهذا مبني منه على تكفيرهم . وقد نقل هذه القطعةَ الإمامُ تقي الدين السبكي في (( قضاء الأرب في أسئلة حلب)) (ص ٥٢٢ )، ثم قال: ( ولا شكَّ أن أبا منصور من القائلين بالتكفير ، ودعواه الإجماع : إما أن يكون لعدم اعتداده بالخلاف ، وهو قد نقل الخلاف ، وإما أن يحمل على قطعه بتكفير بعض الطوائف ، وهذا لا شكَّ فيه ، على أن في الفرق من لا يتردّدُ في كفره ، ومنهم من لا يتردّد في عدم كفره ، ومنهم من هو محل الخلاف ، أو يظهر فيه الخلاف ، فإذا حمل كلام أبي منصور ودعواه الإجماع على الغلاة من كلِّ فرقة .. صحَّ ، غير أنه أطلق المعتزلة ! والمختار : عدم تكفيرهم ، إلا من قال بالقدر ؛ على القول الذي يقول به معبد الجهني ، ومن قال بأن الله لا يعلم الأشياء قبل وقوعها ، وما أشبه ذلك ، ولا شك في كفر هؤلاء ، وأما بقية بدع المعتزلة ؛ كخلق القرآن .. فقد أطلق السلف - منهم الأئمة الأربعة - تكفيرهم به ، والمتأخرون من أصحابنا ومن المالكية يرون عدم التكفير بذلك ) . 00000 (٢) قال الإمام النووي في ((روضة الطالبين)) (٨/١٠): ( قال الفوراني : ومن شيوخنا من يكفِّرُ أهل الأهواء ، فعلى هذا يحرم الميراث ، قلت : هذا الوجه خطأ ، والصواب المنصوص والذي قطع به الجمهور: أنَّا لا نُكفِّرُهم)، وقال في (( المجموع)) (٢٥٤/٤): ( ولم يزل السلف والخلف يرون الصلاة وراء المعتزلة ونحوهم ، ومناكحتهم ، وموارثتهم ، وإجراء سائر الأحكام عليهم ) . والقاعدة في أهل الأهواء : أن كل من قبلت شهادته لم يحكم بكفره ، وقد أشار إلى هذه القاعدة إمام الحرمين الجويني في ((نهاية المطلب)) (١٨/١٩) كما مر قريباً؛ قال: ( وأنا أقول : لا سبيل إلى تكفير المعتزلة ومن في معناهم من أهل الأهواء ، وقد نصَّ الشافعي في مجموعاته على قبول شهادتهم ، وما نُقلَ عنه من تكفيرهم فهو محرَّفٌ) . 10 قال الإمام المصنف في (( أصول الدين)) (ص٣٤١-٣٤٢): ( وأما قبول شهادة أهل الأهواء فقد اختلفوا فيه : فردَّها مالك ، وأشار الشافعيُّ وأبو حنيفة إلى قبولها ، سوى الخطابيّة التي ترى شهادة الزور ، ثم إن الشافعيَّ وقف على كفر غلاة الروافض، فأشار في كتاب (( القياس)) إلى رجوعه عن قبول شهادة أهل الأهواء)، وسيأتي هذا النص قريباً . CLON 700000 ١٠٠ م فمنهم من قال : مالُهم لأقربائهم من المسلمينَ(١) ؛ لأن قطعَ الميراث بين المسلم والكافر إنما هو في الكافر الذي لا يُعدُّ في الملَّةِ، ولأن خلافَ القَدَريِّ والجهميِّ والنجَّاريِّ والمجسِّم لأهل السنَّة والجماعة .. أعظمُ من خلاف النصارى لليهود والمجوس . وقد أجمع الشافعيُّ وأبو حنيفةَ : على وقوع التوارث بين أهل الذمَّةِ مع اختلاف أديانهم (٢) ، وكذلك التوارثُ بين المسلم والكافر من أهل الأهواء (٣)، دون الكافر الخارج عن الملَّةِ بجحده بالله عزَّ وجلَّ، أو برسوله ، أو بكتابه . وهؤلاء يقولون في القرامطةِ والباطنيّةِ ، وفي الغلاة القائلينَ بالتناسخ وبالغلط في الوحي : حكمُهم حكمُ الخارج عن الملَّةِ وعن حكم الذمَّةِ ، فلا تَحِلُّ موارثتُهم ، ويكون ما خلَّفوهُ فيئاً للمسلمين (٤) ومنهم من قال : إن حكمَ أهل الأهواء حكمُ المرتدِّينَ ؛ لا يرثونَ ولا يُورثونَ ، ولا يرثُ بعضهم من بعض . وحُكيَ عن محمَّد بن الحنفية وجماعةٍ من التابعين أنهم قالوا : بتوريث المسلم من أهل الأهواء ، ولم يُورِّثوا أهل الأهواء من المسلمين . (١) اختصر الإمام تقي الدين السبكي في ((قضاء الأرب في أسئلة حلب)) (ص ٥٢٢) هذا السياق ؛ فزاد بعد هذه العبارة : ( وإليه ذهب إسحاق بن راهويه ، وقيل : لأهل بدعتهم ) ، وسيأتي تفصيل ذلك . في (« إتحاف السادة المتقين)) (٢٥٢/٢): (مع ) بدل ( بين ) . (٢) انظر ((الحاوي الكبير)) (٨٠/٨)، و((المهذب)) (٤٠٦/٢)، و((المبسوط) (٣) (٣٠/٣٠)، و((حاشية ابن عابدين)) (٢٩٨/٦). (٤) انظر ((مختصر المزني)) (٢٤٠/٨)، و((الحاوي الكبير)) (١٤٥/٨). EXT/16 وكذلك قالوا في المسلم والكافر : إن المسلمَ يرثُ من الكافر ، والكافرَ لا يرثُ من المسلم(١) وإلى هذا القول ذهب شيخُ أهل الحديث إسحاق بن راهويه ، ورواه هو بإسناده عن معاذ بن جبل ، وروى غيرُهُ مثلَ ذلك عن مسروقٍ وسعيد بن المسيب ، وأنهم قالوا : الإسلامُ يزيدُ ولا ينقصُ(٢) وقال قومٌ من التابعينَ : لا يرثُ من أهل الأهواء(٣) ، ولا يرثُ بعضُهم من بعضٍ ، وكلُّ أهل مذهبٍ يُكفِّرُ أهلَ مذهبٍ آخرَ . . فلا توارثَ بينهما ، وكذلك كلُّ صنفٍ من أهل الكفر يُكفِّرُ صنفاً آخرَ منهم .. فهما ملَّتان لا يتوارثان، وبه قال الزهريُّ، وربيعةُ، والنَّخَعيُّ، والحسنُ بن صالح بن حيٌّ(٤) ، وأحمد بن حنبل . وقال قومٌ : أموالُ أهل الأهواء لأهل بدعتهم ، فلا يرثُ منهم أهلُ السنَّة . وكذلك قالوا في مال المرتدِّ إذا مات : إنه لأهل الدين الذي ارتدَّ إليه دون المسلمين ، وبه قال قتادةُ وبعضُ أهل الظاهر(٥). (١) وروي هذا القول عن سيدنا معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم. انظر ((( الحاوي الكبير)) (٧٨/٨) . (٢) انظر (الحاوي الكبير)) (٧٨/٨). (٣) قوله : ( لا يرث) ؛ يعني : لا يرث المسلمُ . واسم حيٍّ: حيَّان بن شُفَيٍّ. انظر ((سير أعلام النبلاء)) ( ٣٦١/٧). (٤) وروي مثله عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وسعيد بن المسيب ، (٥) والنخعي، والشعبي، والحكم بن عتيبة، وغيرهم. انظر ((المحلى)) (٣٣٨/٨)، و ((المجموع شرح المهذب» (٢٣٧/١٩). ١٠٢ 00000 O [ اختلافُ أهلِ السنَّةِ في أطفالِ أهلِ البدعِ والأهواءِ ] واختلف أهلُ الحقِّ في الطفل إذا وُلِدَ بين أبوينِ من أهل القدرِ أو التشبيه ونحوهما من البدع ، فمات أحدٌ أبويه : فمنهم من قال : حكمُّهُ في الميراث حكمُ المسلم منهما في الميراث وفي سائر الأحكام ، وإلى هذا القول ذهب شريحٌ، والحسنُ ، والنَّخَعيُّ، وعمرُ بن عبد العزيز ، والشافعيُّ ، وأبو حنيفة (١) وقد ذكر عمرُ بن عبد العزيز هذا في رسالته إلى أهل البصرة لمّا بلغَهُ ظهورُ الاعتزال فيها . وقال مالكٌ : الاعتبارُ في هذا الباب بموت الأب دون الأمِّ ، وكذلك حكمُ الطفل بين الكافرينِ إذا أسلم أحدهما كان الاعتبارُ فيه بالأب ، وكان الطفلُ في دينه في سائر أحكامه ؛ لأن النسبَ معتبرٌ به دون الأمِّ (٢) bo 000 وقال آخرون : باعتبار حكم الطفل بإسلام الأمُّ وتوبتها عن البدعة دون الأب ، فيكونُ حكمُهُ تابعاً لحكمها ، كما يُعتبَرُ حكمُهُ بحكمها في الرقِّ والحريَّةِ(٣) فإن قيل : إذا كفّرتم من ذكر تموه من أهل البدع والضلالات ، وحرَّمتم انظر ((الحاوي الكبير)) (٤٠٦/١٧)، و((المبسوط)) (٦٣/١٠). (١) (٢) انظر ((المدونة الكبرى)) (٢ /٢٢٠). (٣) وإلى هذا القول ذهب عطاء ، وقال : (يكونون مسلمين بإسلام الأم دون الأب ؛ لأنه من الأم قطعاً، ومن الأب ظناً). انظر ((الحاوي الكبير)) (٤٠٦/١٧). CON مناكحتَهم وذبائحَهم .. فلمَ أبخْتُم مبايعتَهم في الأموال ، مع إيجابكم على الإمام قتلَهم وتطهيرَ الأرض منهم إن لم يتوبوا؟! فهلَّا حرَّمتم مبايعتَهم إذا كان فيها تقويةٌ لهم بالأقوات واللباس والآلات على كفرهم ، وإعانةٌ لهم على المسلمين ! قيل لهم : إنما نُوجِبُ قتَلَهم على الإمام ؛ لأن قتلَهم إقامةُ حدِّ عليهم ، وإقامة الحدود كلِّها إلى الإمام(١)، إلا حدَّ العبد والأَمَة؛ فإن الفقهاءَ اختلفوا فيه : فجعلَهُ أبو حنيفةَ رحمه الله إلى الإمام (٢) ، وأجاز الشافعيُّ رضي الله عنه للسيِّد إقامة الحدِّ على مملوكه(٣)، وما سوى ذلك من الحدود فهو بالاتفاق إلى الإمام أو من يَنصِبُهُ الإمامُ لذلك من عمَّاله وولاته ، وليس للرعيّة ذلك ، كما ليس لها قسمةُ الفيء والغنيمةِ بين مستحقِّيها ، وإذا كان كذلك لم يجب على الرعيّة الامتناعُ من مبايعتهم ومعاملتهم ، كما لا يجبُ عليهم قتلُهم . ولأن قتلَهم وإن كان إلى الإمام فإنما له ذلك بعد الاستتابةِ ، وليس له أن يقتلَهم في مدَّةِ الاستتابة بالجوع والعطش ، بل يَلزمُهُ أن يعطيَهم من القوت ، وما يقيهم من الحرِّ والبرد، وما يكفيهم .. إلى أن يقيمَ الحُجَّةَ عليهم، فإن تابوا وإلا قتلَهم بالسيف حينئذٍ(٤)، فإذا لم يَجُزْ للإمام قتلُهم بالجوع والعطش فلَأنْ لا يجوزَ ذلك للرعيّة أولى . (١) وعبارة المصنف في ((أصول الدين)) (ص ٣٤٠): (وإن أوجبنا قتلهم بعد امتناعهم من التوبة .. فإنما نوجب ذلك على السلطان ، وليس للرعية إقامة الحدِّ على المرتد). (٢) لتفريق الحنفية بين حق النفسية وحق المالية ؛ فإن حق المولى في العبد بالمالية دون النفسية، وهو والحُّ سواء في حكم النفسية. انظر ((المبسوط)) (٩/ ١٠٠). (٣) انظر ((الحاوي الكبير)) (١٣/ ٢٤٤). (٤) انظر (( نهاية المطلب)) (١٧ /١٦٤). COCoC ١٠٤ COCCO وعلى أن الناسَ يجوزُ لهم مبايعةُ أهل الحرب ، وإن لزمَهم قتالَهم وقتلُهم ، فكذلك القولُ في أهل الأهواء . ة وعلى أن مع أهل الأهواءِ خيلاً وبهائمَ لا ذنبَ لها ، وذراريَ ونساءً لا يجوزُ منعُها من الطعام والشراب . فإن قيل : إذا منعتُم المناكحةَ مع المعتزلة وسائرِ أهل الأهواء .. فما تقولون في التفريق بينهم وبين نسائهم ، كما يجبُ التفريقُ بين المرتدٌ وامرأته ، سواءٌ كانت(١) المرأةُ على دينه أو مسلمةً ؟!(٢) فإن قيل : هلَّا جعلتُم أهل الأهواء كالمنافقين الذين هم كفّارٌ ، وهم مع ذلك يعاملون معاملةَ المسلمين ؛ [لإظهارِهم] شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله(٣) ، وإقرارهم في الظاهر بأحكام المسلمين. قيل : لو أظهرَ المنافقُ بدعتَهُ وضلالتَهُ التي اعتقدها كما أظهرَ المعتزليُّ وأهلُ الأهواء .. لحكمنا عليهم بحكم الكفَّار، ولم نلتفت إلى حكم إقرارِهم . وأما الكلامُ في سبي نساء المعتزلةِ وذراريهم إذا كان نساؤهم على (١) في هامش (أ): ( سقط في الأصل ) ، وقد سقط معه الجواب. (٢) قال الإمام المصنف في ((أصول الدين)) (ص٣٤١): ( ولا يجوز عندنا تزويج المرأة المسلمة من واحد منهم ، فإن عُقِد العقدُ فالنكاح مفسوخ ، وإن لم تعلم المرأة ببدعة زوجها حتى وطئها .. فعليها العدة ، ولها مهر المثل بالوطء دون المهر المسمَّى، والمرأة منهم إن اعتقدت اعتقادهم حَرُمَ نكاحها ، وإن لم تعتقد اعتقادهم لم يحرم نكاحها ؛ لأنها مسلمة بحكم دار الإسلام ، وقد شاهدنا قوماً من عوامّ الكرامية لا يعرفون من الجسم إلا اسمه ، ولا يعرفون أن خواصَّهم يقولون بحدوث الحوادث في ذات البارئ تعالى، فهؤلاء يحلُّ نكاحهم وذبائحهم والصلاة عليهم) ، وانظر ((الحاوي الكبير)) (٢٩٥/٩) . (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( وإظهارهم ) . OOOOO ٥٥ ١٠٥ O 0 ضلالتِهِم .. فمبنيٌّ على اختلاف الفقهاء في سبي ذراري المرتدِّينَ ونسائهم إذا ارتدُّوا ، وقد اختلف في ذلك أصحابُ الشافعيِّ رضي الله عنه : فقال أكثرُهم : إن ذلك غيرُ جائزِ ، فعلى هذا تستتابُ المرأةُ منهنَّ ، فإن تابت وإلا قُتِلت . وقال بعضُ أصحابه : يجوزُ استرقاقُهم(١) ، وهذا قياسُ قول أبي حنيفةَ رحمه الله ؛ لأنه أجاز استرقاقَ المرتدَّاتِ وأولادٍ المرتدِّينَ(٢)، وقد عملت الصحابةُ بذلك ؛ لأن خالد بن الوليد صالَحَ أهلَ اليمامة بعد قتل مُسَيْلِمَةً الكذَّاب على كلِّ صفراءَ وبيضاءَ ، ودفع السبي من النساء والذراري ، واسترقَّ من أَخِذَ ممَّن وقعَ في السبي ، ومنهم كانت خولةُ التي أولدَها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ابنَهُ محمد بن الحنفيَّةِ(٣). oo فهذا قولُ أهل السنّة والجماعة في المعاملة بينهم وبين أهل الأهواءِ ، والله سبحانه وتعالى أعلم . 00 0 (١) قال الإمام الماوردي في ((الحاوي الكبير)) (١٦٨/١٣): (أما المرتدون إذا كانوا في دار الإسلام ولم يلحقوا بدار الحرب .. فلا خلافَ نعرفه في أنه لا يجوز سبيهم ولا استرقاقهم ؛ تغليباً لما تقدم من حرمة إسلامهم ) . ثم قال : ( فأما إذا لحق المرتدون بدار الحرب ، أو انفردوا بدارٍ صارت لهم كدار أهل الحرب .. فقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في جواز سبيهم واسترقاقهم ) ، ثم نقل اختيارَ سيدنا علي رضي الله عنه وبعض الفقهاء القولَ بجواز سبيهم واسترقاقهم ، واختيارَ سيدنا أبي بكر رضي الله عنه وأكثر الفقهاء تحريمَ ذلك . (٢) انظر ((المبسوط)) ( ١١٧/١٠ -١١٨). (٣) انظر ((المعارف)) (ص٢١٠)، و((تاريخ الطبري)) (٢٩٨/٣). 00000 1 . 7 00000 الفصل الحادي عشر في بيان حكم الدار التي غلب عليها أهل السنة والجماعة والدارالتي غلّب عليها أهل الأهواء [ اختلافُ الخوارجِ في حكمِ الدارِ ] اختلف كلُّ صنفٍ من الأمَّة في حكم الدار ، واختلفت الخوارجُ أوّلاً فيها : فقال أكثرُهم : إن الدارَ دارُ كفرٍ وشركٍ ؛ لأن الحكمَ بغير ما أنزلَ الله فيها ظاهرٌ ، والذنوبَ ظاهرةٌ ، وهي كفرٌ وشرٌ ، وإن دارَ هجرتهم عندهم دارُ إيمانٍ ، وهي التي تضمُّ دارَ عسكرهم ، والموضعَ الذي يجتمعون فيه ، وهذا قولُ الأزارقة منهم ، ولذلك أكفروا القعدَةَ عنهم من موافقيهم (١) 0000 وقالت النَّجَداتُ منهم : إن الدارَ دارُ كفرٍ ، وليست بدار شركٍ ؛ لأن الدارَ التي هم عليها غالبون(٢)، وبنوا هذا القولَ على أصلهم: أن الذنوبَ كفرانُ نعمةٍ ، وليست بشركٍ . (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٨٦ - ٨٧، ٤٦٣)، وعبارة الإمام المصنف في ((أصول الدين)) (ص ٢٧٠): ( وقالت الأزارقة : بأن الدنيا كلها دار شرك وحرب إلا موضع عسكرهم ؛ فإنها دار إيمان ) . (٢) كذا العبارة في (أ، ب)، وسقطت كلمة ( الدار) من (ج) ، ويظهر أن في السياق سقطاً . 00000 0000 ,١٠٧ وقالت الإباضيَّةُ منهم : إن الدارَ دارُ توحيدٍ ، وليست بدار إيمانٍ ؛ يعنون : بلادَ مخالفيهم ، وقالوا في معسكرهم : إنها دار إيمان ، [وقالوا] في معسكر سلطانٍ مخالفيهم(١): إنها دارُ بغي(٢) وقال صنفٌ من [البَيْهَسِيَّة](٣): إذا كفرَ السلطانُ كفرت الرعيَّةُ كلُّها ؛ من تابعَهُ منهم ومن لم يتابعْهُ ، سواءٌ علم بكفره أو لم يعلم ، وجعلت الدارَ بكفره دارَ كفرٍ وشراءٍ (٤) وقالت العجاردةُ من الخوارج : لا يَحِلُّ قتلُ أحدٍ من أهل القبلة وإن كانوا كفاراً، ولا أخذُ أموالهم(٥) ، وتَحِلُّ مناكحتُهم؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم زوَّجَ ابنتَهُ من أبي العاص قبل ظهور دعوته ، فالدارُ عند هؤلاء إنما هي دارُ إيمان . [ اختلافُ المعتزلةِ في حكم الدارِ ] واختلفت المعتزلةُ في هذا أيضاً : فقال واصلُ بن عطاء وعمرو بن عبيد وأتباعُهما من القدريَّة إنها دارٌ (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( وقال) . (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٠٤). وقال الإمام المصنف في (( الفرق بين الفرق)) (ص١٠٦): (وزعمت الإباضية كلها : أن دور مخالفيهم من أهل مكة دار توحيد، إلا معسكر السلطان ، فإنه دار بغي عندهم ). (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( البهشمية)، وأثبت من ((الفرق بين الفرق )) (ص١٠٩) ، إذ البهشمية من متأخري فرق المعتزلة . (٤) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١١٦)، و((الفرق بين الفرق)) (ص١٠٩). (٥) وحكاه الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)» (ص٩٤) عن الحمزية من العجاردة. T.PAY إسلام وإيمان(١)، وحكمُ من لم يُعرفْ مذهبُهُ فيها حكمُ المسلمين ، له ما لهم ، وعليه ما عليهم . وقال جعفرُ بن مبشر : الدارُ اليومَ دارُ فسقٍ(٢)؛ لِمَا أظهروا من المنكرِ والفسقِ والفجورِ وقذفِ المحصناتِ في الطرق ، من غير أن يُنكِرَ عليهم ذلك مُنكِرٌ ، ولا ينهاهم عنه ناهٍ ، ثمَّ من أجل معاملتِهم فيما بينهم ، وغصبٍ بعضِهم بعضاً ، كلُّ ذلك فجورٌ وفسقٌ ، قال : فحكمتُ عليها بما ظهر من أفعالهم . وزعم الملقَّبُ بالصوفيِّ منهم (٣): أن الدارَ دارُ كفرٍ ؛ لِمَا ظهر فيها من الإجبار والتشبيه ، وعنى بالإجبار : قولَ من ينسبُ إلى الله عزَّ وجلَّ إحداثَ أكساب العباد ، وبالتشبيه : إثباتَ علم الله عزَّ وجلَّ وقدرته وصفاته الأزليّة ، كما ذهب إليه أهل السنَّة . وقال الجبائيُّ وابنه : كلُّ دارٍ كان الظاهرُ فيها كلمةَ الكفر ، ولم يمكن مظهِرَ الإسلام أن يظهرَ فيها إلا بذمَّةٍ أو جِوار . . فهي دارُ كفر ، وإذا كان الظاهرُ فيها كلمةَ الإسلام ، ولم يقم الكافرُ فيها إلا بذمَّةٍ أو جِوارٍ . . فھي دارُ إسلام ، إلا أن تكونَ داراً لا يمكن لأحد أن يقيمَ فيها إلا بإظهار تشبيهٍ أو (١) وهو مذهب أكثر المعتزلة كما حكاه الإمام الأشعري عنهم في ((مقالات الإسلاميين)) ( ص ٤٦٣ ) . (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٦٤). (٣) هو أبو موسى عيسى بن الهيثم الصوفي، أخذ عنه ابن الراوندي. انظر (( سير أعلام النبلاء)) (٥٥٢/١٠)، قال الإمام الغزالي في ((إحياء علوم الدين)» (٤/ ٣٥٠): ( ولو تُصُوِّر صوفي فاسق لتصوّر صوفي كافر، وفقيه يهودي )، وحسبه بالاعتزال فسقاً . CON جبرٍ .. فتكونَ حينئذٍ دارَ كفرِ (١)، وعنوا بالجبر والتشبيه: ما يختارُهُ الصوفيُّ منهم . واختلف الجبائيُّ وابنُهُ : في أنه هل يكونُ للفسق دارٌ : فقال الجبائيُّ : كلُّ موضع ظهرَ فيه ما هو فسقٌ فهي دارُ فسق ، ويُقطَعُ على كلٍّ من كان فيها في الظاهر بأنه فاسقٌ . وقال ابنه أبو هاشم : لا تكونُ دارَ فسق ، وإنما الدارُ داران : دارٌ إيمان ، ودارُ كفر ، لا واسطةَ بينهما . وقال الكعبيُّ : إن حكمَ الدار يختلفُ : [فمتى] كان أهلُ الحقِّ في حال تقية من السلطان والرعية (٢)، يخافون من إظهار التوحيد - يعني به : الاعتزالَ والقَدَرَ -.. فالدارُ دارُ كفرٍ؛ لإظهار الجبر أو التشبيه فيها . 000000 وإن كانوا في تقية من الرعيّة دون السلطان ، وكان السلطانُ يعينُهم على الرعيَّة ، ولم تكن الرعيَّةُ غالبةً .. فالدارُ دارُ إيمان. وإن ظهر أهلُ الحقِّ فيها - يعني: أهلَ الاعتزال - بصلح على جزية يؤدونها . . فالدارُ دارُ كفرٍ . ـوحده) (١) قال الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٦٤) بعد نقله قول الجبائي : ( وبغداذ على قياس الجبائي : دارُ كفر لا يمكن المُقام بها عنده إلا بإظهار الكفر - الذي هو عنده كفر - أو الرضا ؛ كنحو القول : إن القرآن غير مخلوق ، وإن الله سبحانه لم يزل متكلماً به ، وإن الله سبحانه أراد المعاصي وخلقها ؛ لأن هذا كله عنده كفر ، وكذلك القولُ في مصرَ وغيرها على قياس قوله وفي سائر أمصار المسلمين ، وهذا هو القولُ : بأن دار الإسلام دارُ كفر ، ومعاذ الله من ذلك ) . (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( ومتى) . 00000 . 1 1.00000 وإن كان أهلُ الحقِّ في تقية من السلطان دون الرعيَّة ، وكان السلطانُ قاهراً لهم .. فالدارُ دارُ كفرٍ . [ حكمُ الدارِ عندَ أهلِ السنَّةِ ] وأما أصحابُنا : فإنهم قالوا في جميع البلدانِ المشهورةِ والقرى المذكورةِ في رقعة الإسلام : دارُ إسلام وإيمانٍ ؛ لظهور أهل السنَّة والجماعة فيها . فإن كانت بقعةٌ قد غلب عليها الاعتزالُ؛ كعَسْكر مُكْرَمٍ(١) ، أو غلبَ عليها مذهبُ الخوارج ؛ كجبال عُمانَ ورساتيقٍ سجستانَ(٢) ، أو غلبَ عليها مذاهبُ القرامطة ؛ مثل : هَجَرٍ والقاهرةِ على باب مصرَ : فإن كان أهلُ الحقُّ فيما بينهم مستضعفينَ ؛ لا يمكنُهم إظهارُ الحقِّ فيه ، أو لم يمكنهم المُقامُ فيه إلا بإظهار مذاهب أهلها ، أو بأن يكونوا بذمَّةٍ أو جِوارٍ .. فتلك الدارُ دارُ كفرٍ ، يجب قتالُ أهلِها وقتلُهم(٣) ، واغتنامُ أموالهم، ولا يَحِلُّ لأحد من المسلمين أكلُ ذبائحهم ، ولا أن يناكحَهم ، ولا أن يصلّيَ على موتاهم . 000000000000 (١) عسكر مكرم : بلدة من كُوَر الأهواز اختطَّها مُكْرم بن معزاء الباهلي فنسبت إليه ، وإليها ينسب الإمام العسكري الأديب اللغوي. انظر ((الأنساب)) (٢٩٧/٩ - ٢٩٨)، و(( معجم البلدان)) (٤/ ١٢٣). (٢) الرساتيق: جمع رُسْتاق، فارسي معرب، وهو سواد كل بلد. انظر (( تاج العروس)) ( ر س ت ق ) . (٣) أما بغلبة أهل الكفر فلكونها صارت دار حرب ، وأما بغلبة أهل البدع والأهواء مع عدم القول بكفرهم .. فإنهم يقاتلون لدرء الفساد في الأرض. انظر ( الذخيرة)) للقرافي ( ١٢ / ٢٧ ) . 0000011100000 CON [ معنى قولِنا : دارُ إيمانٍ وإسلامٍ ] فإن قيل : فما معنى وصفِ الدار بأنها دارُ إيمانٍ وإسلام ؟! قيل : معناه: أن كلَّ أحد ممن وجدناه فيها حكَمْنا له بأنه مسلمُ(١)، لهـ ما للمسلمينَ ، وعليه ما على المسلمينَ ، وحكَمْنا لولده بحكمه ، وإن وجدنا في دار الإسلام ميّاً غسّلناه وكفَّنَّهُ وصلَّينا عليه، ودفنَّاهُ في مقابر المسلمينَ من غير بحث عن حاله . إلا رجلاً عرفنا منه الكفرَ الذي لا يُقرّ عليه ؛ بإقراره ، أو بإظهاره زِيَّ أهله ؛ فإنه لا تجوزُ مناكحتُهُ وأكلُ ذبيحته ، ولم تجز الصلاةُ عليه حينئذٍ ، ولا دفنُهُ في مقابر المسلمين . وكذلك حكمٌ من وجدناه لقيطاً من هذه الدار من الأطفال إذا لم نَعرِفْ من وَلَدَهُ .. نجري عليه أحكامَ المسلمين . وكذلك القولُ في كلِّ موضع وصفناهُ بأنها دارُ كفر، فمعناه(٢): الحكمُ على كلِّ من فيه بأنه كافرٌ ، لا يُصلَّى عليه ، ولا يُدفَنُ في مقابر المسلمين ، وحكمُ أطفالهم كحكمهم ، إلا أن يكونَ فيهم من عُرِفَ إسلامُهُ بعينه ، فيكونَ حكمُهُ حكمَ المسلمين . [ ثبوتُ دارٍ ليسَتْ بدارِ إيمانٍ ولا كفرٍ ] فإن قيل : فما تقولون في دارٍ اجتمعَ فيها أهلُ الإسلام والكفر ، ولم (١) باستثناء من سيأتي ذكره . (٢) الضمير في ( أنَّها) أنَّثَ باعتبار الخبر. ٥٠ ١١٢ يغلب أحدُ الفريقينِ الآخرَ ، أو اجتمعَ فيها أهلُ السنَّةِ وأهلِ الاعتزال ، وقَدَرَ كلُّ واحدٍ من الفريقينِ على إظهار مذهبه من غير تقيةٍ ، ومن غير عهدٍ وجزيةٍ وجِوارٍ ؛ ما حكمُ هذه الدار ؟ قيل : كلُّ دارِ هذه صفتُها فليست بدار فسقٍ(١) ، ولا بدار كفرٍ ، ولا دار إيمانٍ ؛ لأن دارَ الإيمان : ما كانت الغلبةُ فيها لأهل الإيمان ، ودارَ الكفر : ما كانت الغلبةُ فيها لأهل الكفر ، على ما بيَّنَّاه قبلَ هذا. ومعنى قولنا في هذه الدار : ( إنها ليست بدار كفرٍ ولا دار إيمانٍ ) .. أنَّا لا نصلِّي على ميِّتِ منهم إلا إذا علمنا إسلامَهُ، ولا نورِّثُ أقاربَهُ منه وإن كانوا مسلمينَ إلا إذا علمنا أن الميِّتَ كان مسلماً من أهل السنّة ، دون أن يكونَ من أهل الاعتزال وغيرها من البدع ، ولا نأكلُ ذبيحةَ أحدٍ من [أهلها] إلا إذا علمناه مسلماً (٢) ، أو كان الكافرون الذين فيها يهوداً أو نصارى. ولا نعترضُ لأحدٍ منها بالسيف والقتلِ وأخذِ ماله ، ولو كانت دارَ كفرٍ وحربٍ لجاز اعتراضُ أهلها بالسيف ، واغتنامُ أموالهم ونسائهم وذراريهم ، والله سبحانه وتعالى أعلم(٣) (١) أراد : من اجتمع فيها أهل السنة وأهل الأهواء. (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( أهله ) . وكلام الإمام المصنف هنا جاء على عجل ؛ إذ المسألة فقهية ، وفيها خلافاتٌ واسعة ، (٣) وشروط وضوابطُ وصورٌ مختلفة ، فليتنبّه . الفصل الثاني عشر في بيان شفية أحكام أهل الأهواء وبيان حكمها في الإجماع والاختلاف وبيان أن لا طاعة لهم ولا تصح منهم عبادة [ حكمُ مخالفةِ أهلِ الأهواءِ للإجماعِ ومسائلِ الفروعِ ] أجمع أصحابُنا : على أن المعتزلةَ ، والنجَّريّةَ ، والجهميّة ، والغلاةَ من الروافضِ ، والخوارجَ ، والجسميَّةَ .. لا اعتبارَ بخلافهم في مسائل الفقه ، وإن اعتُبِرَ خلافُهم في مسائل الكلام (١) 000000 هذا قولُ الشافعيِّ رضي الله عنه في أهل الأهواء . وكذلك رواه أشهب عن مالك ، والعباسُ بن الوليد عن الأوزاعيِّ ، ومحمّدُ بن جرير الطبرُّ بإسناد له عن سفيانَ ، وحكاه ابن جرير بإسناده عن أبي سليمانَ الجُوزَجانيِّ عن محمد بن الحسن وجماعة من أصحاب أبي حنيفةَ، وحكاه أبو ثورٍ في (( أصوله)) عن جميع الأئمة من التابعين ؛ وهم : الفقهاءُ السبعةُ من أهل المدينة ، وعمرُ بن عبد العزيز ، والشعبيُّ ، والنَّخَعيُّ، ومسروقُ بن الأجدع ، وعلقمةُ، والأسودُ ، ومحمدُ بن ٥ (١) انظر ((أصول الدين)) للمصنف (ص١٣)، وقال في مبحث الإمامة (ص٢٧٦): ( ولا اعتبار بخلاف من خالف الإجماع بعد حصوله ) . 00000,١١٤ 00000 XT.NG TOY. سيرينَ ، وشريحُ القاضي، والزهريُّ ، وأقرانهم(١). [ حكمُ قبولِ شهادةِ أهل الأهواءِ ] واختلف فقهاءُ الأمَّة في قبول شهادتهم : فقال مالكٌ : بإبطال شهادات المعتزلةِ وسائرِ أهل الأهواء (٢) وقال الشافعيُّ وأبو حنيفة رضي الله عنهما : بقبول شهادة أهل الأهواء إلا الخطّبيَّة ؛ فإنها ترى الشهادةَ بالزور(٣) وأشار الشافعيُّ رضي الله عنه في كتاب (( القياس)): إلى رجوعه عن قبول شهادات المعتزلة ، وهذا هو الأصخُ على قياس مذهبه (٤) (١) وقد نقل هذا السياق بطوله الحافظ الزبيدي في ((إتحاف السادة المتقين)) (٢/ ٢٥٢). انظر ((البيان والتحصيل)) (١١/١٠). (٢) انظر ((الأم)) (٢٢٢/٦)، و((المبسوط)) (١٦ / ١٣٢-١٣٣). (٤) قال الإمام المصنف في ((أصول الدين)) (ص٣٤١ -٣٤٢) بعد نقله لمذهب الأئمة (٣) الثلاثة في شهادة أهل الأهواء : ( ثم إن الشافعيَّ وقف على كفر غلاة الروافض ، فأشار في كتاب (( القياس)) إلى رجوعه عن قبول شهادة أهل الأهواء ) . قال الإمام النووي في ((روضة الطالبين)) (٢٤٠/١١) بعد أن حكى أن النص عن الشافعي قبول شهادة أهل الأهواء : ( وللأصحاب فيه ثلاث فرق : فرقة : جرت على ظاهر نصه ، وقبلت شهادة جميعهم ، وهذه طريقة الجمهور ؛ منهم ابن القاص ، وابن أبي هريرة ، والقضاة ابن كج ، وأبو الطيب ، والروياني ) . ثم قال : ( وفرقة : منهم الشيخ أبو حامد ومن تابعه ، حملوا النصَّ على المخالفين في الفروع ، وردوا شهادة أهل الأهواء كلهم ، وقالوا : هم بالرد أولى من الفسقة . وفرقة ثالثة : توسطوا ، فردوا شهادة بعضهم دون بعض ؛ فقال أبو إسحاق : من أنكر إمامة أبي بكر رضي الله عنه ردت شهادته ؛ لمخالفته الإجماع ، ومن فضَّلَ عليّاً على = 0000 0000 ,١١٥ OO DO [ حكمُ قضاةِ أهلِ البدعِ والأهواءِ ] فأما الكلامُ في قضاة أهل البدع ، وأحكام قضائهم : فإن الشافعيَّ رضي الله عنه قال في الخوارج وأهل البغي إذا غلبوا على بلد ، وأخذوا صدقاتِ أهلِها ، وأقاموا عليهم الحدودَ : إنها لا تعادُ فيهم ، ولا يُردُّ من قضاء قاضيهم إلا ما يُردُّ به قضاءُ قاضي غيرهم(١) وقال في موضع آخرَ : إذا كان غيرَ مأمون برأيه على استحلال دم ومالٍ .. لم ينفذ قضاؤُهُ، ولم يُقبَلْ كتابُهُ(٢) فيجبُ على هذا الأصل : أن يُردَّ قضاءُ من قال من المعتزلة بقتل مخالفيه غِيلةً واستحلالِ أموالهم ، فأما الصدقاتُ التي أخذوها ، والحدودُ التي أقاموها .. فلا خلاف على مذهبه في أنها لا تعادُ ثانيةً . DO وأما أهلُ الذَّةِ إذا اذَّعوا أن الخوارجَ وأهلَ البغي أخذوا منهم الجزيةَ .. فلا يُقبَلُ قولُهم فيها إلا بيّةٍ عادلة من المسلمين (٣) وقال مالكٌ وأحمدُ بن حنبل : بإبطال قضايا أهل الأهواء من الخوارج = أبي بكر رضي الله عنهما لم ترد شهادته ، ورد الشيخ أبو محمد شهادةَ الذين يسبون الصحابة ، ويقذفون عائشة رضي الله عنها ، فإنها محصنة كما نطق به القرآن ، وعلى هذا جرى الإمام ، والغزالي ، والبغوي ، وهو حسن )، ثم رجح الإمام النووي قول الفرقة الأولى ، وظاهر كلام المصنف أنه ممن يقول بقول الفرقة الثانية . (١) انظر ((الأم)) (٢٣٣/٤) . (٢) انظر ((الأم)) (٤ / ٢٤٢). (٣) انظر (( الحاوي الكبير)) (١٣٤/١٣). 1 1 1 00000 00000 والغلاةِ من الروافض والمعتزلة ، كما أبطلا شهاداتِهم (١) وبه قال داودُ وأكثرُ أهل الظاهر ، وزاد على ذلك داودُ قولَهُ في الزكوات التي أخذوها : إنها لا تجزئ عن فروض أصحابِها ، وأوجبَ على الإمام ردّ قضاءِ قاضي أهل البغي ، وخالفه ابنُهُ أبو بكر في ذلك ، فأجاز قضاءَ قاضي أهل البغي ، دون قضاءٍ قاضي المعتزلةِ وأهلِ الأهواءِ . [ حكمُ طاعاتِ أهل البدع والأهواءِ ] وأما الكلامُ في طاعات المعتزلة وسائرٍ أهل الأهواء الضالّة .. فإن أهل السنة والجماعة مجمعون : على أن أهلَ الأهواءِ المؤذِّيةِ إلى الكفر لا تصحُ منهم طاعةٌ لله عزَّ وجلَّ ؛ ممَّا يفعلونه من صلاةٍ وصوم وزكاةٍ وحجٌّ ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ أمر عبادَهُ بإيقاع هذه العبادة على شرط ؛ كاعتقادٍ صحيحٍ بالعدل والتوحيد ، وبشرط أن يرادَ بها التقرُّبُ إلى الله عزَّ وجلَّ مع اعتقاد صفة الإلله على ما هو عليه ، ولا يجوزُ أن يقصدَهُ بالطاعة مَنْ لا يعرفُهُ(٢) وقد بيَّنَّا قبلَ هذا : أن المعتزلةَ وسائرَ أهل البدع الضالَيْنَ غيرُ عارفين بالله عزَّ وجلَّ ؛ لاعتقادهم فيه خلافَ ما هو عليه في عدلِهِ وحکمتِهِ ، ولیس (١) وأجرى الإمام مالك قضاءهم في الصدقات والخراج؛ ففي ((المدونة)) (٣٣٥/١): ( أرأيت قوماً من الخوارج غلبوا على بلدة ، فأخذوا الصدقات والخراج ، ثم قتلوا .. أتؤخذ الجزية والصدقات منهم مرة أخرى ؟ قال : لا أرى ذلك أن تؤخذ منهم ثانية ) . (٢) وتقدم الحديث عن إيقاع طاعة لا يُقصد بها وجه الله تعالى (٧٢/٣)، ولا شك أن أهل الأهواء ليسوا عارفين بالله تعالى ، بل هم من أهل النجاة ، لا من أهل السعادة ، وشتان ما بين المرتبتين . 100000 \ \V 00000 T.PCYC شيءٌ من الطاعات يصحُّ [وقوعُه] طاعةً من العبد لله عزَّ وجلَّ من غير قصدٍ منه إلى التقرُّب به(١) .. إلا طاعةٌ واحدةٌ؛ وهي النظرُ والاستدلالُ الواقعُ من المكلّف عند توجُّهِ التكليف عليه(٢) ، فإنه قَبل نظره واستدلاله لا يكونُ عارفاً بالله عزَّ وجلَّ ، فلا يصحُ منه التقرُّبُ إلى الله عزَّ وجلَّ؛ لأنه أمرَهُ بها وما بعدها من العبادات ، فلا تكونُ طاعةٌ لله عزَّ وجلَّ إلا ممن عرفَهُ سبحانه ، وقصدَ بفعله التقرُّبَ إليه . وأهلُ البدع خارجون عن معرفة الله وطاعته ، فخرجوا من أجل ذلك عن الإيمان ، وعن عملٍ أهل الإسلام ، والحمدُ لله على العصمة من البدعة (٣). والله تعالى أعلم . 00000000 OOC 0000 (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (وقوعها)، والتصحيح من « إتحاف السادة المتقين » . (٢) انظر ما تقدم (٧٣/٣) . (٣) ولأجل هذا المعنى قال الإمام الغزالي في ((إلجام العوام)) (ص٨٩): ( لو اشتغل العامي بالمعاصي البدنية .. ربما كان أسلم له من أن يخوض في البحث عن معرفة الله تعالى ؛ فإن ذلك عاقبته الفسق ، وهذا عاقبته الشرك ، وإن الله لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) . 00000 XYHAYO ذكر معنى (اليمن) من أسماء الله عزوجل الكلامُ في تفسير هذا الاسم من ثلاثةِ أوجه : في مأخذه واشتقاقه وأصله . وفي معناهُ في اللغة . وفي معناهُ عند المتكلِّمين وأهلِ العلم . [ الكلامُ على اسم ( المهيمنِ ) في أصلِهِ ومأخذِهِ واشتقاقِهِ ] فأما الكلامُ في أصله ومأخذِهِ واشتقاقه : فإن المبرد ذكرَ أن أصله في اللغة : ( المُؤَيْمِنُ ) ، فأبدلت الهمزة منه هاء؛ كما قالوا في ( إيّاك ) : (هِيَّاك)، وكما قالوا في (أرقتُ الماء): (هَرَقْتُهُ)(١) 00 وفي الحديث : أن عمر قال: ( إنِّي داع بدعاءٍ فهيمنوا)(٢) ؛ أي : أمِّنوا ، فأبدل الهمزة هاء ، ثم أبدل من الحرف المشدد ياءً ؛ كقولهم في ( أَمَّا ) : ( أَيْمَا ) . (١) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (١٨٠/٢)، و((تهذيب اللغة)) (١٧٦/٦)، وقولُ الزجاج : إنه في معنى ( مؤتمن) بالتاء .. راجعٌ إلى أن ( المؤيمن ) مشتق من الأمانة . (٢) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٢٧٤/٣) بنحوه، وأورده الأزهري في ((تهذيب اللغة)) ( ١٧٦/٦ ) . 119 00000