النص المفهرس

صفحات 521-540

O
O
r
AvorAtor
DO
ン

a
00
OoooK
X
ذكر معنى (الفاتح) و(الفتاح)
من أسماء الله عزوجل
قد وردت التسميةُ له : بالفاتح والفتّاح في القرآن والسنة ، ولهما في
اللغة معانٍ كلُّها مأخوذةٌ من معنى الفتح ؛ لأن الفتحَ على وجوه :
أحدُها : الحُكْمُ والقضاء : فالفاتح والفتّاحُ على هذا الوجه هو الحَكَمُ
ء(١)
والحاكمُ(١)
قال الله عزَّ وجلَّ حكايةً: ﴿رَبَّنَا اُفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛
أي : احكمْ بالحقِّ(٢)
O
وقيل في قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: ١]؛ أي : قضينا
لك قضاءَ بيِّناً ؛ في حكمنا لك بالمهادنةِ ؛ يعني : بالحديبية(٣)
وقال ابنُ عباس رضي الله عنهما : كنت لا أدري ما الفتّاحُ ، حتى
سمعت عربيّاً يخاصم آخرَ فقال: بيني وبينك الفتّاحُ (٤)
(١) انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٥٩/٤)، وقال: (وأهل اليمن يقولون للقاضي: الفتاح،
ويقول أحدهم لصاحبه: تعالَ حتى أفاتحَك إلى الفتاح)، وفي (( معاني القرآن )»
للزجاج (٣٥٧/٢): ( أهل عُمانَ يستُّون القاضيَ : الفاتح والفتاح) .
(٢) انظر ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (٢٢٠/١)، و((معاني القرآن)» للزجاج (٤٠٨/٣).
(٣) انظر ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص٤١٢)، و((الغريبين)) (١٤٠٥/٥).
(٤) حكى هذه العبارة أبو عبيد في ((غريب الحديث)) (٢٤٨/١) عن أعرابية تشكو زوجها .
٥٢١٥٥

[من الوافر ]
والاسم منه : الفُتَاحةُ (١) ، قال الشاعر(٢):
ألا أبلغْ بني جشمٍ رسولاً فإِنِّي عن فُتَاحتِكم غنيُّ
ومن هذا قيل ليوم القيامة : يومُ الفتح ؛ لأنه يومُ القضاء (٣)
والوجهُ الثاني : الفتحُ بمعنى النصر ، والفاتح : الناصر : قال اللهُ
تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ اُلْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]؛ أي: إن
تستنصروا فقد جاءكم النصر (٤)
وروي : أن أبا جهل قال يومَ بدر : ( اللهمَّ ؛ انصر أحبَّ الفئتينِ
إليك )(٥) ، فنصر اللهُ عزَّ وجلَّ أولياءَهُ ، وخذلَ أعداءه .
00
وفي الحديث : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يستفتحُ بصعاليكِ
المهاجرين(٦)؛ أي : يستنصرُ بهم .
والوجهُ الثالث : الفتحُ من الغَلَقِ (٧): والله عزَّ وجلَّ يفتح لعباده ما انغلقَ
عليهم ؛ فيغني فقيراً ، ويفرِّجُ عن مكروب ، والمكروبُ كالمغلق عليه ،
فإذا فرَّجَ الله عزَّ وجلَّ عنه فقد فتحَ عنه الغَلَقَ .
(١) وهي المحاكمة. انظر ((الغريبين)) (١٤٠٥/٥).
(٢) البيت للأسعر الجعفي كما في ((تهذيب اللغة)) (٢٥٩/٤)، وهو في ((مجاز القرآن))
لأبي عبيدة (٢٢٠/١) بلا نسبة ، وفيه: ( عصم) بدل ( جشم) ، وكذا في عامة
المراجع اللغوية .
انظر ((الغريبين)) (١٤٠٥/٥) .
(٣)
(٤)
انظر ((الغريبين)) (١٤٠٥/٥).
(٥) رواه الطبري في ((تفسيره)) ( ٤٥٣/١٣).
(٦) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٩٢/١) عن أمية بن عبد الله بن خالد الأموي مرسلاً .
(٧) في (ب، ج): ( الفتح ضدٌّ من الغلق ).
OOOOO D YY OO000
CON

ويقال للذي يُفتحُ به الغَلَقُ : مِفْتَحٌ ومفتاحٌ ؛ فإذا قيل: مفتحٌ ..
فجمعه : مفاتحُ ؛ مثل درهمٍ ودراهمَ، وإذا قيل : مفتاح .. فجمعُهُ :
مفاتيحُ ؛ مثل قرطاسٍ وقراطيسَ(١)
ومن هذا المعنى: قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَاءِ بِمَآءٍ مُّنْهِرٍ ﴾
(٢)
[القمر : ١١ ]
.
وفي حديث أبي الدرداء : ( من يأتِ باباً مُغْلقاً يجدْ إلى جنِهِ باباً
فُحاً )(٣) ، قال الأصمعيُّ: (هو الواسعُ)، ولم يتأوَّلْهُ على المفتوح(٤)
وإذا صحَّ ما قلناه في معنى الفتح : فسواءٌ قلنا : إنه بمعنى الفتح من
الغلق ، أو بمعنى النصر ، أو بمعنى القضاء والحكم .. فهو من أوصاف
الفعل ، والله عزَّ وجلَّ يستحقُّ اسم الفاتح والفتّاح بفعله ، وليس ذلك من
الصفات الأزليّة ، والله أعلم .
po
or
0000
(١) انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٥٨/٤)، و((الغريبين)) (١٤٠٤/٥).
(٢)
في ((الغريبين)) (١٤٠٥/٥): ( أي: فأجبنا الدعاء لك ) .
(٣) في جميع النسخ: ( لم يجد) بدل ( يجد )، والخبر أورده أبو عبيد في ((غريب
الحديث)) (١٤٨/٤) ، ولفظه : ( في حديث أبي الدرداء : أنه أتى باب معاوية ، فلم
يأذن له ، فقال : من يأتِ سُدّدَ السلطان يقم ويقعد ، ومن يجد باباً مغلقاً يجد إلى جنبه
باباً فتحاً رحباً ؛ إن دعا أجيب ، وإن سأل أعطي ) ؛ أراد : دعاء الله سبحانه وتعالى ،
وفُتُح بضمتين : مفتوح واسع ضخم .
(٤) انظر ((غريب الحديث)) لأبي عبيد (١٤٩/٤) وقال: (الفُتُح: الواسع، وأراء يذهب -
يعني : الأصمعي - بالفُتُح الطلبَ إلى الله تعالى والمسألة ) .

FavorArray 000000
Tratorara
CONTACTO
O
00000

boo
٢٢٠
ذكر ما جاء من أسماء الله عز وجل
مفتتحاًبالقاف
0
000

Arravorara
OC
O
0
C
000

ذكر ما جاء من أسماء الله عز وجل
منشتحا بالقاف
وقد وردَ القرآنُ والسنة بتسميته : قادراً ، وقديراً ، وقويّاً ، وقاهراً ،
وقهَّاراً، وقيُوماً ، وقيَّاماً، وقابضاً ، وقابل التوب .
ونحن نذكرُ معانيَ ذلك كلُّهِ على التفصيل إن شاء الله عزَّ وجلَّ .
000

00000
O
bo
ذكر معنى (القادر) و(القدير)
في أسماء الله عز وجل
يقعُ في تفسير هذين الاسمينِ فصولٌ ثلاثة ؛ وهي :
فصلٌ : في معنى القادرِ والقديرِ والقدرةِ في اللغة .
فصلٌ : في صحَّةٍ وصف الله بالقدرة وبكونِهِ قادراً .
فصلٌ : في بيانِ ما يصحُّ أن يكون مقدوراً له .
وسنذكرُ في كلٌّ فصل منها ما يقتضي شرطُهُ إن شاء الله عزَّ وجلَّ .
0000
00000 ٥٢٨

الفصل الأول
في بيان معنى (القدرة) و(القدير) و(القادر) في اللغة
قد وردت السنةُ بذكر القادر والمقتدرِ في أسماء الله عزَّ وجلَّ ، وجاء
القرآنُ بهذينِ الاسمينِ ، وبالقديرِ أيضاً
والقديرُ أبلغُ من القادر ، والمقتدرُ أبلغُ من القدير .
وللقادرِ معنيانِ :
أحدُهما : [أن] يكون بمعنى القدير؛ من القدرة على كلِّ شيء ، وذلك
صفةٌ لله عزَّ وجلَّ وحدَهُ من دون غيره ، وإنَّما يوصفُ القادر منَّا بالقدرة على
بعض المقدورات دون بعض .
00000000
والوجهُ الثاني : أن يكون القادر بمعنى المقدِّر ؛ يقال منه : قَدَرَ
بالتخفيف ، وقَدَّرَ بالتشديد، بمعنى واحد (١)
قال الله عزَّ وجلَّ : ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ اُلْقَدِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣]؛ أي: فقدَّرْنا
فنعمَ المقدِّرون(٢)
(١) انظر ((تهذيب اللغة)) (٣٩/٩).
(٢) انظر ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص٥٠٦)، و(( معاني القرآن)) للفراء (٢٢٣/٣)،
وقال : (ولا تُبُعِدَن أن يكون المعنى في التشديد والتخفيف واحداً ؛ لأن العرب قد
تقول: قُدِّر عليه الموت، وقُدّر عليه رزقه، وقُدِرَ عليه ؛ بالتخفيف والتشديد ) .
٥٢٩٥ ٥٠٠٠٥
00
CON

OX
وقال عزَّ وجلَّ في قصة يونسَ عليه السلام: ﴿فَظَنَّ أَن لَّنْ تَّقْدِرَ
عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء : ٨٧]، واختلفوا في تأويله :
فمنهم من قال : معناه : ظنَّ أن لن نُقَدِّرَ عليه العقوبةَ، من التقدير(١)
ومنهم من قال : معناه : ظنَّ أن لن نضيِّقَ عليه بالحبس ؛ من قوله :
﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَائَئُهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] ، وهذا من التقديرِ في
الرزق بمعنى التضييقِ (٢)
ولا يجوزُ تأويلُ قوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ على معنى القدرة
ونفيها ؛ لأن الأنبياء عليهم السلام لا يجوزُ أن يظنُّوا ذلك ؛ لأنه كفرٌ ،
والكافرُ لا يكون نبيّاً(٣)
وفي التصريف من التقدير لغتان : يقال : قَدَرَ يقدِرُ ويقدُرُ ، بضم الدال
من المستقبل وكسرها (٤)
وليلةُ القدر : هي الليلةُ التي يقدر الله فيها الرزقَ وأكثرَ الأمور إلى مثلها
من القابل ؛ بتعريف الملائكةِ ذلك ، وذلك معنى قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ فِيهَا
يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] (٥) .
(١) انظر ((معاني القرآن)) للفراء (٢٠٩/٢).
(٢)
انظر ((غريب القرآن)) لابن قتيبة ( ص ٢٨٧) .
(٣) وفي ((تهذيب اللغة)) (٣٩/٩): ( أما من اعتقد أن يونس ظنَّ أن لن يقدر الله عليه ..
فهو كافر ؛ لأن من ظن ذلك غيرُ مؤمن ، ويونس رسولٌ لا يجوز ذلك الظنُّ عليه ) .
(٤) انظر ((تهذيب اللغة)) (٣٨/٩)، وزاد: (فأما ((قَدَرْتُ الشيءَ فأنا أقدِرُه )) خفيفٌ ..
فلم أسمعه إلا مكسوراً ) .
(٥) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٤٢٣/٤)، و((الغريبين)) (١٥٠٩/٥).

O
2
وفي الحديث : ((فإنْ غُمَّ عليكم فاقْدُرُوا لهُ))(١) ؛ أي: قَدِّروا له عددَ
الشهر حتى يكملَ ثلاثين يوماً، ألا تراه قال في خبر آخرَ: « فإنْ غُمَّ عليكم
فأكملوا العِدَّةَ))(٢)
وقيل : معناه : قَدِّرُوا له منازلَ القمر ؛ فإن ذلكم يدلُّكم على أن الشهر
تسعٌ وعشرون أو ثلاثون(٣)
قال أبو العباس بن سريج : ( هذا خطابٌ لمَنْ خصَّهُ الله عزَّ وجلَّ بهذا
العلم، وقولُهُ: ((فأكملوا العِدَّةَ ثلاثينَ)) خطابٌ للعامَّةِ الذين لم يُعْنَوا بههذا
العلم ) (٤)
يقال : قَدَرْتُ الأمرَ كذا أَقْدُرُه وأَقْدِرُهُ ؛ إذا نظرتُ فيه ودَبَّرته (٥)
OO
والمقتدرُ : بمعنى القديرِ الذي لا يعجِزُ عن شيء ، ولا يليقُ هذا
الوصف إلا بالله عزَّ وجلَّ، وجائزٌ في كلام العرب أن يقال : قَدَرَ واقتدرَ
بمعنىّ واحد ؛ مثل جَذَبَ واجتذَبَ، وكَسَبَ واكتسبَ(٦)
O
OOOL
(١) رواه البخاري (١٩٠٠)، ومسلم (١٠٨٠) من حديث سيدنا ابن عمر رضي الله
عنهما .
(٢) رواه البخاري ( ١٩٠٧) من حديث سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما ، وبنحوه رواه مسلم
(١٠٨١) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه .
(٣) انظر ((غريب القرآن )) لابن قتيبة ( ص٥٠٦ ).
(٤)
رواه عنه الأزهري فى ((الزاهر)) ( ص ١١٣ ) .
(٥) انظر ((الغريبين)) (١٥١٠/٥).
(٦) وفي ((النهاية في غريب الحديث)) (٢٢/٤): (والمقتدر : مُفتعِل من اقتدر ، وهو
أبلغ ) .
Ya
160000 0 4 1 00000
AC10

[ اختلافُ المتكلمينَ في معنى القدرةِ ]
واختلفَ المتكلمون في معنى القدرةِ :
فقال أصحابنا : القدرةُ: ما بها يَقْدِرُ القادرُ(١)
ومعناها : الصفةُ التي لأجلها يكون القادرُ قادراً .
ولم يفرِّقْ هؤلاء بين القوَّةِ والقدرة(٢) ، وقالوا : إن قدرةَ الإنسان هي
استطاعتُهُ التي بها يكتسبُ ما يكتسبُهُ(٣)
وقال الجبائيُّ : ( القدرةُ: ما إذا وجدت صحَّ حدوث الفعل بها ) ، وبناهُ
على أصلِهِ : أن القدرة في حال العدم تكون قدرةً ولا يصحُّ وقوعُ الفعل بها (٤).
وهذا حدٌّ فاسد ؛ لأنها عنده يجبُ أن يقال [فيها] : حُّها : ما يصحُ
الفعل بها إذا وجدت .
ووافقنا الكعبيُّ على أن القدرة في حال العدم لا تكون قدرةٌ ، وزعمَ :
أن حدَّ القدرة : ما يحدثُ بها الفعل .
وهذا يَقسدُ بما فسدَتْ به عبارةُ الجبائيِّ ؛ لأن القدرةَ في حال حدوثها
قدرةٌ ولا يصحُّ حدوثُ الفعل بها(٥)
(١) انظر (( أصول الدين)) للمصنف (ص٩٢ ) .
انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص ٤٤، ١٠٧).
(٢)
انظر (( مجرد مقالات الأشعري)) (ص ١٠٧ -١٠٨).
(٣)
انظر (( المسائل في الخلاف)) (ص ٢٥٢، ٢٧٠).
(٤)
(٥) يعني: لحظة حدوث القدرة الحادثة مثلاً هناك قدرةٌ لا يصحُّ تصور الفعل بها ، وإنما
قال أهل السنة : ( القدرة : ما به يقدر القادر ) لأن قدرة العبد ثابتة له ولا يحدث بها=
O
00000 ,٥٣٢

OO
قيل له : أخبرنا عن البارئ عزَّ وجلَّ: بماذا يصحُّ منه الفعلُ عندك ؟
فإن قال : ( بنفسه ) لزمه أن تكون نفسُهُ قدرةً(١)؛ لأن حدَّ القدرة
عنده : ما يصحُّ به الفعل ، وذلك خلافُ قوله في نفْي قدرة الله عزَّ وجلَّ ،
ودعواه أنه قادرٌ بنفسه (٢)
وإن زعم : أن الفعل لا يصحُّ منه .. بان كفرُهُ وإلحاده .
وقال بعضُ أصحاب أبي هاشم : ( القدرةُ : هي التي لا مثلَ لها من
نوعها )، وبناهُ على أصله : في استحالة تعلق قدرتينٍ بمقدورٍ واحد ، وبناهُ
على أصله : في أن كلَّ قدرة لا مثلَ لها في الموجودات .
ويلزُمهم على هذا الأصل : أن تكون ذاتُ البارئ عزَّ وجلَّ قدرةً ؛ لأنه
لا مثلَ لها .
وقد اختلف قولُ أبي هاشم في العجز : هل هو معنى ، أو ليس بمعنىّ .
فمن أثبته معنىّ زعم أن كلَّ عجز لا مثلَ له من نوعه ، فيلزمُهُ على هذا
الأصل : أن يكون العجزُ مثلَ القدرة ؛ لاستوائهما في الحدِّ .
وكلُّ من قال من المعتزلة : ( حدُّ القدرة : ما يصحُّ بها الفعلُ ) يلزمُهُ:
فعل ؛ إذ الفعَّال هو الله تعالى ، وقدرة العبد تتعلق بالفعل كسباً فقط .
(٢) إذ هو قائل بالأحوال ، والأحوال عنده صفاتٌ نفسية ؛ كالقدم مثلاً عنده ؛ ألا ترى أنهم
(١)
تقدم (٣٨١/١) أنه قال: (لنفسه ) بدل (بنفسه) .
نَفَوا المعانيّ لأنه يلزم من وجودها أن تتصف بالقدم ، والقدم صفة نفسية عندهم ،
والمتَّصفاتُ بصفات النفس يلزم أن تكون متماثلة ، فلزم أن تكون صفات المعاني على
القول بها مماثلاتٍ لذات الله تعالى ، فتنتفى بذلك الوحدة .
ولا يخفاك : أن القدم صفة سلب ، لا صفة نفس ، وأن المعاني من حيث الوجود غير
زائدة على ذات البارئ سبحانه ..
ura
٥٥٥٥٥ ٥٣٣

0000
VAXY.Y
أن تكون الآلاتُ والأسباب قدرةً ؛ لأن الآلاتِ يقعُ بها الفعل ؛ كاللطم
بالجارحة ، والكتابةِ بالقلم ، والأفعالُ المتولدة عندهم لا تقعُ إلا بالأسباب
المتقدمة عليها ، وليست الأسبابُ قُدَراً ، فبطل الحدُّ الذي ذكروه .
فإن قالوا : الفعلُ وإن احتاجَ نوعٌ منه إلى الجارحة فلا يقع بالجارحة ؛
لأن الجارحة قد توجدُ مع عدم القدرة (١) ، فلا يقعُ بها الفعل.
قيل : وقد تحصل القدرةُ عندكم مع عدم الآلة ، فلا يحصل الفعلُ ؛
كقولكم : إن الإنسان يقدرُ في حالةٍ على أن يشرب دجلةَ ، وأن يصعد
السماءَ ، ولا يصحُّ منه فعلُ ذلك مع قدرته عليه ؛ لعدم الآلةِ التي معها يصحُّ
ما قدرَ عليه ؛ وهي وجودُ بطنٍ واسع ، وسُلَّمٍ يصعدُ فيه ، ونحوِ ذلك .
فإن صحَّ أن يقال : ( إنه بالقدرة يفعلُ وإن لم يقع الفعلُ بها إلا مع وجودٍ
القدرة) .. صحَّ أن يقال على أصلكم: إن الفعلَ بالأسباب يقعُ وإن لم
يحصل إلا عند وجودِ القدرة .
وإذا لزمَ ذلك لزمَهم أن يكون معنى القدرة والأسباب والآلات شيئاً واحداً .
[ اختلافُ المتكلِّمينَ في معنى القادرِ ]
واختلفوا أيضاً في معنى القادرِ وحقيقتِهِ :
فقال أصحابنا : القادرُ : من له قدرةٌ .
فالبارئ عزَّ وجلَّ قادرٌ بقدرة أزليّةٍ لم يزل بها قادراً، والإنسان قادرٌ
(١) ويمثلون لذلك بشحمة الأُذُن .
RACON

بقدرة محدثةٍ ، فلا قادرَ إلا وله قدرةٌ ، ومن لا قدرةً له فليس بقادر .
وقالت النجاريَّةُ وطائفةٌ من المعتزلة البغدادية : ( القادرُ : من يصحُّ له
مقدورٌ)، ولم يقولوا : ( القادرُ: من له قدرة)؛ لدعواهم أن الله قادرٌ بلا
قدرة .
وقال أبو الهذيل : القادرُ : من له قدرةٌ، إلا أن قدرةَ الله عزَّ وجلَّ ذاتُهُ ،
وكلُّ قادر غيرِ الله تعالى فقدرتُهُ غيره .
وقال بعضُ البغداديين من المعتزلة : القادرُ : من يصحُّ منه الفعلُ عند
ارتفاع الموانع .
وقالت النصارى : معنى القادر : الحيُّ ، وزعموا : أن القدرة نوعٌ من
الحياة .
وإلى هذا القول ذهب قومٌ من الكرامية ، ولذلك منعوا أن يكون الميت
قادراً ، مع إجازتهم كونَهُ عالماً .
Q
CON

الفصل الثاني
في إثاست قدرة الله عزوجل
ووجوب الوصف له بأنه قساور
اختلفوا في إثبات كونِهِ قادراً كاختلافهم في وصف الله عزَّ وجلَّ بأنه حيٌّ
عالم :
فزعم قومٌ من الصابئين : أن الله عزَّ وجلَّ لا يوصفُ بشيء من أوصاف
الإثبات، وإنما يوصف بألفاظ النفي ؛ كقولنا: ليس بعاجز ، ولا جاهل(١).
وزعم آخرون منهم : أنه يوصف بأنه موجودٌ فحسْبٌ (٢)
00
وهذان الفريقان يمنعانِ وصفَهُ بالقادرِ والعالم وسائرٍ أوصاف الإثبات
في الله عزَّ وجلَّ وحدَهُ، [وامتنعا] من تسمية الإنسان قادراً إلا على
المجاز (٣)
وقد حكي مثلُ هذا القول عن شيخ من أصحابنا كان يعرف بأبي سهل
الخُلَيطي (٤)؛ فإنه كان يقول: ( إن الإنسان مستطيعٌ غير قادر ، واستطاعةُ
(١) انظر ما تقدم (٤٣٨/٢).
(٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( وامتنع ) .
(٢)
انظر ما تقدم (٤٣٨/٢) .
(٤) من شيوخ أبي منصور بن حمشاذ النيسابوري. انظر ((تبيين كذب المفتري)) (ص٣٨٧).
00000 0٣٦ 00000

TEC YO!
OrAY.NA
DO
الإنسان ليست بقدرةٍ ، وإنما القادرُ هو الله عزَّ وجلَّ)(١) ، وكان يفرِقُ بين
القدرة والاستطاعة ؛ فإن القدرةَ تصلحُ للإحداث والاختراع ، وليست هذه
القدرةُ إلا لله عزَّ وجلَّ، والاستطاعةَ تصلح للاكتساب ، ولا تصلحُ للإحداث.
وزعم جمهورُ الأمَّة : أن وصْفَ الله عزَّ وجلَّ بأنه قادرٌ ، مع امتناعهم عن
وصفه بأنه مستطيعُ(٢)، مع إجازتهم وصفَهم المكتسبَ من العباد بأنه مستطيعٌ
قادرٌ ، إلا الجهميةَ ؛ فإنهم امتنعوا من وصف الإنسان بالقدرةِ والاستطاعةِ(٣)
وأجمع جمهورُ الأمة : على أن الله عزَّ وجلَّ لم يزل قادراً ، وإنما
اختلفوا في ثبوت قدرته :
فقال أصحابُنا : إنه لم يزل قادراً بقدرةٍ أزلية (٤)
O
وقالت المعتزلةُ والنجارية : إنه قادرٌ بنفسهِ ، لا بقدرة(٥)
00000
oc
O
وزعم أبو الهذيل : أن الله قادرٌ بقدرة ، ولكن قدرته نفسُهُ ، ولا يقال:
إن نفسه قدرةٌ، كما زعم : أنه عالمٌ بعلم ، وأن علمه نفسُهُ ، ولم يقل : إن
نفسه علمُهُ(٦)
00000
(١) ويحمل قوله على حقيقة القدرة والاستطاعة ، وأن ما ورد في الشرع هو من باب
المجاز ؛ إذ بين القدرتين اشتراك لفظي فقط .
(٢) وتأوُلِهم لقوله تعالى حكاية عن الحواريين: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة: ١١٢]،
مع قراءة الكسائي لها : ( هل تستطيعُ ربَّك ) ، فتكون الاستطاعة مضافة لسيدنا عيسى
على نبينا وعليه الصلاة والسلام .
(٣)
انظر ((الملل والنحل)) (١ / ٨٧).
(٤)
انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٤٤)، و«أبكار الأفكار)) (٢٦٥/١).
(٥) انظر ما تقدم (٣٧٩/١، ٣٨١)، و(( التبصير في أصول الدين)) (ص١١٤).
انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٦٥)، وما تقدم (١ / ٣٨٠).
(٦)
00000 7 ٣٧ 0 100000

فقيل له : إن كانت قدرتُهُ نفسَهُ، وعلمُهُ نفسَهُ .. وجب أن يكون علمُهُ
قدرتَهُ ؛ برجوعهما إلى نفس واحدة ، ولو كان كذلك لوجب أن يكون كلُّ
معلوم له مقدوراً له ، وهذا يوجبُ عليه أن يكون نفسُهُ مقدوراً له كما كان
معلوماً له !
فلم يجدْ عنه انفصالاً
وأجمع الواصفون لله عزَّ وجلَّ بأنه قادر: على أنه لا يزالُ قادراً أبداً ، إلا
أبا الهذيل ؛ فإنه خرقَ هذا الإجماعَ ، وزعم أن مقدوراتِ الله عزَّ وجلَّ
متناهيةٌ ، وأن أهل الجنة وأهل النار ينتهون إلى حالٍ يبقون فيها خموداً
ساكنينَ ، لا يقدرون على شيء ، ولا يقدرُ البارُ في تلك الحالة على
تحريك ساكن ، ولا نفع لهم ولا ضررٍ لهم ، ولا على شيء ممَّا تصحُ
القدرة عليه (١) ، تعالى الله عن قول هذا الملحدِ علوّاً كبيراً .
oo
وحكايةُ قوله تغني عن إشباع الكلام في إظهار مخازيه ، والحمدُ لله على
العصمة من البدعة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
O
(١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٤٧٥).
50000 0٣٨ 00000

الفصل الثالث
في بيان ما يصح أن يكون مقدورًا سد عزوجل
اعلمْ : أن أصحابنا قالوا : كلُّ ما صحَّ حدوثه ، وتُوهِّمَ كونه ، ولم
يستحلْ في العقل وجوده .. فالله سبحانه وتعالى قادرٌ على إيجاده وإحداثه ،
وكلُّ ما استحالَ وجوده .. لم يوصف أحدٌ بالقدرة عليه ولا بالعجزِ عنه ؛
لأن العجزَ إنما يصحُّ عمَّا تصحُّ القدرة عليه، وكلُّ ما لا يصحُّ أن يكون
مقدوراً عليه فلا يصحُّ أن يكون معجوزاً عنه(١)
وكذلك : لا يوصف أحدٌ بالعجز عن الجمع بين الضدَّينِ ، ولا بالعجزِ
عن جمع العالم في قشرِ بيضة ونحوٍ ذلك ؛ لأن ذلك ممَّا لا تصحُّ القدرةُ
عليه ، فلا يصحُّ العجزُ عنه(٢)
(١) قال الإمام السنوسي في (( شرح العقيدة الصغرى)) (ص١٦٠): ( لا قصور أصلاً في
عدم تعلق القدرة والإرادة القديمتين بالواجب والمستحيل ، بل لو تعلقتا بهما لزم حينئذٍ
القصور ؛ لأنه يلزم على هذا التقدير الفاسد أن يجوز تعلقهما بإعدام أنفسهما ، بل
وبإعدام الذات العلية ، وبإثبات الألوهية لمن لا يقبلها من الحوادث ، وبسلبها عمن
تجب له ؛ وهو مولانا جل وعز ، وأيُّ نقص وفساد أعظم من هذا؟! ) .
(٢) قال الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٦٠): ( كان يقول : إن
العجز يتعلق تعلُّقَ القدرة على التعاقب ، ولا يتعلق إلا بما يصح أن تتعلق به القدرة بدلاً
عنه ، وعلى ذلك كان يرتب جواب أسئلة الملحدين إذا قالوا : هل يوصف الله تعالى
بالقدرة على أن يدخل الفيلَ خَرْقَ إبرة مع سعة الفيل ودقة الخَرْق ؟ وهل يوصف الله=
٥٣٩/٥٥