النص المفهرس

صفحات 501-520

ratoarray
O
000000
AtraTorA
O
O

O
O
ذكر ما جاء من أسماء الله تعالى
مفتماً بالغين الحجسمة
قد وردَ القرآنُ والسنة أن الله عزَّ وجلَّ : غافرٌ ، وغفورٌ، وغفَّارٌ ،
وغنيٌّ .
ونحن نذكرُ معانيَ ذلك على التفصيل إن شاء الله عزَّ وجلَّ .
00000000
0000
COM
00000
٥٠١

OOOOOK
CK
ذكر معنى (الغفور) و(الغافر) و(الغضار)
الكلامُ في تفسير هذه الأسماءِ يقعُ في فصولٍ ؛ هذه ترجمتُها :
فصلٌ : في بيانِ معنى المغفرةِ والغفران والغافرِ والغفور في اللغة .
فصلٌ : في بيانِ جواز المغفرةِ في العقول .
فصلٌ : في بيانٍ مَنْ يغفرُ اللهُ عزَّ وجلَّ [ذنبه](١) ، وبيانِ مَنْ لا يغفر
ذنبه .
وسنذكرُ في كلِّ فصل منها ما يقتضيه شرطُهُ إن شاء الله عزَّ وجلَّ .
orG
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( له ) .
CO0000 0 . 00000

0
الفصل الأول
في بيان معنى المغفرة والغفران
والغافر والغضور والخضار في اللغة
الغافرُ : الذي يغفرُ ذنوبَ عباده ؛ وهو أن يغطيَها بعفوِهِ ورحمته ؛
يقال : غفرَ اللهُ فلاناً، وغفرَ له بالمغفرةِ ، وغفرَ الله ذنبَهُ، يغفرُ غَفْراً
ومغفرةً وغفراناً (١)
OO
قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، نصبَهُ
على المصدر الذي أريدَ به الفعل ، والغفرانُ : مصدرٌ مثلُ الكُفْرانِ
والشُّكْران والفُرْقان ونحوِهِ(٢)
PO
ويقال لجُنَّةِ الرأس : مِغْفَرٌ ؛ لأنه يغفرُ الرأسَ ؛ أي: يغطيه (٣)
ويقال للمِغفر : غِفارةٌ أيضاً (٤)، والغِفارةُ أيضاً: خِرْقةٌ تضعُها المدَّهِنَةُ
على رأسها(٥)
ويقال : ما لفلان غَفِيرةٌ ولا عَذِيرة ؛ أي : ليس عنده غفرانُ الذنب ،
(١) انظر ((الزاهر)) (١٦/١)، و(تهذيب اللغة)) (١١٢/٨).
(٢) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٣٦٩/١)، و((الغريبين)) (١٣٧٨/٤).
انظر ((غريب الحديث)) لابن قتيبة (٢١٢/١)، و((تهذيب اللغة)) (١١٢/٨).
(٣)
(٤) انظر ((الزاهر)) (٩٦/١).
(٥) انظر (( العين)) (٤ / ٤٠٧).
OOooo
٥٠٣
00000
AMODOM

ولا عذرٌ لمن يستزيدُهُ (١)، وهذان مصدرانِ [جاءا] على فَعِيلةً(٢)
وفي الحديث : أن قادماً قَدِمَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم من
مكةَ فقال: (( كيفَ تركْتَ الحَزْورةَ؟ )) قال: جادَها المطرُ فأغفرَتْ
بطحاؤها (٣)
قال القُتَيِيُّ : ( أراد : أن المطر جادَها حتى صار عليها كالغَفَرِ من
النبات ، والغَفَرُ : الزئبرُ على الثوب)(٤)
وقال غيرُهُ: ( أراد : أن تربتَها قد أغفرَتْ؛ أي : أخرجت
مغافيرَها )(٥)
وفي حديث عمرَ رضي الله عنه : أنه لما حَصَبَ المسجدَ قال : هو أغفرُ
للتُّخامةِ(٦) ؛ أي: أسترُ لها(٧)
والعربُ تقول: اصبغ ثوبَكَ؛ فإنه أغفرُ للوَسَخِ (٨)
(١) انظر ((تهذيب اللغة)) (١١٣/٨)
وفي ((الغريبين)) (١٣٧٨/٤) : ( والغفيرة : شعر الأذن )، وما بين المعقوفين في
(٢)
جميع النسخ : ( جاء) .
(٣) انظر ((النهاية في غريب الحديث)) (٣٧٤/٣).
(٤)
انظر ((غريب القرآن)) له ( ص١٤)، والزئبر : هو ما يعلو الثوب القطني الجديد من
الزِّغْبِرِ، وانظر (( مجرد مقالات الأشعري)) ( ص٥٢) .
(٥)
انظر ((الغريبين)) (١٣٧٩/٤ ).
(٦) روى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٨٩٢٦) عن عروة بن الزبير : أن عمر أراد ألا
يُحصِّب المسجد ، فأشار عليه سفيان بن عبد الله الثقفي ؛ قال : بلى يا أمير المؤمنين ؛
فإنه أغفرُ للنخامة ، وأوطأ للمجلس ، فقال عمر : أحصبوه .
(٧)
انظر ((غريب الحديث)) لابن قتيبة (٣٤٨/٣)، و((الغريبين)» (١٣٧٩/٤).
(٨) انظر ((تهذيب اللغة)) (٨ /١١٣).
00000 ,٥٠٤
CON

فإذا كان الغافرُ بمعنى الساتر فإن الله عزَّ وجلَّ إذا عفا عن ذنبٍ عبده
سترَهُ ، ولم يظهرْهُ بعدَ ذلك ولم يقرِّعْهُ به .
والغفورُ أبلغُ في هذا الباب من الغافر ؛ لأن فَعُولاً في باب الصفات
موضوعٌ للمبالغة .
والغفَّارُ أبلغُ من الغفور ؛ لأنه للتكثيرِ بغير حصرٍ
فإذا سترَ على عبده مرَّةً فهو غافرٌ له ، وإن ستر مِراراً فهو غفورٌ له ، وإن
أدامَ عليه سترَهُ فهو الغفَّارُ له ، وإن سترَ على عبده في الدنيا عفا عن عقوبته
في الآخرة ، ولم يفضحْهُ بذنبه ؛ فهو غفَّارٌ له .
وقيل : من غفرَ له بعضَ ذنوبه في الآخرة ، وعاقبَهُ على الباقي .. فهو
غافرٌ له ، وإن غفرَ له أكثرَ ذنوبه، وعاقبَهُ على القليل .. فهو غفورٌ له، وإن
غفر له جميعَ ذنوبه . . فهو غفَّار له .
وأجمعَ أصحابُنا : على أن الغافرَ والغفورَ من الصفات التي استحقَّها
البارئ عزَّ وجلَّ لفعله، وليسا من الصفات الأزلية(١)، والله سبحانه وتعالى
أعلم .
(١) وفي ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٥٢): ( وذلك يرجع إلى الفعل ، إلا أن يجعل
جاعل ذلك عبارة عن الحكم والخبر ، فيكون حكمُهُ حكم الصفة ) .
100060 0 . 0 00000

ـحـ
الفصل الثاني
في بيان جواز المغفرة في العقول
اعلم : أن الذنوب كلّها سواءٌ في العقل في إجازةٍ غفرانها والعفْوِ عنها ،
وهي سواءٌ في جواز العقاب عليها ، إلا أن الشرعَ وردَ بأن الله عزَّ وجلَّ
لا يغفرُ أن يشرك به لمن ماتَ على الشرك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن
يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]؛ يعني: إذا مات صاحبُ الشركِ على الشرك.
فأما إذا تاب عن شِرْكِهِ فقد ورد الشرعُ بالعفْوِ عنه ؛ وذلك قولُهُ عزَّ
وجلَّ: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨](١).
وكلُّ ذنب كان دون الشرك فأمرُهُ موقوفٌ على مشيئة الله عزَّ وجلَّ
لصاحبه ؛ إن شاءَ عفا عنه من غير عقابٍ أصلاً ، وإن شاء عذَّبَهُ عليه مدَّة ،
ثم غفر له بفضله ورحمته(٢)
(١) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص٤٠٣)، و((أبكار الأفكار)) (٣٦٣/٤).
(٢) روى البخاري (٤٨٩٤)، ومسلم ( ١٧٠٩) من حديث سيدنا عبادة بن الصامت
رضي الله عنه قال : كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس ، فقال :
(( تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ، ولا تزنوا ، ولا تسرقوا ، ولا تقتلوا النفس التي
حرَّم الله إلا بالحق ، فمن وفَى منكم فأجرُهُ على الله ، ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب
به فهو كفارة له ، ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه .. فأمرُهُ إلى الله ؛ إن شاء
عفا عنه ، وإن شاء عذَّبه)).
00000 0 . 00000

0
ولا يكونُ مؤبَّداً في النار بعد خروجِهِ من الدنيا على الإيمان، هذا قولُنا (١).
وليس العقابُ على الذنب واجباً من طريق العقل ، وإنما يدلُّ العقلُ على
جوازه دون وجوبه .
وكذلك البعثُ بعد الموت إنَّما علمنا وجوبَهُ لا محالةً من طريق الخبر ،
والعقولُ تدلُّ على جوازِهِ ، وعلى جوازٍ ألا يكون(٢)
وزعمت الكراميَّةُ مجسمةُ خراسانَ : أن البعث بعد الموت واجبٌ من
طريق العقول ؛ للفصلِ بين المحسن والمسيء ، وإنصافِ المظلوم من
الظالم .
وإلى هذا القول ذهب قومٌ من أهل الوعيد ، وزعموا : أن عذاب الكفار
معلومٌ من جهة العقول قبل الخبر ، وأن الخبرَ مؤكِّدٌ له(٣)
0000
(١) قال الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) (٢١٧/١): (لا يخلد في النار أحد مات
على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل ، كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على
الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل ، هذا مختصرٌ جامع لمذهب أهل الحق في هذه
المسألة ، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماعُ من يعتذُّ به من الأمة على هذه
القاعدة ، وتواترت بذلك نصوص تحصِّلُ العلم القطعي ) .
(٢) وإذا تعارضت الآيات في الوعد والوعيد .. خصَّصنا آياتِ الوعيد بآياتِ الوعد، أو
جمعنا بينهما. انظر (( أصول الدين )) للمصنف (ص ٢٤٣).
وزلَّ المعتزلة فعمَّموا آيات الوعيد؛ حيث قال قاضيهم عبد الجبار في ((شرح الأصول
الخمسة )) (ص٦٦٦): ( والذي يدلُّ على أن الفاسق يخلَّد في النار ويعذَّب فيها أبداً :
ما ذكرناه من عمومات الوعيد ؛ فإنها كما تدلُّ على أن الفاسق يفعل به ما يستحقه من
العقوبة .. تدلُّ على أنه يخلد ، إذ ما من آية من الآيات التي مرَّت إلا وفيها ذكر الخلود
والتأبيد أو ما يجري مَجْراهما ) .
(٣) وهو قول قريب من قول جعفر وعباد الآتي ذكره قريباً .
00000 0 . V

000000 X TRA TOTO
وحكى جعفرُ بن حرب عن زرقانَ أنه قال : لا بدَّ من أن يدخل أهلُ
الكبائر النارَ ، ولا بدَّ من أن يصيروا بعد ذلك إلى الجنة ؛ لأن الوعد والوعيد
قد اجتمعا فيهم (١)
٥
وإلى هذا القولِ ذهبَ النَّجَداتُ من الخوارج في موافقيهم إذا ارتكبوا
الكبائر دون مخالفيهم (٢).
وقد صارت الكراميَّةُ اليومَ إلى القول : بأنه لا يجوزُ في حكمة الله عزَّ
وجلَّ أن يغفرَ الذنب لمستحلُّهِ من الكفار ، وإنما يجوزُ عفوهُ عن المؤمن
المعترفِ بالإساءة .
واختلفت القدريَّةُ في هذه المسألة :
000000
فقال جعفرُ بن حرب وعبَّادُ بن [سليمانَ] وكلُّ من قال منهم : إن الوعيد
معلومٌ بالعقل قبل الشرع(٣): إنه لا يجوزُ في حكمة الله عزَّ وجلَّ العفوُ عن
أهل الكفر ، ولا عن أهل الكبائرِ إذا لم يتوبوا ، بل واجبٌ على الله عزَّ وجلَّ
أن يعذِّبَهم وأن يخلَّدَهم في العذاب؛ لأن ذلك أزجرُ عن المعصية ، وأدعى
إلى الطاعة (٤)
XA
MON
(١) انظر ((الناسخ والمنسوخ)) للمصنف (ص٢٠٦).
(٢)
انظر (( أصول الدين)) للمصنف (ص٣٣٢).
(٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( سلمان ).
(٤) وهذا منهم مبني على أن المكلّف يعلم بعقله استحقاق العذاب على الفعل القبيح ، وهو
راجع لأصل التقبيح والتحسين العقليين، وفي (( الناسخ والمنسوخ)) للمصنف
(ص٢٠٥): ( وزعم أبو شمر المرجئ وقوم من المعتزلة : أن عذابهم - يعني الكفار -
معلوم بالعقل قبل الخبر ) .

.MAY 0000000
٥
وقال الباقون منهم : قد كان جائزاً في العقل قبل ورود الشرع أن
يعذِّبَ الله عزَّ وجلَّ على المعاصي كلُّها مِنْ كفرٍ وغيرِهِ ، وجائزاً ألا يعذِّبَ
على شيء منها ، ولكن من الواجب في العقول التفرقةُ بين المحسن
والمسيء، فأما العذابُ والخلودُ [فليسا] ممَّا يجبُ في العقل(١)، وإنما
[وجوبُهما] بالسمع(٢)
وكلُّ من أجازَ من القدرية العفْوَ عن أهل الذنوبِ قبلَ ورود الشرع ..
أجازَ ورودَ السمع بالعقاب على الصغائر .
ومن أوجبَ منهم الوعيدَ في الكبائر من طريق العقل : زعم أن الصغائرَ
التي لم يأتِ فيها وعيدٌ ما .. كان جائزاً في العقل أن يعذُّبَ الله عليها مَنِ
اجتنبَ الكبائر .
00
والكراميَّةُ في العفو عن عقوبة الكافرين لاحقةٌ بجعفرٍ بن حرب وعبَّادٍ ،
وإن خالفوهما في إجازة العفو عن عقوبة الكبائر التي دون الكفر .
فأما أصحابُنا : فإنهم ما أثبتوا عقاباً على شيء إلا من طريق الشرع ،
وأجازوا من طريق العقل غفرانَ جميع الذنوب في حكمة الله عزَّ وجلَّ
وعدلِهِ .
وإنما قطعوا بعذاب مَنْ قطعوا بعذابه بالخبرِ ، وعلموا جوازَهُ بالعقل قبل
ورود الخبرِ ، والله أعلم .
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( فليس ) .
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : (وجوبها ) .
0 . 9 00000

الفصل الثالث
في بيان من يدخل سيفى المغفرة
وذكر من لا يدخل فيها على الفصيل
اعلم : أن الخلافَ في تعيينٍ من يُغفرُ له والتمييز بينه وبين من
لا يُغفرُ له .. مبنيٌّ على اختلافهم في آياتِ الوعد والوعيد ، وعمومِها
وخصوصها .
وقد اختلفوا فيها على ثلاثةِ مذاهبَ يُعرفُ أصحابُها بألقابها(١) ؛ وهي:
مذهبُ الواقفية .
ومذهبُ أصحاب الخصوص .
000
ومذهبُ أصحاب العموم .
وكذلك الخلافُ بينهم في سائر ألفاظِ الجمع .
فأما الواقفية فهم فِرَقُ :
منهم من يقول : ليس في اللغة لفظةٌ مبنيّةٌ للعموم واستغراقِ الجنس ،
ولا يحمل اللفظُ على عموم ولا خصوصٍ إلا بدلالةٍ .
(١) انظر الحديث عن أقسام العموم والخصوص وما يتفرَّع عنها من فرق في ((أصول الدين))
للمصنف ( ص٢١٨).
ON
00000 0 00000

وهذا قولُ أبي الحسن الأشعري(١)، وابنٍ [الراوندي](٢)، ومحمدٍ بن
شبيب البصري ، وطائفةٍ من المرجئة ؛ كأبي شِمْرٍ ، وكلثوم ، وزهيرٍ
الأبري ، وأبي معاذ التُّومَنيِّ ، وحكاه أبو الحسن الكرخيُّ عن أبي الطيب بن
شهاب ، وأبي سعيدٍ البَزْدعي، وهما من أصحابِ الرأي(٣)
ومنهم من فرَّقَ بين الأخبار والأوامر : فتوقَّفَ في عموم الأخبار
وخصوصها ، وأجرى الأوامر والنواهيَ على عمومها بظواهرها ، وبه قال
أبو الحسن الكرخي (٤)
Ooo
(١) تقل الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٦٤) عنه هذا المذهب ،
ومن جملة ذلك : ( وكان يقول : ظواهرُ آي القرآن في الوعد والوعيد لا توجب القضاء
بتعميم ولا تخصيص بصور الألفاظ وصيغتها ؛ لأن ذلك يرد مرة والمراد بها البعض ،
ويرد مرة والمراد بها الكل ، فلا يمكن القضاء لأجل صورته بتعميم دون تخصيص ، أو
تخصيص دون تعميم .
وكان يقول : إنما قطعنا بوعيد الكافرين وعموم ذلك في جملتهم لا لأصل صورة
الأخبار ، بل للإجماع الذي قارنه ، وكذلك الوعد في جملة المؤمنين ) .
ولكن قال إمام الحرمين في ((البرهان)) (٣٢٠/١): ( نقل مصنفو المقالات عن
الشيخ أبي الحسن والواقفية : أنهم لا يثبتون لمعنى العموم صيغة لفظية ، وهذا النقل
على هذا الإطلاق زلل ؛ فإن أحداً لا ينكر إمكان التعبير عن معنى الجمع بترديد ألفاظ
مشعرة به ؛ كقول القائل : رأيت القوم واحداً واحداً ، لم يفتني منهم أحد ، وإنما كرر
هذا اللفظ قطعاً لوهم من يحسبه خصوصاً ، إلى غير ذلك ) ، وانظر نشأة قول الإمام
الأشعري في ((البحر المحيط)) (٢٤/٣).
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( الروندي ) .
(٣) قال إمام الحرمين في ((البرهان)) (٣٢٠/١): (ووافق الملقبُ بالبرغوث من متكلمي
المعتزلة وابنُ الراوندي الواقفيةَ فيما نقل عنهم ) .
(٤) انظر ((البحر المحيط)) للزركشي (٢٢/٣).
00000 0 1 170000

2
ومنهم : من توقّفَ في الأوامر والنواهي ، وأجرى الأخبار على ظواهرِها
في العموم والخصوص(١)
وأما أصحابُ الخصوص : فإنهم حملوا لفظ العموم على ثلاثةٍ ،
وتوقَّفوا فيما زادَ عليها إلى أن ينكشفَ الدليلُ عن المراد به(٢)
وزعم أبو هاشم : أن لفظَ الجمع إذا استُعملَ بحرف الألف
واللام فالمرادُ به ثلاثةٌ لا بأعيانهم ؛ كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَى
رِجَالًا﴾ [صَّ: ٦٢]، ظاهرُهُ: الثلاثةُ لا بأعيانهم، فإن دخل عليه الألف واللام
تناولَ الجنسَ على العموم ، إلا أن يقوم الدليلُ على أن المراد به تعريفُ قوم
لا بأعيانهم، فلذلك زعم : أن الوعيدَ في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى
﴾ [الانفطار: ١٤] إنما شملَ الفجَّارَ لدخول الألف واللام عليه(٣)
Coo
وأما أصحابُ العموم : فإنهم حملوا لفظَ الجمع إذا وردَ مجرَّداً عن
دلائل التخصيص .. على استغراق الجنس ، وبه قال مالكٌ والشافعيُّ
000000
(١) وللواقفية أقوال أخرى، وقد عدَّها الإمام الزركشي في ((البحر المحيط)) (٢٢/٣)
تسعةٌ .
(٢) وعبارة إمام الحرمين في ((البرهان)) (٣٢١/١): ( وذهبت طائفة يعرفون بأصحاب
الخصوص : إلى أن الصيغ الموضوعة للجمع نصوصٌ في أقلِّ الجمع ، مجملاتٌ فيما
عداه إذا لم يثبت قرينة تقتضي تعديتها إلى أعلى الرتب .
وأما الفقهاء : فقد قال جماهيرهم : الصيغ الموضوعة للجمع نصوصٌ في الأقلِّ ،
وظواهرُ فيما زاد عليه ، لا يُزال اقتضاؤها في الأقلِّ بمسالك التأويل ، وهي فيما عدا
الأقلّ ظاهرة مؤولة ) .
(٣) انظر ((المعتمد)) (٢٢٧/١)، وقال: (يفيد أنهم في الجحيم لأجل فجورهم ؛ لأنه
خرج مخرج الزجر عن الفجور ، فوجب أن يكون كل من وجد فيه الفجور في الجحيم ،
وجرى مجرى قوله : من فجر فهو في الجحيم ) .
CON
200000 ٢ \ 0 0000

وأبو حنيفةَ وأهلُ الظاهر وأكثرُ المتكلمين وعامَّةُ الخوارج(١)
ـر
واختلف هؤلاء في عموم آيات الوعيد وخصوصها :
فمنهم من قال : إن آياتِ الوعيد كلَّها في الكفَّار ، ولا وعيدَ في مؤمن
موحّدٍ ، وهذا قولُ مقاتل بن سليمان وغلاةٍ المرجئة (٢)
ومنهم من قال : إن الوعيد شاملٌ لجميع الصفات ، والوعدَ لمَنْ
لا معصيةَ له ، وهذا قولُ الخوارج إلا النَّجَداتِ منهم؛ فإنهم زعموا أن
الوعيدَ الذي ليس فيه ذكرُ الخلود في النار شاملٌ للعصاة ، وما فيه ذكرُ
الخلود في النار واردٌ في أهل الكبائر من مخالفيهم .
DO
ومنهم من زعم : أن الوعيد شاملٌ للكفَّار والفسَّاق معهم ، ولا وعدَ
فيهم(٣)؛ فإن الصغائر مغفورةٌ باجتناب الكبائر، وهذا قولُ جمهور
القدرية ؛ كواصلٍ بن عطاء ، وعمرٍو بن عبيد ، وإبراهيمَ النظام ،
وأبي الهذيل ، والكعبيِّ ، والجبائيِّ ، وأبي هاشم .
ومنهم من قال : إن الوعيد المقرونَ بالخلود في النار واردٌ في الكفَّار ،
وما ليس فيه ذكرُ الخلود في النار يجوزُ دخولُ الفسَّاق من هذه الأمة فيه ،
(١) انظر ((البرهان)) (٣٢١/١)، و((البحر المحيط)) (١٧/٣ -١٨).
(٢)
انظر ((البحر المحيط)) ( ٢٢/٣) .
(٣) في (ب، ج): (وعيد) بدل (وعد)، قال الأستاذ ابن فورك في (( مجرد مقالات
الأشعري)) ( ص١٥٤): (وكان يمنع المعتزلةَ أشدَّ المنع عن قولهم : إن في الفاسق
إيماناً لا يُسمَّى به مؤمناً ، كما أن في الكافر اليهودي إيماناً لا يُسمَّى به ، ويقول : إنه
يستحيل إيمان لا مؤمن به ، كما يستحيل أن يكون فسق لا فاسق به ، وجرى ذلك عنده
مجرى فعل لا فاعل له ، وسواد لا أسود به ، وحركة لا متحرك بها ؛ في باب
الاستحالة )
٥١٣٨٠٠٠٠٥ ٠٠٠٠

ويجوزُ تخصيصُهُ عنه بالعفو عنهم ، وكلُّ من دخل منهم في النار لم يخلد
فيها ، وهذا قولُ أهل السنة والجماعة (١)
وقد أفردنا في مسائل الوعدِ والوعيد كتاباً استقصينا فيه دليلَ قول أهل
السنة ، ولم نذكر الدليلَ في هذا الباب لئلا يطولَ به الكتاب ، واللهُ سبحانه
وتعالى أعلم .
(١) وفي ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٥٤): (وذكر في بعض كتبه : أن الفاسق من
أهل القبلة محبوب على إيمانه موالىّ به ، ولا يقال : إنه مبغَضٌ على فسقه ولا معادىّ ؛
لأن البغض والعداوة من الله تعالى لا يكون إلا لمن علم أن عاقبته الكفر ) .

ذكر معنى ( الفني) في أسمان عزوجل
قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاَللَّهُ هُوَ الْغَىُّ
الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].
وأجمع أصحابُنا : على أن الغنى من صفات الذات ، وأن الله عزَّ وجلَّ
لم يزل غنيّاً عن كلِّ شيءٍ (١)
وفي هذا : إيطالُ قول من قال من المعتزلة بإيجاب الأصلح عليه ؛ لأنه
لو وجبَ عليه فعلُ الأصلح ؛ حتى لو لم يفعلْهُ لصار سفيهاً ، أو وجبَ عليه
فعلُ العالَمِ ؛ حتى لو لم يخلقُهُ لم يكن حكيماً .. لاحتاجَ إلى فعلِ ذلك
لحفْظِ الحكمة والإلهية على نفسه ، ومَنِ احتاجَ إلى فعلٍ يفعلُهُ لم يجزْ
إطلاقُ القول عليه بأنه غنيٌّ عمَّا سواه(٢)
000
(١) وذلك لرجوعه إلى صفة القيام بالنفس وصفة القدرة ، وعبارة الأستاذ ابن فورك في
((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٤٨): (وأما معنى وصفنا له بأنه غني: فيرجع أيضاً
إلى معنى القدرة على تنفيذ المراد ، ودفع المضارِّ عن نفسه ، وأنه لا يتشرّف بالفعل ،
ولا ينتقص بالترك ) .
(٢) نعم ؛ قال السادة الماتريدية بلزوم الحكمة لأفعال الله تعالى ، غير أن ذلك واجب له ،
لا عليه، وعبارة إمام الهدى أبي منصور الماتريدي في (( التوحيد)) (ص٢١٦): ( من
عرف الله حقَّ المعرفة ، وعلم غناه وسلطانه ، ثم قدرتَهُ وملكه في أن له الخلق والأمر . .
عرف أن فعله لا يجوز أن يخرج عن الحكمة ؛ إذ هو حكيم بذاته غني عليم ، والذي به
الخروج عن الحكمة في الشاهد ، ويبعث صاحبه عليه جهلُهُ أو حاجته ، وهما منفيان
عن الله ، فثبت أن فعله غير خارج عن الحكمة ) .
2

وكذلك : مَنْ أوجب عليه فعلَ اللطف بالمكلَّف ، وأوجب عليه تكليفَ
العقلاء ، وأوجب عليه التعويضَ على الإيلام ، وزعمَ : أنه لو لم يفعل ذلك
لخرجَ عن الحكمة .. لزمَهُ نسبةُ الحاجة إليه في فعل ما أوجب فعلَهُ ليحفظَ
به الحكمةَ على نفسه(١)
ومن كان كذلك لم يكنْ غنياً عن الحوادث ، بل كانَ محتاجاً إليها .
وإنَّما يصحُ وصفه بالغنى على أصولنا ؛ فإنا نقول : إنه غنيٌّ عن كلِّ
شيء ، لم تجب الحكمةُ له من أجل الحوادث فيخرجَ عنها بتركها ، وكلُّ
ما فعله فهو في فعله حكيم ، ولو ترك فعلَهُ لكان تركُهُ له أيضاً حكمةً ؛ لأنه
غنيٌّ غير محتاج إلى شيء .
0000
وفي الحديث في الجمعة: (( مَنِ استغنى بلهْوٍ أو تجارةٍ استغنى اللهُ عنهُ ،
واللهُ غنيٌّ حميدٌ))(٢)
00000
ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّأْ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]؛
ج
أي : كان غنياً عنهم .
كما قال: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]
(٣)
(١) انظر ما تقدم (٢/ ٦١) في أن اللطف لا يجب على الله تعالى.
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) ( ٧٧١٠) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله
عنه، قال العلامة القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (١٠٢٧/٣): (وإنما أمرهم بالعبادة
ليتشرَّفوا بالطاعة ) .
(٣) وتأمّل خطاب سيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام لبني إسرائيل: ﴿وَقَالَ مُوسَىّ
إِن تَكْفُرُواْ أَنْتُمْ وَمَن فِ اَلْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَ اللَّهَ لَغَنِّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨].
CLON
00000 0 1 1, 00000
10

ولذلك قال أصحابنا : إن الخلق كلَّهم لو كفروا لم ينقصْ من غنى الإلله
(١)
شيءٌ(١)
وذلك خلافُ قول من زعم : أنه لو علمَ أن جميعَ العقلاء يكفرون لم
يكن حكيماً في خلقه إيَّاهم (٢)، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
واعلمْ أنَّا نقول : إن الله غنيٌّ لذاته ، والعبدَ فقيرٌ لعينه ، لا يستغني عن
ربِّهِ طرفةَ عين ؛ لأن بقاءَهُ في كلِّ حال بأن يخلق الله له البقاءَ فيه ، وهو في
فعله محتاج إلى عون ربِّهِ إيّاه في كلِّ حال یکون فيه فاعلاً .
ومن زعمَ : أن الموجود يبقى بلا بقاءٍ يخلقُهُ الله عزَّ وجلَّ فيه ، وزعمَ
أيضاً : أن الاستطاعةَ قبل الفعل ، وأن الفاعل منَّا لا يحتاجُ إلى عونِ ربِّهِ إِيَّاه
على فعله .. فقد زعم أنه مستغنٍ عن ربِّهِ في حال وجودِهِ ، لا في حال
فعلِهِ ، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علواً كبيراً .
00
وأما الغنيُّ بالمال أو الفقيرُ لعدم المال : فإنما يُطلَقُ عليهما هذانِ
الاسمان مجازاً .
وقد اختلفوا في الموصوفِ بأحدهما : أيُّهما أفضلُ من الآخر :
(١) وهو المعنيُّ بقوله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه مسلم (٢٥٧٧) عن سيدنا
أبي ذر رضي الله عنه: (( يا عبادي؛ لو أن أوَّلكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على
أفجرٍ قلبٍ رجلٍ منكم .. ما نقص ذلك من ملكي شيئاً)).
(٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٥٠ - ٢٥١) و ((مجرد مقالات الأشعري))
(ص٩٩)، ولله درُّ ابن عطاء الله الإسكندري حينما قال في ((حكمه)): (أوجب عليك
وجود خدمته ، وما أوجب عليك إلا دخول جنته) ، وقوله : ( لا يزيد في عزَّه إقبالُ من
أقبل ، ولا ينقص من عزِّه إدبارُ من أدبر ) .
C

a
فزعم قومٌ من الصوفية مع أبي العباس بن عطاءٍ ، وطائفةٌ من متأخريهم
مع أكثر المتكلمين : إلى أن الغَنَاء أفضلُ من الفقر (١)
وذهب أفضلُهم : إلى تفضيل الفقير الصابر على الغنيّ الشاكر ، هذا
قولُ معظم أهل التصوف(٢)، وبه نقول (٣)
وقد أفردنا لدليل ذلك كتاباً (٤) ، مَنْ أرادَ الاستقصاءَ في هذه المسألة
ينظر فيه ، والله سبحانَهُ وتعالى أعلم .
oo
(١) انظر ((قوت القلوب)) (٥٥٧/٢)، وفيه أنه رجع إلى قول الجنيد الآتي ، وقال الإمام
أبو طالب في (( قوت القلوب)) (٨١٣/٢): (وقد كان أحمد بن عطاء - وهو من
المتأخرين - يفضل حال الغنى على الفقر بشبهة دخلت عليه ؛ وهو أن بعض الشيوخ
سأله عن الوصفين : أيهما أفضل ؟ فقال : الغنى ، لأنه صفة الحق ، فقال له الشيخ :
فالحقُّ غني بالأسباب ؟! فانقطع ولم ينطق بحرف ) .
(٢) انظر ((قوت القلوب)) (٥٥٧/٢)، وعنى بأفضلهم: الإمام أبا القاسم الجنيد.
(٣) قال الإمام أبو طالب في ((قوت القلوب)) (٨١٥/٢): (من فضَّل حال الغنى على
الفقر فإنه لم يذق مرارة الفقر ولا حلاوته ، فهو غِرٌّ بشدَّته ، فاقدٌ لحلاوته ؛ لأنه لو ذاق
مرارته في مقام الصبر من الضرِّ والهمِّ .. فضَّلَهُ، ولو أُذيق حلاوته من الزهد في مقام
الرضا .. لما فضَّلَ عليه ) .
(٤) انظر الحديث عنه (١/ ٤٣).

Y OOOOK
مـ
DOO
00
ذكر ما جاء من أسماء الله عز وجل
وتسميات فتحاًبالفاء
٢٨٥
Doob 0 9 00000
OCONOM