النص المفهرس
صفحات 641-660
OO OO d وفي الحديث : أن رجلاً قال : يا رسول الله ؛ أيُّ الليلِ أَجْوَبُ دعوةٌ ؟ قال: ((جوفُ الليل الغابرِ))(١)، قال شَمِرُ بن حمدويه: ( أَجْوَبُ: أسرعُ إجابةً ، كما يقال : أطوعُ من الطاعة ، والأصلُ فيه : جاب يجوبُ ، مثل : طاع يطوع)(٢) [ معنى ( الجواب ) في علم الكلام ] قال عبدُ القاهر : حقيقةُ ( الجَوَابِ ) عند أهل الجدل : الإخبارُ عن مضمون السؤالِ ، ومتى وقعَ الإخبارُ عن مضمون السؤال .. كان جواباً ؛ لأن المجيبَ يقطعُ معنى الخبرِ إثباتاً أو نفياً ، والسائلَ لا يقطعُ بأحدهما في سؤاله . فإذا قال السائلُ للمسؤول : ( هل أتاك زيدٌ؟ ) فقد علَّقَ سؤالَهُ بأحد أمرين ؛ إما نعم ، وإما لا ، فالمجيبُ يقطعُ بأحدهما فيقول : نعم ، أو لا 000 ومن حقِّ الجوابِ في الجدل والنظر : أن يكونَ مطابقاً للسؤال ، فإن زاد على مضمون السؤالِ : كانت الزيادةُ عليه ابتداءً ، وكان الجواب داخلاً عليه في ضمنه ، وإن كان ناقصاً عنه : فهو جوابٌ عن بعض ما وقعَ السؤالُ عنه . = قولك : جبتُ الفلاة ؛ إذا دخلتها ) . (١) رواه بنحوه أبو يعلى في ((المسند)) (٥٦٨٢)، والطبراني في «المعجم الأوسط » (٣٤٢٨) من حديث سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما، والسائل : هو سيدنا عمرو بن عنبسة رضي الله عنه كما جاء مصرَّحاً به عند الطبراني في ((الدعاء)) ( ١٢٨ - ١٣٤). (٢) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٤٩/١١). CON OOOOoO وقد استقصينا ذكرَ وجوهِ الأَسْوِلةِ والأجوبة في كتاب ((عيار النظر))(١) وإذا صحَّ ما ذكرناه في معنى ( المُجيبِ ) و( الجواب ) .. كان وصفُ الله عزَّ وجلَّ بأنه مُجِيبٌ مُحتمِلاً أحدَ أمرينٍ : أحدُهما : إجابتُهُ عن سؤال العبد بإعطائه إيَّاه مطلوبَهُ ، ويكون على هذا الوجه من أوصافه الفعليّة (٢) والثاني : إجابتُهُ عن سؤال غيره بكلامه ، فيكون على هذا التأويل من أسمائه الأزليّة ؛ عند من أجاز خطابَ المعدوم ، والجوابَ عمَّا يعلمُ المخاطَبُ حدوثَهُ من أسولة السائلين ، ولا يكون من أوصافه الأزليّة عند من لم يُسمِّ كلامَهُ في الأزل خطاباً ولا جواباً (٣) وأجمعت الأمَّة : على تسمية الله عزَّ وجلَّ مُجيباً وسائلاً ، سوى من شذَّ منها في امتناعه عن تسميته إيَّه بهذين الاسمينِ من الجهميّة. وكلُّ من سمَّاهُ سائلاً ومجيباً .. أجاز أن يقال: إنه مُستخبِرٌ ؛ بمعنى: أنه طالبٌ للخبر . ومـ ولا يجوز بإجماعهم أن يقال : مُستفهِمٌ ؛ لأنه لا يَستفهمُ عن شيءٍ ، (١) انظر ((عيار النظر)) (ص٤٣٧، ٤٨٣) وما بعدهما (٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٥٤) . (٣) قال الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٥٧): ( وكان يقول - مما اختصَّ به من دون المتقدِّمينَ من المشايخ - : إن الله تعالى لم يزل آمراً ناهياً) ، ثم قال : ( وليس من شرط الأمر عنده في تعلقه بالمأمور وجودُهُ ولا وجودُ قدرته ، بل كان لا يمنع من القول: بأن الأمر أمرٌ لمن يكون قبل أن يكون ) . ٦٤1200 ولا يخفى عليه شيءٌ فَيَستفهمَ عنه، ولذلك لا يقالُ له: مُستفهمٌ ولا مُستعلِمٌ . ولذلك لم نرضَ في حدِّ السؤال قولَ من قال : إنه الاستفهامُ ، ورضينا قولَ من قال: إن السؤالَ الجدليَّ: هو الاستخبارُ ، دون سؤال الجدّةِ (١)، ودون سؤال العفوِ وكظم الغيظِ (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب. 10 DO O OC O (١) أراد سؤالَ السُّؤَّال واستجداءَهم، والحِدَةُ: الغنى، والمعروف هو الجَذوى هنا، لا الجِدّة . (٢) إذ ليس هذا من سؤال الجدليين في شيء، وقال الإمام المصنف في ((عيار النظر)) ( ص٤٤٠): ( السؤال في الجدل يدور على أربعة أقسام : سؤالٌ عن المذهب، وسؤالٌ عن الدلالة ، وسؤالٌ عن وجه الدلالة ، وسؤالُ إلزام ) . 00000 ٦٤٢ 00000 ذكر معنى (المحصي) من أسمان عزوجل اعلمْ : أن المحصيَ له معنيان : أحدُهما : مأخوذٌ من الإحصاء الذي هو عدُّ المعدود ، والله سبحانه وتعالى مُنزَّةٌ عن هذا المعنى؛ لأنه لم يزل عالماً بعدد كلِّ ما يخلقُهُ من المعدودات ، وهو عالمٌ بعددها بعد خلقه لها ، غيرُ محتاج إلى عدِّها . 0000 والوجهُ الثاني : مأخوذٌ من الإحصاء الذي هو بمعنى العلم بالشيء ؛ مشتقٌّ من الحَصاة التي هي بمعنى العلمِ والعقلِ ؛ من قولهم : فلانٌ ذو حَصاةٍ وأصاةٍ (١)؛ إذا كان عالماً ذا معرفةٍ بالأمور؛ قال طرفةُ بن العبد(٢) : [من الطويل] وإنَّ لسانَ المرءِ ما لم تكنْ لهُ حَصاةٌ على عوراتِهِ لدليلٌ والوجهُ الثالثُ في ( المحصي ) : أن يكونَ مأخوذاً من الإحصاء الذي هو بمعنى الإطاقة، وفي الحديث: ((استقيمُوا، ولَنْ تُحْصُوا))؛ أي : لن تطيقوا، ((واعلموا أنَّ خيرَ أعمالِكم الصلاةُ))(٣) (١) الأصاة: الرزانة؛ كالحصاة؛ قال ابن الأعرابي: ( آصى الرجل: إذا عقل بعد رعونة ) . انظر (( تاج العروس )) ( أص ي ) . (٢) انظر ((ديوانه بشرح الشنتمري)) (٩٢/١). (٣) رواه ابن ماجه ( ٢٧٧) من حديث سيدنا ثوبان رضي الله عنه . حد x 000 x وعلى هذا تأوَّلَ قومٌ قولَهُ عزَّ وجلَّ في قيام الليل: ﴿عَلِمَ أَلَّنْ تُخْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ أي: لن تطيقوه(١) فالوجهُ الأوَّلُ : غيرُ لائق بأوصاف الله عزَّ وجلَّ . والوجهان الآخران : يصحُّ معناهما فيه ؛ فهو المحصي للأشياء عِلماً بها وبصفاتها وعددها، كما قال: ﴿وَأَحْصَى كُلّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]؛ أي : علمَ أعدادَها ، وهو المطيقُ القادرُ على المُحدَثات كلِّها . وعلى هذين الوجهينِ : يكونُ المحصي من أوصافه الأزليّة ؛ لأنه لم يزل عالماً قادراً . وفي إحصائه أعدادَ الأشياء وقدرتِهِ عليها وعلمِهِ بها .. إيطالٌ لقول قوم من مخالفينا : إحداها(٢): النظَّاميةُ والفلاسفةُ المدَّعيةُ : أن الأجزاءَ لا نهايةَ لها في المقدور والصغرِ(٣)؛ إذ لو لم يكن للأجزاء نهايةٌ في التجزُّؤ .. لَمَا كان الله سبحانه مُحصِياً لها ، ولا عالماً بأعدادها (٤) (١) قاله الحسن البصري وسعيد بن جبير وغيرهما. انظر ((شأن الدعاء)) (ص٢٧)، و((الدر المنثور)) (٨/ ٣٢٢). (٢) ووجه التأنيث : رجوع الضمير على اسم جمع . انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣١٨)، وما تقدم (١١٠/٢). (٣) ذلك من خصائص العلم الإلهي ، أو أن أجزاء الشيء لا عددَ لها ، وإنما يثبت الجهلُ إن كان لها عددٌ ولم يعلمه سبحانه ، فأما إن لم يكن لها في نفسها عدد فلا يلزم منه محال . هذا ينعكس على أهل السنة في إثباتهم تعلُّق العلم القديم بمعلومات لا نهاية لها على أن (٤) ولا خلاف عند الملِّيِّين أن الله عالم بمعلوماتٍ لا نهايةً لها ، ولكن وجهُ الإحالة عليهم : هو دخولُ ما لا نهاية له في حيِّر الوجود الخارجي ، وهذا محالٌ عقلاً . 00000 -٦٤٤ والفرقةُ الثانيةُ : المَعْمَرِيَّةُ ؛ أصحابُ معمر في زعمها : أن الأعراضَ الحادثةَ في الأجسام لا نهاية لها (١) ، ولا يوصفُ الله تعالى بأنه عالمٌ بمقادير عددها ؛ إذ لا نهايةَ لعددها . والفرقةُ الثالثةُ : الأزليَّةُ من الدهريَّة ، فإن طائفةٌ منهم زعموا : أنه لا شبرَ من الأرض إلا وراءَهُ شبرٌ غيرُهُ، ولا نهايةً للأرض ولا للهواء ولا للسماء في الأقطار (٢) وزعموا : أنه لا إنسانَ إلا من إنسانٍ قبلَهُ ، وليس للحيوانات وأنواع النباتِ ابتداءٌ لم يكن قبلها أمثالُها . وكذلك قولُ الثنويَّة في دعواها : أن النورَ والظلمةَ لا نهايةَ لهما من غير جهةِ امتزاجهما (٣) وقد أراد الله عزَّ وجلَّ بقوله : ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] الإبانةَ عن كون كلٌّ ركنٍ من أركان العالم محصوراً متناهيَ الأجزاء والأعداد ؛ لتناهيها في أنفسها ، وإن لم يُعرِّفْ عبادَهُ مقاديرَ أعدادها فقد عرفنا صحَّةَ هذا القول بدلائل العقولِ ، إلا أن الشرعَ ورد بتأكيد ما دلَّ عليه العقلُ ، والله أعلم . (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٧٢ - ٣٧٣، ٤٨٨)، و(( الفرق بين الفرق" ( ص١٥٢ - ١٥٣ ) . (٢) وقد نقل الإمام المصنف في ((الفرق بين الفرق)) (ص٣٣١) عن بعضهم : أن نهاية الأرض من الجهة التي تلاقي الهواء من فوقها ، وأن السماء متناهية من تحتها ، وانظر (( مجرد مقالات الأشعري)) ( ص ٢٧٧ ). (٣) انظر ((المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (١٠/٥)، و((الفرق بين الفرق)) (ص١٤٠). ٦٤٥ Oc ذكر معنى (المحيط) من أسمانه عزوجل لهذا الاسم معنيان : أحدُهما : مأخوذٌ من الإحاطة التي في قوله: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩]، رُويَ عن مجاهد أنه قال: هو جامعُهم يوم القيامة(١) يقالُ منه: حاطَهُ يَحوطُهُ حَوْطاً وحِيطَةٌ(٢) وقولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]؛ يعني: أنهم تحت حکمه(٣) وقولُهُ: ﴿عَذَابَ يَّوْمٍ تُحِيطٍ﴾ [هود : ٨٤] من قولهم : أحاط بهم الأمرُ ؛ إذا أخذَهم من جميع جوانبهم فلم يكن لهم عنه مَخْلَصٌ (٤) 00 ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]؛ أي: [تُؤْخذوا] من جوانبكم(٥) ، ومنه: الحائطُ: الدائرُ حول الشيء(٦) (١) رواه بنحوه الطبري فى ((تفسيره)) (٣٥٦/١) عنه . انظر ((تهذيب اللغة)) (١٩٩/٥)، و((الغريبين)) (٥١١/٢). (٢) (٣) رواه بنحوه الطبري فى (( تفسيره)) (١٧ /٤٧٩) عن مجاهد . (٤) في جميع النسخ: ( عذاب محيط ) بدل ( عذاب يوم محيط )، وانظر ((الغريبين )) (٢ /٥١١ ) . (٥) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( تؤخذون ) . (٦) انظر ((الغريبين)) (٥١١/٢). 00000,٦٤٦ X وقولُهُ: ﴿وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيْئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]؛ أي : مات على شِرْكِهِ ، لم يكن له مَخْلصٌ من عذابه بعد موته(١) وعلى هذا التأويل : يكون من أسمائه المشتقَّة من أفعاله . والوجهُ الثاني في معنى ( المحيطِ ) : أن يكونَ بمعنى العالم بالشيء ، ومنه قولُ الهدهد لسليمانَ عليه السلامُ: ﴿أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ،﴾ [النمل: ٢٢]؛ أي : علمتُهُ(٢) وعلى هذا يُتأوّلُ قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَتِهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]؛ أي: عَلِمَهُ(٣)، ومنه قولُهُ: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]. 00000000 وعلى هذا الوجه : يكون ( المحيطُ ) من أوصافه الأزليّة ؛ لأنه لم يزلْ عالماً بالمعلومات كلُّها ، خلافَ قول من قال من الجهميّة : بحدوث علمه(٤)، وخلافَ قول من زعمَ من غلاة الروافض: أنه لا يعلمُ الشيءَ حتى يُحدِثَ لنفسه علماً، كما ذهب إليه زرارةٌ بن أعينَ وأتباعُهُ من غلاة الروافض(٥)، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً . (١) انظر ((تفسير الطبري)) (٢٨٤/٢، ٢٨٦). (٢) انظر ((الغريبين)) (٢/ ٥١٢). انظر ((تفسير الطبري)) ( ٦٧٤/٢٣). (٣) وهو قول زعيمهم الجهم بن صفوان. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٢٢). (٤ ) (٥) ويُسمَّون بالتيمية. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦). OL C CK OOOO ذكر معنى (المجي) و(الميت) من أسمائه عز وجل قد ذكرنا قبل هذا معنى ( الحياة) و( الحيِّ ) في اللغة ، وبيَاها أيضاً على مذاهب المتكلمينَ في تفسير ( الحيِّ) من أسماء الله عزَّ وجلَّ(١) فأما ( المحيي ) و( المميتُ ) في أسمائه عزَّ وجلَّ : فقد أجمعَ أصحابُنا : على أنهما من أوصافه الفعليّة ، وليسا من أوصافه الأزليَّة(٢) وأجمع أصحابنا : على أن معنى ( المحيي ) : هو أن يفعلَ حياةً فيما يُحييه ، ومعنى ( المميت ) : الذي يفعل موتاً فيما يُمِيتُهُ . 00000 وإحياءُ الله عزَّ وجلَّ للإنسانِ أَوَلاً حين يكونُ نطفةٌ في الرحم ميّةً ، فيحييه بخلق حياةٍ فيه ، وإنما يخلقُ الحياةَ فيه حين ينفخُ فيه الروحَ(٣) ، فإذا ولد الإنسانُ حيّاً ثمَّ أماته أحياه ثانياً عند النشور ، وموتُهُ بين الحياتينِ بعد (١) انظر (٨٢/٢، ٩٢)، وقوله: ( وبيناها) يه: ما ذُكر . (٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٤٩). (٣) إذ حياةُ النطفة في نفسها ليست حياةً للإنسان ، ألا ترى أن بدنَ الإنسان بعد موته توصف بعضُ خلاياه بالحياة حتى تنقطع تماماً عنها الوظائف الحيوية ، ومع هذا نحكم بموت الإنسان ؟! وهذا النوعُ من الحياة لههذه الخلايا هو الذي يكون سبباً عادياً في زراعة الأنسجة بل الأعضاء بعد الموت لبدنٍ آخر . 00 موتته الأولى حين كان نطفةً قبل نفخ الروح فيه ، فذلك قولُهُ: ﴿ أَمَّتَّنَا أَثْغَيْنٍ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]. والكلامُ في تفسير هذين الاسمينِ وفوائدِهما يقعُ في مسائلَ كثيرةٍ ، وفي جميعها خلافٌ بين الموحّدينَ وبين مخالفيهم ؛ من الخارجينَ عن ملَّتهم ، أو من أهل الأهواءِ المنتسبينَ إلى ملَّتهم : فمنها : الكلامُ في إثبات الحياةِ والموتِ معنيينٍ زائدينٍ على الحيِّ والميِّت ؛ ليصحَّ بهما معنى الإحياءِ والإماتةِ . ومنها : الكلامُ على من زعم من المعتزلة : أن الحياةَ والموتَ من فعل الجسم دون الله عزَّ وجلَّ (١) ومنها : الكلامُ على المجوس والثويَّة في دعواهما : أن الصانعَ المُحييَ غيرُ الصانع المُميتِ (٢) 0 ومنها : الكلامُ فيما يصحُّ أن يحييَهُ الله عزَّ وجلَّ، وما يصحُّ أن يُميتَهُ . ومنها : الكلامُ في صحّة خلق الحياة في الشيء بلا روح تكونُ فيه . ومنها : الكلامُ في بيان أوقات الإحياءِ ، وهل يكونُ للموتى في قبورها إحياءٌ أم لا ومنها : الكلامُ في جوازِ الموت على الأجسام العلويَّة ؛ كالملائكة ، وعلى أجسام الجنِّ والشياطينِ ، وجوازٍ إحيائهم . - (١) وهو قول معمر. انظر (٦٢٦/١). (٢) فالصانع المحبي : هو يزدان إله النور عندهم ، والصانع المميت : هو أهرمن إلله الشر. انظر (٣/ ٢٧٠، ٢٧٨). 00000,٦٤٩ o MAYO ٢٠١ ومنها : الكلامُ في الآجال ، وهل يموتُ المقتولُ بأجله ، وهل يكونُ ذلك بإماتة الله عزَّ وجلَّ إِيَّاه . ومنها : الكلامُ في المقتول ؛ هل فيه موتٌ أم لا ومنها : الكلامُ في إماتة من علمَ الله أنه لو أبقاه لآمن وتابَ ؛ هل يجوزُ فیه فعلُ ذلك أم لا ومنها : الكلامُ في السارق إذا قُطِعَتْ يدُهُ ثمَّ تاب ، وفي الكافر إذا قُطِعَ عضوٌ من أعضائه ثمَّ آمن ثمَّ مات ؛ ماذا يكونُ حكمُ المقطوع منه بعد الإحياء . ومنها : الكلامُ في الشهادة في القتل وحكمِها . وفي كلِّ مسألة من هذه المسائلِ خلافٌ وكلامٌ نذكره على التفصيل إن شاء الله عزَّ وجلَّ . 000 [ الكلامُ في إثباتِ الحياةِ والموتِ معنيينٍ زائدينٍ على الحيِّ والميِّتِ ] أما الكلامُ في المسألة الأولى ؛ وهو إثباتُ الموتِ والحياةِ معنيينِ : فأما الكلامُ في إثبات الحياة معنىٌ : فإن الذين أنكروا وجودَ الأعراض : أنكروا وجودَ الحياة معنىّ سوى الحىّ(١) ومن أثبت الأعراضَ : أثبت الحياةَ ، واختلفوا في معناها : (١) ونفاة الأعراض : هم طائفة من الدهرية ، وأكثر السمنية، وبه قال ابن كيسان الأصم من المعتزلة . انظر (٢٢٥/١). 00000 ٦٥٠ X فقال أصحابنا : إنها صفةٌ بها يكونُ الحيُّ حيّاً (١) وربما قالوا : إنها صفةٌ بوجودها يصحُّ وجودُ العلم والقدرة والإرادة(٢) وقال أكثرُ القدريَّة : إن الحياةَ : ما من شأنه في الوجود أن يجعلَ الجملةَ كالشيء الواحد في جواز قيام الصفاتِ بها(٣). وزعم قومٌ من الفلاسفة : أن الحياةَ: هي الروحُ، وهما جزءٌ واحدٌ (٤) ومنهم من فرَّقَ بينهما فقال : الروحُ جوهرٌ ، والحياةُ عرضٌ ، كما قاله أکثرُ المسلمین(٥) وزعم بعضُ النصارى : أن الحياةَ والقدرةَ بمعنىَّ واحد(٦) وحُكِيَ مثلُهُ عن عبَّاد بن سليمانَ الصيمريِّ وأتباعه من القدريَّةَ(٧) 00 00 (١) انظر (( رسالة إلى أهل الثغر)) (ص١٢١)، ولم يرتض الحجة الغزالي هذا التعريف وأمثاله. انظر ((محك النظر)) (ص٢٢١). (٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٠٥)، وانظر ما تقدم من كلام الإمام المصنف على هذا الحد (٢/ ٩٢)، و((محك النظر)) (ص٢٢٨). انظر («المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) (ص٢٣٥ - ٢٣٦). (٣) (٤) تقدم (٩٤/٢)، وانظر («محك النظر)) (ص٢٢٥). (٥) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٤٤، ٢٥٧)، وقد عرَّف إمام الحرمين الجويني في ((الإرشاد)) (ص٣٧٧) الروح فقال: ( الأظهر عندنا: أن الروح أجسامٌ لطيفةٌ مشابكةٌ للأجسام المحسوسة ، أجرى الله تعالى العادةَ باستمرار حياة الأجسام ما استمرّت مشابكتُها لها ، فإذا فارقَتها يعقبُ الموتُ الحياةَ في استمرار العادة)، وإنما قال: ( في استمرار العادة ) لما سيأتي (٢/ ٦٦٣) بأنه سبحانه قد يخلق حياةً من غير روح . (٦) انظر (٥١٦/١)، (٢/ ٩٤). ٥ (٧) انظر (٢ / ٩٤). 00000 70 10000 وزعم قومٌ من الكراميَّة : أن الحياةَ من جملة القدرةِ ، وأن القدرةَ اسمٌ لكلِّ ما لا يصحُّ وجودُ الفعل إلا به ؛ من حياةٍ وعلم واستطاعةٍ ونحوها ، وهذا قولُ المعروفِ منهم بالمازنيٌ(١) وقد استقصينا الكلامَ في هذا عند تفسيرنا وصفَ الله عزَّ وجلَّ بأنه (٢) حي واختلف المثبتونَ للأعراض في الموت : فقال أصحابنا : إنه معنىَ يضادُّ الحياةَ ، وهو غيرُ الجماديَّةِ ، بل هو ضدُّها كما أنه ضدُّ الحياةِ، وهو ضدُّ العلمِ والقدرة والإرادة ، ولا يُحتاجُ في وجوده إلى وجودِ بُنْيَةٍ مخصوصةٍ ، وجائزٌ عندنا وجودُ الحياة في الجزء الذي لا يتجزَّأ ، كذلك يجوزُ وجود الموتِ فيه بدلاً من وجود الحياةِ فيه (٣) واختلف أصحابُ أبي هاشم صاحبِ الذَّمِّيَّة في إثبات الموت (٤): فمنهم : من نفاه مع إثباته الحياةَ معنىّ ، وهذا نظيرُ قول من قال من الفلاسفة : إن الحركةَ معنىَ، والسكونَ ليس بشيء(٥) ، ونظيرُ قول من هو أبو عمرو المازني. انظر ( ٢ / ٩٥). (١) انظر (٢ / ٩٢) وما بعدها . (٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص ٢٠٥، ٢٣٦، ٢٦٦)، وما تقدم (١٠٦/٢) . (٣) (٤) وخلاف الذمية البهشمية ناشئ من تردد قول أبي هاشم في كون الموت معنىّ ؛ قال أبو رشيد النيسابوري في كتاب (( المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين » (ص٢٣٥): ( وأبو هاشم ربما توقف في إثبات الموت، وربما قوَّى نفيه ، والصحيح عندنا : أن ننفي الموت )، ثم قال : ( وأبو هاشم حين أثبت الموت معنىّ قال : لا يضادُّها ) . (٥) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٤٥). ٥٥٥٥٥ ٦٥٢ COoo O قال : إن الضياءَ شيءٌ، والظلامَ ليس بشيءٍ(١) EXT. ومنهم : من أثبتَ الموتَ معنىّ ، وقال : إنه يصيرُ به محلُّهُ ميّاً ؛ كالبائن من جملة الحيِّ، ويحتاج في وجوده إلى وجود أعراضٍ في محلُّهِ ، ولذلك لا يجوزُ وجودُهُ في الجمادات . وقلنا : لا يحتاجُ في وجوده إلى وجود عرضٍ في محلُّهِ لأجله ، وإنَّما يلزمُ وجودُ اللونِ والكونِ والطعمِ والرائحةِ في محلِّهِ ؛ لأن الجوهرَ عندنا لا يخلو [من] هذه الأعراض(٢)، وكلُّ من أثبتَ الموتَ عرضاً جعلَ جميعَهُ جنساً واحداً غيرَ مختلف . وكذلك الحياةُ المختلفةُ عندنا جنسٌ واحدٌ غيرُ مختلف ، وحياةُ الإله صفةٌ أزليَّةٌ مخالفةٌ للحياة المُحدَثة . وقد ذكرنا قبلُ الكلامَ في معنى الحيِّ بما فيه كفايةٌ (٣) 0000 OUT.Y [ الكلامُ على مَنْ زعمَ مِنَ المعتزلةِ : أنَّ الحياةَ والموتَ مِنْ فعلِ الجسمِ دونَ اللهِ عزَّ وجلَّ ] وأما الكلامُ في بيان فاعلِ الحياةِ والموتِ فإنَّا نقولُ : إن فاعلَهُما البارُ سبحانه ، وليس الحياةُ ولا الموتُ من أكساب العباد ، ولا داخلينِ في مقدورات غيرِ الله عزَّ وجلَّ، والله عزَّ وجلَّ الخالقُ لهما ، ولذلك صحَّ (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٣٨). (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( في ) . (٣) انظر (٢/ ٩٢) وما بعدها . 00000 ٦٥٣ وصفُهُ بأنه المحيي والمميتُ ؛ لأنه هو الخالقُ للحياة والموت ، ولا خالقَ لهما غيرُهُ(١) . وزعمَ مَعْمَرٌ : أن الجسمَ الحيَّ هو الخالقُ لحياته بطبعه ، والميِّتَ هو الخالقُ للموت بطبعه ، وأن الله سبحانَهُ لم يخلق حياةً ولا موتاً ولا شيئاً من الأعراض (٢) ولهذا وصف الله عزَّ وجلَّ نفسَهُ بأنه المحيي المميتُ . فإذا قال : إن الإحياءَ والإماتةَ ليسا من فعله .. فقد كذَّبَ الله عزَّ وجلَّ في خبره ، وصار بتكذيب الله تعالى مُلحِداً؛ [لأن] الله عزَّ وجلَّ قال(٣): ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًاً وَنَسِىَ خَلْقَةُ، قَالَ مَن يُحِى الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِّيٌ ﴿ قُلْ يُحِبِهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨ -٧٩]، فأخبر أن المحييَ للأجسام مُنشِتُها . فإذا وافقَنا مَعْمَرٌ على أن الله عزَّ وجلَّ هو المُنشئُ للأجسام .. وجب أن يكون هو المحييَ لها بخلق الحياةِ فيها . 000 00 (١) ونقل هذه العبارة العلامة الصفار في ((تلخيص الأدلة)) (ص ٢٦٥)، وقال: (ودليل ذلك: قوله تعالى: ﴿ اَلَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْخَوَةَ﴾ [الملك: ٢]، أخبر أنه خالق الموت والحياة ، وهذا الإخبار على التحقيق؛ لأنه علَّق على ما ذكر حُكْماً؛ وهو الابتلاء ؛ ليظهر المحسن من المسيء ، فدلَّ تعليق الحكم على ما ذكر من الموت والحياة على كونهما منه على التحقيق دون المجاز ) ، ثم استدلَّ بعد ذلك بقوله تعالى حكاية عن سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِىَ الَّذِى يُخِء وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وما فيه من التخصيص والتحدي. (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٠٥)، وما تقدم (٦٢٦/١)، قال العلامة الآمدي في ((أبكار الأفكار)) (٤٧/٥) وهو يتحدث عن المعمرية: ( ويلزمهم ألا يكون الله تعالى محيياً ولا مميتاً ؛ إذ الحياة والموت عرضان ، والبارئ تعالى غير خالق لشيء من الأعراض! ). (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (ولأن ) . 00000 0 8 00000 ٥ [ الكلامُ على المجوسِ والثنويَّةِ في دعواهما : أن الصانعَ المحبِيَ غيرُ الصانع المميتِ ] وأما الكلامُ على المجوس والثنويَّةَ في دعواهما أن المحبيَ غيرُ المميت .. فمبنيٌّ على إيطال قولهم بصانعينٍ ؛ أحدُهما: يفعلُ الخيرَ ، والآخرُ : يفعلُ الشَّ . والكلامُ عليهم في ذلك يأتي في توحيد الصانع إذا انتهينا إلى تفسير معنى ( الواحدِ ) في أسمائه عزَّ وجلَّ(١) [ الكلامُ فيما يصحُّ أن يحييَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ، وما يصحُ أن يميتَهُ ] وأما الكلامُ فيما يحييه الله ويميتُهُ .. فقد اختلفوا في ذلك على مذاهبَ : فقال جمهورُ أصحابنا : إن الله عزَّ وجلَّ يميتُ كلَّ مَنْ في الأرض والسماء من ذوي الأرواح ، وذلك مقتضى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ اَلْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وأرادَ به: الأنفسَ الروحانيَّةَ، دون ما لا يصحُّ حلولُ الموت فيه ؛ من الجمادات والأعراض . وقالوا أيضاً : إنه يحيي من ذلك جميعَ ما أماتَهُ ، فيفعلُ بهم بعد الإحياء ما قد حكمَ لهم [به] من ثوابٍ أو تفضُّلٍ أو عقابٍ على حَسَبِ ما أرادَ ، ولم يكن شيءٌ من ذلك واجباً عليه من جهة العقل ، وإنما قلنا بإحيائه من يميتُهُ (١) انظر (٣٠٨/٣، ٣١١). ٦٥٥ 00000 101 ATPAYO Q. من طريق الخبرِ الصدْقِ الذي لا يجوزُ كونُهُ كذباً (١) وفي هذا خلافٌ مع طوائفَ من العرب في الجاهليّة ونحوِهم من غلاة الإماميّة في الإسلام : [ اعتقاداتُ العرب في الجاهليةِ بشأنِ الإحياءِ بعدَ الموتِ ] فأما العربُ في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمدٍ عليهما الصلاةُ والسلام .. فإنها كانت ثلاثَ طوائفَ: طائفةٌ منهم : أقرَّت بالصانع ، وبشريعة إبراهيم عليه السلام ، وبالإحياء بعد الموت ، وبالثواب والعقابِ بعد الإعادة . ومن هذه الطائفةِ : كان عبد المطلب جدُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم(٢)، وذو نَفْرٍ (٣)، ونفيلُ بن. 00000 (١) إذ العقل مجوِّز لعدم الممكن قبل وجوده ، ومجوِّزٌ لبقائه في طيِّ العدم، ولخروجه منه ، ولبقائه في الوجود الإمكاني ، ولموته أيضاً ، ولإحيائه بعد الموت ، وإنما ثبتت هذه المعاني من طريق الشرع، قال العلامة الآمدي في ((أبكار الأفكار)) (٣٤٧/٤): ( وأما الحساب ، وأخذ الكتب وقراءتها ، ونصب الحوض ، وشهادة الأعضاء .. فهو ممكن عقلاً على ما تقدم ، والنصوص دالة على ذلك ، فوجب اتباعها ) . وقال الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) ( ص ١٤٥): ( واعلم : أنه كان يقول بوجوب الإعادة للمكلفين خبراً لا نظراً ) (٢) وعقيدته يومها من خير العقائد، حتى إنه صلى الله عليه وسلم افتخر بينوَّته منه ، كما روى البخاري (٢٨٦٤)، ومسلم ( ١٧٧٦ ) من حديث سيدنا البراء بن عازب رضي الله عنهما؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ((أنا النبيُّ لا كذبْ ، أنا ابنُ عبد المطَّلبْ))، والسيد عبد المطلب هو الذي قال موقناً - كما في (( أخبار مكة)) (١٤٤/١) - لأبرهة: ( إني أنا ربُّ إبلي، وإن للبيت رباً سيمنعه). (٣) الحميري ، من أشراف اليمن وملوكهم ، وهو الذي حاول صدَّ أبرهة عن البيت = 00000 70 1 00000 حبيب (١)، وكانا من ملوك اليمن الذين قاتلوا أبرهةَ الحبشيَّ حين أراد هدمَ الكعبة(٢) ومنهم : سيف بن ذي يزنَ ؛ الذي أجلى الحبشةَ من اليمن ، وبشَّرَ بظهور نبيِّنا صلى الله عليه وسلم (٣) ومنهم : ورقةُ بن نوفل ، وزيدُ بن عمرو بن نُفَيَلٍ ، وقُُّ بن ساعدةَ الإياديُّ، وهؤلاء آمنوا بنبيّنا صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي(٤) الحرام، إلا أنه هُزمَ. انظر ((أخبار مكة)) (١٤١/١). (١) الخثعمي ، كان يلقب بذي اليدين، قاتل أبرهة أيضاً، إلا أنه هُزم ، واتخذه أبرهة دليلاً في طريقه. انظر ((أخبار مكة)) (١ / ١٤١). (٢) انظر ((المنمق في أخبار قريش)) (ص٧٠)، و((تاريخ الطبري)) (١٣٢/٢). (٣) وكان سيف بن ذي يزن ملكاً على اليمن من قِبَلٍ كسرى. انظر (( المنمق في أخيار قريش)) ( ص٤٢٧-٤٣٢)، و ((تاريخ الطبري)) (١٣٩/٢). (٤) أما ورقة بن نوفل : فقد اختلف في صحبته ، فذكره الطبري والبغوي وابن قانع وغيرهم في الصحابة، ولم يجزم بذلك ابن حجر. انظر (( الإصابة )) ( ٦/ ٤٧٤ - ٤٧٧)، وكان رجلاً قد تنصَّر في الجاهلية كما في ((صحيح البخاري)) (٣) و(( صحيح مسلم)) (١٦٠) من حديث الصديقة سيدتنا عائشة رضي الله عنها، وللحافظ برهان الدين البقاعي كتابٌ فيه سمَّاه: ((بذل النصح والشفقة في التعريف بصحبة السيد ورقة )) وأما زيد بن عمرو بن نفيل : فقد روى البخاري (٣٨٢٦) عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم لَقِيَ زيدَ بن عمرو بن نفيل بأسفلٍ بَلْدَحِ قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحيُ ، فقُدِّمَتْ إلى النبي صلى الله عليه وسلم سُفْرَةٌ ، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال زيدٌ : إني لست آكُلُ مما تذبحون على أنصابكم ، ولا آكُلُ إلا ما ذُكِرَ اسمُ الله عليه ، وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ، ويقول : الشاةُ خلقها الله ، وأنزل لها من السماء الماء ، وأنبت لها من الأرض ، ثم تذبحونها على غير اسم الله ؟! إنكاراً لذلك وإعظاماً له . وروى النسائي في ((السنن الكبرى)) (٨١٣١) عن سيدتنا أسماء بنت أبي بكر رضي الله = ومنهم : أكثمُ بن صَيفيِّ التميميُّ ؛ الذي كان حكمَ العربَ في الجاهليّة ، ثمَّ هاجرَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فمات في طريقه(١) ومنهم : الجارودُ بن المعلَّى العبديُّ، وله قصة طويلة(٢) والطائفةُ الثانيةُ منهم : قومٌ أقرُّوا بالابتداءِ والإعادةِ من الخالق سبحانه ، وأنكروا الرسلَ ، وعبدوا الأصنامَ ؛ زعموا أنها تُقَرِّبُهم إلى الله زُلفَى ، وحجُّوا إليها ، ونسّكُوا لها النُّسُكَ، وقالوا : إن من ماتَ ورُبِطَتْ على قبره راحلتُهُ ، وتُركَتْ حتى تموتَ .. حُشِرَ عليها، ومن لم يُفعَلْ ذلك به حُشِرَ ماشياً . وكان من هذه الطائفةِ : عمرو بن زيد الكلبيُّ ، وأوصى بنيه بذلك بعد موته ، وكذلك [جريبةٌ] بن أَشْيَمَ الفَفْعَسِيُّ أوصى بنيهِ بذلك(٣) = عنهما قالت : رأيت زيد بن عمرو بن نفيل وهو مسند ظهره إلى الكعبة وهو يقول : ما منكم اليوم أحد على دين إبراهيم غيري ، وكان يقول : إلهي إلهُ إبراهيم ، وديني دينُ إبراهيم ، قالت : وذكره النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: (( يبعث يوم القيامة أمة وحده بيني وبين عيسى)) . وأما قس بن ساعدة الإيادي : فهو خطيب العرب ، وقد سمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم خطبته في سوق عكاظ ، كما في الخبر الذي رواه الطبراني في (( المعجم الكبير)) (١٢ /٨٨) . (١) وقد ذكر خبره ابن حجر في ((الإصابة)) (١/ ٣٥٠)، وذكر خيراً فيه أنه نزلت فيه هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكِهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [النساء : ١٠٠ ] . (٢) الجارود بن المعلَّى العبديُّ: سيد عبد القيس ، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وكان نصرانياً ، وسُزَّ صلى الله عليه وسلم بإسلامه. انظر (( الإصابة في تمييز الصحابة)) (٥٥٢/١)، وانظر (( تاريخ الطبري)) (٣٠١/٣). (٣) انظر خبرهما في ((المحبّر)) (ص٣٢٣)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( حريث ) . 4 000 10 A 00000 وكانوا يُسمُّونَ الراحلةَ التي يُفعَلُ ذلك بها: البليَّةَ (١)، وجمعُها : البلايا ، ويقولون في أمثالهم(٢): [من الخفيف] كالبلايا رؤوسُها في الوَلايا وهي الحبال ، واحدتُها : وليةٌ، بها كانت تُربطُ عند القبر حتى تموتَ(٣) والطائفةُ الثالثةُ منهم : أقرُّوا بالخالق لابتدائه الخلقَ ، وأنكروا الإحياءَ والإعادةَ بعد الموت ، وهم الذين أخبرَ الله عزَّ وجلَّ عنهم أنهم قالوا : ﴿ أَبِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمَا أَعِنَا لَمَبْعُوتُونَ * أَوَ ءَابَآؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧- ٤٨]، ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٨٣]. وقال في بعض هذه الطائفة: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُ, قَالَ مَن يُخِي اٌلْعِظَامَ وَهِىَ رَمِيمٌ ﴾﴿ قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَلَ مَرَّةٍ﴾ [يسَ: ٧٨ -٧٩] (٤). وهؤلاء الطوائفُ الثلاثةُ من العرب في الجاهليّة ، غيرُ من مالَ منهم إلى النصرانيّة ؛ فتنصَّرَ من عرب الشام من قُضاعَةً وغسّانَ وبعضٍ ربيعةً ، وغيرُ (١) انظر (( العين)) (٣٣٩/٨)، و(( الصحاح )) ( ب ل ي). (٢) صدر بيت لأبي زبيد الطائي، وهو في صفة نسوة مسلَّبات في مأتم ، وعجزه : مانحاتِ الشّموم حُزَّ الخدودِ انظر (( المحبَّر)) (ص٣٢٣). (٣) انظر ((تهذيب اللغة)) (٣٢٦/١٥)، وقال: ( هي البرذعة التي تحت الرحل ). (٤) وقولهم كما حكاه عنهم سبحانه: ﴿أَِذَا مِثْنَا وَكُنَا نُرَبَا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [قَ: ٣] ، قال الهروي في ((الغريبين)) (١٩٣/١): ( يعنون البعث بعد الموت ، قالوه منكرين ، كما يقول الرجل لصاحبه لأمر ينكره : إن هذا لبعيد ) . 00000 ٦٥٩