النص المفهرس

صفحات 601-620

RY
KY.KG
العبادِ الجنَّةَ بلا تكليفٍ ؛ لِمَا في تكليفهم من تعريضهم لأسنى المنزلتين (١)
فهلَا أوجبوا على الله سبحانه تركَ اللطف ليكونَ ثوابُهم على الإيمان
والطاعات مع عدم اللطف أجزلَ ؛ لتعريضهم بذلك لأعظم الثوابينٍ وأسنى
المنزلتينِ ؟!
ويدلُّ عليه : أنه لو كان في معلوم الله عزَّ وجلَّ أن واحداً من الناس
لا يؤمنُ إلا بعد فناء جميع الأنبياءِ والأولياءِ ، وتمكينِ الكفَّارِ من نسائهم ،
وخسفٍ جميع المؤمنينَ وتعذيبِهم بلا جُرْمٍ ، لا لمنفعةٍ أكثرَ منه .. لم يجب
على الله عزَّ وجلَّ فعلُ ذلك من أجل إيمان ذلك الواحد ، فكذلك لا يجبُ
عليه فعلُ اللطف بكلِّ من علمَ إِيمانَهُ عند وجودِ لطفٍ ما .
ويدلُّ عليه : أن القائلَ بتناهي الألطافِ في مقدوره ، والمُوجِبَ عليه
فعلَ ما يقدرُ عليه من اللطف(٢) .. لا يخلو: من أن يوجبَهُ عليه لإيجابه ذلك
على نفسه ، أو الإيجاب غيره عليه، أو السابقةِ نعمةٍ عليه ممَّن يلزمُهُ أن يفعلَ
به اللطف .
ولا يجوز أن يكونَ الإيجاب غيره [عليه]؛ لأنه سبحانَهُ ليس تحتَ أمر
غيرِهِ ، ولا يكونَ لغيره عليه نعمةٌ ؛ لاستحالة الإنعام عليهِ ، وإن كان لإيجابه
على نفسه .. جاز منه تركُهُ ولو لم يوجبْهُ(٣)
وإذا بطلَ تعليقُ وجوب اللطفِ على أحد هذه الوجوه ولا رابعَ لها ..
(١) هم معتزلة بغداد؛ أصحاب الأصلح. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٤٦ - ٢٤٧)،
وما تقدم (٢/ ٦٢) ، ويدل عليه ما سيأتي .
(٢) وهم جمهور المعتزلة. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٤٧)، وما تقدم (١/ ٦١).
(٣) على أن النصَّ ورد: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَايَشَآءُ﴾ [الحج: ١٨].

بطلَ إيجابُهُ عليه ؛ لأنه لو وجبَ عليه فعلُ اللطفِ بالعبد لكان بفعله مُطيعاً ،
وبتركه عاصياً !
فإن ركب أصحابُ الجبائيِّ ذلك، [وجاز] أن يكونَ البارئُ سبحانَهُ
مُطيعاً للعبد بفعلِهِ مرادَهُ(١) .. لزمَهم: أن يكونَ بتركه مرادَهُ عاصياً، وإن
جاز عليه الأمرانِ جاز أن يستحقَّ به الذمَّ والعقاب !
ويدلُّ عليه : إجماعُهم : على أنه قادرٌ على خِذلانٍ لو فعلَهُ بالمؤمن لكفرَ(٢)،
فإذا لم يقدر على ضدِّهِ من اللطف .. لم يُنكَر أن يقدرَ على كلِّ نوع لا يكونُ
موصوفاً بالقدرة على ضدِّهِ ، وذلك خلافُ قولهم في القدرة(٣) ؛ لأنه لو كان
بترك اللطف سفيهاً .. لكان بفعله حافظاً للحكمة على نفسه ، وحافظاً للإلهيّة
على نفسه ، ووجب أن تكونَ إلهيَّتُهُ صفةٌ حادثةً ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
واستدلَّ من قال بتناهي الألطاف في مقدورِ الإلهِ سبحانَهُ بأن قال : لو
كان الإلهُ سبحانَهُ قادراً على شيءٍ يفعلُهُ فيؤمنُ الناسُ عنده ثمَّ لم يفعلْهُ ..
لكان قد بَخِلَ به عليهم، وقطعَهم عن المنفعة، وأرادَ فسادهم ؛ كالأب
يمنعُ الابنَ ما يعلمُ أنه لو أعطاه وصلَ به إلى المنافع (٤)
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( جاز).
(٢) وهو مذهب جمهور المعتزلة ، وخالف في ذلك النظام وأبو علي الأسواري والجاحظ ؛
على أصلهم: من أن الله تعالى لا يقدر على فعل القبيح. انظر (٥١٩/١)، (٣٤٩/٢).
(٣) لأن مذهبهم كما نص عليه قاضيهم عبد الجبار في (( شرح الأصول الخمسة))
(ص٣١٤) : ( أن من حقِّ القادر على الشيء أن يكونَ قادراً على جنس ضدِّهِ إذا كان له
ضدّ)؛ إلا أنه تخلص من هذا الإلزام ؛ إذ لم يجعل اللطف من جنس المقدورات .
انظر (( شرح الأصول الخمسة)) (ص٥٢٤ ) .
(٤) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٥٧٤، ٥٧٨).

000
OOOO
فيقالُ لهم : أما إرادتُهُ فسادَ من لا يخلقُ له لطفاً .. فلا نأباهُ ، ثمَّ إنه
ليس لأحدٍ أن يُوجِبَ [عليه] فعلَ اللطف لئلا يكونَ بخيلاً أو مُقتطعاً عن
المنفعة إلا ولآخرَ أن يُوجِبَ عليه تركَ اللطف معه ؛ ليكونَ مُعرِّضاً بتركه
خلقَ اللطف لأسنى المنزلتينِ، كما ذهب إليه بشرُ بن المُعتمِر(١).
فإن قالوا : إذا علمَ أنه لا يبلغُ أسنى المنزلتينِ إذا قطعَ عنه اللطفَ ..
وجبَ عليه فعلُهُ ليبلِّغَهُ به إلى أدناهما ؛ فإنَّ في تركه انقطاعاً له عنهما .
قيل : لا يجبُ عليه إذا كان المأمورُ مُتمكِّناً من بلوغ الأرفعِ - كما
زعمتم - أنه يُعرِّضُ للثواب من يعلمُ أنه لا يصلُ إليه ، ولا يلزمُهُ أن يبتدئَهُ
بالتفضّلِ إذا علمَ أن في تعريضِهِ إِيَّاه للثواب انقطاعاً له عن الجميع .
وقيل لهم : البخلُ : منعُ الواجبِ(٢) ، وليس فعلُ اللطف واجباً عليه ،
فيكونَ بتركه بخيلاً ، وإنما اللطف فضلٌ منه ، وتركُ التفضُّلِ لا يُوجِبُ
البخلَ ؛ كمن لم يصَّدَّقْ بجميع ماله في يومٍ واحدٍ في غير وجوبٍ عليه ..
لا يصيرُ بذلك بخيلاً إذا كان مُخرِجاً من ماله قدرَ الواجب عليه .
[ اختلافُهم في اللطفِ والصلاح والأصلحِ ]
قال عبدُ القاهر :
في باب اللطفِ والصلاح والأصلح خلافٌ آخرُ بيننا وبين القدريَّةَ ومعتزلةٍ
الحقِّ من حيث إنا نقول (٣):
(١)
انظر (٢/ ٦٢).
(٢)
انظر (٦٢/٢) .
(٣) الواو في قوله: ( ومعتزلة) للبيان، وتقدم (٥٩٥/٢) قوله: ( القدرية معتزلة الحق ) دون واو .

ليس لِمَا في مقدورات الله من الصلاح لكلِّ عبدٍ ولكلِّ حيوانٍ نهايةٌ ،
وكلُّ صلاحٍ فعلَهُ بعبدٍ أو بحيوانٍ آخرَ فاللهُ سبحانه قادرٌ على أن يفعلَ به ما هو
أصلحُ له من ذلك في باب الدين والدنيا (١)
وكلُّ صلاحٍ يفعلُهُ فهو متغضِّلٌ به مستحقٌّ الشكرَ عليه ، وليس فعلُ ذلك واجباً
عليه ، ولو ترك اللطفَ والصلاحَ لم يكن بتركِهما خارجاً عن الحكمة (٢)
واختلفت القدريَّةُ في باب وجوبِ الصلاح والأصلح على الله عزَّ وجلَّ ،
وفي تناهي ما في مقدوراته :
فزعم النظّامُ : أن الله عزَّ وجلَّ يقدرُ من الصلاح على ضربٍ واحدٍ غيرِ
مُختلفِ المقادير ، وأنه لا يوصفُ بالقدرة على ما هو أصلحُ منه ، إلا أنه
مختلفُ الأعيان وإن لم يكن مقاديرَ مختلفةً ، فليس لِمَا قَدَرَ عليه من الصلاح
شيءٌ أصلحَ منه ، وإن كان منه سوادٌ وبياضٌ، وحرّ وبردٌ ، إلا أن كلَّ واحدٍ
0000
(١) وقال حجة الإسلام في ((إحياء علوم الدين)) (٢٤٤/٨): (وليس في الإمكان أصلاً
أحسنُ منه ولا أتمُّ ولا أكملُ ) ، وأراد : أنه لو قيل : هل يقدرُ الله تعالى على إيجاد
ممكنٍ هو في غاية الكمال الإمكاني والحُسْن والتمام ، وهو في علم الله سبحانه نهايةٌ
الممكنات كمالاً ؟
فالجواب : نعم ، وهو هذا العالم الماثلُ بين يديك، وباقٍ بقاء سرمدياً فيما يُسمَّى
اليومَ الآخر ، وكماله وتمامه في مجموعه ، لا في تفاريق أجزائه ، فمعرفةُ الله تعالى في
الدنيا هي بذورُ مشاهدته ورؤيته يوم القيامة ، ونعيمُ الآخرة فرعُ التكليف والابتلاء في
الدنيا ، وتراكبُ الأسباب والمسبَّبات محصِّلٌ للذوق ، وما تقع عليه العين اليوم وغداً
هو الكمالُ بعينه، وتصوُّرُ ما هو أصلحُ منه لقصور العقول ، وللعجز عن الإحاطة
بحِكَمِهِ وأسراره ، ولو أننا تصوَّرنا الإحاطة ، وفقهنا الحكمة فيه .. لما وقع اختيارنا إلا
على ما خَلَقَهُ ويخلقُهُ مولانا جلَّ وعزَّ .
(٢) لما تقدم (٢/ ٥٢) في حدِّ الحكمة .
00000 . 00000

x
منها في وزن الآخر مقدارَ الصلاح(١)
وحكى ابنُ [الراونديّ] عنه أنه قال(٢): إن الغنى عند الموازنة كالفقر،
والكمالَ كالنقص ؛ وذلك أن الغنيَّ يكابدُ في الشكر وتركِ التكتُّرِ كمكابدة
الفقير في الصبر .
فألزمَهُ أصحابُنا على هذا القولِ : أن تكونَ مكابدةُ أبي هريرة في نقصه
مثلَ مكابدةِ الرسولِ عليه السلام في وَقارتِهِ (٣) ، فإذا أدَّى أبو هريرةَ فرضَهُ
يجبُ أن يكونَ مساوياً للرسول عليه السلام إذا أدَّى فرضَهُ ! فإذا كان جنسُ
فعلِهما واحداً عنده ، وأعيانُهما مشتبهة ، وكلُّ واحدٍ قد أدَّى ما كُلُّفَ .. لم
يَجُزْ أن يكونَ أحدهما مُفضَّلاً على الآخر !
oor
وقال الجبائيُّ وابنه : إنَّ لِمَا يقدرُ الله عزَّ وجلَّ عليه من الصلاح في الدين
غايةٌ لا يكونُ وراءها ما هو أصلحُ منها في المقدور ، والصلاحُ في هذا
الباب لا يتزايدُ عندهما (٤)
(١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥٧٦)، وحذار أن تظنَّ قولَ النظام كقول الحجة
الغزالي ؛ إذ كتب الغزالي صارخة بإحالة وجوب الصلاح والأصلح عليه سبحانه ،
وبكمال الاختيار له تعالى ، والكلام في التعلقات الصلاحية ، دون التنجيزية عنده ،
وهو مشهدٌ عرفاني بالنظر إلى جميع الصفات القديمة ، لا بالنظر إلى القدرة وحدها ،
وبالنظر إلى جميع الخلق دنيا وأخرى ، وفي (ج): ( منهما) بدل ( منها ) .
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( الروندي ) .
(٣)
الوقارةُ ومثلها الوقار : الرزانةَ والحلم
.
(٤) قوله : ( من الصلاح في الدين ) ؛ يعني: فيما هو استدعاءٌ إلى فعل الإيمان واستصلاح
التكليف ؛ لأن الجبائي جوز أن يوصف الله سبحانه بالقدرة على أن يفعل بعباده في باب
الدرجات والزيادة من الثواب أكثرَ مما فعله بهم ؛ كإحياء المطيع عُمُراً أطول ليزداد
ثوابه. انظر ((مقالات الإسلاميين)) ( ص ٥٧٥) .

0
وزعم أبو هاشم : أنه إنما يقالُ : أصلحُ في باب الدين ؛ على معنى :
أنه قد انتهى إلى حدٍّ لا شيءَ أصلحُ منه؛ لأن الصلاح منه لا يتزايد(١)
فأما الصلاحُ في باب المنافع : فلا غايةً له في المقدور ؛ وذلك أن الله
عزَّ وجلَّ يقدرُ أن ينفعَ عبادَهُ بما شاء ، على قَدْرِ ما شاء ، لا إلى نهاية .
وقال أبو الهذيل : الصلاحُ متناهٍ في المقادير والعدد ؛ لأنه لا يُعقَلُ ما لا
يتناهى في العدد ، كما لا يُعقَلُ ما لا يتناهى في المقدار(٢)
وقد سأل أصحابُنا المذَّعينَ لوجوب الأصلح : عن ثلاثة أطفالٍ ولدوا في
بطنٍ واحدٍ ، فمات أحدُهم طفلاً ، وبلغ الآخران ، فكفرَ أحدُهما ومات على
كفره، وآمن الآخرُ وأطاعَ ربَّهُ ومات على طاعته .. ما حكمُهم في الآخرة ؟
فقالوا : إن الذي مات طفلاً يدخلُ الجنَّة مع الذي بلغ وآمن ، وتتفاوتُ
درجاتُهما فيها ، فتكونُ منزلةُ البالغ المؤمنِ أرفعَ من منزلة الذي مات طفلاً ،
والذي كفرَ منهم يكونُ مُخلَّداً في النار .
00000
0
فقال أصحابنا : أرأيتم لو سأل الذي مات طفلاً ربَّهُ عزَّ وجلَّ : عن سبب
قصورِ درجتِهِ عن درجة الذي هو أرفعُ درجةً منه . . بماذا يجيبه ؟
Xx
فقالوا : يقولُ له : إن أخاك إنما بلغَ الدرجةَ العليا بعمله وطاعاته ،
وليس لك أمثالُ طاعاته ، ولا يجوزُ في عَذْلي وحِكمتي أن أسوِّيَ بينَكُما .
قالوا : فإن قال الطفلُ : إن أخي إنما عملَ وأطاعَ لأنك أبقيتَهُ إلى
أوان بلوغه وتمام قوَّته ، فلو أبقيتَي لعملتُ مثلَ عمله ، ووصلتُ إلى
(١) انظر ((المغنى فى أبواب التوحيد والعدل)) (٢١/١٣ -٢٢).
(٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥٧٦ - ٥٧٧).
٥٥٥٥٥ ٦٠٥

XY.NGY OOOO
000
مثل درجته وثوابه .. ماذا يكونُ جوابُهُ ؟
فقالوا : يقول له : إنما أَمَتُّكَ طفلاً لأن الأصلحَ لك أن أَمَتُّكَ طفلاً ؛
لأني علمتُ أنك لو بلغتَ كنتَ تكفرُ وتسقطُ عن الدرجة التي أنت الآن
فيها ، فكان الأصلحَ لك الموتُ على الطفوليّة ، فلذلك أَمَنُّكَ طفلاً ؛ لأنى
أعملُ بكلِّ عبد في دار التكليف ما هو أصلحُ لهُ .
قالوا لهم : أرأيتُم لو أن الذي بلغ وكفر ، ثم صار إلى النار .. قال لربِّهِ
عزَّ وجلَّ : أنت لا تفعلُ بالعبد في دار التكليفِ إلا ما هو الأصلحُ له ،
وأمثَّ أخي طفلاً لعلمِكَ بأنه لو بلغ لكفرَ، فهلًّا أَمتَني أيضاً طفلاً ؛ لأنك
كنتَ عالماً بكفري بعد بلوغي ، فهلا عاملتَني بالصلاح الذي عاملتَ به أخي
إن كنتَ لا تفعلُ بالعبد إلا ما هو الأصلحُ له .. فماذا يكونُ جوابُهُ ؟
فقالوا : يقولُ له : كان الأصلحَ لك إيقاؤك مع العلم بكفرك عند
البلوغِ ؛ لأنِّي بإبقائك عرَّضْتُكَ لأسنى المنزلتينِ ؛ وهو الوصولُ إلى الثواب
والنعيم بالاستحقاق دون التفضُّلِ .
قالوا : أرأيتم لو قال له : إن كان تعريضي لأسنى المنزلتينِ أصلحَ مع
علمك بالكفر منِّي بعد البلوغ .. فهلَّا عرَّضتَ أخي الذي أمتَّهُ طفلاً لأسنى
المنزلتينِ وإن كان لو بلغ لكفر .. ماذا يكونُ جوابُهُ ؟
فسكت أصحابُ الأصلح عن جواب هذا الإلزام ، وألزموا معبودَهم
الانقطاعَ عن جواب هذا السؤال(١)
(١) انظر ((أصول الدين)) للمصنف (ص١٥١)، و((التبصير في أصول الدين))
(ص٧٢)، وأورد الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (١٨٤/١٤) هذه المناظرة
مختصرة ، على أنها وقعت بين الإمام الأشعري وأبي علي الجبائي .
=
٥ ٦٠٦ ١٥
O

DO
0
وإذا رجعْنا إلى أصلنا : في أن فعلَ الأصلح فضلٌ من الله عزَّ وجلَّ غیرُ واجب
عليه .. لم يكن لأحدٍ عليه اعتراضٌ ، ولا أن يقولَ : لم أعطيتني ما لم يكن لي فيه
صلاحٌ ، ولماذا لم تعطني الأصلحَ ؛ لأنه لا يُسألُ عمَّا يفعلُ وهم يُسألُونَ(١)
وأجاب بعضُ المدّعينَ الأصلحَ عن هذا السؤال حين عجزَ عن الكلام فيه
بأن قال : قد علمنا بالدَّلالة التي ظهرَتْ لنا أن الله عزَّ وجلَّ لا يفعلُ إلا
الأصلحَ ، فإذا أُورِدَ علينا مثلُ هذا السؤال علمنا في الجملة أن التبقيةً
والاخترامَ للمصلحة وإن غاب عنَّا ذكرُها ووصفُها .
فيقالُ له : لو جازت دعوى المصلحةِ - عند معارضةِ الدعاوى - في
الفعل عند العجز عن بيانها .. لزمَكم: أن تجيزوا منه فعلَ القبائح، وتذَّعوا
فيها المصلحةَ من وجهٍ ما ، وإن لم تكنِ الإشارةُ إليه(٢) ، ويكونُ إخفاءُ وجهِ
ء
الصلاح فيها عنّا لمصلحةٍ أَخِفِيتْ عنَّا .
وقيل لهم : لو كان لا مقدورَ له إلا الأصلحُ ، وينتهي الأصلحُ في باب
المُكلَّف .. وجب أن تنتهي مقدوراتُهُ فيه(٣)
وقد أجاب قاضي المعتزلة عبد الجبار عن هذا السؤال في « المغني)) (١٦٠/١٣) بما
=
لا يغني ، فقال : ( إن السلامة التي تحصل بالاخترام غيرُ السلامة التي تحصل بفعل
ما كلف ؛ وذلك لأن المُكلِّف لم يُرِدْ من المكلَّف بالتكليف السلامةَ من العقاب فقط ،
وإنما أراد منه السلامة التي هي الثواب ! ) ، وهذا لا ينجيه من الإلزام .
(١) لأنه تعالى له فعْلُ ما يشاء، ومع هذا فالسائل دون أعتاب بروج الحكمة ؛ إذ له سبحانه
في كل ما خلقَ حِكَمٌ تعجز عقول الخلق عن إدراكها والإحاطة بها ، وإن مَنَّ يكشف
أسرار بعضها .
(٢)
قوله : ( تكن ) بمعنى ( تحصل ) .
(٣) قد يقال: لا نهاية من جهة المثل والدون، ولكن هذا منقوضٌ بقاعدتهم: كلُّ ما كان =
PAra
00000
00000 ٦٠٧

واستدَلَّ أصحابُ الأصلح بمثل استدلالِ أصحاب اللطف في دعواهم :
أنه لو كان شيءٌ من ذلك في مقدوره فلم يفعله .. لوجب فيه البخلُ .
والجوابُ عنه قد مضى قبل هذا(١)
وقيل لهم : يلزمُكُم إذا لم يخلق الله تعالى قبل خَلقِ العالم عالماً آخرَ
يُعرِّضُ أهلَهُ بالتكليف لأسنى المنزلتينِ .. أن يكون بخيلاً
فإن قالوا : إنما لم يخلق العالم إلا في وقته لعلمه بأنه لو خلقّ عالماً قبل
ذلك لم يُؤْمِنْ فيه أحدٌ منهم .
قيل : يلزمُكم على هذا: ألا يكونَ حكيماً بخلقه في هذا العالم مَنْ
علمَ منه الكفرَ .
فإن قالوا : إنه وإن علمَ منهم الكفرَ فإنه نظرَ له بالأصلح له ؛ وهو
تعريضُهُ إِيَّاه بالتكليف لأسنى المنزلتينِ .
قيل : فهلَّا خلقَ قبل وجود العالم خَلْقاً - وإن علمَ كفرَهم - لأجل
تعريضهم لأسنى المنزلتينِ !
وهذا ممَّا لا فصلَ فيه (٢) ، وبالله التوفيق.
له ابتداء له انتهاء ، والعكسُ صحيح ، ومن حكم من أهل السنة بأصلحية العالم لم يقرن
=
ذلك بالإيجاب عليه سبحانه ، ولم يقيِّدْهُ بزمانٍ دون زمان .
(١)
انظر (٢ / ٦٢).
ورحم الله الإمام السنوسي إذ يقول في (( شرح العقيدة الكبرى)) ( ص ٥٢٤ ):
(٢)
( وبالجملة : لو وجب عليه الأصلح لَمَا وجدت محنة دنيوية ولا أخروية ) ، وهو يريد
الأصلح من حيث العقول .
MC1034
00008. 7 . A200000
ALCON

Arroyos
O
O
YO
Devorx
KY.Y
ذكر ما جاء من التسميات الله عزوجل
مفتى بالميم
0
3
OLY

ratorarray
G
orara
G
LCLONTANO
000
LY

ذكر ما جاء من تسميات امن عز وجل
مْت بالميم
قد ورد الشرعُ من هذا النوع بأسماءٍ كثيرةٍ لله عزَّ وجلَّ ؛ وهو :
المَلِكُ ، والمالكُ، والمَليكُ، ومالكُ المُلكِ ، والمؤمنُ ، والمهيمنُ ،
والمتكبِّرُ، والمصوِّرُ، والمعزُّ، والمذلُّ، والمغيثُ، والمُقيتُ ،
والمجيبُ، والمجيدُ ، والماجدُ ، والمتينُ ، والمُبِينُ ، والمحصي ،
والمبدئُّ، والمعيدُ، والمحيي ، والمميتُ، والمقتدرُ ، والمقدِّمُ ،
و
والمؤخِّرُ، والمقسط، والمتعالِ ، والمغني، والمنتقمُ، والمحيطُ ،
والمدبِّرُ ، والمانعُ ، والمَولى .
Do
فهذه ثلاثونَ اسماً مذكورةٌ في القرآن(١) ، وفي الخبر الذي ذُكِرَ فيه تسعةٌ
وتسعون اسماً(٢)، ونحن نشرحُ معانيَها بعدُ إن شاء الله عزَّ وجلَّ.
(١) وذلك لعدِّهِ ( الملك، والمالك، والمليك، ومالك الملك) واحداً كما سيأتي شرحها
(٦٩٦/٢)، وإلا فهي هنا ثلاثة وثلاثون اسماً.
(٢)
تقدم ذكره (١ / ٤٤٧، ٤٤٩ ).
00000 11 100000

ذكر معنى (المدى) من أسمان عز وجل
في هذا الاسم فصلانِ :
أحدُهما : في معناه وأصلِهِ في اللغة .
والثاني : في بيانِ ما يتعلَّقُ به من معاني الكلام وأبوابِهِ .
0000
000000
0000 ٢\٦ 00000

000
الفصل الأول
في معنى (المدى) وأصله في اللغة
فأما معناه في اللغة .. فإن ( المبدئَّ) في اللغة(١): هو الذي يُبدِئُ
الشيءَ ويظهرُهُ ، والله سبحانه وتعالى يُبدِىُّ الخلقَ ثمَّ يعيدُهُ ، والعربُ
تقولُ: بَدأ [وأبدأ] بمعنىّ واحدٍ (٢)؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأ
اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُمُ﴾ [الروم: ٢٧]، فهذا من بَدأَ يَبدأ، وقال أيضاً: ﴿إِنَُّ هُوَيُدِئُ
وَبُعِيدٌ﴾ [البروج: ١٣]، وهذا من أبدأ يُبدِقُ(٣)
وقيل في الفرق بينهما : إن إبداءً الشيء : إخراجُهُ من العدم إلى
الوجود ، وإحداثُهُ لا من أصلٍ ولا على مثالٍ تقدَّمَهُ، والبَدْءَ : فعلُ الشيء
أوَّلَ مرةٍ ، فالبداءةُ : الفِعلةُ منه .
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]، فالباطلُ
هاهنا : إبليسُ، وهو لا يُبدِىُّ ولا يعيدُ، ولا يخلقُ شيئاً ولا يعيدُ خَلقاً بعد
فنائه ، والله سبحانه وتعالى الخالقُ الباعثُ(٤)
(١) نصَّ المصنف (٢٦٠/١) أن هذا الاسم من الأسماء التي آخرها ياء وقبلها كسرة ،
ولا يخفى أنه أراده هنا مهموز الآخر كما يظهر من سياقه واستدلالاته .
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (وابتدأ ) ، ويظهر من السياق أنه أراد المثبت .
(٣) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٤٣/١٤ - ١٤٤).
(٤) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٢٥٨/٤)، و((الغريبين)) (١٥٠/١).
CON

COO
00000
TODAYOVA
وفي حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم: (( منعَتِ العراقُ درهمَها وقفيزَها، ومنعَتِ الشامُ مُدْيَها ودينارَها ،
ومنعَتْ مصرُ إردبَّها، وعدتُمْ مِنْ حيثُ بدأتُمْ))(١)، [وهذا كقوله تعالى: ﴿كَمَا
بَدَأَكُمْ] تَعُوُدُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيفًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩ -٣٠] (٢).
وقد أخبرنا النبيُّ عليه السلام بما هو في علم الله كائنٌ(٣) ، وفي سابق
علمه أنهم سَيُسلمونَ وسَيسقطُ عنهم ما [وُظّفَ] عليهم من الجِزَى في
الأمصار(٤) ، فيصيرون بإسلامهم مانعينَ لهم ، فعادوا في آخر أمرهم إلى
ما كان عليهم بدءُ أمرهم وفي علم الله عزَّ وجلَّ (٥)
والمُدْيُّ : مكيالٌ لأهل الشام يقال له : الجريبُ ، يسعُ خمسةً وأربعينَ
رَطلاً(٦) ، والقفيزُ: لأهل العراق، ثمانيةُ مكاكيكَ، والمكُوكُ : صاعٌ ونصفٌ ،
والإردَبُّ: لأهل مصرَ ، أربعةٌ وستون منّاً ، والقَنْقَلُ: اثنان وثلاثون مَنَّ(٧)
(١) رواه مسلم (٢٨٩٦)، وفيه: ( ومنعت مصر إردبها ودينارها).
(٢) ما بين المعقوفين ليس في جميع النسخ، وقد أثبت من ((الغريبين)) (١/ ١٥١).
(٣) يعني: في الاستقبال ، وتسمَّى بالكوائن؛ وهي غيوبٌ أخبر عنها النبي صلى الله عليه
وسلم بارتضاء منه سبحانه ؛ نحو أشراط الساعة بعيدها وقريبها ؛ ليحذر الناس ويأخذوا
على أنفسهم بالحزم ، وهي من جملة معجزاته عليه الصلاة والسلام .
(٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( وصف ) ، والجزى : جمع جِزْية ؛ ما يؤخذ من
أهل الذمة. انظر ((مختار الصحاح)) (ج زي ) .
(٥) وثمَّ وجه ثان؛ قال الهروي في ((الغريبين)) (١/ ١٥٢): (وفي تفسير المنع وجهان )
وذكر ما أورده المؤلف ، ثم قال: (وقيل في قوله: (( منعت العراقُ درهمها)): إنهم
يرجعون عن الطاعة ، فهذا وجه ، والأوَّلُ أحسن ) .
(٦) في جميع النسخ : ( يسع فيه خمسة ... ) .
(٧) انظر ((الغريبين)) (١٥٢/١).
٠٥٥٥ - ٦١٤
00000

OOoooOK
00
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿بَادِىَّ الرََّيِ﴾ [هود: ٢٧] من همزَ أراد : ابتداءَ الرأي
وأوَّلَهُ(١).
وفي الحديث : ( أنه نفلَ في البَدْأةِ الربعَ ، وفي الرجعة الثلثَ )(٢)،
أراد بالبَدْأة : ابتداءَ الغزو (٣)
وفي الحديث: ((الخيلُ مُبدَّأةٌ يومَ الوِرْدِ ))(٤)؛ يُبدَأُ بها في السقْىِ قبل
الإبل والغنم (٥)
(١) وهي قراءة أبي عمرو، وقرأ الباقون: (بادي) بلا همز. أنظر (( النشر في القراءات
العشر)) (٤٠٧/١)، وانظر ((الغريبين)) (١٥٢/١).
(٢) رواه الترمذي (١٥٦١)، وابن ماجه (٢٨٥٢) من حديث سيدنا عبادة بن الصامت
رضي الله عنه ، وإنما زاد لأهل الرجعة والقفول لضعف الظهر ، وللفتور ، والشوق إلى
الأوطان ، فكان غزوهم أصعب .
(٣)
انظر ((تهذيب اللغة)» (١٤٤/١٤)، و((الغريبين)) (١٥٢/١).
(٤) رواه الخطابي في ((غريب الحديث)) (٥١٠/١) من حديث سيدنا عمرو بن عوف
C
المزني رضي الله عنه ، وابن ماجه ( ٢٤٨٤) بلفظ : ( تبدأ الخيل يوم وردها ) .
(٥) انظر ((الغريبين)) (١/ ١٥٢).
٢٨
٥ ١ ٢٠ coCCO

الفصل الثاني
في بيان ما يتعلق بـ(المدى) من معاني الكلام وأبوابه
وأما الكلامُ في معنى ( المبدئِّ ) من جهة أبوابٍ علم الكلام :
فإن الجمهورَ من أهل الإسلام : على أن المبدئَّ للأنام والأنعام
والأعراضِ والأجسام .. هو الله الإلهُ الواحدُ القديمُ، الذي لم يزل
موجوداً ، ولا يزال باقياً .
والخلافُ في هذا الباب مع فِرَقٍ :
أوَّلُها : دهريَّةٌ اذَّعت قِدمَ العالم ، وأنكرت الصانعَ المبدئَّ للأجسام
والأعراض ، وقد مضى الكلامُ عليهم(١)
oo
00
والفرقةُ الثانيةُ : الذين ادَّعَوا من الفلاسفة أن العالمَ قديمٌ ، وله صانعٌ ،
منه حركةُ الفلك ، لا إحداثُ الفلك، كما ذهب إليه أبر قلسُ(٢)
والكلامُ عليهم : في إثبات حدوثِ الأفلاكِ ، وافتقارِها إلى صانعِ
مُحدِثٍ لها .
(١) انظر (١/ ٧٥١) .
(٢) قوله: ( أبرقلس) هو: (برقلس )، كما تقدم التنبيه عليه تعليقاً (٧٥٢/١)، وعبارة
العلامة أبي المظفر في (( التبصير في أصول الدين)) ( ص ١٥٠): ( وقوم من الفلاسفة
يقولون بأن للعالم صانعاً قديماً ، ولكن يقولون أيضاً : لأن العالم قديم كما أن صانعه
قديم ، ويقولون بقدم الصنعة والصانع ، وعلى هذا المذهب كان برقلس ) .
00000 71 7 00000

والفرقةُ الثالثةُ : ثنويَّةٌ ادَّعت أن بدءَ الخيرات من النور ، وبدءَ الشرور
من الظلام(١)
والكلامُ معها : في توحيد الصانع .
والفرقةُ الرابعةُ : مجوسٌ ادَّعَوا أن المبدئَّ للشرور هو الشيطانُ الذي
سقَوهُ ( أَهْرَمَنْ ) ، كما أن المُبدئَّ للخيرات هو الإلهُ(٢)
وقد ناقضوا ذلك بقولهم : ( إن الإلهَ هو الذي أحدثَ الشيطانَ ) ، وفي
هذا نقضُ قولهم : ( إن الإلهَ لا يفعلُ الشرَّ، ولا ما يكونُ من أسباب
الشرّ)(٣)
والفرقةُ الخامسةُ : أهلُ الطبائع الذين زعموا أن المبدئَّ للحركة
والسكون من ذات الشيء .. طبيعةٌ فيه ، وأنكروا وجودَ صانع يخلقُ ما يشاءُ
ويبدىُّ ما يعيدُ باختياره (٤)
OO
والكلامُ عليهم : في إحالة وجودٍ طبعٍ لا يكونُ من جنس الأجسام ،
ولا من جنس الأعراض .
والفرقةُ السادسةُ : قومٌ من مُلحدةِ أهلِ النجوم ، نسبوا الحوادثَ
إلى الكواكب ، وزعموا : أنها باختلافِ مزاجها ، واختلافِ سَيْرِها ،
واختلافِ ما يكون لها من الاتصالات والقِرانات .. تُبْدِىُّ الحوادثَ
(١) انظر (٣٢٠/١، ٥٩٣).
(٢) انظر (٣٦٦/٢)، (٢٧٨/٣).
(٣) انظر (٢٧٨/٣).
انظر (٣٢١/١)، (٢٩١/٣).
(٤)
00000 ٦١٧
RACON

COO000
التي تظهرُ في الجوِّ ، وفي العالم السفليّ(١)
والعجبُ من قوم أنكروا علينا نسبةَ الحوادث إلى تقدير صانعٍ حيٍّ قادرٍ
عالمٍ مختارٍ ، ونسبوها إلى كواكبَ لا اختيارَ لها ، مع اختلافهم في إثبات
الحياة لها !
والفرقةُ السابعة : قوم زعموا أن خمسة أشياءَ قديمةٌ ؛ وهي : الإلهُ ،
والنفسُ ، والهَيُولى، والزمانُ ، والمكانُ ، وزعموا : أن بدءَ الفعل كان من
النفس في [تركيبها] للعالم من الهَيُولى(٢)، وأن الإللة إنما أفاض عليها
الفعلَ ليدعوّها به عن تخليص نفسها من مزاج الهَيُولى ، كما ذهب إليه ابن
زكريا الرازيُ(٣)
وحكايةُ هذا القول تغني عن الردِّ على صاحبه .
والفرقةُ الثامنة : أصحاب مَعْمرٍ من جملة القدريّة ؛ فإنهم زعموا : أن
بدءَ الأجسام من الله عزَّ وجلّ، وبدءَ الأعراض من الأجسام ، وليس لله عزَّ
وجلَّ في الأعراض صنعٌ ولا تقديرٌ بحال (٤)
000
(١) انظر (٣ /٢٩٤).
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( تركيبه).
(٣) انظر ((الفصل في الملل والأهواء والنحل)) (١٠/١، ٣٥)، وابن زكريا الرازي : هو
أبو بكر محمد بن زكريا الرازي ؛ الطبيب المشهور ، توفي بعد سنة (٣٠٠هـ) . انظر
((عيون الأنباء في طبقات الأطباء)) (ص٤٢٠)، والله أعلم بنسبة هذا القول الشنيع
إليه، إلا أن ابن أبي أصيبعة نقل في ((عيون الأنباء)) ( ص٤١٦) عن القاضي صاعد في
كتاب (( التعريف بطبقات الأمم)): أن الرازي لم يوغل في العلم الإلهي ، ولا فهم
غرضه الأقصى ، فاضطرب لذلك رأيه ، وتقلَّد آراءً سخيفة ، وانتحل مذاهب خبيثة .
(٤) انظر (٦٢٦/١).
00000 ٦١٨

٢
والفرقةُ التاسعةُ : قومٌ من القدريَّة يقال لهم : أصحابُ أحمد بن خابط ،
أثبتوا للخلق ربَينِ مُبْدئينٍ ؛ أحدُهما : هو الإلهُ القديمُ، والآخرُ :
مُحدَثٌ ؛ وهو المسيحُ ، زعموا : أن الإللهَ خلقَ المسيحَ ثمَّ فوَّض إليه أكثرَ
الأمور ، فمنه بُدُوُّ أكثرِ الأشياء ، وهو الذي يتولّى محاسبةَ الخلق في
الآخرة ، كما حكيناه عنهم قبل هذا(١) .
والفرقةُ العاشرةُ : جمهورُ القدريَّة ؛ معتزلةِ الحقِّ في دعواها : أن بدءَ
اكتساب الحيوانات منها ، ليس لله عزَّ وجلَّ فيها صنعٌ ولا تقديرٌ .
وقلنا نحن : إن المبدئَّ للحوادث كلُّها واحدٌ ، لا خالقَ غيرُهُ ،
ولا مُحدِثَ ولا مُبدئَ سواه ، فنحن الموخِّدونَ دون مخالفينا ، وبالله
التوفيق .
000
0000
0000
(١) انظر (١٥٥/٢) .
CON
0000 ٦١٩