النص المفهرس

صفحات 81-100

a
الإسلام ؛ إذا كان الاختلافُ من قِبَلِ تأويل آيةٍ من الكتاب ، أو تأويلٍ سنَّةٍ .
قال : وإنما اختلفَ الناسُ في الفتيا لاختلافهم في تأويل الكتابِ والسنَّةِ
المحتملينِ لضروبٍ من التأويل(١)
قال : ولولا أن الله عزَّ وجلَّ قد شاء اختلافَها لنصبَ عليها أدلَّةٌ غيرَ
مُحتمِلَةٍ ، ولو فعلَ ذلك لكان مَنْ خالفَها أو خالفَ بعضَها خارجاً من
الملَّةِ (٢)
VA
وقال أيضاً : لو أن قولاً من أقوال النبيِّ صلى الله عليه وسلم كان مُحتمِلاً
لخمسة أوجهٍ من التأويل ، فنظرَ في تأويل ذلك القولِ ناظرٌ مجتهدٌ(٣) ، فلم
يخطر على باله من تلك الوجوهِ إلا واحدٌ .. لم يكن له أن يقضيَ إلا بذلك
الوجه ، ولو خطرَ على باله وجهانِ أو جميعُ وجوهه ، فرآها بعد النظرِ
متساويةً في الاحتمال .. كان له أن يقضيّ بأيِّها شاء
وزعم أيضاً : أن بعضَ القرآن يدلُّ على قول القدريِّ في القدر ، وبعضَهُ
يدلُّ على قول من يقول : إن الله عزَّ وجلَّ هو الخالقُ لأعمال العباد ،
(١) ولا يُدخِلُ العنبريُّ غيرَ الإسلاميين في هذا الحكم ، وقد نبّهَ على ذلك العلامة
الشهرستاني في ((الملل والنحل)) (٧/٢) إذ قال: (وإنما ذكر هذا في الإسلاميين من
الفرق ، وأما الخارجون عن الملة فقد تقررت النصوص والإجماع على كفرهم
وخطئهم ، وكان سياق مذهبه يقتضي تصويب كل مجتهد على الإطلاق ، إلا أن
النصوص والإجماع صدَّتْهُ عن تصويب كل ناظر ، وتصديق كل قائل ) .
(٢) أراد : نصْبَ الأدلة التفصيلية على المسائل المشتبهة، أما نصْبُ الأدلة على نحو
الوحدانية وتمام القدرة والعلم ونحو ذلك .. فلا يخالف فيه العنبري أصلاً .
(٣) الظاهر أن قوله : ( ناظرٌ مجتهدٌ) ليس على الاصطلاح الأصولي ، بل مطلقُ ناظرٍ
مجتهد .
CON
OOOOO
0000 ٨٠

وم
وكذلك بعضُهُ يدلُّ على إثبات الرؤية ، وبعضُهُ على نفيها ، وكذلك القولُ
في الأسماء والصفات ، وكلُّ من سمَّى الزانيَ مؤمناً فمصيبٌ ، ومن سمَّاه
فاسقاً فمصيبٌ ، ومن قال : إنه فاسقٌ لا مؤمنٌ ولا كافرٌ فمصيبٌ .
وقال أيضاً : لا فرقَ بين أن تكونَ التأويلاتُ المختلفةُ منتزعةً من ظواهرَ
مختلفةٍ ، وبين أن تكونَ منتزعةً من ظاهرٍ واحدٍ من الكتاب أو السنَّة في
الحكم الذي ذكره(١)
وقال داودُ وطائفةٌ من أهل الظاهر بمثل قول عبيد الله بن الحسن في
تصويب المتأوِّلينَ من أهل الملَّة ، وزاد عليه مثل ذلك في كلٌّ من علمَ الله منه
استفراغَ الوُسْع والطاقة في طلب الحقِّ في العقليَّات والشرعيَّات ، سواءٌ كان
الطالبُ من أهلَ مَّتنا أو من غير أهلٍ مَّتنا (٢) .
فهو لا يُلزَمُ : تصويبَ كلِّ من لم يكن معانداً بعد المعرفة بالحقِّ ؛ من
الزنادقة ، وعبدة الأصنام ، والدهريَّةِ ، ومن البراهمةِ ، والصابئينَ ،
O
000
(١) ويُفْهِمُ قولُهُ هذا: أنه لا يُكفّر من فرق الأهواء المنتسبة للإسلام أحدٌ إلا أن يعاندَ ، وأما
إكفار مقلدة اليهود والنصارى ونحوهم عنده .. فلورود النصِّ بذلك ، مع كثرة نَصْبٍ
الأدلة على عقائد الإسلام القطعية ؛ كالوحدانية وإثبات رسالة النبي محمد صلى الله عليه
وسلم .
(٢) وقد مرَّ بك تعليقاً أن العنبري لا يقول بتصويب المخطئ في اجتهاده في الأصول إن كان
من غير مَّةِ الإسلام .
وذهب ابن حزم الظاهري إلى عدم تكفير المتأولين المخالفين في الأصول ، فقال في
((مراتب الإجماع)) ( ص١٣) بعد ذكر أبي الهذيل وابن الأصم وبشر بن المعتمر ،
وغيرهم من زعماء المعتزلة ، وطوائفَ من الخوارج وأهل الرفض : ( ونحن وإن كنا
لا نكفّر كثيراً ممَّن ذكرنا ، ولا نفسِّقُ كثيراً منهم، بل نتولَّى جميعهم ، حاشا من
أجمعت الأمة على تكفيره ) ، ثم علل عدم اعتبارهم في الإجماع .
٨١

00
واليهودِ ، والنصارى ، والمجوسِ .
ويَلزمُ عبيدَ الله بن الحسن : تصويبُ الخوارج في تكفير علي وعثمانَ
وعائشةَ رضي الله عنهم ، وفي قولهم باستحلال دماءِ مخالفيهم ، فهم إذاً
مصيبون في سفك دم عبيد الله بن الحسن وانتهاك حريمه لو فعلوه ، وألا
يكونَ عليهم في ذلك عتبٌ، ولا لائمةٌ ولا إثمٌ!(١) .
وحكى زُرْقَانُ في ((مقالاته)): أن المرجئةَ لا تؤثُّم أهلَ التأويل؛ لأنهم
قاسوا فغلِطوا ، وهم غيرُ عالمين بغلطهم ، ولا يجوزُ أن يفسَّقَ من لا يعلمُ
أنه فاسقٌ .
قال عبدُ القاهر :
أخطأ زرقانُ في هذه الحكاية عن المرجئة ؛ لأن المشهورَ من قول
المرجئة تفسيقُ الخوارج في سفكهم دماءَ المسلمين وإن كانوا متأوِّلينَ (٢)،
وقد قال أبو شِمْر المرجئُّ فيمن خالفه في باب القدر وفي عدله وتوحيده
الذي يدّعيهِ: إنه كان كافراً وإن كان متأوّلاً(٣).
وقال أكثرُ المعتزلة : إن كلَّ متأوِّلٍ أَدَّاهُ تأويلُهُ إلى تشبيه الله عزَّ وجلَّ
بخلقه ، أو تجويرِهِ في فعله ، أو تكذيبه في خبره .. فهو كافرٌ ، وتأويلُهُ كفرٌ
منه .
(١) أراد: أن قياس الظاهرية مطّرد، بخلاف قياس العنبري، إلا أن العنبري خَصَّ قياسه
بالإجماع كما سبق تعليقاً .
(٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٧٦-٤٧٧).
(٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ١٤٣، ٤٧٧).
00000 ٨٢
00000

VAXY.NG
وقالوا : بتكفير أصحابنا في قولهم : خلقَ أعمالَ العبادِ(١) ، وبإثبات
الرؤيةِ لله عزَّ وجلَّ ، وإثباتِ صفاته الأزليّة .
قالوا : وربما صارُ المتأوَّلُ بتأويله فاسقاً لا كافراً ؛ كتأويل الخوارج في
قتل المسلمينَ وأخذِ أموالهم ، وهذا قولُ أبي الهذيل والجبائيِّ وأكثرٍ
المعتزلة .
وهؤلاء يلزمهم : ألا يُكفّرَ الخارجيُّ الذي يقول بتكفير المعتزلة ، فلا
يكونُ في تكفيرهم كافراً .
وقال عبادُ بن سليمانَ الصيمريُّ : بتكفير أصحابنا في القَدَرِ ، وفي إثبات
صفات الله عزَّ وجلَّ ، وإثباتِ رؤيته ، وتكفيرِ من شكّ في فساد قولنا .
وقال : فإن قال قائل : أعلمُ أن ذلك خطأ ، ولا أدري هل هو كفرٌ أم
لا .. فهو ضالٌّ غيرُ كافرٍ ، والشاكُ في تسمية اليهود والنصارى وأهل الملل
الخارجة عن الإسلام كفَّاراً .. كافرٌ لا محالة .
واختلف قولُ أبي هاشم صاحبِ الذَّمِّيّة في هذا الباب ؛ فقال في بعض
كتبه : ( قد غَلِطَ من كفَّرَ الجبريَّ في قوله بالجبر ؛ لأن اعتقادَهُ للجبر
لا يخرجُهُ عن أن يكونَ عالماً بالله عزَّ وجلَّ بدلائله ؛ [فإنه] اعتقدَ أنه هو
الخالقُ لأعمال العباد(٢)، وإنما جَهِلَ ما وقع من العباد، وذلك لا يمنعُهُ من
العلم بالله عزَّ وجلَّ ) .
فهي وجوداً لله وحده ، وللمكلَّف منها الكسب فحسب .
(١)
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( فإذا) .
OOOOO'
00000 , ٨٣

0000
00
وقال في موضعٍ آخرَ : ( إن الجبريَّ لا يمكنُهُ الاستدلالُ على إثبات
الصانع ؛ لأنه لا يثبتُ في الشاهد مُحدِثاً سواه ، وإذا أجاز مقدوراً بين
قادرينٍ أفسدَ على نفسه دَلالةَ التمانع في التوحيد ، وإذا زعم أن الإلله يخلقُ
الظلمَ والكفرَ والقبيحَ لم يأمن أن يكونَ قد أظهر المعجزةَ على الكذَّابينَ ؛
ليُغويَ بهم عن الدين ، ومن لا سبيلَ له إلى الاستدلال على الصانع
وتوحيدِهِ ، وعلى صحَّةِ النبوَّةِ على أصله .. فهو كافرٌ)، فأوجبَ بهذا
القول تكفيرَ أصحابنا .
وقد قال قبل هذا : ( إن الجبريَّ عالمٌ بالله عزَّ وجلَّ، وإنما جَهِلَ
ما وقعَ من العباد ، وذلك لا يخرجُهُ عن العلم بالله عزَّ وجلَّ وبتوحيده ) !
وجمعَ بين هذين القولين المتناقضينِ في مقدار ورقتينٍ من كتابٍ واحد !
وقال بشرُ بن المُعتَمِر وأتباعُهُ من القدريَّة : إن المتأوَّلَ من كلِّ مذهبٍ إذا
ـو
خالف الحقَّ الذي أُمِرَ به .. فاسقٌ، إلا المتأوّلَ في الجبر والتشبيه ؛ فإنه
كافرٌ .
وقال بكرُ ابن أخت عبد الواحد : إن المتأوَّلَ المخطئَ منافقٌ ، شرٌّ من
عابدٍ وثنٍ .
وزعم : أن عليّاً وطلحة والزبيرَ صاروا مشركينَ منافقينَ بما كان منهم من
التأويل في الحرب ، وهم مع ذلك في الجنَّة! لما رُويَ أن الله عزَّ وجلَّ قال
لأهل بدر: (( اعملوا ما شئتُمْ ؛ فقد غفرتُ لكم))(١)
(١) رواه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤) من حديث سيدنا علي بن أبي طالب
رضي الله عنه .

وزعم بعضُ الشيعة: أن المتأوِّلينَ مشركون؛ لأنهم عاندوا الحُجَّةَ(١)
وقالت الزيديَّةُ والإباضيَّةُ من الخوارج : إن المتأوِّلينَ كفَّارُ نعمةٍ(٢)
وزعم الباقون من الخوارج: أنهم كفَّارٌ مشركون(٣)
وأما أصحابُنا : فإن شيخَنا أبا الحسن الأشعريّ رحمه الله تعالى(٤)،
وأكثرَ الفقهاءِ والمتكلِّمينَ من أهل السنَّةِ والجماعةِ قالوا : بتكفير كلِّ مبتدع
كانت بدعتُهُ كفراً أو أدَّتْهُ إلى كفرٍ (٥).
(١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥٤).
انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٧٣، ١١٠).
(٢)
(٣)
انظر ((مقالات الإسلاميين)) ( ص١٠١).
انظر ((نهاية المرام)) (ص٣٠١)، وقد نقل عن الأستاذ ابن فورك أنه قال: ( وليس
(٤)
لشيخنا أبي الحسن رحمه الله كلامٌ في التكفير ، لا في إثباته ، ولا في نفيه ، إلا أنَّا تتبعنا
كتبه ، واستدللنا بألفاظه على أن مذهبه تكفير المتأوّلين ) .
00
(٥) أما تكفيره وتكفيرهم من كانت بدعته كفراً فمسلَّمٌ ، وأما ما أدّت إلى كفرٍ فالمسألة
خلافية عندهم ؛ فمن قال بأن لازم المذهب مذهبٌ .. كفَّرَهم بذلك ، ومن قال بأنه
ليس بمذهب ؛ وهو المعتمد عند محققي أهل السنة .. لم يكفِّرهم، ولهذا قال الإمام
الأشعري في طالعة كتابه ((مقالات الإسلاميين)) (ص١): ( اختلف الناس بعد نبيهم
صلى الله عليه وسلم في أشياء كثيرة ، ضلَّلَ فيها بعضهم بعضاً، وبَرِئَّ بعضُهم من
بعض ، فصاروا فرقاً متباينين ، وأحزاباً متشتتين ، إلا أن الإسلام يجمعُهم ويشتمل
عليهم ) .
وقد فضَّلَ إمام الحرمين الجويني في (( أجوبته على أسئلة عبد الحق الصقلي » (ص٥٤ -
٥٧) في بيان حكم المخالفين في الصفات النفسية والمعنوية وأحكامها ؛ فقال :
( فأما الصفات التي اختلفوا فيها وفي حكمها : فمنها الإرادة ، فإن الكعبيَّ ومعتزلةَ بغداد
نفوا كونه تعالى مريداً على التحقيق ، وقالوا : إن سميناه مريداً أردنا به كونه عالماً أو
آمراً، على تفصيل لهم) ، ثم قال : ( فما جرى هذا المجرى : قطع شيخنا فيه
بالتكفير ، ونزَّلَ نفيَ اتصاف الذات بالصفات الثابتة قطعاً بمثابة نفي الصفة النفسية ، =
COPOO
٨٥
40

OO
واختلف جواب القاضي في ذلك ) .
ثم قال : ( فأما الاتفاق في الأحكام مع الخلاف في الصفة : فهو نحو اتفاقنا مع المعتزلة
على أن الله عالم قادر حيٍّ مدرك، مع إثباتنا الصفاتِ ونفي المعتزلة إيَّاها .
فمذهب شيخنا : أن نافي الصفات بمثابة نافي أحكامها ، وقد أجمعت الأمة : على أن
من نفى كونَ القديم عالماً قادراً حيّاً فهو كافر ، ونفيُ العلم بمثابة نفي كونه تعالى
عالماً) ، وقال : ( والصحيح عندي : الحكم بتكفير نافي الصفات ) .
ثم قال : ( وأما ما ذكره القاضي عند امتناعه من التكفير : فإن ذلك يفضي إلى تكفيرٍ كثير
من أئمتنا ! وهذا من أعظم الغُصَص ؛ فإن الله قد عصم أهل الحق عن اختلاف يفضي
إلى التكفير والتبري ، ومآل اختلافهم إلى عبارات لا يعظم موقعها في المعاني ) .
إلا أن إمام الحرمين الجويني اختار في ((نهاية المطلب)) (١٨/١٩) عدم تكفير
المعتزلة ، ونقل مثله عن الشافعي ؛ فقال : ( وأنا أقول : لا سبيل إلى تكفير المعتزلة
ومن في معناهم من أهل الأهواء ، وقد نصَّ الشافعي في مجموعاته على قبول
شهادتهم ، وما نُقْلَ عنه من تكفيرهم فهو محرَّفٌ ، وظني الغالب أنه ناظرَ بعضهم ،
فألزمَهُ الكفرَ عن حجاج ، ولم يحكم بكفره ) .
وعدمُ تكفيرهم هو ما حقَّقهُ حُجَّة الإسلام الغزالي في (( الاقتصاد في الاعتقاد))
( ص٤٠٧ ) ، فقال بعد أن ذكر المعتزلة والمشبهة وفرق أهل الأهواء سوى الفلاسفة :
( فهؤلاء أمرهم في محل الاجتهاد ، والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه : الاحترازُ من
التكفير ما وجد إليه سبيلاً ) .
ونقل الإمام النووي في ((المجموع)) (٢٥٤/٤) عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايتي
القولَ بتكفير المعتزلة ، وعدم تكفير الخوارج .
وقال الإمام الماوردي في ((الحاوي الكبير)) (١٦٨/١٧): (وهذا فصلٌ قد اختلط
كلامُ أصحابنا فيه ممن تفرَّدَ بالفقه دون أصوله ، فوجب أن تقرر قاعدته ليعلم بها قول
المختلفين ، وما يوجبه اختلافهم فيه من تعديل وتفسيق وتكفير )، ثم قرَّر : أن من
ينطلق عليه اسم الإسلام ؛ ممن صدق النبي صلى الله عليه وسلم واتبعه، وصلَّى إلى
قبلته .. ينقسمون إلى ثلاثة أقسام : موافق ، ومتَّبع ، ومخالف ، ثم جعل المخالف في
الاعتقاد مخالفاً لأصول الأصول ؛ وهي المعلومة بالضرورة والقطع ، وهذا يجب =
100000 A 00000
CON

00
JAYO
كقول من يزعمُ : أن معبودَهُ صورةٌ ، أو له حدّاً ونهايةً ، أو يجوزُ عليه
الحركةُ والسكونُ ، أو أنه روحٌ ينتقلُ في الأجساد ، وأنه يجوزُ عليه الفناءُ أو
على بعضه ، أو قال : إنه ذو أبعاض وأجزاء (١).
وكقول المعتزلة : بنفي علم الله عزَّ وجلَّ ، وقدرته ، وحياته ،
وسمعه ، وبصره ، ورؤيته ، وقولِهِم : بحدوث إرادته وكلامه ، وإثباتِهم
خالقينَ كثيرينَ غيرَ الله عزَّ وجلَّ .
لأن نفيَ علمه وقدرته يوجبُ إحالةَ كونه قادراً عالماً ، وإحالةَ الرؤية
عليه توجبُ إبطالَ وجوده ، والقولَ بحدوث كلامه يوجبُ أن يكونَ كلامُهُ
من جنس كلام الناس ، وأن يكونَ الناسُ قادرينَ على معارضة القرآن بمثله ،
وذلك يبطلُ إعجازَ القرآن ، وكونَهُ دليلاً على صدق نبيًّا صلى الله عليه
وسلم(٢)
وأن من أثبتَ خالقاً للخير والشرِّ غيرَ الله عزَّ وجلَّ فهو القدريُّ الذي أخبرَ
الرسولُ عليه السلام بأنه من مجوس هذهِ الأمَّةِ (٣)، ونهى عن مناكحتِهِ
والصلاةِ عليه .
تكفيره ، ومخالف لفروع الأصول فهو على الخلاف في التكفير .
=
وسيأتي في الفصل التالي حكم معاملة أهل الأهواء وكلام الفقهاء في المسألة .
(١)
كما ذهب إلى بعض ذلك أو كله : الهشامية ، والبيانية ، والحلولية ، والكرامية ،
وغيرهم من فرق التشبيه والتجسيم .
(٢) إلا أن هذه اللوازم كلَّها لا يلتزمها أهل الاعتزال .
(٣) رواه أبو داود (٤٦٩١) من حديث سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، وابن ماجه
(٩٢) من حديث سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وتمامه عند أبي داود: ((إن
مرضوا فلا تعودوهم ، وإن ماتوا فلا تشهدوهم )).
CO
AV 00000

AYO
وذلك : أن قولَ القدريَّة يضاهي قولَ المجوسِ ، بل يزيدُ عليه كفراً ؛
لأن المجوسَ إنما قالت بخالقينٍ ؛ أحدُهما : يخلقُ الخيرَ ، والآخر :
يخلقُ الشرّ، وقالت القدرية بخالقينَ كثيرينَ ، وزعموا : أن العبادَ يقدرونَ
على ما لا يقدرُ الله عليه ، وأن الله يريدُ كونَ الشيء فلا يكونُ ، ويكرهُ كونَ
الشيء فيكونُ ، وهذه صفةُ المقهورِ العاجزِ .
ويلزمُ المعتزلةَ على أصلها : إكفارُ النظّام في أن القرآنَ جسمٌ من
الأجسام(١) ، يتصلُ بأشكالٍ مُدرَكةٍ ويُداخِلُ أضدادَهُ، حتى يهجمَ على روح
السامع له(٢)؛ لأن هذا يوجبُ عندنا وعندهم استحالةً كونه متكلَّماً آمراً
ناهياً شارعاً؛ لاستحالة كونِ المتكلِّمِ متكلِّماً بجسمٍ من الأجسام .
ويلزمُهم : إكفارُهُ في قوله : بنفي النهايةِ في أجزاء العالم(٣)؛ لأن ذلك
يوجبُ عندنا وعندهم نفيَ حدوثِها ونفيَ صانعِها(٤)
وإذا قال النظَّامُ : بأن أحداً لا يعلمُ جسماً إلا بالحسِّ ، وأن من سمعَ
بأخبار الأنبياء وغيرهم فإنما يعلمُهم بانفصالِ أجزاءٍ منهم واتصالها بهم ..
فقد لزمه : إذا سمعَ أهلُ الجثّة بأخبار أهلِ النارِ .. أن تكونَ أجزاءٌ من أهل
النارِ قد انفصلت عنهم ودخلت الجنَّةَ ، واتصلت بأجسام أهل الجنَّة
وداخلَتْها ، وإذا سمعَ أهلُ النارِ بأخبار أهلِ الجنَّةِ ومن فيها من الأنبياء
(١) لأنه يرى أن الصوت جسمٌ من الأجسام. انظر (٦٩٥/١).
(٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ١٩١، ٣٨٤).
(٣)
انظر (٢ / ١١٠).
(٤) إذ الحادثُ له أوَّلٌ يبدأ منه ضرورةً ؛ لأن العقل يحيل دخول ما لا نهاية له في الوجود
الحسيِّ الحادث ، ولو كان كذلك لكان قديماً ، والقديم مستغنٍ عن الصانع .
00000 ٨٨

والأولياء .. أن يكونَ بعضُ أجزاء الأنبياء والأولياء ينفصلُ عنهم ، ويداخلُ
أجسامَ أهلِ النارِ في النار ، وهذا كلُّهُ كفرٌ ، فما يؤدِّي إليه مثلُهُ .
ويلزمُهم : إكفارُ ثُمامةَ بن أشرسَ في قوله : إن المتولِّداتِ أفعالٌ
لا فاعلَ لها (١) ؛ لأن ذلك يوجبُ استغناءَ جميع الحوادثِ عن صانعٍ
وفاعلٍ ، ونفيُ الصانع كفرٌ ، فما يؤدِّي إليه مثلُهُ .
ويلزمُهم : إكفارُ الجاحظِ وكلِّ من قال منهم : إن المعرفةَ ضروريَّةٌ (٢)؛
لأن ذلك يوجبُ ألا يكونَ أحدٌ مأموراً بمعرفة الله عزَّ وجلَّ ، ولا مزجوراً عن
الجهل به ، ولا مثاباً على معرفته ، ولا معاقباً على تركها .
وإِكفارُ الجاحظِ أيضاً بقوله : إن النارَ في الآخرة تَجذِبُ أهلَها إلى نفسها
بطبعها(٣) ؛ لأن ذلك يُوجِبُ ألا يُوجَبُ العقابُ من قِبَلِ الله عزَّ وجلَّ،
ويُوجِبُ نسبةَ الأفعال إلى الطبائع .
ويلزمُهم : إكفارُ مَعمْرٍ في قوله : إن المَوَاتَ يفعلُ بطبعه ما لا نهايةَ له
من الأعراض في كلِّ حالة (٤)؛ لأن هذا يُفسِدُ الاستدلالَ على أن الصانعَ
حيٌّ عالمٌ قادرٌ بأفعاله .
وفي قوله : إن الإنسانَ غيرُ هذا الجسدِ ، وغيرُ روحه، وإنه حيٌّ عالمٌ
قادرٌ مختارٌ، وليس بمتحرِّكٍ ولا ساكنٍ، وإنه لا يجوزُ عليه شيءٌ من
(١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٠٧) وما تقدم (٦٢٥/١).
(٢)
انظر (٢ / ٤٧٦ ) .
(٣)
انظر (٣٥٣/١)، (١٦٤/٢).
(٤) انظر (٦٢٦/١).
٨٩
CoCOO

الأوصاف الجائزة على الأجسام ؛ لأنه في هذا القول قد وصفَ الإنسانَ
بصفةِ ربِّهِ عزَّ وجلَّ، وشبَّهَهُ به .
ويلزم البصريِّينَ منهم : إكفارُ البغداديِّينَ منهم في قولهم : إن الله لا يقدرُ
على صلاحٍ أصلحَ ممَّا فعلَهُ يستصلحُ به عبادَهُ على الزيادة فيه (١)؛ لأن ذلك
يوجبُ عندنا وعندهم تناهيّ مقدوراته (٢).
ويلزمُهم : إكفارُ الإسكافيِّ والكعبيِّ: في نفي إرادة الله عزَّ وجلَّ(٣)؛
لأن ذلك يوجبُ أن تكونَ أفعالُهُ واقعةً منه على طريق السهو والغفلة .
CO
000000
ويلزمُ البغداديِّينَ منهم : إكفارُ البصريِّين منهم في هذه المسألة ، وفي
القدرة على الأصلح ؛ لأن الوصفَ بالإرادة عندهم يوجبُ الضمير
والفكرةَ ، وذلك من صفات الأجسام ، وقالوا : لو قدرَ على صلاحِ أصلحَ
ممَّا فعلَهُ ثمَّ لم يفعله .. وجب بخلُهُ به، وأن يكونَ قد أراد استفسادَهم(٤)،
وذلك كفرٌ عندهم ، فما يؤدِّي إليه مثلُهُ .
ويلزمُ البصريِّينَ منهم : إكفارُ البغداديِّينَ في قولهم : إن الله لا يرى
شيئاً ، وعلى البغداديِّينَ إكفارُ البصريِّينَ في قولهم : إنه يَرى ولا يُرى ؛ لأن
كونَهُ رائياً يقتضي عند البغداديِّينَ : جواز كونه شامّاً ماسّاً ذائقاً(٥)
(١) انظر (٢ / ١١٠).
(٢) انظر ما تقدم تعليقاً (٦٤/٢).
انظر ((الفرق بين الفرق)) (ص١٨١ - ١٨٢).
(٣)
(٤)
انظر (٢/ ٦٣).
(٥) نقل الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٥٠٣) عن بغدادية المعتزلة إثبات
كونه تعالى رائياً مدركاً مبصراً بنفسه، وقد نبه الإمام المصنف في (( الفرق بين الفرق »=
٩٠

ونحن نكفِّرُ الفريقينِ منهم في قولهم : إن الله سبحانَهُ وتعالى لا يَرى
نفسَهُ ، مع اختلافهم في رؤيته لغيره (١)
ويلزمُ جمهورَهم : إِكفارُ هشام الفُوْطيِّ وعباد بن سليمانَ في قولهما :
إن الأعراضَ لا يدلُّ شيءٌ منها على الله عزَّ وجلَّ (٢)، مع قولهما: بأنه خالقٌ
لبعضها ؛ لأن ذلك معنى قول القائل : إن الأجسام لا تدلُّ علیه وإن كان هو
خالقاً لها .
ويلزمُهم: إكفارُ الأصمِّ ؛ لقوله بنفي الأعراض(٣)؛ لأن ذلك يبطلُ
الدَّلالةَ على حدوث الأجسام وإثباتِ صانعها ؛ لأنه إذا نفى الأعراضَ لزمه ألا
يكونَ الإنسانُ فاعلَ طاعةٍ ولا معصيةٍ ، ولا يكونَ حينئذٍ مُثاباً ولا مُعاقباً .
ويجبُ على الجبائيِّ تكفيرُ ابنه أبي هاشم في قوله: إن الله عزَّ وجلَّ لم
يكره السجودَ الذي أمرَ به قُرْبةً إليه [أن] يُفعَلَ للصنم ولا نهى عنه (٤)؛ بناءً
على أصله : في أن الشيءَ يصحُ أن يكونَ مراداً مكروهاً من وجهينٍ(٥) ؛
000
00
(٣٣٥) على معنى إثباتهم كونه سبحانه بصيراً ؛ فقال في معرض كلامه عن صفتي
=
السمع والبصر : ( وهذا خلاف قول القدرية البغدادية في دعواهم : أن الله ليس براءٍ
ولا سامع على الحقيقة ، وإنما يقال : يرى ويسمع ؛ على معنى : أنه يعلم المرئي
والمسموع ) .
(١) فأثبت بصرية المعتزلة كونه سبحانه رائياً لغيره فيما لا يزال ، ونفى ذلك البغدادية
منهم . انظر (( المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (٢٤١/٥).
(٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٢٥ - ٢٢٦).
(٣)
انظر (٢٢٥/١) .
ما بين المعقوفين في جميع النسخ : (وآن ) .
(٤)
(٥) قال الإمام المصنف في ((الفرق بين الفرق)) (ص١٩٢) في تعداده لمقالات
أبي هاشم: ( ولما ارتكب قوله : بأن الشيء الواحد لا يكون مراداً من جهة مكروهاً من =
٩١

قال : ( فإذا أرادَ الله عبادةَ العبد له لم يكرهْها للصنم والشمس والقمر ! ) .
والعجبُ من تشنيع أبي هاشم علينا في قولنا : إن الله عزَّ وجلَّ مريدٌ لِمَا
6
يوجدُ من المعاصي ، مع قوله : بأنه ما کرهها !
ويلزمُ المعتزلةَ كلّها : تكفيرُ أبي هاشم في قوله بالأحوال ؛ لأن ذلك
عندهم [يوجب] أن تكونَ قديمةٌ أو مُحدَثةٌ(١) ، وكلاهما كفرٌ عندهم ، فما
يؤدِّي إليه مثلُهُ .
C
ويلزمُهم أيضاً : تكفيرُهُ في قوله : باستحقاق العقاب على ذنبٍ ؛ بألا
يفعلَ المأمورُ ما وجب عليه(٢)؛ لأن ذلك يوجبُ عندهم تجويرَ البارئ
سبحانه وتعالى في فعله ، وذلك كفرٌ ، فما يؤدِّي إليه مثلُهُ .
ويلزمُهم : تكفيرُهُ بإجازته تعرِّيَ الأجسام عن جميع الأعراض سوى
الأكوان(٣)؛ لأن ذلك يوجبُ إجازةَ تعرِّيها عن الأكوان أيضاً (٤) ، وفي ذلك
إيطالُ الدَّلالةِ على حدوثها .
O
ويلزمُهم : تكفيرُهُ في قوله : بأن التوبةَ عن الكبائر لا تصحُّ مع الإقامة
جهة أخرى .. حلَّت على نفسه مسائلُ فيها هدم أصول المعتزلة ، وقد ارتكب
HI
أكثرها) ، ثم شرع في تعدادها ، وذكر منها هذه المسألة .
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( يجب ) .
(٢) كذا العبارة في جميع النسخ، وقد تقدم تعليقاً (٢٨٢/١) نقلاً عن الإمام المصنف في
((الفرق بين الفرق)) (ص ١٨٥): أن أبا هاشم وأصحابه سموا بالذَّميَّةِ ؛ لقولهم
باستحقاق الذم لا على فعل ؛ يعني : فعله هو ، فيلزم على قولهم هذا : أن يكون
المرء عاصياً من غير معصية .
(٣) انظر (( المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) (ص٦٢)، و((التذكرة في
أحكام الجواهر والأعراض)) ( ص١٢٤ ) .
(٤) إذ لا يمكن الاستفصال والمفارقة بينها وبين سائر الأعراض .
٩٢

V.EG YOVAT
على بعضها ، وأن كافراً لو دخل في دين الإسلام بدليله ، وأتى جميعَ
الطاعات ، إلا أنه لم يردَّ عشَرةً دراهمَ كانت عليه في حال كفرِهِ على
صاحبها ، مع إمكان الردِّ من غير استحلالٍ .. أنه باقٍ على الكفر، مستحقٌّ
لعقاب الكفر على التأبيد ، مع اعترافه بدين الإسلام، وعملِهِ بأركانه(١)،
وهذا كلُّهُ كفرٌ، فما يؤدِّي إليه مثلُهُ(٢)
وأما الروافضُ : فيجب إكفارُ جماعةٍ منهم ؛ كهشام بن الحكم في
قوله : إن معبودَهُ جسمٌ طويلٌ عريضٌ عميقٌ، له لونٌ وطعمٌ وريحٌ ، وإنه
يجوزُ عليه الحركةُ والسكونُ (٣)
وهشام بن سالم الجواليقيِّ في قوله : إن معبودَهُ نورٌ أسودُ ، له وَفْرَةٌ
سوداءُ ، وإنه على صورة الإنسانِ (٤)
ويونسَ القُمِّيِّ في قوله : إن الله عزَّ وجلَّ تحملُهُ حملةُ عرشه وإن كان
أقوى منهم ، كما أن الكُرْكيَّ تحملُهُ ساقاه وهو أقوى منهما (٥)
وزرارةَ بن أعينَ في قوله : إن الله عزَّ وجلَّ لم يكن في الأزل حيّاً
(١) انظر (٧٢٧/١-٧٢٩).
(٢) وقد أورد الإمام المصنف تكفير المعتزلة بعضهم لبعض في مواطن كثيرة من ((الفرق بين
الفرق))، وقال في ( ص١٩٨) منه : ( وقد حكى أصحاب المقالات : أن سبعة من
زعماء القدرية اجتمعوا في مجلس ، وتكلموا في قدرة الله تعالى على الظلم والكذب ،
وافترقوا على تكفير كلِّ واحدٍ منهم لسائرهم ) ! ثم أورد الإمام المصنف خبرهم ، وذكر
فيه هؤلاء السبعة ؛ وهم : النظام ، وأبو علي الأسواري ، وأبو الهذيل ، وبشر بن
المعتمر ، وأبو موسى المردار ، وجعفر بن حرب الأشج ، وأبو جعفر الإسكافي .
(٣)
انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٢٠٧) .
(٤)
انظر (( مقالات الإسلاميين)) (ص٣٤).
(٥) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٥).
CLON
٩٣
00000
10

00000
عالماً قادراً سميعاً بصيراً(١)
وشيطانِ الطاقٍ في قوله : إن الله عزَّ وجلَّ لا يعلمُ الشيءَ إلا إذا أرادَهُ
وقدَّرَهُ(٢).
وجميع الكَيْسَانيَّةِ منهم : في إجازتها البَداءَ على الله عزَّ وجلَّ (٣)
فأما القائلون منهم : بالرجعة ، أو بتناسخ الأرواح ، أو بانتقال روح
الإلله في الأئمّة ، أو بكون الأئمّة آلهةً ، أو بالغلَطِ في الوحي إلى محمد
دون عليٍّ (٤) .. فهم مع القرامطةِ الباطنيّةِ خارجون عن ملَّة الإسلام،
وأحكامُهم أحكامُ المرتدِّينَ .
ـة
وتكفيرُ الخوارج واجبٌ ؛ لتكفيرهم جميعَ الأمَّة سواهم ، ولتكفيرهم
عليّاً وعثمانَ وطلحة والزبيرَ وعائشةَ ، وأتباعَ الفريقينِ .
مع إجازة العجاردةِ والميمونيّةِ منهم : نكاحَ بناتِ البنين ، وبناتِ
البنات ، وبناتٍ أولاد الإخوة والأخوات(٥)
ومع قول اليزيديَّةِ منهم : بانتظار نبيٍّ من العجم ينسَخُ بشريعته شريعةً
محمد صلى الله عليه وسلم (٦)
ويجب إكفارُ الجهميّة بنفيها علمَ الله تعالى وقدرتَهُ ، وفي قول من قال
(١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦).
(٢)
انظر ((مقالات الإسلاميين)) ( ص٣٧).
(٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٩)، وما تقدم تعليقاً (٢٦٠/٢).
(٤) وقال ببعض ذلك أو كله : الجناحية ، والخطابية ، والمعمرية ، وغيرهم . انظر
((مقالات الإسلاميين)) (ص٦، ١١).
(٥) انظر (٣٤/٣).
(٦) انظر (٣٨/٣).
00000
٩٤ 00000

٪
منهم : بحدوث علمه ، وفي قول جميعهم: بفناء الجنَّة والنار(١).
ويجب تكفيرُ النجَّاريّة في قولها : بنفي الصفات الأزليَّة عن الله سبحانه
وتعالى(٢)، وفي قولها: إن القرآنَ جسمٌ إذا كُتِبَ، عرضٌ إذا قُرِئَ(٣).
ولا إشكالَ لذي لبٍّ في تكفير الكراميّة ؛ مُجسّمةٍ خراسانَ في قولها :
إن الله تعالى جسمٌ ، له حدٌّ ونهايةٌ من تحته ، وإنه مماسٌّ لعرشه ، وإنه
مَحَلٌّ للحوادث ، وإنه يَحدُثُ فيه قولُهُ وإرادتُهُ ، ومماسَّتُهُ لِمَا يماسُّهُ ،
ورؤيتُهُ واستماعُهُ لِمَا سمعَهُ ، وإنه لا يقدرُ على شيء سوى الأعراضِ التي
تَحدُثُ في ذاته ، دون ما يحدثُ في غيره أو يحدثُ لا في محلٌّ (٤)
والحمدُ لله الذي عصمنا من هذه البدع الموجبة للتكفير ، والله أعلم(٥).
00000
(١) انظر أقوال الجهمية في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٧٩ - ٢٨٠).
(٢) وقول النجارية فيها كقول المعتزلة في الجملة. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٢٨٥).
(٣)
انظر (٢ / ٩٩ ) .
وقد ساق الإمام المصنف جملة كبيرة من أقوال الكرامية فى مواطن متفرقة من هذا
(٤)
الكتاب ، وانظر ((الفرق بين الفرق)) ( ص٢١٥) وما بعدها .
(٥) وقد عقد العلامة العضد الإيجي في ((المواقف)) (ص٣٩٢) مقصداً مفرداً تحدَّث فيه
عن إكفار المخالفين من أهل القبلة ، وبيَّنَ أنهم لا يكفرون ، ودافع عنهم ووجَّهَ كلامهم
وذكر حقيقة معتقدهم بكل حرصٍ وغيرة ، وأقرَّ إسلامَ أهل القبلة من المعتزلة والمجسمة
والروافض والخوارج ، ولم يلتفت إلى المنتسبين إلى الإسلام وليسوا منه، ولذلك علَّقَ
السيد الشريف في ((شرح المواقف)) (٤٦٣/٢) بقوله: ( لكنَّا إذا فتَّشنا عقائد فرق
الإسلاميين وجدنا فيها ما يوجب الكفر قطعاً ؛ كالعقائد الراجعة إلى وجود إلله غير الله
سبحانه وتعالى ، أو إلى حلوله في بعض أشخاص الناس ، أو إلى إنكار نبوة محمد عليه
السلام ، أو إلى ذمِّهِ واستخفافه ، أو إلى استباحة المحرمات وإسقاط الواجبات
الشرعية ) .
CON
٩٥

الفصل العاشر
في بيان حكم معاملة أهل الأهواء
ومؤثر تهم وتلهم وبي أزار سم
CON
[ أقوالُ أهل الأهواءِ في معاملاتِهم معَ مخالفيهم ]
قالت المعتزلةُ كلُّها : بإكفار أهلِ السنَّة والجماعة ؛ من أصحاب
الحديثِ ، وأصحاب الرأي ؛ لقول الفريقينِ : بإثبات الرؤيةِ ، وإثبات
العلم والقدرةِ والحياةِ والبقاءِ لله عزَّ وجلَّ .
ولقولهما : بأن القرآنَ كلامُ الله غير مخلوقٍ ولا مُحدَثٍ .
10
ولقولهما : إن الله عزَّ وجلَّ هو الخالقُ للخير والشرِّ من أكساب العباد
وغيرهم ، وإنه لا خالقَ غيرُهُ ، ولا مخترِعَ سواه ، وإن ما شاء كانَ ، وما لا
يشاءُ لا يكونُ(١)
وسَمَّوا من قال بهذه الأصول التي ذكرنا : مُشبِّهاً مُجبراً ، وزعموا : أن
إثباتَ صفات الله تشبيهٌ ، وإفرادَهُ بالخلق والاختراع إجبارٌ ، وأفتَوا بعد ذلك
بتكفير المشبّهةِ والمُجبِرةِ ، وهم يعنون بهما أهلَ السنة والجماعة الذين
ذكرناهم .
(١) قوله: ( وما لا يشاء) كذا في جميع النسخ، وقد سبق (٥٥٣/٢): (وما لم يشأ).
COOODO
٩٦

وزعموا : أنه تجبُ استتابتُهم ، فإن تابوا وإلا قتلوا .
وزعموا أيضاً : أنه لا تَحِلُّ مناكحتُهم وأكلُ ذبائحهم .
وكان ثُمامةُ يقولُ : بجواز نكاح المجبرة والمشبِّهة ، وأنزلَهم في ذلك
منزلةَ أهلِ الكتاب .
وقال أبو هاشم : إن المجبرةَ والمشبِّهةَ بمنزلة الكتابيِّ إذا لم يولد من
معتزليٍّ، فأما إذا وُلِدَ ممَّن يقول بالاعتزال فهو مرتدٌّ، وحكمُهُ حكمُ
المرتدِّينَ .
وقال محمد بن شبيب البصريُّ : إن المشبّهَ كافرٌ ، والمجبرَ ليس
بكافرٍ .
وقال الإسكانيُّ : إن كُفْرَ المجبر أعظمُ من كُفْرِ المشبّه ، إلا أن يكونَ
المشبّهُ مجبراً ، وبه قال الجاحظَ والكعبيُّ .
واختلفت القدريَّةُ في مواريث أصحابنا وسائرٍ مخالفيهم :
فمنهم من قال : إن ميراثَهم لورثتهم على حكم المواريثِ .
ومنهم من قال : مواريثُهم لبيت المال .
واختلفوا أيضاً في تكفير الشاٌّ في تكفير مخالفيهم :
فقال أبو موسى المُزْدارُ : بكفر الشاكٌّ في كفرهم، وكذلك حكمُ الشاكٌ
في الشاكٌ .
وقطعَ آخرون منهم : بتكفير الشاِّ الثاني ، وبه قال الإسكانيُّ .

05/10
وقال الجبائيُّ: لا يكفرُ الشاُّ الأوَّلُ.
وتوقف الكعبيُّ في الشاكِّ الأوَّل .
واختلفوا أيضاً في معرفة من أذَّاه تأويلُهُ إلى الكفر بالله عزَّ وجلَّ :
فقال أكثرُهم : إنه غيرُ عارفٍ بالله تعالى .
وقال الإسكافيُّ : أما المشبّهُ فلا يعرف الله عزَّ وجلَّ ، وأما المجبرُ
الجهميُّ فإنه يعرفه ، والمجبرُ النجَّاريُّ لا يعرفه .
وقد اختلفوا أيضاً في أنهم هل هم من أهل المَّةِ أم لا :
00
فقال بعضُهم : [ليسوا] هم من أهل الملَّةِ (١) ، ولا من أهل الصلاةِ،
ولا من الأمّة ما لم يكفِّرُوا من جهتهم [من جحدًا بالله عزَّ وجلَّ ورسولِهِ عليه
الصلاة والسلام وجحدَ التنزيلَ(٢)، وبه قال الكعبيُ(٣)
واختلفوا أيضاً في دفنهم وتكفينهم والصلاةِ عليهم ، وفي سبيهم :
فمن زعم منهم : أنهم من أهل الملَّةِ .. أوجب الصلاةَ عليهم ودفنَهم ،
وحرّم سبيَهم وسبيَ ذراريهم .
وقال آخرون منهم : إنهم كمن انتقلَ إلى اليهوديَّة والنصرانيَّةَ ، يُسبَونَ
ولا يُصلَّى عليهم .
وقال الجبائيُّ: لا يُصلَّى عليهم ، ولا يُسبَون ولا تُسبى ذراريهم .
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( ليس ).
(٢) ما بين المعقوفين في (أ): ( بجحده ) غير منقوطة، وفي ( ب، ج): ( يجحد ).
ولم يذكر المصنف ما يقابل هذا القول .
(٣)
700000 ٩٨
00000

واختلفوا أيضاً في قتل مخالفيهم غِيلةً :
فقال أكثرُ المعتزلة : يجوزُ ذلك، وإنما الأمرُ فيه إلى الإمام ، وبه قال
الکھيُّ .
وقال هشامٌ الفُوْطيُّ : يجوزُ لمن كان على مذهبه(١) إذا ظَفِرَ بمن قد كفرَ
عنده وبتأويله ، وأمِنَ على نفسه المكروه .. أن يقتلَهُ غِيلةً ، بل يجبُ ذلك
عليه ! وإلى هذا ذهبَ أكثرُ الغاليةِ من الروافض ؛ العِجليَّةِ ، والخطّابيَّةِ ،
والمغيريَّةِ، والحربيَّةِ(٢)، والمنتسبينَ منهم إلى عبد الله بن معاويةً بن
عبد الله بن جعفر (٣)
O
فهذه أقوال مخالفينا في معاملاتهم مع مخالفيهم .
000
[ أحكامُ مخالفي أهلِ السنةِ في الفروعِ ]
فأما أصحابُنا : فإنهم وإن أجمعوا على تكفير المعتزلةِ والغلاةِ ؛ من
الروافضِ والخوارج والنجَّاريَّةِ والجهميّةِ والمشبِّهةِ .. فقد أجازوا لعامَة
المسلمينَ معاملتَهم في عقود البِيَاعاتِ ، والإجاراتِ ، والرهونِ ، وسائرٍ
المعاوضاتِ ، دون الأنكحة .
فأما مناكحتُهم ، وموارثتُهم ، والصلاةُ عليهم ، وأكلُ ذبائحهم : فلا
(١) يعني : هشاماً الفوطي نفسه .
(٢) الحربية : أصحاب عبد الله بن عمرو بن حرب ، يزعمون : أن روحَ أبي هاشم عبد الله
ابن محمد بن الحنفيّ تحوَّلت فيه، وأن أبا هاشم نصَّ على إمامته. انظر ((مقالات
الإسلاميين)) (ص٦)، وتقدم ذكر العجلية والخطابية والمغيرية (٣٢٥/١، ٣٢٧ -٣٢٨).
(٣) وهم الجناحية. انظر (٣٢٥/١).
XY
1000001 99 2000