النص المفهرس
صفحات 621-640
00000 ذكر معنى (المبين) من أسمان عزوجل يقعُ في تفسير هذا الاسم فصلان : أحدُهما : في تفسير معنى ( المبينِ ) في اللغة . والثاني : ذكرُ أقسام البيان ووجوهه من الله عزَّ وجلَّ . O O 000 00000 000 00000 ٦٢٠ AT10 TAYO الفصل الأول في تفسير معنى (المبين) في اللغة فأما معنى ( المُبينٍ ) فله في اللغة معنيان : أحدُهما : أنه مُبِينٌ؛ أي: مُستبينٌ بَيِّنٌ أنه إلهٌ(١) ، واحدٌ، قادرٌ، عالمٌ، مريدٌ، حكيمٌ، رحيمٌ ، جوادٌ، ماجدٌ ، ليس له ضدٌّ ولا ندٌ(٢) وهذا المعنى من قولهم : بانَ الشيءُ وأبانَ واستبانَ وبيَّنَ وتبيَّنَ بمعنىّ واحد(٣)؛ قال الله عزَّ وجلّ: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥]؛ أي : لتستبينَ سبيلُهم [من] سبيل المؤمنين(٤)، وقد قُرِىَ: ﴿وَلِتَسْتَِّينَ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي : لتستبينَ أنت يا محمدُ سبيلَهم(٥) DO ة والوجهُ الثاني : أن الله عزَّ وجلَّ ( مُبِينٌ) بمعنى: إبانتِهِ لِمَا يحتاجُ إليه العبادُ من أمر دينهم ودنياهم(٦) ، ويقال منه: أبانَ وبيَّنَ بمعنىّ واحدٍ . (١) انظر ((تهذيب اللغة)) (٣٥٥/١٥). (٢) انظر ((شأن الدعاء)) (ص٧٨)، ويرجع معنى (المُبِين) هنا: إلى البيِّنِ في ذاته وصفاته . (٣) انظر ((تهذيب اللغة)) (٣٥٥/١٥)، و((الغريبين)) (٢٣٥/١) . (٤) ما بين المعقوفين في ( أ، ب): (في )، وسقط من (ج) . (٥) قرأ بنصب (سبيلَ): نافع وأبو جعفر، وبالرفع: الباقون. انظر ((النشر في القراءات العشر)) (٢٥٨/٢). (٦) ويرجع معنى ( المُبينِ ) هنا: إلى المُبيِّنِ لغيره ما يحتاجون إليه . ٦٢١٦ o COOaOo AVO! يقال : بانَ الشيءُ؛ إذا فارقَ، وأبانَ ؛ إذا فَصلَ ؛ قال الله عزَّ وجلَّ : ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨]؛ أي: فَصْلٌ بين الحقِّ والباطل. ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ خَلَقَ الْإِنِسَنَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣ -٤]؛ أي : الفصلَ بين كلِّ شيئينٍ . والبَيْنُ : قد يكون بمعنى القطع، وقد يكون بمعنى الوصلِ(١) وقولُهُ: ﴿ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] (٢)؛ أي : حقيقة وصلكم. وقولُهُ: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْئُكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]؛ أي: وصلُكم(٣) ، ومن قرأ: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ بنصب النون .. أراد: سيقطع [ما كنتم فيه] من الشِّرْكة بينكم (٤) . وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]؛ أي: عن فاصلةٍ بينَ الحقِّ والباطل بالقرآن ؛ وهي الآياتُ الفاصلةُ (٥) . 00000 والله سبحانه وتعالى ( مُبِينٌ) بمعنى : أنه ظاهرٌ بيِّنٌ بدَلائله . و( مُبِينٌ) بمعنى : الإبانةِ لكلِّ شيءٍ . (١) انظر ((تهذيب اللغة)) (٣٥٦/١٥ - ٣٥٧). (٢) في جميع النسخ : ( تقطع ) بدل ( ذات ) . (٣) انظر ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (٢٠٠/١)، و(بينكم): مرفوعٌ لأن الفعل عمل فيه . (٤) ما بين المعقوفين ليس في جميع النسخ، والمثبت من (( معاني القرآن)) للزجاج (٢٧٣/٢)، و((الغريبين)) (٢٣٦/١). وقوله تعالى: ﴿تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ ؛ قرأ بنصب النون : نافع وأبو جعفر والكسائي وحفص ، وبالرفع: الباقون. انظر ((النشر في القراءات العشر)) (٢٦٠/٢). (٥) انظر ((الغريبين)) (٢٣٦/١) . ٢ XY O و( مُبِينٌ ) بمعنى : أنه فاصلٌ للأحكام (١) ووُصِفَ القرآنُ بأنه مُبِينٌ في قوله: ﴿حَمَ * وَأَلْكِتَبِ أَلْمُبِينِ ﴾ [الزخرف: ١- ٢] على معنى: أنه فاصلٌ بين الحقِّ والباطلِ(٢)، وأنه بيانٌ لكلِّ شيء؛ كما قال فيه: ﴿تِبْيَنَّا لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩](٣) ويَحتمِلُ أن يكون الكتاب مُبِيناً ؛ بمعنى : أنه بانَ عن كلام المخلوقين ، فلا يعدلُهُ كلامٌ؛ كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿قُل لَِّنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ ظَهِيْرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. وفي حديث النعمان بن بشير قال : طلبتُ إلى بشيرِ أن يَنحِلَني نُحْلاً من ماله ، ويُشهدَ عليه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( هل لكَ معَهُ ولدٌ غيرُهُ؟))، قال: نعم ، قال : ((فهل [أَبَنْتَ] كلَّ واحدٍ منهم بمثلِ الذي [أبَنْتَ] هذا؟))، قال: لا، قال: ((فإنَّي لا أشهدُ على هذا))(٤) 00000 قولُهُ: ((هل أبَنْتَ كلَّ واحدٍ منهم))؛ أي : هل أعطيتَ كلَّ واحدٍ منهم مالاً تُبِينُهُ به(٥) (١) وهذه المعاني الثلاثة تلخيص لما ذكره المصنف آنفاً . (٢) انظر («معاني القرآن)) للزجاج (١٣١/٤)، و((الغريبين)) (٢٣٦/١). (٣) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٢١٧/٣). (٤) رواه بنحوه البخاري (٢٦٥٠)، ومسلم (١٦٢٣/١٨)، وفيه عندهما : أن السائل هي أمُّ النعمان بن بشير رضي الله عنهم، وبلفظه هنا أورده ابن الأثير في ((النهاية في غريب الحديث)) (١٧٥/١)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( آتيت ) ، وهو تصحيف . (٥) انظر ((تهذيب اللغة)) (٣٦٠/١٥)، و((الغريبين)) (٢٣٧/١). 00000 ,٦٢٣ 00000 X والاسمُ منه : البائنةُ؛ قال أبو زيد الأنصاريُّ : ( يقال منها : طلبَ فلانٌ البائنةَ إلى أبويه ؛ وذلك إذا طلبَ منهما أن يُبِيناهُ بمالٍ يكون له على حِدَةٍ ، ولا تكونُ البائنةُ إلا من الوالدينِ أو أحدِهما)(١) ، وقد أبانه أبواه حتى بان يبينُ بُيُوناً (٢) ومنه قولُ أبي بكر الصدِّيقِ رضي الله عنه في مرضه لعائشةَ : ( إني أَبَتْتُكِ بنُخْلٍ ) (٣) COO0000 (١) نقله الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (٣٥٩/١٥)، والهروي في ((الغريبين)) (٢٣٨/١ ) . (٢) انظر ((تهذيب اللغة)) (٣٥٩/١٥). (٣) أورده الهروي في ((الغريبين)) (٢٣٨/١). ٠٠٥٥٠ ٦٢٤ OC الفصل الثاني في ذكرأقسام البيان ووجوهه من الله عز وجل فأما الكلامُ في وجوه البيانِ من الله عزَّ وجلَّ .. فإن الذي بيَّنَهُ الله سبحانه من العلوم والأحكام نوعانِ : أحدُهما : معارفُ عقليَّةٌ . والثاني : معارفُ شرعيَّةٌ . فالمعارفُ العقليّةُ : قد بيَّنها الله عزَّ وجلَّ لعباده من أربعة أوجهٍ : أحدُها : ما أوصلَهم إلى معرفته ببدائِهِ عقولِهم . والثاني : ما أوصلَهم إلى معرفته من جهة الحواسِّ الخمسِ . والثالثُ : ما أوقعَ لهم العلمَ من جهة الأخبارِ المتواترةِ المُوجِبة للعلم . والرابعُ: ما أوصلَهم إلى معرفته بالدَّلالة التي نصبها لهم ؛ لكي يستدلُّوا بها على ما هي أدلَّةٌ عليه . وأجمع أصحابُنا : على أن كلَّ ما أوصلنا إليه بالنظر والاستدلال يجوزُ أن يَضطرَّنا الله عزَّ وجلَّ إليه حتى نعلمَهُ بالضرورة(١) ، خلافَ قول النظّاميَّة (١) انظر (( مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٤). 00000 ,٦٢٥ والنجَّاريَّة في دعواها : أن العلومَ النظريَّةَ لا يجوزُ أن تصيرَ ضروريّةً في الدنيا والآخرة(١) وأما المعارفُ والأحكامُ الشرعيّة : فإن الله عزَّ وجلَّ قد بيَّها لعباده من أربعة أوجه : أحدُها : ما بيَّنَهُ في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؛ بالنصِّ عليه ، أو بالتنبيهِ على معناه . والثاني : ما بيَّهُ بسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم على لسانه أو يفعله ؛ الذي هو بيانُ أحكام الله عزَّ وجلَّ . والثالثُ : ما بيَتَهُ بإجماع هذه الأمَّةِ على حكم الشيء ، فعرَفنا به أن ذلك حكمُهُ فيما أجمعوا عليه . والرابعُ : ما بيَّنَهُ من الأحكام بالمعاني التي أودَعها في النصوص ، وجعلَ للعباد سبيلاً إلى استنباطها بالقياس والاجتهاد(٢) 00000 ووجوهُ إيانته للأحكام في القرآن كثيرةٌ : منها : دَلالةُ اسم المفردِ على حكم الشيء بالإشارة إلى جنسه ؛ كقوله عزَّ وجلّ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُّكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اُلْمَيْنَةُ﴾ [المائدة: ٣] (٣). (١) انظر (٢ /٤٧٩) . (٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص ٢٣ - ٢٤). (٣) انظر ((التقريب والإرشاد)) (١/ ٣٧٠)، فالأعيان لا تداخلها الحرمة أو الحلُّ، فالاسم المفرد هنا المفهومُ منه ما هو مجاز فيه دون حقيقته ؛ فتحريمُ الأمهات المرادُ منه تحريم النكاح ، وتحريمُ الميتةِ المراد منه تحريمُ الأكل . O 00000 00000 ٦٢٦ ومنها : تعليقُ الحكم على الصفة ؛ كإيجاب القتلِ باسم الشِّركِ، وإيجابِ القطع باسم السرقةٍ(١) ومنها : دليلُ الاسم والصفة ؛ فدليلُ الاسم : يكونُ بالموافقة لغيره في حكمه(٢) ، وعلى ذلك تدورُ وجوه المقاييس في الشريعة . وأما دليلُ الصفة : فقد يكونُ بالموافقة إذا ورد النصُّ معلّقاً بالوصف الأدنى ، فيدلُّ على أن الوصفَ الأعلى أولى بحكمه ؛ وذلك كتحريم التأفيفِ ، فيدلُّ على أن الضربَ والشتمَ أولى منه بالتحريم(٣). وقد يكونُ بالمخالفة : وهو أن يردَ الحكمُ مُعلَّقاً بأعلى الوصفينِ ، فيدلُّ على أن الوصفَ الأعلى أولى بخلافه في قول الشافعيِّ وأهلِ الظاهر ؛ كإيجاب الزكاةِ في السائمة .. دليلٌ على سقوطها عن المعلوفة (٤) ومنها : أن يُعلَّقَ الحكمُ بالغاية ، فيدلَّ على أن ما قبلَها أو بعدَها بخلافه(٥) (١) وهذا التعليق مقيّد عند إمام الحرمين الجويني؛ قال في ((البرهان)) (٨٠٩/٢): (إن كان ما منه اشتقاقُ الاسم مناسباً للحكم المعلَّقِ بالاسم - يعني : المشتقَّ - فالصيغة تقتضي التعليلَ ؛ كالقطع الذي شُرِعَ مَقْطَعةً للسرقة ) ، ثم قال : ( وإن لم يكن ما منه اشتقاقُ الاسم مناسباً للحكم .. فالاسم المشتقُّ عندي كالاسم العلم ) . (٢) قوله : ( فدليل الاسم) يعني: الاسم العلم، وسلك الإمام المصنف مسلكَ الجمهور في إنكارهم تعليق الحكم بالاسم العلم في مفهوم المخالفة ، ومنه قوله تعالى : ﴿ وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اللَّهِ فِىَ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]. انظر ((إيضاح المحصول من برهان الأصول)) (ص٣٣٧ - ٣٣٨). انظر ((البرهان)) (٤٤٩/١). (٣) (٤) انظر (( التقريب والإرشاد)) (٣٣٢/٣). (٥) ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَظْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. انظر ((التقريب = 00000 V 00000 ـد CON .NATODAY 00000000 ومنها : تعليقُ الحكم على العدد ، فيه دليلٌ على أن ما دونَهُ أو ما فوقَهُ بخلافه(١) . ووجوهُ دلائل السنَّة للأحكام وبيانها بها .. كوجوه دلائل القرآن عليها ؛ من نصٌّ ومفهومٍ ودليلٍ خطاب(٢) وذكر الشافعيُّ رحمه الله في أوَّل كتاب (( الرسالة )) وجوه البيان من الله عزَّ وجلَّ للأحكام ، فجعلَها على خمسة أحكام(٣): أحدُها : ما بيَّنَهُ مُفسَّراً، ثمّ أكَّدَهُ تأكيداً(٤) والثاني : ما ذكره مُفسَّراً ، ولم يقرن بيانَهُ بتأكيد(٥) والثالثُ : ما ذكره مُجْمَلاً ، وفوَّضَ بيانَ تفسيره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (٦) والرابعُ : ما أبانه الرسولُ صلى الله عليه وسلم ابتداء(٧) والإرشاد)) (٣٥٨/٣)، و((إيضاح المحصول من برهان الأصول)) (ص٣٣٧). II (١) كقوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْحِينَ مَرَّةً فَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. انظر (( إيضاح المحصول )) (ص٣٣٧). (٢) قوله : ( ودليل الخطاب ) يعني به : مفهوم المخالفة . (٣) انظر ((الرسالة )) (ص٢٦ -٣٤) . (٤) كقوله تعالى: ﴿فَنَ لَّمْ يَجِدْ فَضِيَامُ ثَلَكَةِ أَيَّامٍ فِي الْمَجِ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَمْتُهُّ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ ﴾ [البقرة : ١٩٦]. (٥) كآية الوضوء. انظر ((الرسالة)) (ص٢٨). (٦) كقوله تعالى: ﴿ وَأُلْشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاءُ بِمَا كَسَبَا نَّكَلًا مِّنَ اَللَّهِ وَاَللَّهُ عَزِيرُ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. (٧) كبيان حكم المزابنة مثلاً. انظر ((عيار النظر)) للمصنف (ص٢٥٩). TODAYO وإنما كان هذا بياناً من الله عزَّ وجلَّ : لأنه هو الذي أوجبَ اتُباع رسوله عليه الصلاة والسلام في بيانه فقال: ﴿ وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْشَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]. والخامسُ : ما دلّ عليه بالمعاني المُودَعةِ في النصوص ، فاستنبطها أهلُ الاجتهاد باجتهادهم ؛ لأنه أمرَ عبادَهُ بالاجتهاد والاستنباط للأحكام ، وقرَنَ الهدايةَ والعلمَ بهما في قوله : ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا العنكبوت: ٦٩]، وقولِهِ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُوْنَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣](١). وقد رتَّبَ بعضُ أصحابنا البيانَ من الله عزَّ وجلَّ ترتيباً آخر فقال : إن البيانَ في أحكام الشريعة على خمس مراتب : oc أعلاها رتبةً : ما وقعَ من البيان بالخطاب . ثُمَّ ما وقعَ من البيان بالفعل . ثُمَّ ما وقعَ من البيان بالكتابة . ثُمَّ البيانِ بالتنبيه على العلَّةِ المُوجِبة للحكم(٢) فهذه الوجوهُ الأربعةُ : وقعَ بها البيانُ من الله عزَّ وجلَّ ، ومن رسوله عليه الصلاةُ والسلامُ . (١) كبيان مقدار الممسوح من الرأس في آية الوضوء؛ إذ اختلفوا : من مسح بعض شعرة ، إلى مسح الرأس كله . (٢) نقله الزركشي في ((البحر المحيط)) (٤٨٢/٣) عن الإمام المصنف، وانظر «عيار النظر)) للمصنف (ص ٢٦٠). ٢٥ وزادَ البيانَ من الرسول عليه السلام بوجهٍ خامسٍ ؛ وهو : البيانُ منه بالاستدلال(١) فَدَلالتُهُ بالخطاب كثيرةٌ لا تحتاجُ إلى بيان(٢) وبيانُهُ بالفعل : كإبانته أوضاعَ الصلوات والمناسك بفعله ، ولذلك قال عليه الصلاةُ والسلامُ: ((صلُّوا كما رأيتُمونِي أُصلِّي))(٣)، وقال أيضاً: ((خُذُوا عنِّي مناسكَكُمْ)) (٤) وأما بيانُهُ بالإشارة: فكقوله: (( الشهرُ هكذا))، مع إشارته بأصابعه العشَرةِ ثلاثَ مرات(٥) O وأما بيانُهُ بالكتابة : فظاهرٌ في كُتُبِهِ إلى الأقيال العباهلة(٦)، وإلى الملوك والقياصرةِ والأكاسرةِ ، وفي كتبه التي أمر بها في الصدقات والديات ونحوها . o O C (١) انظر ((البحر المحيط)) (٤٨٣/٣). (٢) والمراد : الخطاب المبتدأ المستغني عن البيان ، لا الخطاب المحتاج إلى بيان. (٣) رواه البخاري (٦٣١) من حديث سيدنا مالك بن الحويرث رضي الله عنه. (٤) رواه بنحوه مسلم (١٢٩٧) من حديث سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، وانظر ((البحر المحيط)» (٤٨٥/٣) . (٥) رواه البخاري (٥٣٠٢)، ومسلم (٥٣٠٢) من حديث سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، وعندهما : مرة ثلاثين ، ومرة تسعاً وعشرين . (٦) الأقيال : ملوك باليمن دون الملك الأعظم، واحدهم: قَيْل ، والعباهلة : الذين أُقْرُوا على ملكهم لا يُزالون عنه ، والكتابُ الذي ذكره المصنف كتبه النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى وائل بن حجر، وصدره: (( من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة والأرواع المشابيب من أهل حضرموت)). انظر (غريب الحديث)) لابن سلام (٢١٢/١)، و((غريب الحديث)) للخطابي)١ / ٢٨٠). 00000 ٠ ٦٣ 100000 OX XY وأما بيانُهُ بالتنبيه على العلَّةِ فنوعان : أحدُهما: ما صُرِّحَ بذكر العلَّةِ فيه؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّما جُعِلَ الاستئذانُ لأجلِ البصرِ »(١) والثاني : ما نُصَّ فيه على حُكمِهِ بمعنىَ مؤثِّرٍ فيه ، واجتهدت الأمَّةُ في استنباطه ؛ كنصِّهِ على ستة أشياءَ يحرمُ الربا فيها (٢)؛ لمعنىّ فيها يقاسُ به غيرُها عليه في قول أصحابِ القياسِ . وقد وقع البيانُ من الله عزَّ وجلَّ بهذه الوجوهِ كلِّها سوى الإشارة ؛ لاستحالة وصفِهِ بالآلات ، والإشارةُ من الجوارح والأعضاء . فبيانُهُ بالخطاب مشهورٌ في الكتاب ، ودَلائلُهُ من أفعاله عليه وعلى صفاته ظاهرةٌ ، وبها اسْتُدِلَّ عليه وعلى أوصافه ، وقد كَتَبَ في اللوح المحفوظ ما هو كائنٌ أبداً ، وأودعَ كثيراً من خطابه معانيَ نَّهَ بها عليه وعلى أحكام استنبطوها بالقياس والنظر . فهذه مراتبُ بيان العلوم العقليّةِ والأحكام الشرعيّةِ عند أهل الحق . وزعمت السُّمَنِيَّةُ وأتباعُها من الدهريَّةِ : أن العلومَ لا تُدركُ إلا من جهة الحواسِّ والبدائِهِ ، وأنكروا الصانعَ والشرائعَ (٣) 0 (١) رواه البخاري (٦٢٤١) من حديث سيدنا سهل بن سعد رضي الله عنه . (٢) روى مسلم ( ١٥٨٧) عن سيدنا عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الذهبُ بالذهبِ، والفضَّةُ بالفضَّةِ، واليُؤُّ بالبُرِّ ، والشعيرُ بالشعيرِ ، والتمرُ بالتمرِ ، والملحُ بالملحِ ، مثلاً بمثل ، سواءً بسواء ، يداً بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم ؛ إذا كان يداً بيد ) . (٣) انظر ((الفرق بين الفرق)) (ص ٢٧٠، ٣٥٤)، وما تقدم (٤٧٠/٢). 100000 7 0000 وزعم قومٌ من الهنود : أن العلومَ كلَّها تُدرَكُ بالنظر والاستدلال ، ولا يقعُ من جهة الحواسِّ بيانُ شيءٍ ، والاستبانةُ حكمٌ . وقال قومٌ من المنتسبينَ إلى الإسلام : إنه لا يُعلَمُ ما غاب عن الحواسِ إلا بالخبر ، دون الاستدلال والنظر . وزعم الجاحظُ وثُمامةُ وغَيلانُ وصالحُ قُبَّة : أن المعرفةَ بالله عزَّ وجلَّ وبصفاته وصحَّةِ دِينه .. ضرورةٌ غيرُ مكتسبة (١) وزعمت الإماميَّةُ : أن بيانَ أحكام الشريعة لا يكونُ إلا بقول الإمام (٢) وقد تكلَّمنا على هؤلاء المخالفينَ لنا في كتابنا المعروف بـ (( عيار النظر))(٣) ، وبالله التوفيقُ. o O 00 (١) ووافقهم على ذلك من أصحاب المعارف أبو علي الأسواري. انظر ((عيار النظر)) للمصنف (ص٦٥٢)، و((شرح الأصول الخمسة)) (ص٥٢)، و((الملل والنحل )) (١ / ٧١ ) . (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٦ - ١٧)، و((عيار النظر)) للمصنف (ص٢٧٤). (٣) عيار النظر (ص ٢٦٧ - ٢٧٨). 00000 -٦٣٢ Ooooo CON ذكر معنى (المتين) من أسمان عزوجل قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، وقد قرئ هذا برفع النون وكسرِها(١) فمن رفعَ النونَ (٢) : جعلَ ( المتينَ ) نعتاً لله عزَّ وجلَّ ، كأنه قال : إن الله هو الرزَّاقُ ذو القوَّةِ المتينُ ؛ أي : هو المتينُ . ومن كسرَ النونَ : جعلَ ( المتينَ ) نعتاً للقوة ؛ لأنها مصدرٌ ، وتذكيرُ المصدر جائزٌ وإن كانت فيه الهاءُ؛ كالموعظة؛ كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَأَنْنَهَى﴾ [البقرة: ٢٧٥](٣). O ٢٠ وأنكرَ الجبائيُّ وأتباعُهُ من القدريَّةِ : أن يكونَ ( المتينُ ) من أسماء الله عزَّ وجلَّ، وزعم أن معناه : الثخينُ، وليس من صفات الله عزَّ وجلَّ(٤) وقد غَلِطَ في ذلك ؛ لأن ( المتينَ ) في اللغة: هو الشديدُ(٥)، والله (١) قرأ بكسر النون: يحيى بن وثاب، وبه أخذ الأعمش. انظر ((معاني القرآن)) للفراء (٧٥/٢)، و((معاني القرآن)» للزجاج (٥٩/٥)، وقد تقدم بيان ذلك (٥٤٤/٢). (٢) أراد : ضمَّها . انظر (٢ /٥٤٥ ) . (٣) (٤) انظر (٢ /٥٤٥). (٥) انظر ((تهذيب اللغة)) (٢١٨/١٤). CRObO 00 سبحانه وتعالى شديدُ القوَّة(١) ؛ لأن قوَّتَهُ قدرةٌ على جميع المقدورات ؛ وهي قدرةُ اختراع ، وقدرةُ غيره تصلحُ لمقدورٍ دون مقدورٍ ، وتصلحُ للاكتساب دون الاختراع ، فقوَّةُ غيره غيرُ موصوفةٍ بالشدَّةِ ، وقوَّتُهُ شديدةٌ ؛ لأنها موصوفةٌ بما ذكرناه ، وبالله التوفيق . 20000 (١) في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٥٤): ( والمتين بمعنى القوي). ذكر معنى (المجيد) و(الماجد) من أسمائه تعالى اعلمْ : أن المَجْدَ في كلام العرب : الشرفُ الواسعُ الكثيرُ ؛ لقول العرب في أمثالها : ( في كلِّ الشجر نارٌ، واستمجَدَ المَرْخُ والعَفارُ)(١) ؛ أي : شُرِّفَ هاتان الشجرتانِ بكون النار فيهما أكثرَ(٢) ومعنى قولهم فيهما : ( استمجدَتا ) ؛ أي : استكثرتا من هذا المجدِ والشرفٍ به(٣) 20000 O وقال ابنُ الأعرابيّ: ( إن العربَ تقول : مَجدَتِ الإبلُ ؛ إذا وقعت في مرعىّ كثيرٍ واسع، وأمجدَها الراعي والمرعَى ) (٤) وقال النضرُ بن شُمَيل : ( إذا شبعتِ الغنمُ مَجَدَت)(٥) ، ويقالُ : مَجَدَتِ الإبلُ تَمجُدُ مَجْداً(٦) . (١) انظر ((جمهرة الأمثال)) (٩٢/٢)، و((مجمع الأمثال)) (٧٤/٢). (٢) انظر (( شأن الدعاء)) (ص٧٤)، و(( تهذيب اللغة)) (٢١٢/٢). (٣) حتى قيل: إنهما المقصودتان بقوله سبحانه: ﴿ءَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢]. انظر ((تهذيب اللغة)) (٢١٢/٢). (٤) انظر ((تهذيب اللغة)) (٣٥٩/١٠). (٥) انظر ((تهذيب اللغة)) (٣٥٩/١٠). (٦) انظر ((تهذيب اللغة)) (٣٦٠/١٠). ٦٣٥00000 00000 وقال أبو حيَّةَ النميريُّ(١): [من الوافر ] . وليسَتْ بماجدةِ [الطَّعامِ ولا الشرابِ](٢) أي : ليست كثيرةَ الطعامِ والشرابِ (٣) وقال الأصمعيُّ : ( يقال : أمجَدْتُ الدابَّةَ عَلَفاً ؛ أي : أكثرتُ لها ذلك )(٤) وقال أبو عبيدةَ مَعمْرُ بن المثنَّى: ( أهلُ العاليةِ يقولون: مَجَّدْتُ الدابَّةَ؛ مشدَّدٌ؛ إذا علفتُها مِلْءَ بطنها )(٥) فالمجيدُ على هذا الوجه : الشريفُ الكثيرُ الخيرِ ، والله سبحانه مجيدٌ وماجدٌ ؛ لأن الخيراتِ كلَّها منه ، إلا أنه يُطلَقُ في أسمائه : الماجدُ والمجيدُ ، ولا يُطلَقُ عليه التسميةُ : بالشريف وإن كان في معنى الماجد ؛ لأن التوقيفَ ورد بالماجدِ والمجيدِ ، ولم يرد بالشريف في معنى أسمائِهِ . 00000 وأما قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥]، وقد قرأه حمزةٌ (١) قاله في صفة امرأة. انظر ((ديوانه)) ( ص١٢٣)، وقد جعله المحقق من مجزوء المتقارب لما وجده من كتب اللغة ، وإنما أوردوا بعض هذا البيت ؛ وقد أورده الواحدي في (( التفسير البسيط)) (٤٨٨/١١) بتمامه بلفظ : بماجدةِ الطعامِ ولا الشرابِ تزيدُ على صواحبها وليست وكذا هو في (( الدر المصون)) (٣٥٩/٦)، والخطب يسير. (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( للطعام ولا لشراب ) (٣) انظر ((تهذيب اللغة)) (٣٦٠/١٠)، و«الدر المصون)) (٣٥٩/٦). (٤) انظر ((تهذيب اللغة)) (٣٦٠/١٠). (٥) انظر (( تهذيب اللغة)) (٣٥٩/١٠). DACONM4400000 00000 ٦٣٦ ٢٠ والكسائيُّ وخلفٌ : بخفض الدال من ( المجيد ) ، وقرأه الباقون: بضمِّ الدالِ منه(١)؛ فمن خفضَهُ: ردَّ الوصفَ بالمجيد إلى العرش فقال : العرشُ مجيدٌ ؛ لأنه أشرفُ المخلوقات علوّاً، ومن ضمَّ ( المجيد ) : جعلَهُ نعتاً لله عزَّ وجلَّ (٢) قال أصحابنا : الماجدُ : ذو المجدِ ، والمجيدُ : مبالغةٌ منه ؛ كالرحيم والعليمِ [والقدير] مبالغةٌ من الراحمِ والعالمِ والقادرِ (٣) وعلى هذا : يكونُ ( الماجدُ ) و( المجيدُ ) من أسمائه المشتقَّةِ من أفعاله دون أوصافه الأزليَّةِ (٤) وعلى هذا قرأه من ضمَّ الدالَ من ( المجيد ) في قوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ المَجِدُ﴾، ثمَّ قال: ﴿فَتَّالٌ لِّمَا يُرِيدٌ﴾ [البروج: ١٦]، ففسَّرَ (المجيد). وأما تمجيدُ العباد ربَّهم سبحانه : فهو اعتقادُهم تعظيمَهُ وتعظيمَ أمره ، وذكرُهم إيَّاه بذلك(٥) ٥ (١) انظر ((معاني القراءات)) للأزهري (١٣٦/٣). (٢) انظر ((معاني القرآن، للفراء (٢٥٤/٣)، و((تهذيب اللغة)) (٣٥٩/١٠). (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (القادر ) . (٤) قال الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) ( ص٥٤) حكاية عن الإمام الأشعري : ( فأما الماجد والمجيد : فيرجع إلى صفة التعالي ، ويشمل نعوت ذاته وفعله ) . (٥) انظر (( العين)) (٨٩/٦). ٦٣٧٠ 000 00000 AC/10 ذكر معنى (الجيسب) من أسمان عزوجل قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. فاللهُ سبحانه وتعالى مجيبٌ دعاءَ من دعاه مخلصاً أو عند ضُرٍّ نزلَ به ، ولذلك قال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]. [ معنى (الجواب ) في اللغةِ ] يقال من الجواب عن السؤال : إن المجيبَ أجابَ السائلَ واستجابَهُ واستجابَ له ، كلُّ ذلك جائزٌ(١) 00000 وقال الغنويُّ يرئي أخاه(٢): [من الطويل] وداعِ دعَا يا مَنْ يجيبُ إلى النَّدَى فلمْ يَستجبْهُ عندَ ذاكَ مُجيبُ فجاء باللغتينِ في هذا البيت . ويقالُ : أجبتُهُ إجابةً وجابَةٌ وجواباً ؛ بمعنىّ واحدٍ (٣) (١) انظر ((أدب الكاتب)) (ص٥٢٣)، و((المحكم)) (٥٦٨/٧). (٢) البيت لكعب بن سعد بن عمرو الغنوي ، ويقال له : كعب الأمثال ؛ لكثرة ما في شعره من الأمثال. انظر ((الأصمعيات)) (ص٩٦)، و((معجم الشعراء)) (ص٣١٤). (٣) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٠٥/٣). 00000 ٦٣٨ وقالوا في المثل : أساء سمعاً فأساء جابةٌ (١) والجابةُ والجوابُ : اسمان وُضِعا موضعَ المصدر . وأصلُ ( الجواب ) في اللغة : القطعُ؛ من قولهم : فلانٌ يجوبُ البلادَ ؛ أي: يقطعُها(٢)، ومنه قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادٍ﴾ [الفجر: ٩]؛ أي: قطعُوهُ ونقبُوهُ، وجعلوا فيه بيوتاً (٣) ويقالُ : فلانٌ جوَّابُ ليلٍ ؛ إذا كان يقطعُها بالسير (٤) ويقالُ : جُبْتُ الفلاةَ أُجُوبُها جَوْباً ؛ إذا قطعتُها(٥) وفي حديث أبي بكر : ( وإنما جِيبَتِ العربُ عنَّا كما جِيبَتِ الرَّحَى عن قُطِْها)(٦) ؛ لأن قَطْعَ الرحى يكونُ في موضع قُطْبِها(٧) وفي حديث الاستسقاء : ( انجابَ السحابُ)(٨) ؛ أي : انقطعَ من محاذاة المدينة(٩) C (١) انظر ((الأمثال)) لابن سلام (ص٥٣)، و((جمهرة الأمثال)) (٢٥/١)، وفي (( أدب الكاتب)) (ص٣٧٢) زاد: ( هكذا بلا ألف ، وهو اسم بمنزلة الطاقة والطاعة ) ؛ إذ الأصل فيهما : إطاقة وإطاعة . انظر ((تهذيب اللغة)) (١١ /١٤٨-١٤٩). (٢) انظر (( الغريبين)) (٣٨١/١) . (٣) (٤) انظر ((الغريبين)) (٣٨١/١)، والضمير في (يقطعها) عائد على البلاد ، وعبارة الهروي : ( إذا كان قطَّاعاً للبلاد سيراً فيها ) . انظر (( تهذيب اللغة)) (١٤٩/١١) . (٥) أورده ابن قتيبة فى ((غريب الحديث)) (٥٧٦/١) . (٦) انظر ((الغريبين)) (٣٨١/١)، أراد: كُنَّا وسطاً، وكانت العرب حوالينا . (٨) رواه الطبراني في ((الدعاء)) (٢١٨٠) من حديث سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه ، (٧) وأصل الخبر عند البخاري (١٠١٥)، وفيه: ( فانجابت عن المدينة انجياب الثوب ) . (٩) في ((الغريبين)) (٣٨١/١): ( قال أبو بكر : معناه: تَقَبَّض ودخل واجتمع ؛ من= CON