النص المفهرس
صفحات 441-460
ومن أقرَّ بالقرآن وأنكر وصْفَ الله عزَّ وجلَّ بأنه عالم وعليمٌ وعلّام مع تسليمه وجود هذه الأوصافِ في القرآن .. فهو كمَنْ أنكر تسميتَهُ إلهاً وخالقاً ورازقاً وصانعاً ومحيياً ومميتاً مع إقراره بوجود هذه الأوصافِ في القرآن ! COO XA إن قيل : فالنحلُ عالمة ؛ لوجود الفعل المحكم منها . = فالجواب : بل هو دليلٌ لأهل الحق أن الفاعل على الحقيقة هو الله تعالى ؛ إذ يستحيل إضافة إتقان الصنعة والحكمة إليها. انظر («الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص٢١٣ ، ٢٢٧ ) . CON 00000 ٤٠ ٤ 00000 الفصل الثالث في إثبات كون الباري عزوجل عالماً في الأزل زعم جهمُ بن صفوانَ : أنه لا يجوزُ أن يقال : إن الله عزَّ وجلَّ كان في الأزل عالماً ، وأنكرّ أن يكون موصوفاً في الأزل بالعلم والقدرةِ والسمع والبصرِ والرؤية(١) وحكي عنه أنه قال : كان الله عزَّ وجلَّ في الأزل لا يعلمُ شيئاً حتى أحدثَ لنفسه علماً هو غيرُهُ وبائنٌ منه، فعلمَ به(٢) وحكى عنه جماعةٌ من المتكلِّمين : أن الله عزَّ وجلَّ يعلم الأشياء قبل حدوثها بعلمٍ يحدثُهُ قبلَها(٣) وحكى عنه آخرون أنه قال : إن عِلْمَ الله عزَّ وجلَّ هو معلوماتُهُ لا غيرُها ، فمهما وُجِدَت المعلوماتُ كان عالماً بها ، وإذا أعدمت (١) فهي عنده صفاتٌ حادثة في ذاته العلية، وعلمه سبحانه عنده حادثٌ ومتجدِّد. انظر ((أصول الدين)) للمصنف (ص٩٥)، و((الإرشاد)) لإمام الحرمين (ص٩٦)، و((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص٢٨٦)، و(( أوائل المقالات)) ( ص ٥٥) . (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٢٢) . (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٢٢)، وقال: ( وحكي عن الجهم خلافٌ، وأنه كان لا يقول : إن الله يعلم الأشياء قبل أن تكون ؛ لأنها قبل أن تكون ليست بأشياءَ فتُعلمَ أو تُجهلَ ) . Y ٤٤12080 ٢٠٠٠٠٥ C المعلوماتُ كان غيرَ عالم بها(١) وحكى عنه أبو الحسين الخياطُ : أنه إنما يعلمُ الشيءَ في حال حدوثه ، وأحال العلمَ بالمعدوم(٢). وقال هشامُ بن الحكم : محالٌ أن يكون هو في الأزل عالماً ، وإنما يعلمُ الأشياء عند وجودها بعلم ؛ لا يقال : إنه هو ، ولا إنه غيره ، ولا إنه قديمٌ ، ولا إنه محدثٌ؛ لأنه صفة ، والصفةُ عنده لا توصفُ(٣) قال : ولا يكونُ الشيء معلوماً إلا عند وجودِهِ ، فلو قلنا : علمَ السماواتِ والأرضَ في الأزل .. كنَّا قد أثبتنا السماواتِ والأرضَ في الأزل(٤) O واحتجَّ هؤلاء في حدوث علم الله عزَّ وجلَّ بآيات من القرآن ؛ منها : قولُهُ: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ اَلْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]، وقولُهُ: لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]، وقولُهُ: ﴿لِنَعْلَمَ أَىُّ الِحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِئُوَأْ أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٢]، وقولُهُ: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَقَبِعُ الرَّسُولَ مِتَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٩٤). O (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٩٤). (٣) يعني : بإطلاقٍ ، وإلا فقد قال أهل السنة بأن الصفة لا توصف بالصفات الوجودية ، أما العدمية فلا ضير ، وهشام منع الوصف بالعدمية كما ترى ، فمنع وصف العلم بالقدم أو الحدوث، وانظر قول هشام في (( مقالات الإسلاميين)) (ص٤٩٣)، وفي (( أوائل المقالات)) ( ص٥٥): أن هذا القول تخرُّصٌ عليه من قبل المعتزلة . (٤) وعبارة الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٩٤) نقلاً عنه: ( قال : ولو كان لم يزل عالماً لكان المعلوم لم يزل ؛ لأنه لا يصحُّ عالِمٌ إلا بمعلوم موجود). 00000 ,٤٤٢ T.NCY or xvorx ومنها : قولُهُ في مواضعَ : ( لعله ) ، وهذا حرفٌ يذكره مَنْ لا يكون عالماً بالعاقبة، فلما قال: ﴿لَّعَلَُّ يَتَذَّكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، وقال: ﴿لَعَلَُّ يَزَّكَِّ﴾ [عبس: ٣] .. عُلِمَ بذلك أنه لم يكن عالماً بحالهم قبل وجودها(١) وقالوا : لمَّا صحَّ منه اختبارُ عبادِهِ دلَّ على أنه لم يكن عالماً بحالهم في العاقبة ؛ إذ لا يصحُّ الاختبارُ ممَّن هو عالم خبيرٌ بما يرجعُ إليه أمرُ من يختبره(٢) فهذا قولُ هشام واستدلالُهُ على دعواه أن الله عزَّ وجلَّ لم يكن عالماً بالأشياء قبل كونها . وقد وافقَنا على أنه لم يزل حيّاً قادراً ، وأثبت له حياةً وقدرةً هما صفتان له لا يقال : إنهما هو ، ولا إنهما غيرُهُ(٣) وكان هشامٌ الفُوْطِيُّ مع من تبعه من القدرية يقولون : إن الله عزَّ وجلَّ لم (١) سيأتي تفسير وبيان هذه الآيات الكريمات (٤٥١/٢)، وآفةُ صاحب هذه الشبهة : هو إجراءُ الزمان على الله تعالى، واعتقادُ أن له تعالى ماضياً وآناً ومستقبلاً ، ومصابُهُ بهذا الاعتقاد أكبرُ من مصابه في قالته هنا ، وجهلُهُ بالعربية ومعاني حروف المعاني ؛ فهو لا يعرف الفرق بين لام التعليل ولام العاقبة، ولا معاني (لعلَّ) وما قيل فيها ، وغيبوبتُهُ عن النصوص الناطقة بخلاف اعتقاده؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، حَتَّ يَرَوا اَلْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١]، وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّ مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦]، وأخبر أنهم مغرقون، وقال سبحانه: ﴿وَلَوَّ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وأخبارُ ما سيجري يومَ القيامة طافحةٌ في كتابه عز وجل ، وكل ذلك مُحكَمٌ بقوله تعالى حكاية: ﴿لََّ يَضِلُّ رَبٍِّ وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]. (٢) انظر ردَّ هذه الشبهة (٢ /٤٥١). (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٨)، وله فيهما قولان فيما حُكي عنه . OOOO يزلْ عالماً، وللكنهم منعوا أن يقال: إن الله يعلمُ الأشياءَ قبل كونها(١) ووافقنا معمرٌ على أن الله عزَّ وجلَّ كان عالماً في الأزل ، إلا أنه زعمَ أنه محالٌ أن يكونَ عالماً بنفسه فيكونَ العالِمُ هو المعلومَ ، ومحالٌ أن يعلم الموجودَ ، كما أنه محالٌ أن يقدر على الموجود (٢) وقالت طائفةٌ من الروافض : لم يزل اللهُ غيرَ عليم ولا سميع ولا بصير حتى خلق لنفسه سمعاً وبصراً وعلماً ، وهؤلاء تبعُ زرارةَ بن أعينّ = (٣) الرافضي 0000000 000000 وزعم الذين أجازوا على الله البَداءَ من الروافض(٤) : أنه يجوزُ أن يعلم اللهُ تعالى الشيءَ بعد أن لم يكن عالماً به ، ويظهرَ له الشيءُ الذي كان قد خَفِيَ عليه، فكذلك يبدو ، وعلى هذا تأوَّلوا نسخَ الشرائع والأحكام(٥). وذهب جمهورُ الأمَّةِ إلى أن الله سبحانه لم يزل عالماً بالمعلوماتِ كلِّها على التفصيل قبلَ حدوث ما حدثَ أو يحدثُ منها . فأما من زعمَ أن الله تعالى لم يكن عالماً حتى أحدثَ لنفسه علماً : فلا ينفصلُ ممَّنْ قال : إنه لم يكن قادراً حتى أحدثَ لنفسه قدرةً صار بها قادراً ، (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٥٨)، و((أوائل المقالات)) (ص ٥٥). (٢) تقدم نحوه قريباً (٤٣٩/٢). انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦)، والإمامية على خلاف قولهم . (٣) (٤) انظر ما تقدم تعليقاً (٢٦٠/٢). (٥) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٣٩، ٢٢١، ٤٩١، ٥١٥)، وقال الإمام الأشعري (ص٤٩٢): (وسمعت شيخاً من مشايخ الرافضة وهو الحسن بن محمد بن جمهور يقول : ما علمه الله سبحانه أن يكون ولم يُطلع عليه أحداً من خلقه .. فجائزٌ أن يبدوّ له فيه ، وما أطلعَ عليه عبادَهُ فلا يجوز أن يبدوَ له فيه ) . ٤٤٤ ٠٠٠٠٠ CLON 0 a ولا ينفصلُ ممَّنْ يقول : إنه لم يكن حيّاً حتى أحدث لنفسه حياةً صار بها حيّاً . فإن قالوا : لو جازَ أن يوجدَ منه قدرةٌ لا يكونُ قادراً عليها قبل حدوثها .. لجازَ أن يحدث منه سائرُ الحوادث ولا يكونَ قادراً على شيء منها ، ولو جاز حدوثُ الحياة منه وهو غيرُ حيٍّ .. لجاز حدوثُ سائر الأفعال منه وهو غيرُ حيٍّ ، ولم يكن حينئذٍ في الفعل دلالةٌ على أن فاعله حيٌّ قادرٌ . قيل : ولو جازَ وقوعُ العلم - وهو في نفسه معلِمٌ محكمٌ متقن - ممَّن لا يكونُ عالماً به قبلَ وقوعه . . لجاز وقوعُ سائر الأفعال المحكمةِ المتقنة ممَّنْ لا يعلمُها(١) ، ولم يكن حينئذٍ في الفعل المحكم دلالةٌ على أن فاعلَهُ عالم . ويقال لهم : إذا قلتم بحدوث علم الله عزَّ وجلَّ فأخبرونا عنه كيف أحدثَهُ : في نفسه ، أم في غيره ، أم لا في محلٌّ ؟ فإن زعمتم أنه أحدثَهُ في نفسه اعتقدتم أنه محلٌّ للحوادث ، ولزمَكم ألا يسبقَ الحوادثَ ، فيكونَ مثلَها في الحدوث ، وذلك خلافُ أصلكم . وإن زعمتم أنه أحدثَ علمَهُ في بعض الأجسام لزمَكم أن يكون ذلك الجسمُ به عالماً ؛ كما لو أحدثَ في غيره حركةً أو لوناً صار محلُّ اللون والحركة متلوِّناً متحرِّكاً . (١) كالطباع والأمزجة، أو الحيوانات والجمادات، ثم إن دلالة الفعل المحكم على فاعله وعلى إرادته .. ضروريةٌ لا يمكن جحدها . ٤٤٥ ٥٠٠٠٠ وإن زعمتم أنه أحدثَ علمَهُ لا في محلٌّ لزمكم إجازةُ وجود كلٌّ علم لا في محلٌّ، وهذا يؤدي إلى إجازة وجودِ علوم الناس لا في محلِّ (١)، ألا ترى أن من أجازَ وجودَ جوهر لا في محلٌّ لزمه إجازةُ وجود جميع الجواهر لا في محلِّ ؟! وإذا فسدت الأقسامُ في علم الله عزَّ وجلَّ إن كان محدثاً .. [ثبتَ] أن علمه غيرُ محدَثٍ (٢) ، وأن علمه علمٌ أزليٌّ . فأما من زعم أن علم الله عزَّ وجلَّ هو معلوماتُهُ ، فإذا حصلت معلوماته كان عالماً بها .. فيقال له : إذا لم يكن عالماً بالأشياء قبل كونها ، ثم صار عالماً بها عند حدوثها من غير علمٍ سواها .. فلِمَ لا يجوزُ أن يعلم الواحدُ منَّا كلَّ ما يحدث في العالم من غير علمٍ له به أكثرَ من وجودٍ معلومه ؟! وإن جاز أن تحدثَ معلوماتُ البارئ قبل علمه بها .. فِلِمَ لا يجوزُ حدوثُ جميع الأفعال المحكمة المتقنة ؛ من الكتابة ونسج الديباج والتصاويرِ المؤنقة ممَّن لا يعلمُ شيئاً منها ؟! وهذا يؤدي إلى ألا يكونَ في الأفعال المحكمة دلالةٌ على علم فاعلها ، وهذا محالٌ . فأما قولُ معمر : إنه محالٌ أن يعلم البارئ نفسَهُ ؛ لأن المعلوم يجب أن يكون غيرَ العالِم .. فيقال له : هل يعلمُ الإنسانُ ربَّهُ أم لا ؟ فإن قال : لا ، أقرَّ على نفسه بأنه لا يعرفُ معبودَهُ ولا يعلم . (١) لأن وجه الدلالة لا يختلف شاهداً ولا غائباً، فلا معنى لدعوى التفريق، وهذا في الدلالة العقلية . (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( ثبتت) . ٤٤٦ ٥٥٠٥٠ ACON MAYOTA ـر وإن قال : نعم ، أوجب أن يكون الإنسانُ عالماً بما لا يكونُ الله عالماً (١) وأيُّ هذين اختارَهُ دخل في الكفر ، وهو ممَّنْ لا يتحاشى عن القول بما هو أعظمُ منه ، والله سبحانه وتعالى أعلم . (١) إذ يلزم أن الإنسان علمَ الله تعالى ، والله تعالى لم يعلم نفسه . الفصل الرابع في أن الله عز وجل عالم بعسلم أجمع أصحابُنا : على أن الله عزَّ وجلَّ عالمٌ بعلم هو صفةٌ له أزليةٌ ، علمَ به جميعَ المعلومات جملةً وتفصيلاً(١) وأجمعوا : على جواز وصْفِ علمه بأنه موجودٌ أزليٌّ ، واختلفوا في وصفِهِ بالقدم : فأطلقه أبو الحسن (٢) ، وبناه على أصله : أن القديمَ : المتقدِّمُ في الوجود(٣) 000 وقال عبدُ الله بن سعيد وأبو العباس القلانسيُّ : لا يجوز تسميةٌ صفات الله عزَّ وجلَّ بأنها قديمة ، وبنياهُ على أصلهما : أن القديم قديم بقدم يقومُ به ، ويستحيلُ قيامُ الصفة بالصفة (٤) وأجمع أصحابُنا : على أن علم الله عزَّ وجلَّ ليس بضروريٍّ ولا مكتسبٍ ، ولا واقع عن فكرة ونظرٍ واستدلال(٥) ، بل هو علم أزليٍّ انظر (( أصول الدين)) للمصنف (ص ٩٥ ). (١) أنظر ((مجرد مقالات الأشعرى)) (ص٥٨). (٢) (٣) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) ( ص ٤٢). (٤) انظر ما تقدم (٢٨٩/١ - ٢٩٠). (٥) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٢). CONM 2 واجب ، محيط بجميع المعلومات على التفصيل(١) . واختلف المعتزلةُ في هذا الباب اختلافاً بيِّناً : فزعم النظّامُ : أن وصْفَ الله عزَّ وجلَّ بأنه عالمٌ يفيدُ نفْيَ الجهل والسهوِ وأضدادِ العلم عنه، ولا يفيد إثباتَ علم ولا حالٍ له(٢) وقال أبو الهذيل : إن الله عالمٌ بعلم ولكن علمه نفسُهُ ، وقادرٌ بقدرةٍ هي نفسُهُ ، ولا يجوزُ أن يقال : إن نفسَهُ علم وقدرةٌ ، ولا أن يقال : إن علمَهُ قدرتُهُ(٣) وقال الجبائيُّ وأكثرُ المعتزلة مع النجَّارية : إن الله عزَّ وجلَّ عالمٌ لنفسه ، وقادر لنفسه(٤) 000 O وقال الكعبيُّ : هو عالمٌ بنفسه ، لا لنفسه ، واختار حرفَ الباء دون اللام(٥) وقال أبو هاشم : إنه عالمٌ لكونه على حال ، وتلك الحالُ لا يقال لها : إنها شيءٌ، ولا إنها لا شيءٌ، ولا إنها معلومةٌ ، ولا إنها مجهولة ، والذاتُ معلومةٌ على الحال ، والحالُ غير معلومة ولا مذكورةٍ (٦) (١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٣)، و((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص٢٢٧)، و (( تهافت الفلاسفة)) (ص٢٠٦). (٢) انظر (( مقالات الإسلاميين)) (ص١٦٦ -١٦٧). (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٨٥)، و((شرح الأصول الخمسة)) ( ص١٨٢-١٨٣ ). انظر (( مقالات الإسلاميين)) (ص١٦٤، ٥٠٤). (٤) (٥) انظر ما تقدم (١/ ٣٧٩، ٣٨١). (٦) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٢٩)، و((تمهيد الأوائل)) (ص٢٣٠ -٢٣٢)،= 000 واختلفت الكراميَّةُ في هذا الباب أيضاً : فكان المتقدِّمون منهم يقولون : إن لله عزَّ وجلَّ علماً واحداً وقدرةٌ واحدة ، كما ذهب إليه أصحابنا ، إلى أن نشأَ فيهم واحد يعرف بأبي يعقوب الجرجاني ، زعم : أن الله عزَّ وجلَّ علوماً كثيرة يعلمُ بها معلوماتِهِ ، وأحالَ إحاطةَ علم واحدٍ بجميع المعلومات . ولا يخلو هذا القائلُ من أن يجعل عددَ علومه على حسَبِ عدد معلوماته ، فيلزمَهُ أن يثبت الله عزَّ وجلَّ علوماً لا نهايةَ لها ؛ لأن معلوماتِهِ غيرُ متناهية(١) ، أو يَحصُرَ عددَ علومه بمقدارِ مخصوص ، فلا ينفصلَ ممَّن زادَ عليه في عددها أو نقصَ منها ، ولا يكون بعضُ الأعداد فيها حينئذٍ أولى من بعض . وزعم بعضُ المتأخِّرين منهم : أن لله عزَّ وجلَّ علمينِ : أحدهما : يعلمُ به معلوماتِهِ . والثاني : يعلمُ به العلمَ الذي به يعلمُ المعلوماتِ . فيقال له : فبماذا يعلم العلمَ الثانيَ ؟ فإن قال : ( بنفسه) .. قيل : فهلا علم علمه الأول بنفسه . وإن قال: (عَلِمَهُ بالعلم الأول ) .. قيل: إذا جازَ أن يكون العلمُ الأول = و (( شرح الأصول الخمسة)) (ص١٨٢، ١٨٤). (١) وهذا اللازم هو قول الأستاذ أبي سهل الصعلوكي من الأشعرية. انظر ((الشامل)) الإمام الحرمين (ص٦٧٣ )، و((أبكار الأفكار)) ( ٤٤٤/٣)، وانظر ردَّ قوله في ( شرح العقيدة الكبرى)) (ص٣٨٦)، وهو متلخص في إجماع الأمة على وحدة صفة العلم . C X 2 علماً بالعلم الثاني .. فهلا جاز أن يكون علماً بنفسه ؟! وركب بعضُهم هذا الإلزام فقال : ( إن علمه غيرُ معلوم له ) ، فقيل له : فقد صار إذاً معلوماً لنا ما لا يجوزُ أن يكون معلوماً لله ، فخّزِيَ ولم يَحِرْ جواباً . وقال هشامُ بن الحكم الرافضيُّ : إن الله عزَّ وجلَّ عالمٌ بعلم ، والعلم صفةٌ له لا يقال : إنها قديمة ، ولا إنها محدثة ؛ لأن الصفةً لا توصفُ ، وأنكر أن يكون الله عزَّ وجلَّ في الأزل عالماً بالأشياء قبلَ كونها(١) وقال : لو كان عالماً بما يفعلُهُ عباده لم تصحَّ المحنة والاختبارُ ، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿اَلْكَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَبََّ فِيَكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦]، وبقوله: ﴿لَّعَلَُّ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، وبقوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ اَلْمُجَهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّبِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]، وبقوله: ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]. فيقال له : ليس الاختبارُ من أجل العلم بما يكونُ ، لكنْ من أجل وجودٍ الأمر والنهيٍ [إذ قبلَ وجود الأمرِ والنهي] لم يكن المعلومُ وجودُهُ من العباد طاعةً ولا معصية(٢) ، وأن يوجدَ على ما عُلِمَ وجودُهُ ، ألا ترى أن أفعال البهائم غيرُ طاعة ولا معصية وإن وُجِدَ على ما علمَ لمَّا لم يتوجَّهْ عليها الأمرُ والنهي ؟! (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٧، ٢٢٢، ٤٩٣)، و((أبكار الأفكار)» (٥٨/٥)، وقال الشيخ المفيد في ((أوائل المقالات)) (ص ٥٥) وهو من أعيان قدماء الشيعة : ( ولسنا نعرف ما حكاه المعتزلة عن هشام بن الحكم في خلافه ، وعندنا أنه تخرُّص عليه وغلط ممن قلدهم فيه ، فحكاه من الشيعة عنه ) . (٢) بل إنما تتحقَّقُ إحدى هاتين الصفتين عند تعلُّق كسب المكلَّف بالمعلوم وجودُهُ . ٤٥١ ٥٠٠٠٥) CLON وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] معناهُ: لننظر إلى عملكم فنراه موجوداً (١) . وهذا على أصلِنا صحيحٌ ؛ لإثباتنا رؤيةَ الأعراض ، وإن قلنا : إن الله عزَّ وجلَّ يرى أعمالَنا عند وجودها .. فهذا تأويلُ قولِهِ: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ . وأما قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿الْثَنَّ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَ فِيَكُمْ ضَعْفًا ﴾ الأنفال: ٦٦] .. فقولُهُ: ﴿الْكَنَ﴾ واقعٌ على التخفيف وحدَهُ، وعلمُهُ بضعفهم سابقٌ لوجود الضعف . ونظيرُهُ : قولُ القائل : اليومَ أصيرُ إلى فلان ، وأعلمُ أنه لا ينصفُني ، فيحدث مصيرُهُ اليوم ، وعلمُهُ بأنه لا ينصفه سابقٌ اليومَ (٢) 00 (١) فهو تعلُّق رؤية، وهو تنجيزي حادث، لا تعلُّقُ علم، وبنو إسرائيل الذين توجّه إليهم هذا الخطاب قد قال الله فيهم وفيما سيعملونه من بعدُ: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِّ إِسْرَِّيلَ فِ الْكِنَبِ لَنُفْسِدُنَّ فِ اْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤]، فأخبر سبحانه بأنهم سيكون منهم علو وإفساد ، ثم قتل وتشريد ، ثم علوٌ بأموال وبنين ونفير ، ثم هلاك مبير ، فسبحانه وتعالى العليم الخبير . (٢) وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِينَ﴾ [محمد: ٣١]؛ يعني: حتى نميِّز، كذا في (( مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (٢١٥/٢)، أو : ليقع ما علمناه غيباً مشاهدةً للناس ، ويقع منكم ، وإنما تقع المجازاة على ما علمه الله من الخلق وقوعاً ، لا على ما لم يقع وما لم يعلموه. انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٤٧١/١). وقال الفراء في ((معاني القرآن)) (٣٦٠/٢): (وهو يعلم المجاهد والصابر بغير ابتلاء ، ففيه وجهان : أحدهما : أن العرب تشترط للجاهل إذا كلمته بشبه هذا شرطاً تسندُهُ إلى أنفسها وهي عالمة ، ومخرج الكلام كأنه لمن لا يعلم ، من ذلك أن يقول القائل : النار تحرق = 7 AY وقد حكينا في الفصل الذي قبل هذا قولَ جهم بحدوث علم الله وقدرته وصفاتِهِ الأزلية ، فلا حاجةَ بنا إلى إعادته . = الحطب ، فيقول الجاهل : بل الحطب يحرق النار ، ويقول العالم : سنأتي بحطب ونارٍ ؛ لنعلم أيُّهما يأكل صاحبه ، فهذا وجه بيِّن . والوجه الآخر: أن تقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ معناه: حتى نعلم عندكم ، فكأن الفعل لهم في الأصل ) . وفي مسألة التعليل: قولُهُ تعالى: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] قال الزجاج في ((معاني القرآن)» (٣٥٧/٣): ( (لعل)) في اللغة ترجّ وطمع، تقول: لعلي أصير إلى خير ، فمعناه : أرجو وأطمع أن أصير إلى خير ، والله عز وجل خاطب العباد بما يعقلون ، والمعنى عند سيبويه فيه : اذهبا على رجائكما وطمعكما ، والعلم من الله عز وجل قد أتى من وراء ما يكون ، وقد علم الله عز وجل أنه لا يتذكر ولا يخشى ، إلا أن الحجة إنما تجب عليه بالإبانة وإقامتها عليه والبرهان ، وإنما تبعث الرسل وهي لا تعلم الغيب ولا تدري أيقبل منها أم لا ، وهم يرجون ويطمعون أن يُقبلَ منهم ، ومعنى (( لعل )) متصور في أنفسهم ، وعلى تصور ذلك تقوم الحجة ، وليس علم الله بما سيكون تجب به الحجة على الآدميين ، ولو كان كذلك لم يكن في الرسل فائدة ) . ويقال فيما لم يؤوَّل من هذه الآيات المتشابهة في ظاهرها بحدوث العلم .. كما قيل في هذين المثالين . ـو الفصل الخامس في بيان معنى العلم والعالم والعلوم اختلفَتْ عباراتُ أصحابنا في حدِّ ( العلم ) وحقيقةِ معناه : فمنهم من قال : إنه [تبيُّنُ] الشيءٍ على ما هو به (١) فإذا ألزم عليه : العلمَ بالمعدوم في كونه علماً وإن لم يكن معلومُهُ شيئاً .. أجاب : بأن المعدومَ إنما يصيرُ معلوماً باعتبار وجوده : أنه حين كان موجوداً كيف كان، وإذا وجد أو إن وجد كيف يوجدُ ، وهو حينئذٍ شيء وإن لم يكن قبلَ وجودِهِ شيئاً . ومنهم من قال : ( العلم دَرَكُ المعلوم على ما هو به )(٢) ، ولا يلزمُ عليه سؤال المعدوم ؛ لأن المعدوم معلومٌ . ٥ (١) انظر ((الإرشاد)) (ص١٢)، و((البرهان)) (١١٥/١)، وهو حدٌّ لبعض الأشاعرة، وقال إمام الحرمين عقب إيراده : ( وهذا مدخول من جهة أن التبيِّن مشعرٌ بوضوح الشيء عن إشكال ، وهذا يخرج العلم القديم عن الحدِّ)، وما بين المعقوفين في (أ) : ( تبيين )، وسقط السياق من ( ب، ج) . (٢) واستحسن السمعاني هذا الحدَّ في ((قواطع الأدلة)) (٢٣/١)، وقال فيه الصفار في ((تلخيص الأدلة)) (ص٨٤): ( وهذا لا يقوى ؛ لأنه يتحقَّق العلم بالله ولا يجوز أن يكون الله مدركاً؛ لأن الدرك والإدراك هو الإحاطة بالشيء واللحوق به ، ولا يوصف الله بأنه محاط به ، ولا أن يلحقه شيء ) . ٤٥٤ ٢٠٢ وقد أُلزمَ القائلُ به الرؤيةَ ؛ فإنها دَرَكُ المرئي على ما هو به ، وليسَتِ الرؤيةُ علماً . فأجابَ عنه : بأن الرؤية دَرَكُ المرئيّ على ما هو به دركَ المعلوم، سواءٌ كان المعلوم مرئياً أو غير مرئي . وذكر أبو بكر القفَّالُ في (( أصوله)» : أن العلم إثباتُ الشيءٍ على ما هو به (١) وهذا ينتقضُ على أصلنا بالعلم بالمعدوم ؛ لأن المعدوم ليس بشيءٍ ، والعلمُ به حاصلٌ (٢) وليس هو إثباتَ الشيء ، اللهمَّ إلا أن يريد به [إثباتاً] لما يكون شيئاً(٣) 7 فلا يوجدُ معناه فيما هو شيءٌ في المآل . وينتقضُ أيضاً بالخبر الصِّدْقِ عن الشيء ؛ فإنه إثباتٌ للشيء على ما هو به ، وليس هو علماً (٤) وذكر أبو الحسن الأشعريُّ العلمَ في مواضع من كتبه ، وقال في (١) نقله في ((قواطع الأدلة)) (ص٢٣) دون نسبة، ونسبه له الزركشي في (( البحر المحيط)» (٥٤/١) . (٢) قال العلامة المازري في ((إيضاح المحصول)) (ص٩٧): ( وقد اعتذر عنه بأنه أشار إلى طريقة من قال من أصحابنا بأن النفي والعدم لا يعلم منفرداً من غير استناد إلى وجود حاصل أو سابق أو مترقّب أو مقدّر) ، ثم ذكر له عذراً من عنده ؛ وهو أن قوماً سمَّوا المعدوم شيئاً ؛ اتباعاً للغة ، لا ذهاباً إلى أن هذه التسمية تفيد إثبات ذات أو عين كما تقوله المعتزلة . (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (إثبات ). (٤) انظر ((المغني)) لقاضي المعتزلة عبد الجبار (٢٠/١٢). CCoCto ٥ ٤ 000000 COOOOOK تحديده : ( [إنه] الصفةُ التي بها يصير الحيُّ عالماً)(١)، ولهذا أنكر قولَ المعتزلة : إن الله عالمٌ لنفسه ، وقال: ( إن حقيقة ما لأجلِهِ كان العالم عالماً هو العلمُ ؛ فلو كان البارئُ سبحانه وتعالى عالماً لنفسه لوجبَ أن تكونَ نفسُهُ علماً ، ولو كانت نفسُهُ علماً لاستحالَ أن يكون عالماً)(٢) وفي قولنا : ( يصير الحيُّ به عالماً ) إشارةٌ إلى إبطال قول مَنْ أجاز أن يكون الميتُ عالماً ؛ كما ذهب إليه الصالحيُّ والكراميَّةُ ؛ لأجل مخالفة هؤلاء قلنا : إن العلمَ هو الصفةُ التي بها يصير الحيُّ عالماً (٣) وذكر بعضُ أصحابنا حدَّ العلم فقالوا : إنه الصفةُ التي [لوجودها] يصحُّ من القادر إحكامُ الفعل وإتقانه(٤) ، وبفقدها يتعذَّرُ على الفاعل إحكامُ الفعل " و (٥) وإتقانه( (١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٠)، وانظر عبارات الإمام الأشعري في حدٍّ العلم في (( أبكار الأفكار)) (٧٤/١)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: (إن) . (٢) قال الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٠): (اعلم : أن الذي يدور عليه كلامه في ذلك وفي سائر حدود جملة المعاني .. شيءٌ واحد ؛ وهو أن يقول: ((معنى العلم وحقيقته: ما به يعلم العالمُ المعلوم))، وعلى ذلك عوَّل في استدلاله على أن الله تعالى عالم بعلم ؛ من حيث إنه لو كان عالماً بنفسه كان نفسه علماً ؛ لأن حقيقة معنى العلم : ما يعلم به العالمُ المعلوم ، فلو كانت نفس القديم سبحانه نفساً بها يعلم المعلومات وجب أن تكون علماً وفي معناه ) . (٣) انظر ما تقدم (١/ ٦٥٧) . (٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( لوجوده ) . (٥) هذا الحدُّ للأستاذ أبي بكر بن فورك. انظر ((البرهان)) (ص١١٦)، وهو من باب حدٍّ العلم بدليله ؛ إذ الإتقان دليلٌ على العلم ، وسبق تعليقاً أن الفعل مطلقاً يدلُّ على علم الفاعل ؛ وقال العلامة العكاري في (( حاشيته على شرح العقيدة الكبرى)) (ق ١٢٤ ): ( الفعل مطلقاً ، محكماً كان أو مثبَّجاً - يعني: غير متقن - يدلُّ على علم فاعله ؛ لأن = 10 ولا ينتقضُ هذا الحدُّ بالقدرة والإرادة ؛ لأن تأثيرَ القدرة في وقوع الفعل بها ، وتأثيرَ العلم في [وقوع الفعل] المتعلُّق به محكماً متقناً (١)، وتأثيرً الإرادة في اختصاص الفعل بوقتٍ دون وقت ، أو على وصف كان يجوزُ وقوعُهُ على خلافه . فإن قيل : أليس قد يعلم الإنسانُ ما لا يصحُّ أن يفعلَهُ، وما لا يصحُّ أن يكون فعلاً ؟! فكيف جعلتم حذَّ العلم ما يصحُّ به إحكامُ الفعل وإتقانه من القادر ؟! قيل : إن العالمَ بالمعلوم الذي لا تصحُّ قدرته عليه يكتسبُ من أجل علمِهِ به اعتقاداً صحيحاً في معلومه ، والاعتقادُ إذا كان صادراً عن علم كان فعلاً محكماً متقناً ، ولو اعتقدَهُ من غير علم به كان اعتقادُهُ صادراً عن ظنّ ، ولم يكن فعلاً محكماً متقناً ، فصحَّ الحدُّ على ما بَنَّاه(٢) واختلفت عباراتُ المعتزلة في حدِّ العلم : فزعم الكعبيُّ : أنه اعتقادُ الشيء على ما هو به(٣) 00000 = وقوعه يستلزم الاختصاص بإحدى المتقابلات الستِّ ، والتخصيص - وهو القصد إلى الشيء - بدون علم به محالٌ ، فإذا دلَّ العلم مطلقاً على العلم كانت دلالة الإحكام أحرى وأولى ) . (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (وقوعها معلومة والفعل)، والتصحيح في (( أصول الدين )» للمصنف ( ص٧٨ ) . (٢) قال الإمام المصنف في ((أصول الدين)) (ص٥): (وفائدة هذا الحدِّ: إيطالُ قول القدرية في دعواها أن كثيراً من الأفعال المحكمة المتقنة يقع ممن لا علم له بها على سبيل التولد ) . (٣) وزاد القاضي الباقلاني في ((التقريب والإرشاد)) (١٢٦/١) فقال: (فقط)؛ لإخراج= فأُلزمَ عليه : اعتقادَ العاميِّ حدوثَ العالم وإثباتَ صانعه وتوحيدَهُ ، واعتقادَهُ صحَّةَ النبوة ووجوبَ أحكام الشريعة(١) فقال : إن ذلك كلَّهُ علمٌ . وذلك غلطٌ منه ؛ لأن العلوم المحدثةَ لا تقعُ إلا عن ضرورة أو دلالةٍ ، وتوحيدُ الصانع وصحَّة النبوة غيرُ معلوم اليومَ بالضرورة ، ولم يستدلَّ عليه العاميُّ، وإنما اعتقدَهُ تقليداً، فاعتقاده صحيحٌ وليس بعلم ، وفي ذلك نقضُ حدِّهٍ(٢) وزعم الجبائيُّ : أن حدَّ العلم : اعتقادُ الشيء على ما هو به عن ضرورةٍ أو دليل(٣) واحترزَ بههذه الزيادة عمَّا ألزمْنا الكعبيَّ من اعتقاد العامي ما هو صحيحٌ في الدين والنبؤَّة وإن لم يكن عِلْماً ؛ لأنه لم يعتقده عن ضرورةٍ ولا دلالة . حدِّ الجبائي وابنه، وانظر ((البرهان)) (١١٦/١)، و(( المغني في أبواب العدل = والتوحيد)» (١٧/١٢). (١) وهو إلى ذلك لا دليلَ عنده على معتقده ، ولا ضرورة تدعو إليه ، وهو جازم . (٢) قال الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) ( ص١١): ( وكان ينكر أن يكون معنى العلم : اعتقاد الشيء على ما هو به ، وقال : إن وصف علمنا بأنه اعتقاد مجاز ؛ لأن أصل العقد والاعتقاد إنما يتحقق بغير المعاني ، وإذا استعمل في ذلك فعلى التوسع ) . بل قاضيهم عبد الجبار في (( المغني)) (١٧/١٢) قال عن هذا الحد: ( وهذا بعيد ؛ لأن المبخت والمقلد قد يعتقدان الشيء على ما هو به ولا يكونان عالمين ، ولذلك يجدان حالهما كحال الظان والشاكُ ). (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥٢٣). Y ٢٨٢ 00000201,00000 وزعم ابنُهُ أبو هاشم : أن حدَّ العلم : اعتقادُ الشيء على ما هو به مع سکون النفس إليه(١) وهذا ينتقضُ : باعتقاد العاميِّ التوحيدَ والنبواتِ ، وليس في قوله : ( مع سكون النفس ) احترازٌ عنه ؛ لأن من العامَّة من تسكنُ نفسُهُ إلى اعتقاده الصحيح الذي لم يعرف دليلَهُ سكوناً لو خُيِّرَ فيه بين القتل وبين تركٍ ما اعتقدَهُ .. لاختار عليه القتلَ. على أنه لو كان العلمُ اعتقادَ الشيء على ما هو به على وصفٍ مخصوص .. لوجب ألا يكون الإنسانُ عالماً باستحالة المحالات(٢)؛ لأن المعتزلة وإن ذهب أكثرُهم إلى تسمية المعدوم شيئاً .. فهم موافقون لنا في أن المحال وجودُهُ ليس بشيءٍ(٣) ، والعلمَ باستحالة وجودِهِ حاصلٌ ، وهو عندهم اعتقادٌ صحيح ؛ لأنه اعتقادُ الشيء على ما هو به . فإن اعتذروا بقولهم : ( إن هذا علمٌ لا معلومَ له) كان عذرُهم إقراراً بانتقاض حدِّهم . 00 وأيضاً : فلو كان العلمُ اعتقادَ الشيء على ما هو به على وجهٍ مخصوص .. لكان الجهلُ اعتقاداً للشيء على خلافٍ ما هو به . فإن قالوا : كذلك نقول . قيل : لو كان الجهلُ اعتقاداً للشيء على خلاف ما هو به .. لم يكن (١) انظر ((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (٢١/١٢). (٢) ومن نفى العلمَ بالمحالات فقد كابرَ ؛ فإنَّنا نعلم بالضرورة استحالة اجتماع النقيضين . (٣) تقدم (١/ ٢٣١) . ٢ 00000 ٤٥٩ 00000 2