النص المفهرس

صفحات 361-380

الثاني : الشيءُ الذي يكونُ عند وجوده أو وجودِ فعلٍ فيه نوعٌ من
الضرر ؛ كقولهم في الأدوية والُّموم : إن هذا الشيء ضارٌّ في كذا ، نافعٌ
لكذا ؛ مثل دواء ينفعُ في الأمراض الدموية ، ويضرُّ أهلَ الأمراض الصفراوية
ونحوها .
وذلك اسمٌ لها على المجاز ؛ لأن النافعَ بالدواء والضارَّ [به] على
الحقيقة هو الله عزَّ وجلَّ(١)، وإنما سُمِّيَ بعضُ الأشياء ضارّاً لوقوع الضرر
عقيبَ فعلٍ يقعُ فيه (٢)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] له وجهانِ(٣):
أحدُهما: لا [يُضارَرْ] فيُدْعى إلى أن يَكتبَ وهو مشغولٌ(٤)، فيكتبَ
خلافَ الواجب ، فيكونَ فيه ضررٌ على أحد الخصمينِ المتداعيينِ (٥)
والآخرُ : لا يُضارِرْ بكسر الراء الأولى ؛ أي : لا يقصدِ الكاتبُ إلى
00000
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( بها).
(٢) قال الإمام الغزالي في ((المقصد الأسنى)) (ص٢٩٠): (فلا تظننَّ أن السمَّ يقتل ويضرُّ
بنفسه ، وأن الطعام يُشبع وينفع بنفسه، وأن المَلَكَ أو الإنسان أو الشيطان أو شيئاً من
المخلوقات ؛ من فَلَكِ أو كوكب أو غيرهما .. يقدر على خير أو شر أو نفع أو ضرٍّ
بنفسه ، بل كل ذلك أسباب مسخرة ، لا يصدر منها إلا ما سخِّرت له وخلق فيها ) .
(٣) انظر " الغريبين)) (١١٢٠/٤).
(٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (يضار)، وهي وإن كانت صحيحة إلا أن الفكَّ
يوضُحُ أنه أراد هنا فتح الراء، وهي بالفكِّ في (( الغريبين))، وأثبتت منه.
(٥) ويكون تأويل الكلمة على هذا : ( ولا يُضارَز)، وعلى هذا الوجه كان يقرأ سيدنا عمر
وابن مسعود رضي الله عنهما كما روى ذلك الطبري في تفسيره» ( ٨٧/٦ - ٨٩)، ثم
روى هذا القول عن مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم ، والفعل مجزوم بـ ( لا )
الناهية. انظر (( الدر المصون)) (٤٦٨/٢).

0000
الإضرار بأحد الخصمين فيما يكتب ، بل يجب ألا يكتبَ إلا بالحقِّ ،
ولا يشهدَ الشاهدُ إلا بالحقِّ(١)
ويستوي اللفظان في الإدغام .
وكذلك قولُهُ عزّ وجلَّ: ﴿لَا تُضَارَ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] يجوزُ أن
يكونَ معناه : لا تُضارَرْ؛ بأن ينزعَ الرجلُ ولَدَها منها فيدفعَهُ إلى مرضعةٍ
أخرى .
ويجوزُ أن يكونَ معناه : لا تُضارِرِ الأمُّ الأبَ، فلا ترضعَ الولدَ(٢)
والإدغامُ في الحالتينِ على وجه واحدٍ(٣)
ويقالُ في الأمر من الضرر : ضُرَّ واضرُرْ؛ مثلُ: شُدَّ واشدُذْ، ومُدَّ
وامدُدْ .
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]؛ أي: غيرُ أولي الزمانة
عند المفسّرين (٤)
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٨٦/٦) عن طاوس والحسن وقتادة وغيرهم.
(٢) روى الطبري في ((تفسيره)» (٤٩/٥) هذين القولين عن مجاهد وقتادة والحسن
البصري وغيرهم، وانظر (( الغريبين)) (١١٢١/٤)، وابن عرفة : هو المعروف
بنفطويه .
(٣) وثَمَّ وجه ثالث: على قراءة من رفع الراء ( ولا تضارُّ)، وهي قراءة ابن كثير
والبصريينِ ؛ أبي عمرو ويعقوب ، ونصب الباقون ، ويكون المعنى على الرفع : عطفاً
على قوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسَّ إِلَّا وُسْعَهَا﴾. انظر ((معاني القرآن)) للفراء
(١٤٩/١-١٥٠)، و((النشر فى القراءات العشر)) (٢٢٧/٢).
(٤) انظر ((الغريبين)) (١١٢١/٤).
00000
00000 ٣٦١

2000
وأما عند الفقهاء : فالزَّمِنُ والأعمى ومَنْ في معناهم داخلونَ في حكم
هذا الاستثناء(١)
وقال ابن عرفةَ : ( معناه : غيرُ من به علَّةٌ تضرُّهُ فتقطعُهُ عن الجهاد ،
وهي الضرارةُ أيضاً في البصرِ وغيرِهِ )(٢).
ومعنى الآية : لا يستوي القاعدونَ والمجاهدونَ إلا أولو الضرر ؛ فإنهم
يساوونَ المجاهدينَ(٣)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَا يَضُُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠] من قرأ بضمٍّ
الضاد وتشديد الراء أراد : الضررَ الذي هو ضدُّ النفع (٤)، ومن قرأ:
﴿يَضِرْكُمْ﴾ بكسر الضاد وجزم الراء : فهو من ضارَهُ [يضيرُهُ](٥)
وفي الحديث: ((لا ضررَ [ولا ضِرارَ] في الإسلام)) (٦)
(١) روى البخاري (٢٨٣١)، ومسلم (١٨٩٨) من حديث سيدنا البراء بن عازب
رضي الله عنهما قال : لمَّا نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول الله
صلى الله عليه وسلم زيداً ، فجاء بكتف فكتبها ، وشكا ابن أم مكتوم ضَرارتَهُ ، فنزلت :
﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَمِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾.
نقله الهروي في ((الغريبين)) (١١٢١/٤)، وابن عرفة : هو المعروف بنفطويه .
(٢)
انظر ((الغريبين)) (٤/ ١١٢١ ).
(٣)
٥
(٤) وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف وأبي جعفر. انظر (( النشر في
القراءات العشر)) (٢/ ٢٤٢) .
(٥) انظر ((الغريبين)) (١١٢١/٤)، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب . انظر
((النشر في القراءات العشر)" (٢٤٢/٢)، و((البدور الزاهرة)) (ص٦٩)، وما بين
المعقوفين في جميع النسخ: ( يضره)، وهو من الضير، قال الزجاج في (( معاني
القرآن)) (٤٦٥/١): (والضير والضرّ جميعاً بمعنىّ واحد).
(٦) رواه ابن ماجه (٢٣٤٠) من حديث سيدنا عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، ورواه=
00000 ٣٦٢ 00000

OO
ولكلٌّ واحدٍ من اللفظينِ معنىٌ غيرُ معنى الآخر :
فمعنى قوله: ((لا ضررَ))؛ أي: لا يضرَّ الرجلُ أخاه، فيَنْقُصَ شيئاً
من حقِّهِ أو ملكه، وهو ضدُّ النفع(١)
وقولُهُ عليه الصلاة والسلام: (( لا ضرارَ))(٢) ؛ أي: لا يضارَّ الرجلُ
جارَهُ [مجازاةً] بإدخال الضرر عليه(٣)، فالضرارُ منهما [معاً]، والضررُ فعلٌ
واحدٍ (٤) ، ولكن يعفو ، فالعفوُ أقرب للتقوى(٥)
وفي الحديث : (( لا تُضارُّونَ في رؤيةِ الشمسِ في غيرِ سحابٍ))(٦)،
ورويَ: ((تُضارُونَ)) بالتخفيف من [الضَّيْرِ](٧) ؛ أي: لا يُخالفُ بعضُكُم
بعضاً فيكذِّبَهُ(٨)
O
مالك في (( الموطأ)) (٧٤٥/٢) مرسلاً عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله
=
عليه وسلم ، وما بين المعقوفين سقط من جميع النسخ ، ويقتضيه السياق .
(١) انظر ((تهذيب اللغة)) (٣١٤/١١)، و((الغريبين)) (١١٢١/٤) .
في ( أ): (إضرار) بدل (ضرار)، وهي رواية للطبراني في « المعجم الأوسط ))
(٢)
(٢٦٨) من حديث سيدتنا عائشة رضي الله عنها؛ يقال: ضارَّه يضارُّه مضارَّة
وضراراً . انظر ( تاج العروس )) ( ض ر ر ) .
(٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (ومجاوره)، والتصحيح من ((تهذيب اللغة)).
(٤) عبارة الهروي في (( الغريبين)) (١١٢٢/٤): ( فالضرار منهما معاً والضرر فعل
واحد ) .
(٥)
انظر ((تهذيب اللغة)) (٣١٤/١١)، و((الغريبين)) (٤/ ١١٢٢).
(٦) رواه بنحوه البخاري (٤٥٨١، ٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣) من حديث سيدنا أبي سعيد
الخدري رضي الله عنه .
(٧) انظر ((إرشاد الساري)) (٤٠٣/١٠)، و((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٨/٣)،
وما بين المعقوفين في جميع النسخ: (الضرّ)، والمثبت من ((الغريبين)).
(٨) انظر ((الغريبين)) (١١٢٢/٤) وزاد: (ولا تنازعون).
00000 ٣٦٣ 00000

00000000
ويقالُ : ضاررتُهُ مضارَّةً؛ إذا خالفتُهُ(١) .
ويقالُ : ضارَهُ يضيرُهُ، وأهل العالية يقولون: يَضُورُهُ (٢)
وفي الحديث : ((ترونَ ربَّكُم كما ترونَ القمرَ ليلةَ البدرِ ، لا تُضارُونَ
في رؤيتِهِ))(٣)؛ من المخالفةِ؛ أي: لا يخالفُكُم في رؤيته أحدٌ(٤)
ورويَ : (( لا تُضافُّونَ في رؤیتِهِ ))(٥) ؛ أي : لا ينضمُّ بعضُكُم إلى بعضٍ
في وقت النظر الإشكالٍ أو خفاءٍ ، كما تفعلونَ عند رؤية الهلال(٦)
ورويَ: ((لا تضامُونَ )) بالتخفيف(٧) ؛ أي: لا ينالُكُم ضَيمٌ في رؤيته ،
فيراه بعضٌ دون بعضٍ ، بل تستوون في الرؤية(٨)
وقال ابنُ الأنباريِّ : ( معناهُ : لا يقعُ في رؤيتكم له ضَيمٌ ؛ أي : ذلِّ
وصَغارٌ)(٩) .
O
(١) انظر ((تهذيب اللغة)) (٣١٥/١١)، و((الغريبين ٤ (١١٢٢/٤).
(٢)
انظر ((إصلاح المنطق)) (ص١٠٥)، و((الغريبين)) (٤/ ١١٢٢).
(٣) رواه البخاري ( ٦٥٧٣)، ومسلم (٢٩٦٨) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله
عنه .
(٤) وعبارة الهروي في ((الغريبين)) (١١٢٣/٤): (وأما قوله: ((لا تضارُّون)) يجوز أن
يكون على معنى : لا تضارِرُون بعضهم ؛ أي : لا تخالفونهم ، ولا تجادلونهم بصحة
النظر ، فتُسكّن الراء الأولى ، وتدغم في التي بعدها ، ويحذف المفعول لبيان معناه ) .
(٥) رواه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣) من حديث سيدنا جرير بن عبد الله البجلي
رضي الله عنه .
(٦)
انظر ((الغريبين)) (٤/ ١١٢٢ ).
(٧) رواه البخاري (٤٨٥١) من حديث سيدنا جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أيضاً ،
وانظر ((إرشاد الساري)) ( ٣٥٥/٧).
(٨) انظر ((تهذيب اللغة)) (٣١٥/١١)، و((الغريبين)) (١١٢٢/٤).
(٩) نقله الهروي في ( الغريبين)) (٤/ ١١٢٢).

COO00
وهو من الفعل ( تُفْعَلون ) ، وأصله : تُضْيَمُونَ ، فألقيت فتحةُ الياء على
الضاد فصارت الياءُ ألفاً؛ لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها (١)
وكذلك من قال : (( لا تضارُونَ)) بالتخفيف ؛ أراد : لا تُضْيَرُونَ،
فانقلبت الياءُ ألفاً للعلَّةِ التي ذكرناها قبلَ هذا .
وفي هذا كلِّهِ تنبيهٌ : على تحقيقِ حصولٍ رؤية الله عزَّ وجلَّ للمؤمنين ،
على رَغْم من نفاها من المعتزلةِ وغيرِها .
وفي حديث معاذ : أنه [كانَ] يُصلِّي، فأضرَّ به غصنٌ، فمدَّهُ
فكسرَهُ(٢)؛ أي: دنا منه؛ يقال: مرَّ بي فأضرَّ بي؛ أي: دنا منِّي دُنوّاً
شديدا(٣)
فإذا ثبت ما قلنا في معنى الضَّرَرِ والضُّرارِ والإضرارِ .. فلِتسميةِ الله عزَّ
وجلَّ بـ ( الضارِّ النافعِ ) فوائدُ كثيرةٌ :
00000
منها : إبانةُ قولِ الموحِّدينَ : إن النفعَ والضرَّ خالقُهُما واحدٌ ، ومنه يقعُ
(١) انظر ((الغريبين)) (١١٢٣/٤).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٧٢٣٦)، والخبر بتمامه : عن علي بن مدرك : أن
معاذاً لما قدم اليمن كان يعلِّمُ النَّخْعَ ، فقال لهم : إذا رأيتموني صنعت شيئاً في الصلاة
فاصنعوا مثله ، فلمَّا سجد أضرّ بعينيه غصنُ شجرة ، فكسره في الصلاة ، فعمد كلُّ
رجلٍ منهم إلى غصنٍ في الصلاة فكسره ، فلمَّا صلى قال : إني إنما كسرتُهُ لأنه أضرّ
بعيني حين سجدت ، وقد أحسنتم فيما أطعتم .
(٣) انظر ((الغريبين)) (١١٢٣/٤)، وفي (تهذيب اللغة)) (٣١٦/١١): (وفي حديث
معاذ : أنه كان يصلي فأضر به غصن ، فمد يده فكسره ، قوله : (( أضر به ))؛ أي : دنا
منه ) .
DOboo ٣٦0 00000

CO
النفعُ والضررُ ، فلا يجوزُ أن يُرجى للنفع غيرُهُ، ولا أن يُخافَ وقوعُ الضرر
من غيره(١)
وذلك خلافُ قول الثنويَّةِ من المانويَّةِ والديصانيَّةِ والمرقونيّةِ ؛ الذين
زعموا : أن النورَ هو الذي يخلقُ الخيرَ والمنافعَ دون الشرِّ والضررِ،
والظلامَ هو الخالقُ للشرورِ والمضارِّ دون الخيرِ والمنافع(٢)
وخلافُ قول المجوسِ ؛ الذين نسبوا فعلَ الخيراتِ إلى الإلله ، وفعلَ
الشرورِ والمضارِّ إلى الشيطان [الذي] سَمَّوه: أَهْرَمَنْ(٣)
ومنها : إبطالُ قول القدريَّة ؛ وذلك أنها وافقتنا : في أن الله عزَّ وجلَّ
خلق الضررَ من الأمراض والأسقام وفسادِ الزروع ، وقد خالفتنا : في خلقِهِ
الضررَ الذي هو المعصيةُ والكفر(٤)
وعندنا : خالقُ جميع الخيراتِ وأنواع الضررِ ؛ من أكسابنا وغيرِها ..
هو الله عزَّ وجلَّ، ولذلك قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا
ڪَاشِفَ لَهُ: إِلَّا هُوَّ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]، وقال
تعالى: ﴿قُل لََّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرَّا إِلَّ مَا شَآءَ اللّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، فأيُّ
(١) انظر ((رسالة إلى أهل الثغر)) (ص١٧٦)، وقد وصف العارف بالله شقيق البلخي
معرفة الله تعالى كما في (( الحلية)) (٨/ ٦٠) بقوله: ( أن تعرف بقلبك أنه لا معطي
غيرُهُ ، ولا مانعَ غيره ، ولا ضارَّ غيره ، ولا نافعَ غيره ) .
(٢) انظر ((أبكار الأفكار)) (٢٧٧/٢)، و((المغني في أبواب العدل والتوحيد)) (١٦/١٠-
١٨ ) .
(٣) انظر ((الملل والنحل)) (٣٧/٢ -٣٨)، وما تقدم (٣٢٠/١)، (١٦١/٢)، وما بين
المعقوفين في جميع النسخ : ( الذين ) .
(٤) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص ٤٣١).
00000 ٣٦٦ 00000

COoo
ضررٍ أكبرُ من الكفر ؟! وأيُّ نفع أنفعُ من الإيمان ؟!(١)
فلو كان ذلك من خَلْقِ العبادِ وإحداثهم لهما .. لكانوا قد ملكوا أعظمَ
المنافع وأعظمَ المضارِّ دون الله عزَّ وجلَّ.
ومنها : إبطالُ قول مَعْمرٍ في دعواه : أن الله عزَّ وجلَّ ما خلقَ ضرّاً
ولا نفعاً ولا شيئاً من الأعراض ، فلا يكونُ لوصفه بالضارِّ والنافعِ فائدةٌ ،
وإنما يجبُ وصفُ الأجسام بذلك ؛ لأنها عندَهُ هي التي تخلقُ الخيرَ والشرَّ
والنفعَ والضرَّ، وليس لله عزَّ وجلَّ فِعلٌ إلا جسمٌ مُفردٌ، والأعراضُ كلُّها
عنده من فعل الأجسام ؛ إما بالطبع ، وإما بالاختيار(٢)
ومنها : إبطالُ قول أهلِ الطبائع في دعواهم : أن السُّمومَ تَصرُّ بطباعها ،
(١) وإنما جعل الكفر والإيمان داخلين في سياق الآيتين الكريمتين .. بدلالة تنكير النفع
والضرِّ فيهما .
قال الإمام الرازي في « مفاتيح الغيب)) (١٨٢/١٢) في تفسير الآية الأولى هنا : (إن
قيل : قد نرى أن الإنسان يدفع المضارَّ عن نفسه بماله وبأعوانه وأنصاره ، وقد يحصل
الخير له بكسب نفسه وبإعانة غيره ، وذلك يقدح في عموم الآية ، وأيضاً فرأسُ المضارِّ
هو الكفر ، فوجب أن يقال : إنه لم يندفع إلا بإعانة الله تعالى ، ورأس الخيرات هو
الإيمان ، فوجب أن يقال : إنه لم يحصل إلا بإيجاد الله تعالى ، ولو كان الأمر كذلك
لوجب ألا يستحقَّ الإنسان بفعل الكفر عقاباً ، ولا بفعل الإيمان ثواباً ، وأيضاً فإنَّا نرى
الإنسان ينتفع بأكل الدواء ، ويتضرر بتناول السموم ، وكل ذلك يقدح في ظاهر الآية .
والجواب عن الأول : أن كل فعل يصدر عن الإنسان فإنما يصدر عنه إذا دعاه الداعي
إليه ؛ لأن الفعل بدون الداعي محال ، وحصول تلك الداعية ليس إلا من الله تعالى ،
وعلى هذا التقدير فيكون الكل من الله تعالى ، وهكذا القول في كل ما ذكرتموه من
السؤالات ) .
(٢) انظر (٦٢٦/١)، وانظر ((الفرق بين الفرق)» (ص١٥١-١٥٢).
٠0000 ٦٧ ٣ 00000

0
وكلَّ دواءٍ في شيء يضرُّ بغيره فلطبعه يكونُ كذلك(١)
وعندنا : ( الضارُّ النافعُ) هو الله عزَّ وجلَّ ، دون ما ذكروه من الأدوية
والجواهر التي نسبوا إليها الطبائعَ .
ومنها : إيطالُ قول من نسبَ الأحداثَ والآفاتِ الواقعةَ في الأرض إلى بعض
الكواكب ، وسمّاها : نُحُوساً فاعلةً للضرر ؛ كقول من زعم منهم : أن زُحَلَ
والمرِّيخَ نَحْسان فاعلانِ لكلِّ نُحُوسةٍ ، وأن الزُّهَرَةَ والمشتريَ سَعْدان مُوجبانٍ
لكلِّ سعادةٍ ، وأن الشمسَ سَعْدٌ بالنظر، نَحْسٌ بالمقارنة ، وأن القمرَ وعُطاردَ
ممتزجان ؛ يكونان مع النحوس نَحْسِينٍ ، ومع السعود سَعْدينٍ (٢).
000
وكذلك من نسبَ نوعاً من الأفعال إلى بعض الكواكب ؛ فإن هؤلاء
كلَّهم مشركون بالله عزَّ وجلَّ في إضافتهم فعل الخيراتِ والمضارِّ إلى غير الله
عزَّ وجلَّ .
وعندنا : أن الله عزَّ وجلَّ هو الضارُّ النافعُ ، الخالقُ للخير والشرِّ ،
والنفع والضرِّ ، لا خالقَ غيرُهُ ، ولا مخترعَ سواه(٣)
(١)
انظر (١ / ٦٧٠ ) .
وهو قول عبدة الكواكب ، وكثير من الصابئة والبراهمة وغيرهم . انظر («الملل
(٢)
والنحل)) (١٠٧/٢)، (٩٨/٣، ١٠٣).
(٣) كيف لا والفعل غير الإرادي هو الأعمُّ والأغلب؟! وهو إلى ذلك في غاية الإحكام
والإتقان ، والأفعال كلُّها في حيز الإمكان ، ومشتركة بماهية واحدة ، فما معنى إخراج
بعضها عن إرادته سبحانه ، وإضافته إلى أسباب بالضرورة نعلم أنه هو خلقها وأوجدها ؟!
وبذلك تعلم : أن ظهور أفعاله سبحانه قد يكون بغير مباشرة أسباب ، وقد يكون بوساطة
الأسباب ؛ لإحكام الابتلاء وإظهار العبودية ، ولله الأمر من قبل ومن بعد .
CON

Coo
ATECO
ذكر ما جاء من تسميات ابن عزوجل
مفتتحاً بحرف الظاء
ON
٣٦٩50000 00006
0000000
00000000
00

00
ArraTo
000000

ra
ذكر معنى (الظاهر) من أسماء الله عز وجل
لم نجدْ لله عزَّ وجلَّ تسميةً في أوَّلها طاءٌ غيرُ معجمةٍ ، ووجدنا في أوّلها ظاءً
معجمةً تسميةً واحدةً(١)؛ وهو: (الظاهرُ)؛ لقوله عزَّ وجلّ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ
وَاْأَخِرُ وَاُلَّهِرُ وَالْبَاِنُ﴾ [الحديد: ٣]، وهما من الأسماء المزدوجة، فلا يُطلَقُ عليه
اسمُ ( الظاهرِ) إلا مع ( الباطنِ )، وقد بيَّنا تفسيرَ ( الباطن ) قبلُ(٢)
فأما ( الظاهرُ ) فهو في اللغة على وجوهٍ :
أحدُها : أن يكونَ مأخوذاً من الظهور ؛ الذي هو البيانُ والوضوحُ
والانجلاءُ، وأن يكونَ العلمُ به ظاهراً بيِّناً(٣)
0000000
٥
ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: ٧]؛ أي:
ما يظهرُ من تصرُّفهم في معاشهم(٤
(١) كذا في جميع النسخ، ولعل الأوضح: ( ووجدنا تسميةً واحدة في أولها ظاء
معجمة ) .
(٢) انظر (١ / ٦٦٤ ).
(٣) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٣٨/٦).
(٤) انظر ((الغريبين)) (١٢١٢/٤)، وفي ((معاني القرآن)) للزجاج (١٧٨/٤): ( هذا
في مشركي أهل مكة، المعنى : يعلمون من معايش الحياة الدنيا ؛ لأنهم كانو يعالجون
التجارات ) .
حدو

Y
وفي الحديث : ذِكرُ قريشِ الظواهرِ ؛ وهم الذين نزلوا بظهور جبالٍ
الحرم ، والظواهرُ : أشرافٌ من الأرض(١).
وإنما قيل لهم : قريشُ الظواهرِ ؛ لبروزهم على الأشراف التي من نَظَرَ
[إليها] عرفَهم بها(٢)، وقريشُ البطاح: هم الذين وَطَّنُوا مكةً(٣)
وفي حديث عمر : أنه كتبَ إلى أبي عبيدةَ رضي الله عنهما : ( فاظهر
بمَنْ معك من المسلمينَ إليها)(٤) ؛ يعني : إلى أرضٍ ذكرَها ؛ أي : اخرجْ
بهم إلى ظاهر الأرضِ؛ لتكونوا بارزينَ للعدوِّ(٥)
والوجهُ الثاني : الظهورُ بمعنى الاطلاع على الشيء والعلم به، ومنه قولُهُ
عزَّ وجلّ: ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِ مِلَّتِهِمْ﴾
[الكهف: ٢٠]؛ أي: إن يطلعوا عليكم ويعلموا بكم ؛ يقال منه: ظهرتُ على
الأمر وعثرتُ ، بمعنى واحد(٦)
00000
(١) انظر ((الغريبين)) (١٢١٢/٤)، وفي ((تهذيب اللغة)) (٢٣٠/٤) عن ابن الأعرابي :
( قريشُ البطاح : هم الذين ينزلون بين أخشبَيْ مكة ، وقريشُ الظواهرِ : الذين ينزلون
خارج الشعبَ، وأكرمهما: قريشُ البطاح) .
(٢) أراد أشراف الأرض حول مكة ، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( إليهم) .
(٣)
انظر (( الغريبين)) (٤ / ١٢١٢).
(٤) رواه بنحوه الحاكم في (( المستدرك)) (٢٦٣/٣)، وذلك يومَ وقع الوباء بالشام ،
وعبارته في كتابه رضي الله عنه : ( فاظهرْ من أرضِ الأَرْدُنُّ ؛ فإنها عميقة وبيئة .. إلى
أرضِ الجابية ؛ فإنها نَزِهَةٌ نديَّة ) .
(٥) انظر (( غريب الحديث)) لابن سلام (٣٩٩/٣)، وسبق أنه كتب له بذلك خشية تفشي
الطاعون فيهم ، لا ليبرزوا للعدو .
(٦) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٣٩/٦)، و((الغريبين)) (١٢١١/٤)، وفي جميع النسخ
بعد قوله : ( وعثرت) زيادة : ( به ) ، ويأباها السياق .
٥٥٠00 ٣٧٢
CON

والوجهُ الثالثُ : الظهورُ بمعنى العلوِّ؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَمَا أَسْطَعُوْاْ
أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا أُسَتَطَعُواْ لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] ؛ أي: ما قدروا أن يعلوا عليه
لارتفاعه ؛ يقال : ظهر على الحائط والسطح؛ إذا علاه(١)
ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] (٢).
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَصْبَ حُواْ ظَِنَ﴾ [الصف: ١٤]؛ أي: عالينَ(٣).
وكذلك قولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]؛ أي:
يعلُونَ ، والمعارجُ: الدرجُ(٤)
وفي حديث عائشة رضي الله عنها : ( كان يصلي العصرَ في الحُجْرة قبل
أن تظهرَ الشمسُ)(٥)؛ يعني: قبل أن تعلو السطحَ(٦)
0000000
قال الجعديُّ(٧) :
[من الطويل]
بلَغْنا السماءَ مَجْدُنا وسناؤُنا وإِنَّا لنرجُو فوقَ ذلكَ مَظْهَرا
أي : مصعداً(٨).
(١) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٣٥/٦)، و((الغريبين)) (٤/ ١٢١٢).
(٢) انظر ((الغريبين)) (٤/ ١٢١٢).
(٣)
انظر ((الغريبين)) (١٢١٢/٤)، وعبارته: ( أي: غالبين عليه عالين).
(٤) انظر ((الغريبين)) (٤ / ١٢١٢).
رواه البخاري (٥٢٢)، ومسلم ( ٦١١ ).
(٥)
(٦)
انظر ((الغريبين)) (٤ / ١٢١٢ ) .
(٧) البيت لسيدنا النابغة الجعدي رضي الله عنه ، أنشده ضمن قصيدة بين يدي رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ورواه البزار كما في (( كشف الأستار)) (٢١٠٤)، والحارث
كما في ((بغية الباحث)) (٨٩٤)، وفيه: (وجدودُنا ) بدل ( وسناؤنا).
(٨) انظر ((الغريبين)) (٤/ ١٢١٢).
00000 ,٣٧٣ 00000

AVODANY.Y.
والوجهُ الرابعُ : الظهورُ بمعنى القهرِ والغلبةِ ؛ يقالُ : ظهر فلانٌ على
فلان؛ إذا قهرَهُ وغلبَهُ، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿الَّذِينَ لَّمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ
اُلِنِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]؛ أي: لم يبلغوا أن يُطبقوا إتيانَ النساء(١)
والوجهُ الخامسُ : الظهورُ بمعنى الإعانةِ على الشيء ؛ قال الله تعالى :
﴿وَكَنَ اَلْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٥]؛ أي: مُعيناً لأعدائه على أوليائه(٢)
وكذلك قولُهُ: ﴿تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِآلْإِثِ وَالْعُذْوَانِ﴾ [البقرة: ٨٥] ؛ أي :
تتعاونون(٣)
وكذلك قولُهُ: ﴿وَالْمَلَتِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]؛ يعني:
[ظُهَراءَ؛ أي: أعواناً] للنبيِّ صلى الله عليه وسلم(٤)
0000
ونظيرُهُ قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]؛ أي :
رُفَقاءَ (٥) ، قال الشاعرُ(٦):
إنَّ العواذلَ ليسَ لي بأمينٍ
[من الكامل]
(١) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٤٢/٤)، و((تهذيب اللغة)) (١٣٩/٦)،
و((الغريبين)) (١٢١٢/٤) .
(٢) وعبارة الهروي في ((الغريبين)) (١٢١١/٤): ( قال ابن عرفة : أي : مظاهراً
لأعداء الله على أوليائه ، فتلك إعانته ، وقال غيره : أي : معيناً ؛ لأنه عون للشيطان
على المعاصي ) .
(٣)
انظر ((الغريبين)) (٤/ ١٢١١).
(٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (ظهرٌ وأعوان)، وعبارة الهروي في (( الغريبين!
(١٢١١/٤): ( أي : ظُهَراء؛ أي: أعوان النبي صلى الله عليه وسلم).
(٥) انظر ((الغريبين)) (١٢١١/٤) .
(٦) أورده الثعلبي في (( الكشف والبيان)» (٧/ ١٥٣)، والأخفش في (( معاني القرآن »=
COR
700000 ٤ ٣٧ ٠٠٠٠٠

oo
COOOOK
أي : بأمناء(١)
والوجهُ السادسُ : قولُهم : ( ظهرَ عن كذا) ؛ إذا بانَ ولم يَعلَقْ به منه
شيءٌ(٢)
وفي الحديث : أن أهل الشام نادَوُا ابنَ الزبير بابن ذاتِ النطاقينِ ،
فقال : إيهِ والإللهِ ، ثمَّ تمثَّلَ بقول أبي ذؤيب (٣):
[من الطويل]
وعيَّرَها الواشونَ أَنِّي أحبُّها وتلكَ شَكاةً ظاهرٌ عنكَ عارُها
أي : لا يَعلَقُ بكَ، بل يَنْبُو عنكَ ويُرفَعُ منكَ ، وأراد ابنُ الزبير : أن
نطاقَها لا يَنْقُصُ منه، بل يَرفعُ منه، والشَّكاةُ: العيبُ والذمُّ ها هنا (٤)
فأما قولُهُ عزَّ جلَّ: ﴿ وَأَّخَذْ تُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] ففيه قولان:
أحدُهما : أنه أراد: رميتُم به وراءَ ظهوركم(٥) ؛ كقوله عزَّ وجلَّ:
00000
(٤٦٠/٢) بلا نسبة، والهروي في ((الغريبين)) (١٢١١/٤)، وفيها جميعاً:
( بأمير ) بدل ( بأمين ) ، وصدر البيت :
يا عاذلاتي لا تزدن ملامتي
وفي ((تهذيب اللغة)) (١٣٥/٦)، و((الصحاح)) (ظـ هـ ر): (لَسْنَ) بدل
( ليس ) .
(١) انظر ((الغريبين)) (١٢١١)، وفيه: ( أي: بأمراء) لمناسبة رواية أصل البيت.
(٢) يقال : بان عنه ؛ إذا فارقه، وعبارة الهروي الآتية تقتضي: ( نبا) بدل ( بان) .
(٣) انظر ((ديوانه)) (ص٦٤)، وخبر سيدنا ابن الزبير رواه البخاري (٥٣٨٨)، وليس فيه
ذكر الشطر الأول ، وفيه : ( إيهاً ) بدل ( إيه ) .
(٤) انظر ((الغريبين)) (١٢١٣/٤ ).
(٥) قاله الفراء. انظر (( معاني القرآن)) له (٢٦/٢)، وروى الطبري في ((تفسيره ))
( ١٥/ ٤٦٠) نحو هذا القول عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة.
RTD

﴿فَتَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
والثاني : أنكم اتخذتُمُ الرهطَ وراءكم ظِهِريّاً تستظهرون به عليَّ ؟! ذلكَ
لا ينجيكم من أمري(١)
يقالُ من ذلك : اتخذ فلانٌ بعيراً ظهريّاً ؛ أي : عُدَّةٌ ، ويرجعُ إلى معنى
القوَّة(٢)، وإنما سُمِّيَ ظهرُ البدن ظَهْراً، والظهرُ من الدوابِّ ظَهْراً .. لما
فيهما من القوَّة، ويقالُ: بعيرٌ ظَهِيرٌ؛ أي : شديدُ الظهر ، قويٌّ على
الرحلة .
وقولُهُ عليه الصلاةُ والسلامُ: (( خيرُ الصدقةِ ما كانَ عن ظهرٍ غِنىّ»،
قيل فيه : عن قوَّة الغنى(٣)
ood
وقال أيوبُ : معناه : ما كان عن فضلٍ عيالٍ (٤)
فإذا صحَّ ما قلنا في معنى الظاهرِ والظهورِ والظهرِ :
جاز أن يقال : إن الله عزَّ وجلَّ ( الظاهرُ ) على معنى القوّةِ والقويِّ من
أسمائه كما نذكرُهُ بعد هذا(٥) ، وعلى هذا يكونُ من صفاته الأزليّة ؛ لأن
قوَّتَهُ صفةٌ له أزليَّةٌ .
(١) نقله الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (١٣٤/٦) عن الفراء، وانظر ((الغريبين))
( ٤ /١٢١١ ) .
(٢) انظر ((تهذيب اللغة)) (٦ / ١٣٤).
(٣) انظر ((الزاهر)) للأزهري (ص ١١٢).
(٤) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٣٦/٦)، و((الغريبين)) (١٢١٣/٤)، وفي ( النهاية في
غريب الحديث)) (١٦٥/٣): ( أي: ما كان عفواً قد فضل عن غنىّ ، وقيل : أراد :
ما فضل عن العيال ) .
(٥) انظر (٢ / ٥٤٤) .
0000 ,٣٧٦

ويجوزُ أن يكونَ : هو ( الظاهر ) بمعنى القهرِ والغلبةِ ؛ لأنه هو الذي
قهرَ أعداءَهُ ، وقهرَ جميعَ الحيوانات بالموت والعجز ، فيكونُ على هذا
التأويل من أوصافه التي استحقَّها لفعله(١)
وقد جاء في تفسير هذا الاسم في مأثور الدعوات ؛ وهو قولُهُ: (( أنتَ
الظاهرُ فليسَ فوقَكَ شيءٌ، وأنتَ الباطنُ فليسَ دونَكَ شيءٌ))، ذكره
محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب (( الدعواتِ المأثورةِ عن النبيِّ
صلى الله عليه وسلم)»(٢)
وقد قيل : معناه : أنت الظاهرُ لذوي العقول بالدَّلالة المُشيرةِ إليه ،
والباطنُ عن الحواسِّ بمنعه إيّاها عن إدراكه(٣)
وقيل : الظاهرُ بفعله الدَّالِّ عليه ، والباطنُ باستحالة التشبيه بينه وبين
غيرِهِ .
O
وقيل : معناه : أنه العالمُ بظواهر الأمور والأشياءِ كلُّها ، والعالمُ ببواطن
الأشياءِ وأسرارِها (٤)
O
(١) وهو أحد قولي الإمام الأشعري كما في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص ٤٣ - ٤٤).
(٢) رواه ابن خزيمة في (( التوحيد)) (٢٦٥/١) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه ،
وقد تقدم أنه من رواية مسلم (٦٦٥/١) .
(٣) وهو القول الثاني للإمام أبي الحسن الأشعري في معنى الظاهر والباطن، انظر ((مجرد
مقالات الأشعري)) (ص٤٣ - ٤٤)، وعبارة الإمام الغزالي في ((المقصد الأسنى))
( ص ٢٧٠) : ( والله تعالى باطنٌ إن طلب من إدراك الحسِّ وخزانة الخيال ، ظاهرٌ إن
طلب من خزانة العقل بطريق الاستدلال ).
(٤) قاله الزجاج . انظر (( تفسير أسماء الله الحسنى)) له (ص٦١).
CON

وقيل : الظاهرُ في قلوب أوليائه ، والباطنُ عن قلوب أعدائه(١)
وقيل : ظاهرٌ لذوي الفهم ، باطنٌ عن ذوي الوهم .
والله سبحانه وتعالى أعلم .
0000000
(١) قاله ابن عطاء. انظر ((الكشف والبيان)) (٢٢٨/٩).
٠0000 ٣٧٨
COOoo

3
000
YO
0
D.
ذكر ما جاء من تسميات الله عز وجل
مفتحة بحرف العين
O
0000