النص المفهرس
صفحات 41-60
TATOrATEGYw تجتمعَ هذه الخصالُ ، فإذا اجتمعت سَمَّوها إيماناً ، وشبَّهوا ذلك بالبياض في الفرس ؛ لا يكونُ بانفراده بَلَقاً ولا بعضَ بَلَقِ حتى يجتمعَ السوادُ والبياضُ ، فيكونَ مجموعهما فيه بَلَقاً . وجعلوا تركَ الخصال كفراً ، وتركَ بعضها كفراً ، ولم يجعلوا الإيمانَ مبغَّضاً ، ولا مُحتمِلاً للزيادة والنقصان . وقال أبو شِمْر : ( لا أقولُ في الفاسق المِلِّيِّ : إنه فاسقٌ مطلقاً ، دون أن أقيِّدَ فأقولَ : إنه فاسقٌ في هذا) ، هذا هو المشهورُ من قول أبي شِمْرٍ ، حكاه عنه أبو الحسن الأشعريُّ في ((مقالاته))(١) وحكى محمدُ بن شبيب البصريُّ، وعبَّدُ بن سليمانَ الصيمريُّ عن أبي شِمْر أنه كان يقولُ بقول المعتزلة في القَدَر ، وأنه قال : الإيمانُ : هو المعرفةُ بالله عزَّ وجلَّ وبعدله - يعني : قولَهم في القدر - والمعرفةُ بجميع ما جاء من عنده ؛ ممَّا أجمعت عليه الأمَّةُ وكان منصوصاً عليه ؛ كالصلاةِ ، والصيام، والحجِّ ، والزكاةِ ، وتحريمِ المَيتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، ونحوِ ذلك ، وما كان مستخرجاً بالعقول ؛ من إثبات عَدْلِ الله عزَّ وجلَّ ، ونفيِ التشبيه عنه ، كلُّ ذلك إيمانٌ . والشكُّ فيه لا يكونُ إيماناً ، ولا الإقرارُ دون المعرفة، وكذلك خَصْلةٌ من خصال المعرفةِ بانفرادها لا تكونُ إيماناً ولا بعضَ إيمانٍ ؛ كمن عرفَ الله تعالى وجحدَ رسولَهُ .. لم تكن معرفتُهُ به إيماناً (٢) (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٣٤). (٢) انظر أقوال الشمرية واليونسية في ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٣٤ - ١٣٥)، و«الفرق = C O) 0000 OrG YOUDY.YS [ الثوبانيّةُ ] وأما الثوبانيَّةُ ؛ أصحابُ أبي ثوبانَ : فإنهم زعموا أن الإيمانَ هو المعرفةُ والإقرارُ بالله عزَّ وجلَّ وبرسله ، وما كان غيرَ جائز في العقل [إلا أن يفعله ، وما كان جائزاً في العقل] ألا يفعلَهُ .. فليس من الإيمان(١) ـو [ الغيلانيَّةُ ] وأما الغيلانيَّةُ منهم : فإنهم قالوا : إن الإيمانَ هو المعرفةُ والإقرارُ بالله عزَّ وجلَّ ، وبجميع ما جاء من عند الله تعالى ، كما قالت الشِّمْرِيَّةُ (٢) CC إلا أنهم فارقوا الشِّمْريَّةَ في المعرفة ؛ فزعموا : أن العلمَ بأن الأشياءَ مُحدَثَةٌ وأن مُحدِثَها واحدٌ هو مُدبّرٌ لها .. ضرورةٌ ليس باكتساب ، وجعلوا العلمَ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم وبجميع ما جاء من عند الله عزَّ وجلَّ .. اكتساباً (٣) ccOCO = بين الفرق)) ( ص٢٠٢ -٢٠٤، ٢٠٦)، و((نهاية المرام)) (ص ٢٢٨). (١) ما بين المعقوفين ليس في جميع النسخ، وأثبت من ((مقالات الإسلاميين) (ص١٣٥)، وعبارة الإمام المصنف في ((الفرق بين الفرق)) (ص ٢٠٤): ( ... وبكل ما يجب في العقل فعله ، وما جاز في العقل ألا يفعل .. فليست المعرفة به من الإيمان)، وانظر ((نهاية المرام)) ( ص٢٢٩). (٢) قال الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٣٦): ( والفرقةُ السابعةُ من المرجئة : الغيلانيَّةُ؛ أصحابُ غيلانَ، يزعمون أن الإيمان المعرفةُ بالله الثانيةُ ، والمحبة ، والخضوعُ، والإقرارُ بما جاء به الرسول وبما جاء من عند الله سبحانه ، وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرارٌ ، فلذلك لم يجعلها من الإيمان ) . (٣) انظر ((الفرق بين الفرق)) (ص٢٠٦). 00000 ٤١ 00000 ووافقوا الشِّمْرِيَّةَ : في أن الإيمانَ لا يتبعَّضُ ، ولا تكونُ الخَصْلةُ منه إيماناً ولا بعضَ إيمان، وفي أن الإيمانَ لا يحتملُ الزيادةَ والنقصانَ(١). وخالفوا الشِّمْريَّةَ : بأن لم يجعلوا [شيئاً] من الإيمان مُستخرجاً (٢)؛ لدعواها أن العلمَ بالله عزَّ وجلَّ ضرورةٌ . وحكى زُرقانُ في ((مقالاته)) عن غيلانَ : أن الإيمانَ هو الإقرارُ باللسان فحسب ، فأما المعرفةُ بالله تعالى فهي عنده ضرورةٌ من فعلِ الله عزَّ وجلَّ ، وليست من الإيمان في قليلٍ ولا كثيرٍ (٣). وعلى هذه الروايةِ : تكونُ الغيلانيَّةُ في فِرْقةٍ من الذين يزعمون أن الإيمانَ إلى اللسان وحدَهُ ، دون المضيفينَ له إلى القلب واللسان . ٢٨٠ OC [النجَّارِيَّةُ ] وأما النَجَّارِيَّةُ؛ أصحابُ الحسينِ بن محمد النجَّار (٤) : فإنهم زعموا أن الإيمانَ هو المعرفةُ بالله عزَّ وجلَّ وكتِهِ ورسلِهِ وفرائضِهِ المجتمع عليها(٥) ، (١) انظر ((الفرق بين الفرق)) (ص ٢٠٧). (٢) يعني : ليس للنظر العقلي مدخلٌ في تحقيق الإيمان ؛ لأن النظر إنما يكون في الاكتساب ، والعلم بالله تعالى عندهم ضروري، وعبارة الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٣٦): (ولم يجعلوا شيئاً من الدين مستخرجاً إيماناً) ، وما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( أشياء ) . (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٣٦-١٣٧)، و((الفرق بين الفرق)) (ص٢٠٦). (٤) قال الإمام المصنف في ((الفرق بين الفرق)) ( ص ٢٠٧) عن النجارية : ( قد وافقوا أصحابنا في أصول ، ووافقوا القدرية في أصول ، وانفردوا بأصولٍ لهم) . (٥) قوله: ( المجتمع) كذا في جميع النسخ، وهي كذلك في ((مقالات الإسلاميين)) ( ص١٣٥ ) . COM 00000, ٤٢ والخضوعُ في القلب ، والإقرارُ باللسان ، ومن جهل شيئاً من ذلك بعد قيام الحجَّة به عليه، أو عرفَهُ ولم يُقِرَّ به .. كفرَ . ولم يُسمُّوا كلَّ خَصلةٍ منه إيماناً ، وقالوا : مجموعها إيمانٌ ، فإذا اجتمعت فكلُّ خَصلةٍ منها طاعةٌ ، وليس كلُّ خَصلةٍ منها إيماناً ، وإن وقعت خَصلةٌ منها دون باقيها لم تكن الواقعةُ طاعةً ؛ كالمعرفة بالله عزَّ وجلَّ إذا انفردت عن الإقرار .. لم تكن طاعةً ؛ لأن الله تعالى أمرَ بالإيمان جملةً أمراً واحداً . وقالوا : إن ترْكَ كلِّ خَصلةٍ من خصال الإيمان معصيةٌ . وقالوا أيضاً : إن الناسَ يتفاضلون في إيمانهم ، ويكونُ بعضُهم أعلمَ بالله عزَّ وجلَّ وأكثرَ تصديقاً له من بعض ، وإن الإيمانَ يزيدُ ولا ينقصُ ، وإن من كان مؤمناً لم يَزُلْ عنه اسمُ الإيمان إلا بالكفر (١) 0000 O [ الشبيبيَّةٌ ] وأما الشبيبيةُ ؛ أصحابُ محمد بن شبيب البصريِّ ؛ وهو من زعماء القدريَّة ، إلا أنه خالفهم في الأسماء والأحكام والوعد والوعيدِ . زعمَ هؤلاء : أن الإيمانَ هو الإقرارُ بالله عزَّ وجلَّ، والمعرفةُ بأنه واحدٌ ليس كمثله شيءٌ ، والخضوعُ لله تعالى، وتركُ الاستكبار عليه(٢)، والإقرارُ حـ (١) انظر هذه الأقوال في ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٣٥ - ١٣٦)، و((الفرق بين الفرق)) ( ص٢٠٨ ) . (٢) وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لََّ تَعْلُواْ عَلَى اَللَّهِ﴾ [الدخان: ١٩]. 00000 00000 ٤٣ والمعرفةُ بأنبياء الله عزَّ وجلَّ وبرسله ، وبجميع ما جاؤوا به من عند الله ممَّا نصَّ عليه المسلمونَ ونقلوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ من الصلاةِ ، والصيام ، والحجِّ ، والزكاةِ ، ونحو ذلك ممَّا لا اختلافَ فيه بینھم . وأما الذي اختلفوا فيه : فإن الرادَّ للحقِّ في شيء منه لا يكفرُ ؛ لأنه إنما [ردَّ] استخراجيّاً(١)، ولم يَرُدَّ على الله تعالى، ولا على رسوله صلى الله عليه وسلم ما جاءَ به من عند الله تعالى ، ولا على المسلمينَ ما رَوَوْهُ عن نبيِّهم صلى الله عليه وسلم ونصُّوا عليه . وقالوا : إنَّما ضممنا الخضوعَ إلى الإقرار والمعرفة ؛ لأن إبليسَ عرفَ الله تعالى وأقرَّ به ، وإنما كفرَ باستكباره . 00000 0000 وقالوا : إن الإيمانَ يتبعَّضُ ويتفاضلُ فيه أهلُهُ ، وإن الخَصلةَ من الإيمان [قد] تكونُ طاعةً وبعضَ إيمانٍ(٢) ، وصاحبَها كافرٌ بتركه بعضَ خصالٍ الإيمان ، ولا يكونُ مؤمناً إلا بإصابة الكلِّ ؛ كالرجل الذي علمَ أن الله عزَّ وجلَّ واحدٌ ليس كمثله شيءٌ ، وجحدَ الرسل عليهم الصلاة والسلام ، فهو كافرٌ بجحده إيّاهِم ، وفيه خَصلةٌ من الإيمان ؛ هي طاعةُ الله عزَّ وجلَّ ؛ وهي معرفتُهُ به ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ قد أمرَهُ بها ، والفاسقَ بالفعل مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بمعصيته(٣) (١) لأنه غير معلوم بالضرورة ، وتقدم قريباً أن الاستخراج معناه الاكتساب بالنظر ، وما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( زاد ) . (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( لا ) . (٣) انظر مقالات الشبيبية في ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٣٧ - ١٣٨). CON ٤٤ 00000 [ الإمامُ أبو حنيفةً ] وأما أبو حنيفةً : فإن شيخَنا أبا الحسن الأشعريَّ حكى عنه في «مقالاته)) أنه قال : إن الإيمانَ هو المعرفةُ بالله عزَّ وجلَّ والإقرارُ به ، والمعرفةُ والإقرارُ بالرسول ، وبما جاء من عند الله عزَّ وجلَّ في [الجملة] دون التفسير (١) ولم يجعل العلمَ بالشيء من المُستخرَج إيماناً(٢)، وقال: إن الإيمانَ لا يتبعَّضُ، ولا يزيدُ ولا ينقصُ، ولا يتفاضلُ الناس فيه(٣) وحكى غسانُ وجماعةٌ من أصحاب أبي حنيفةً عنه أنه قال : الإيمانُ : هو الإقرارُ والمعرفةُ بالله عزَّ وجلَّ، والتعظيمُ له ، والهيبةُ منه، وتركُ الاستخفاف بحقِّهِ ، وإنه يزيدُ ولا يَنقصُ (٤) 00 وحكى الكعبيُّ في ((مقالاته)) ومحمد بن شبيب عن أبي حنيفةً في 000 (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( جملة)، والمثبت من (( مقالات الإسلاميين)) ( ص١٣٨ ) . (٢) وعبارة الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٣٩): ( ولم يجعل أبو حنيفة شيئاً من الدين مستخرجاً إيماناً ) ، وانظر ما تقدم قريباً في بيان معنى الاستخراج . (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٣٩). وقال الإمام أبو حنيفة في (( الفقه الأكبر)) (ص١٠) إن صحَّت نسبته إليه: ( وإيمان أهل السماوات والأرض لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمَنِ به ، ويزيد وينقص من جهة اليقين والتصديق ، والمؤمنون مستوون في الإيمان والتوحيد ، متفاضلون في الأعمال ) . في ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٣٩): ( الإيمان: هو الإقرار والمحبة ) بدل (٤) ( الإيمان: هو الإقرار والمعرفة)، وانظر ((الفرق بين الفرق)) (ص ٢٠٣). ٤٥ OC 00000000 الإيمان حكايةً يُكذِّبهما فيها من لم يكن معتزليّاً من أصحاب أبي حنيفةً ؛ وذلك أنهما حكيا عنه : أنه اجتمعَ مع عمرَ بن أبي عثمانَ الشِّمَّزيِّ بمكةً ، فقال الشِّمَّزيُّ لأبي حنيفةَ رحمه الله : أخبرني عمَّن زعمَ أن الله حرَّمَ الخنزيرَ ولكنه لا يدري لعلَّ الخنزيرَ هذه الساعةَ [غيرُ عين الخنزير الذي حرَّمَهُ الله]؟ فقال: هو مؤمنٌ(١) ؛ لأنه قد عرفَ تحريمَ الخنزير في الجملة ، وإنما جهلَ التفسيرَ . فقال له عمرُ : فإن زعمَ أن الله تعالى قد ألزم الخروجَ في الجملة إلى الكعبة ، وللكنه لا يدري لعلها بيتٌ بالصين أو غيرِها ؟ فقال : هو مؤمنٌ . قال : إن زعمَ أن الله عزَّ وجلَّ بعث محمداً رسولاً غيرَ أنه لا يدري لعلَّهُ هذا الزنجيُّ ؟ فقال: هو مؤمنٌ (٢) ويشبهُ أن تكونَ هذه الحكايةُ من كذب المعتزلة على أبي حنيفةَ رحمه الله تعالى ؛ لإنكاره على المعتزلة أصولها في المنزلة بين المنزلتينِ ، (١) ما بين المعقوفين ليس في ( أ، ب)، والموضع سقط من (ج)، وأثبت بتصرف من (مقالات الإسلاميين)) (ص١٣٩) . (٢) وأورد الإمام الأشعري هذه الحكاية في ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٣٨ - ١٣٩) نقلاً عن أبي عثمان الأدمي أنه اجتمع بأبي حنيفة وبعمر بن أبي عثمان . وروى الخطيب في (( تاريخ بغداد)) (٣٧٠/١٣) عن وكيع أنه قال : اجتمع سفيان الثوري وشريك والحسن بن صالح وابن أبي ليلى ، فبعثوا إلى أبي حنيفة ، قال : فأتاهم ، فقالوا : ما تقول في رجل قتل أباه ، ونكح أمّهُ ، وشرب الخمر في رأس أبيه ؟ فقال : مؤمن . ثم ذكر إنكار أربعتهم عليه ، والحقُّ الذي عليه أهل السنة عدم إخراج من فعل ذلك عن دائرة الإيمان ، وفوَّضوا أمره إن لم يتب إلى الله عز وجل ، وقالوا : إن عذَّبه لم يخلِّده في النار ، هذا بعد تسليم صحة الخبر . 00000 ٤٦ 00000 GLYC وفي الوعيد ، ولقوله : بأن الاستطاعةَ مع الفعل ، ولإدخاله المعتزلةَ في أهل الأهواء ، ولقوله : بإثبات علم الله عزَّ وجلَّ وقدرته ، وبأن القَدَرَ خيرَهُ وشرّهُ من الله عزَّ وجلَّ، خلافَ قول القدريَّة معتزلةِ الحقِّ(١) [ أبو معاذٍ التُّومَنيُّ ] وأما أبو معاذ التُّومَنيُّ : فإنه قال : إن الإيمانَ ما عَصَمَ من الكفر ، وهو اسمٌ لخصالٍ إذا تركها التاركُ أو تركَ خَصلةً منها .. كان كافراً ، ولا يقالُ (١) قال الإمام الشهرستاني في ((الملل والنحل)) (١٤١/١) بعد إيراده لههذه الأقوال السابقة المنسوبة إلى أبي حنيفة، وقد نسبها جميعها إلى غسان الكوفي ؛ قال : ( ومن العجيب : أن غسانَ كان يحكي عن أبي حنيفة رحمه الله مثلَ مذهبه ، ويعدُّهُ من المرجئة ، ولعله كذب كذلك عليه . لعمري ! كان يقال لأبي حنيفة وأصحابه : مرجئة السنة ، وعدَّهُ كثيرٌ من أصحاب المقالات من جملة المرجئة . 00000 ولعل السببَ فيه : أنه لمَّا كان يقول : الإيمان هو التصديق بالقلب ، وهو لا يزيد ولا ينقص .. ظنوا أنه يؤخِّرُ العملَ عن الإيمان! والرجلُ مع تخريجه في العمل كيف يفتي بترك العمل ؟! وله سببٌّ آخر ؛ وهو أنه كان يخالفُ القدريَّةَ والمعتزلةَ الذين ظهروا في الصدر الأوَّل ، والمعتزلةُ كانوا يلقِّبونَ كلَّ من خالفَهم في القدر مرجئاً ، وكذلك الوعيديَّةُ من الخوارج ، فلا يبعدُ أن اللقبَ إنما لزمَهُ من فريقي المعتزلة والخوارج ، والله أعلم ) . والحقُّ : أن الإمام أبا حنيفة كان يؤخّر الحكم على أصحاب الكبائر إن ماتوا بغير توية ؛ أيعذبهم الله بذنوبهم فيدخلهم النار تأقيتاً ، أم يغفر لهم ويدخلهم الجنة بغير عقاب ؟ وهو قول عامة أهل السنة، وقال إمام الهدى أبو منصور الماتريدي في ((التوحيد)) ( ص٣٨٢): ( سُئل أبو حنيفةً رحمه الله: ممَّ أخذت الإرجاء ؟ فقال : من فعل الملائكة ؛ حيث قيل لهم: ﴿ أَنْيُونِ بِأَسْمَاءٍ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١]؛ إنهم لما سئلوا عن أمر لم يكن لهم به علم .. فوَّضوا الأمر في ذلك إلى الله ) ، أراد قولهم : لا علم لنا إلا ما علمتنا . ٤٧ DoC للخَصلةِ منها : إيمانٌ ولا بعضُ إيمانٍ . وكلُّ طاعةٍ إذا تركها التاركُ لم يُجمع المسلمونَ على كفره .. فتلك شريعةٌ من شرائع الإيمان ، وتاركُها إن كانت فريضةً موصوفٌ بالفسق ، ولا يقالُ له بالإطلاق : فاسقٌ . ولا يخرجُ بالكبائر من الإيمان إذا لم يكن كفراً وتاركُ الفرائض على الجحودِ لها والاستخفافِ بها كافرٌ بالله عزَّ وجلَّ ؛ لاستخفافه وردِّهِ وجحودِهِ ، وإن تركَها كسلاً غيرَ مستحلٌّ لتركها فليس بكافر ؛ إذا كان عازماً على أن يُصلِّيَها في يوم من الأيام . وقال أبو معاذ : إن من قتلَ نبيّاً أو لطمَهُ .. كفر، لا من أجل أن اللطمةَ والقتل كفرٌ ، ولكن من أجل الاستخفافِ أو العداوةِ أو البغضِ له . وكان يقول : إن الموصوفَ بالفسق من أهل الكبائر ليس بوليٍّ الله عزَّ وجلَّ ولا عدوٍّ له(١) OOOO [ المَرِیسيُّ وابنُ الراونديِّ ] وأما بشرٌ المَرِيسيُّ فإنه قال : إن الإيمانَ هو التصديقُ ، وذلك معناه في اللغة ، وما ليس بتصديقٍ فليس بإيمان ، إلا أن التصديقَ يكونُ بالقلب واللسان جميعاً (٢) (١) انظر هذه الأقوال في ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٣٩-١٤٠)، و((نهاية المرام)) (ص٢٢٩)، ولا يخفى أن كثيراً من هذه الاعتقادات وافق فيها التومنيُّ أهلَ السنة والجماعة . (٢) انظر ((نهاية المرام)) (ص ٢٣٠). Y CHONE ٤٨ C CX وإلى هذا القول ذهب ابنُ الراونديِّ . وقال ابنُ الراونديُّ: إن الكفرَ هو الجحودُ والإنكارُ والتغطيةُ والسَّتْرُ ، وليس الكفرُ إلا ما كان في اللغة كُفراً، ولا إيمانَ إلا ما كان في اللغة إيماناً . وزعم : أن السجودَ للصنم والشمس والقمر ليس بكفر ، ولكنه عَلَمٌ على الكفر ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ بيَّنَ لنا: أنه لا يسجدُ للشمس إلا كافرٌ(١) فههذا مذهبُ المضيفينَ للإيمان إلى القلب واللسان . [ القائلونَ بأنَّ الإيمانَ بالقلبِ وحدَهُ، دونَ اللسانِ والأركانِ ] وأما الذين أضافوا الإيمانَ إلى القلب وحدَهُ فهم أربعُ فِرَقٍ : الجهميَّةُ ، والصالحيَّةُ ، والحسينيَّةُ ، والأشعريّةُ . 000000 (١) انظر هذه الأقوال في ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٤٠-١٤١). واعلم : أن أهل السنة حينما جعلوا الإيمان بمعنى التصديق بيّنوا أن الإذعان والقبول مقارنٌ لهذا التصديق لا ينفكُ عنه ، وما قاله ابن الراوندي في مسألة السجود للصنم أنه كفر ، بل هو علامة على الكفر .. ليس ببعيد إن حصل للساجد التصديق ، قال العلامة المحقق التفتازاني في (( شرح العقائد النسفية)) (ص٢٧٢) وهو يتحدَّث عن التصديق : ( فلو حصل هذا المعنى لبعض الكفار كان إطلاق اسم الكافر عليه من جهة أن عليه شيئاً من أمارات التكذيب والإنكار ، كما إذا فرضنا أن أحداً صدَّق بجميع ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، وسلَّمه وأقرَّ به وعمل به ، ومع ذلك شدَّ الزنَّار بالاختيار أو سجد للصنم بالاختيار .. نجعله كافراً؛ لما أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام جعل ذلك علامةَ التكذيب والإنكار ) . 00000 ٤٩ [ الجهميّةُ ] أما الجهميّةُ : فإنها زعمت أن الإيمانَ بالله : هو المعرفةُ بالله ورسلِهِ ، ويجميع ما جاء به من عند الله عزَّ وجلَّ، وأن ما سوى المعرفةِ ؛ من الإقرار باللسان ، والأعمالِ بالأركان ، والخضوع بالقلب ، والخوفِ من الله عزَّ وجلَّ، والتعظيم لأمره .. ليس بإيمان ، والكفرَ : هو الجهلُ بالله عزَّ وجلَّ . ولأن من عرفَ الله تعالى بقلبه ، وجحدَهُ بلسانه ، وماتَ قبل إقراره به .. فهو مؤمنٌ ، مستكملٌ الإيمانَ . وهذا قولُ جهمٍ بن صفوانَ(١) . 000000Y [ الصالحيّةٌ ] وأما الصالحيّةُ : فهم أصحابُ أبي الحسين الصالحيِّ ؛ وهو من زعماء القدريّة ، غيرَ أنه خالفها في الإيمان ، فزعم : أن الإيمانَ خَصلةٌ واحدةٌ ؛ وهي المعرفةُ بالله عزَّ وجلَّ فقط ، ولا إيمانَ إلا المعرفةُ به سبحانه ، ولا الكفرُ إلا الجهلُ به(٢) (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٣٢). (٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٥١)، وعبارة العلامة الشهرستاني في ((الملل والنحل)) (١٤٥/١): ( أما الصالحي فقال : الإيمان: هو المعرفة بالله تعالى على الإطلاق ؛ وهو أن للعالم صانعاً فقط ، والكفر : هو الجهل به على الإطلاق ) . DO ٥٠ OOOO وأن قولَ القائل : ( ثالثُ ثلاثةٍ ) ليس بكفر ، وللكنه لا يظهرُ إلا ممَّن كان كافراً ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ أكفرَ من قال ذلك(١) وليس الإيمانُّ بالرسول إيماناً ولا من الإيمان (٢)، ولكن الرسولَ إذا جاء فلا يؤمنُ بالله إلا من آمنَ بالرسول ، لا من أجل أن ذلك يستحيلُ ، ولكن من أجل [أن] الرسول عليه الصلاة والسلام قال: ((مَنْ لم يُؤمنْ بي فليسَ مؤمناً))(٣) 000000000 [ الحسينيَّةُ ] وأما الحسينيّةُ : فهم أصحابُ الحسين بن الفضل البجليِّ ؛ وهو من أئمّة أصحاب الحديث في أصولها(٤) ، غيرَ أنه قال : إن الإيمانَ : هو التصديقُ بالقلب ، دون الإقرارِ وسائرِ الطاعات، وإن الإسلامَ : إقرارٌ وعملٌ(٥) وفرَّقَ بين المعرفة والتصديق : فجعل المعرفةَ هبةٌ من الله عزَّ وجلَّ ، O (١) ولإجماع المسلمين على ذلك أيضاً. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٣٣). (٢) وعبارة الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٣٣): (وأصحابُ ههذا القول : لا يزعمون أن الإيمانَ بالله إيمانٌ بالرسول ، وأنه لا يؤمنُ بالله إذا جاء الرسولُ إلا من آمن بالرسول ، ليس لأن ذلك يستحيلُ، ولكن لأن الرسولَ قال: ((ومن لا يؤمن بي فليس بمؤمن بالله»)، وانظر ((الفرق بين الفرق)» (ص٢٠٧). (٣) رواه بنحوه الإمام أحمد في ((مسنده)) (٤/ ٧٠) من حديث جدة رباح بن عبد الرحمن ابن حويطب رضي الله عنها ، وهو معنىّ مفهوم من ظواهر الكتاب وصحيح السنة . (٤) انظر (( سير أعلام النبلاء)) (٤١٤/١٣)، قال فيه الحاكم: ( الحسين بن الفضل البجلي ، صاحب عبد العزيز المكي المقدَّم في معرفة الكلام ). انظر ((نهاية المرام)) (ص٦٦٩)، و(( تبيين كذب المفتري)) (ص٦٢٦) . (٥) انظر ( مفاتيح الغيب)) (٢٨/٢). 00000 ٥١ كأنه أراد أنها ضروريَّةٌ ، وجعل التصديقَ كسباً لنا . وكذلك الكفرُ عنده ؛ وهو تكذيبُ القلب ، دون الجحودِ باللسان . [ الأشعريَّةُ ] وأما الأشعريَّةُ : أصحابُ شيخنا أبي الحسن الأشعريِّ رحمه الله .. فإنهم قالوا : إن الأسماءَ على ما كانت عليه في اللغةِ قبل استقرار ههذه الشريعةِ ، والإيمانُ في اللغة موضوعٌ للتصديق ، فهو حقيقةٌ ، وحقيقةُ التصديق : اعتقادُ المُعتقِد صدقَ من يؤمنُ به (١) ، وليس إقرارُ اللسان مع إنكار القلب إيماناً (٢) ، وليس المنافقُ مؤمناً على الحقيقة، بل هو كافرٌ لاعتقاده الكفرَ ، غيرُ مؤمنٍ بإقراره(٣) قال الإمام الرازي في ((مفاتيح الغيب)) (٢٨/٢): ( والمراد من التصديق بالقلب : (١) الكلام القائم بالنفس ) ، ثم شرح ماهية هذا التصديق بكلام يطول ، خلاصته : أن الإيمان هو الحكم الذهني ، وهو زائد على العلم بالشيء ؛ فبعد علمك بحدوث العالم مثلاً تحكم عليه ذهناً بالحدوث ، وقل مثل هذا في المعرفة . (٢) غير أنهم اختلفوا في هذا الإقرار مع تصديق القلب ؛ فبعضهم جعله شرطاً للإيمان دنيا وأخرى ، وبعضهم جعله شطراً كذلك ، وحكم حجة الإسلام الغزالي كما تقدم (٧٢١/٢) بإيمان الآبي، ونقله الإمام الرازي في (( مفاتيح الغيب)) (٢/ ٣٠) وقال : ( إن الامتناع عن النطق يجري مَجْرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان ) . (٣) قال الإمام الآمدي في ((أبكار الأفكار)) (٧/٥): (الإيمانُ: هو تصديق القلب ، وهو مذهب الشيخ أبي الحسن ، والقاضي أبي بكر ، والأستاذ أبي إسحاق ، وأكثر الأئمة ، ووافقهم على ذلك الصالحي وابن الراوندي من المعتزلة ) . قال القاضي أبو بكر الباقلاني في (( رسالة الحرة)) المطبوع باسم ((الإنصاف)) ( ص٥٣): ( واعلم : أنا لا ننكر أن نطلق القول : بأن الإيمان عقد بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالأركان ، على ما جاء في الأثر ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما أراد= ٥٢ O قالوا : ومعنى الكفرِ في اللغة: السَّترُ والتغطيةُ، والمُنكِرُ لله عزَّ وجلَّ بقلبه قد سترَ على نفسه نِعمَ الله عليه ، وليس إظهارُ الكفر باللسان مع اعتقادٍ الإيمانِ كفراً على الحقيقة ؛ لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَئِنُّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦](١). وكان أبو الحسن الأشعريُّ رحمه الله يقول : ( إن التعظيمَ الله عزَّ وجلَّ والمحبّةَ والخضوعَ من شروط الإيمان )(٢) ، وكأنَّ ما جعلَهُ شرطاً من شروط الإيمان بالله عزَّ وجلَّ فهو شرطٌ من شروط الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم . وقد قال في بعض كتبه : ( إن الذي أختارُهُ في الإيمان : هو ما ذهبَ إليه الصالحيُّ في الإيمان ؛ كان يقول : إن الصلاةَ والصيامَ والزكاة والحجّ وسائرَ الطاعات شرائعُ الإيمان، وإن قيل لها : ((إيمانٌ)) فعلى التوسُّع ؛ بمعنى : أنها شرائعُ الإيمان)(٣) 00000 وكان يقول : إن الإيمانَ وإن كان تصديقاً وخَصلةً واحدةً .. فإنه يجوزُ عليه الزيادةُ(٤)؛ لأن الإيمانَ بالله عزَّ وجلَّ خالقِ الأجسام غيرُ الإيمان بأنه بذلك : أن يخبر عن حقيقة الإيمان الذي ينفع في الدنيا والآخرة ؛ لأن من أقرَّ بلسانه ، = وصدَّق بقلبه ، وعمل بأركانه .. حكمنا له بالإيمان وأحكامِهِ في الدنيا من غير توقف ولا شرط ، وحكمنا له أيضاً بالثواب في الآخرة وحسن المنقلب ) . (١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٤٩). (٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٥١). (٣) انظر (( مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٥١_١٥٢) . (٤) في (أ) زيادة: (والنقصان)؛ قال الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) ( ص١٥٣) حكاية عن الإمام الأشعري : ( وكان يقول : إن الإيمان وإن كان تصديقاً= أرسلَ محمداً صلى الله عليه وسلم ؛ إذ قد يؤمنُ بأن الله عزَّ وجلَّ خلقَ الأجسامَ من لم يسمعْ بذكر محمد عليه الصلاة والسلام ، فإذا سمعَ به جدَّدَ إيماناً بأن الله عزَّ وجلَّ أرسلَهُ(١) . وكان يقول: إن الإيمانَ لا ينقصُ(٢) وكان يقول : إن الإيمان بالله غيرُ الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم ، غيرَ أن الشرعَ منعَ من تسمية من لم يؤمنْ بالرسول عليه الصلاة والسلام مؤمناً ، وإن كان مؤمناً بالله عزَّ وجلَّ (٣). فهو خَصلةٌ واحدةٌ ، وإنه يجوزُ عليه الزيادةُ بزيادة ما يضافُ إليه ، فيتجدّدُ بإضافته إليه = من الإقرار والتصديق ما لم يكن قبل ذلك ) . (١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٥٣)، ومثاله في الأصول الاستخراجية: أن من علم وصدق بأنه تعالى عالم وقادرٌ .. فهو مؤمنٌ ، ومن علم أنه عالم بعلم وقادر بقدرة .. فقد زاد في إيمانه وجدَّده . (٢) قال الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٥٣) حكاية عن الإمام الأشعري : ( وكان لا يقول في الإيمان: (( إنه ينقص )) لأمرين: 00000 أحدهما : أن الوصف بالنقصان ليس من الأوصاف المحمودة ، وفيه ضرب من التحقير والتهجين ، وكل ما كان كذلك لم يُطلَقْ منه إلا ما حصل الإجماع على وجهه . والثاني : أنه قد خُبِّرنا: أنه متى زال منه زال جميعُهُ؛ بما ثبت : أن الكافر بمحمد صلى الله عليه وسلم كافرٌ بالله تعالى من كلِّ وجهٍ سمعاً لا عقلاً ) . ونقل الإمام الأشعري في ((رسالة إلى أهل الثغر)) ( ص ١٥٥ ) الإجماع على زيادة الإيمان ونقصانه ، ثم قال : ( وليس نقصانُهُ عندنا شكٌ فيما أمرنا بالتصديق به ، ولا جهلٌ به ؛ لأن ذلك كفرٌ ، وإنما هو نقصانٌ في مرتبة العلم وزيادةِ البيان ، كما يختلف وزن طاعتنا وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم وإن كنا جميعاً مؤدِّينَ للواجب علينا ) ، وكذا وقعت كلمتا ( شك ، جهل ) بالرفع على أن اسم ليس هو ضمير الشأن . (٣) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٥٣). ٥٤ PAYO وكذلك كان يقول : في الإيمان بالحشر والنشرِ ، وعذابِ القبرِ ، والحوضِ والصراطِ ، وما يجري مجراه من أحكام الشريعة . [ القائلونَ بأنَّ الإيمانَ باللسانِ وحدَهُ، دونَ القلبِ والأركانِ ] وأما الذين زعموا أن الإيمانَ مضافٌ إلى اللسان وحدَهُ .. فهم ثلاثُ فِرَقٍ : فضليّةٌ ، وسعيديَّةٌ ، وكراميَّةٌ مجسمةٌ . [ الفضليّةُ ] فأما الفضليّةُ: فهم أصحابُ فضل الرَّقَاشيِّ(١)؛ زعموا : أن الإيمانَ هو الإقرارُ بالله وبما جاء من عنده ، وليست المعرفةُ من الإيمان ؛ لأن المعرفةً عندهم ضرورةٌ . OC وحُكيَ عنهم : أنهم أطلقوا اسمَ الفاسق على مرتكب ما فيه الوعيد ذِكراً ، ولم يجعلوا فيه وعيداً(٢) [ السَّعيديَّةُ الكلابيَّةُ] وأما السّعيديَّةُ : فهم أصحابُ أبي محمد عبدِ الله بن سعيد القطان(٣)؛ (١) واسمه: الفضل بن عيسى، رماه ابن عيينة بالقدر. انظر ((ميزان الاعتدال)) (٣٥٦/٣). فهو فاسقٌ لورود النصرِّ بتسمية من فعل الكبيرة أو أصرّ على الصغيرة بالفاسق، ولإجماع الأمة (٢) على هذه التسمية، أما من حيث الحقيقة فهو مؤمن ، وكأنه من المرجئة القدرية الذين قالوا: لا وعيد في حقِّ المؤمن، كما أنه لا وعدَ في حقِّ الكافر. انظر ((نهاية المرام)) (ص٢٢٨). (٣) المعروف بابن كُلَّاب ، من أعيان أهل السنة المتقدمين ، قال فيه ابن أبي زيد القيرواني= ٥٥ وم قالوا : إن الإيمانَ هو الإقرارُ باللسان إذا كان مقروناً بالمعرفة والتصديقٍ ، ولا يكونُ القولُ إيماناً بلا معرفة، وإذا اقترن القولُ بالمعرفة والتصديقٍ بالقلب .. صار القولُ حينئذٍ إيماناً . وشبَّهوا ذلك بالصلاة : تصحُّ بشرط تقديم الطهارةِ وسائرٍ شروطها عليها ، فإِذا اقترنت بشروطها فهي الصلاةُ دون شروطها . وكان عبدُ الله بن سعيد يقول: ( إن هذا القولَ من المؤمن ذِكرُ(١). ومن الكافر الذي يدخلُ به في الإسلام إيمانٌ ) . ، [ الكراميَّةُ ] وأما الكراميَّةُ المجسّمةُ : فإنهم زعموا : أن الإيمانَ إقرارٌ فردٌ على الابتداء ، وتكريرَهُ ليس بإيمان إلا من مرتدٌ . ٥ وزعموا : أن الإيمانَ هو الإقرارُ الموجودُ من كلِّ نفس في الذرِّ الأوّل ؛ = المالكي : ( وما علمنا مَنْ نسب إلى ابن كُلاب البدعةَ ، والذي بلغنا: أنه يتقلَّد السنة ، ويتولَّى الردّ على الجهمية وغيرهم من أهل البدع). انظر (( تبيين كذب المفتري)) (ص٦٩٨)، توفي رحمه الله تعالى سنة (٢٤٠ هـ) أو بعدها بقليل. انظر ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٣٠٠/٢) . وقال الإمام ضياء الدين والد الفخر الرازي في ((نهاية المرام)) ( ص٦٦٩): (ومن متكلِّمي أهل السنة في أيام المأمون : عبد الله بن سعيد التميمي ، الذي دقّرَ المعتزلة في مجلس المأمون ، وفضحهم ببيانه ، وهو أخو يحيى بن سعيد القطان وارثٍ علم الحديث وصاحبٍ الجرح والتعديل)، وقال الحافظ الزبيدي في ((تاج العروس، ( ك ل ب ) في كونه أخاً ليحيى القطان : ( وفيه نظر ) . أراد بالقول : لفظ الشهادتين الدَّالتين على إيمان القلب. (١) 00000 00000 ٥٦ لأن ذلك القولَ باقٍ لا يفنى إلا بضدِّهِ(١) وزعموا : أن من اعتقدَ الكفرَ بقلبه وأقرَّ بلسانه .. كان مؤمناً حقّاً بإقراره ، كافراً حقّاً باعتقاده ، وأن [المنافقين] في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنينَ حقّاً(٢) ، إيمانُهم كإيمان جبريل وميكائيلَ ومحمدٍ عليهم الصلاة والسلام(٣) فهذه جملةُ الأقوال في أصلِ الإيمانِ والكفرِ ومعناهما ، والله سبحانه وتعالى أعلم . 000 00 DO 00000 (١) وعبارة الإمام المصنف في ((أصول الدين)) (ص ٢٥٠): (وزعمت الكرامية : أن الإيمان إقرار فرد ؛ وهو قول الخلائق: (( بلى )) في الذَّرِّ الأول ؛ حين قال الله تعالى لهم: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢])، وانظر ما تقدم (٧٦٩/٢). (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( المؤمنين) ، وعبارة الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٤١): (وزعموا : أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين على الحقيقة )، وعبارة الإمام المصنف في ((أصول الدين)) ( ص١٨٩): (وزعمت الكرامية : أن المنافق المضمر للشرك مؤمن حقّاً ، وأن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل والأنبياء أجمعين ). (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٤١)، و((الفرق بين الفرق)) (ص٢١٤). LON 000 الفصل الرابع في بيان احتمال الإيمان للزيادة والنقصان. اعلمْ : أن الذينَ قالوا : إن الإيمانَ قولٌ فردٌ، أو معرفةٌ مفردةٌ(١) .. فإن الإيمانَ عندهم لا يزيدُ ولا ينقصُ . وأما الذين أضافوا الإيمانَ إلى القلب واللسان : فإن النجَّارِيَّةَ منهم قالوا : إن الإيمانَ يزيدُ ولا ينقصُ ، وكذلك قولُ أبي حنيفةَ (٢). والشبيبيَّةُ منهم : أجازوا التفاضلَ في الإيمان(٣) والذين قالوا : إن جنسَ الطاعات إيمانٌ(٤) .. فإنهم يرون الزيادةَ في الإيمان والنقصانَ منه بكثرة الطاعات ونقصانها . وهؤلاء يقولون : إن إيمانَ الأنبياء عليهم الصلاةُ والسلامُ يزيدُ (١) يعني: أنه مجرَّد عن اللسان وسائر الأركان، وتقدم الحديث عنهم (٥٦/١) . (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٣٦، ١٣٩)، وقد تقدم نقل الإمام المصنف (٤٥/٣) عن الإمام أبي حنيفة في هذه المسألة بأنه لا يزيد ولا ينقص . (٣) تقدم (٣/ ٤٤) . (٤) يعني : أن الإيمان اعتقاد بالقلب، وإقرار باللسان ، وعملٌ بالأركان ، وتقدم الحديث عنهم (١٩/٣). 00000 00000 ٥٨ O ولا ينقصُ(١)، والإيمانَ المُحتمِلَ للزيادة والنقصان [هو إيمان غيرهم]. فالإيمانُ إذاً في الزيادة والنقصان على هذه الأقسام الثلاثة . ودليلهم على الزيادة في الإيمان : ستُّ آياتٍ في القرآن ذكرها الله عزَّ وجلَّ فيها الزيادةُ في الإيمان(٢)، والله سبحانه وتعالى أعلم. Ooo (١) وكذلك الملائكة الكرام عليهم السلام؛ لتحقّق العصمة ، ومنهم من قال في حقهم : إنه لا يزيد ولا ينقص . 000 00 (٢) وهي قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَبُّكُمْ زَادَتَّهُ هَذِهِءٍ إِيمَنَا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبِشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. وقوله سبحانه: ﴿ وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَخْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولَةٌ وَمَا زَّادَهُمْ إِلَّ إِيمَنَّا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]. وقوله عز وجل: ﴿ هُوَ اَلَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِنَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَانًا مَعَ إِيَمْنِهِمٌ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَ كَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤]. وقوله جلَّ من قائل: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاْ أَضْحَبَ النَّارِ إِلَّا مَلَتِكَهُ وَمَا جَعَلْنَا عِنَّتَهُمْإِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْفِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيمَنًا ... ) الآية [المدثر: ٣١]. 000000 9 0000 ACON