النص المفهرس
صفحات 341-360
فإنْ منعَ وجودّ الخبر من النائم .. كذَّبهُ الحسنُّ ، فكيف ينكرُ الكراميُّ كلامَ النائم مع إجازة الكراميَّةِ وجودَ القول في الميّتِ؟!(١) وجادلني بعضُ الكراميَّة في هذا الباب بقولٍ لم يُسبَقْ إليه ؛ فزعم : أن الصدقَ : هو الخبرُ على الحقيقة، والكذبَ : يُتخيَّلُ في صورة الخبر وليس بخبرٍ . ولا ينفصلُ هذا القائلُ ممَّن عكس عليه ؛ فقال : الكذبُ : هو الخبرُ ، والصدقُ : يُتخيَّلُ في صورة الخبر وليس بخبر (٢) وقال آخرون : إن العلمَ هو الخبرُ لا غيرُهُ، وإنَّ من لم يعلم الشيءَ لم يكن مُخبِراً عنه وإن نطقَ بصيغة الخبر . ood هذا القائلُ قد زاد على الديصانيّة من الثنويَّة ؛ لأنها اشترطت العلمَ والقصدَ والحياةَ في الصدق دون الكذب ، وأجازت الكذبَ ممَّن لا علمَ له، وهذا القائلُ من الكراميّة زعم : أن الخبرَ كلَّهُ لا يُوجَدُ ممَّن لا علم له ، وكفى به خِزياً أن يكونَ الثنويُّ الديصانيُّ أقربَ منه إلى الصواب قولاً [ هل يجوزُ اجتماعُ الصدقِ والكذبِ في الخبرِ الواحدِ ؟ ] وإذا صحَّ ما قلنا في حدِّ الصدق والكذب .. فقد اختلفوا في جواز اجتماع الصفتينِ في خبرٍ واحدٍ : (١) انظر ((أصول الدين)) للمصنف (ص٢١٧)، وقال: (وهذه أقوالٌ خارجة عن إجماع المتكلمين قبلهم ، ولا يستحقُّ الكلام عليها ) . (٢) إذ الأصل والعكس لا دليل عليهما ، فهما مجرد دعوى . 00000 ٠ ٤ ٣ 00000 CON COOO فذهب الجمهورُ الأكثرُ : إلى استحالة كونِ خبرٍ واحدٍ صِدْقاً كَذِباً . وقال أصحابُنا : قد يصحُّ ذلك في مثال واحدٍ ؛ وهو أن رجلاً لم يكذب فقال : إني كاذبٌ .. [كان] هذا الخبرُ كذباً من وجهٍ ، وصدقاً من وجهٍ آخر (١) ؛ وذلك أنه إنما صار كذباً لأنه أخبرَ عن نفسه بأنه كاذبٌ وكان صادقاً ، فهذا الخبرُ هو الذي يكونُ صدقاً من وجهٍ ، كذباً من وجهٍ(٢) وقد ظنَّ بعضُ الأغبياء أن قولَ القائل : ( محمدٌ ومُسَيْلِمَةُ رسولانٍ ) من هذا القبيل ، وأنه صدقٌ في محمد صلى الله عليه وسلم ، وكذبٌ في مُسيلمةَ اللعين ، وهذا غلطٌ منه ؛ لأن المقصودَ من هذا الخبرِ الجمعُ بينهما في الرسالة ، ولمَّا لم يجتمعا فيها كان الخبرُ عن اجتماعهما فيها كَذِباً محضاً ليس في ضمنه صدقٌ(٣)، والله أعلم . (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( وكان ) . (٢) انظر ((أصول الدين)) للمصنف (ص٢١٧)، و((المحصول)) (٢٩١/٤)، و((الإحكام)) للآمدي (١٢/٢)، وهذه الجملة عندهما مثال للكذب ، وليس في الأخبار بين الصدق والكذب درجة ، ويفهم قصد المصنف بمثال آخر ؛ وهو قول الكاذب الذي لم يصدق قطّ : أنا كاذب ، غير أن هذا عند الإمام الرازي صدق قطعاً . (٣) فالرسالةُ منتقضةٌ في مسيلمة ، فوقع الجزم بكذب الخبر في حقه ، وعبارة الإمام الرازي في ((المحصول)) (٢١٩/٤): ( قوله: (( محمد ومسيلمة صادقان )) خبرانٍ وإن كانا في اللفظ خبراً واحداً ؛ لأنه يفيد إضافة الصدق إلى محمد عليه الصلاة والسلام وإلى مسيلمة ، وأحد الخبرين صادق ، والثاني كاذب . سلمنا أنه خبرٌ واحد ، للكنه كاذب لأنه يقتضي إضافة الصدق إليهما معاً ، وليس الأمر كذلك ، فكان كذباً لا محالة ) . الفصل الرابع في وجوب وصف الله تعالى بالصدق وبيان إحالة الكذب عليه اختلفوا في وصفِ الله عزَّ وجلَّ بالصدق لاختلافهم في وصفه بالكلام والقولِ : فزعم معمرٌ : أن وصفَ الله عزَّ وجلَّ بأنه متكلُّمٌ مجازٌ ؛ لأن القرآنَ عندَهُ كلامُ الجسمِ الذي يوجد فيه وفعلُهُ ، وبناهُ على أصله في دعواه : في أن الله عزَّ وجلَّ لم يخلق شيئاً من الأعراض والمعاني والصفاتِ ، وإنما خلقَ الأجسامَ ، ثمَّ خَلقَتِ الأجسامُ الأعراضَ ؛ إما طِباعاً، وإما اختياراً(١). ولأجل هذا المذهبِ زعم : أنه ليس القرآنُ صفةً قائمةٌ بالله عزَّ وجلَّ ، كما يقولُهُ من يقولُ: إن القولَ يقومُ بالقائل ، ولا من فعلِ الله عزَّ وجلَّ ، كما قالَهُ إخوانُهُ من القدريَّةَ(٢)، وللكنه من أفعال الطبيعة التي حلَّ فيها . فعلى هذا المذهبِ لا يجوزُ أن يقالَ : إن الله نهى أو أمرَ بكذا، أو أخبرَ عن كذا ، اللهمَّ إلا أن تقولَ : إنه أمر عبادَهُ من طريق العقول ، كما ذهبت (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥١٦ - ٥١٧). To (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥٨٢)، على أن كلامه سبحانه من متعلقات قادريته عندهم . CO٥٢ ٣٤٢ ٠٠٥ 000 XY.PAYO إليه أكثرُ البراهمة في قولها : إن الله عزَّ وجلَّ قد كلَّفَ العبادَ ما دلَّ عليه العقلُ ؛ من وجوب معرفتِهِ وشكرِهِ على نعمه ، ولم يكلّفهم بأمرٍ هو قولٌ ، ولا أرسل إليهم رسولاً ، ولا كلَّفهم شيئاً من أحكام الشرائع التي أتت بها الرسلُ (١) فإن أراد مَعْمرٌ هذا الوجهَ من التكليف .. امتنعَ ذلك عليه ؛ من حيث إن العقلَ عندَهُ ليس من فعل الله عزَّ وجلَّ ، وكان يقولُ : ليس في خلق السماواتِ والأرضِ ، واختلافِ الليلِ والنهارِ ، ولا في إحياء الموتى ، وإبراءِ الأكمه والأبرصِ ، وإنزال الماء من السماء .. دَلالةٌ على الله عزَّ وجلَّ ، ولا بشاهدٍ على وحدانيَّهِ ؛ لأنه لا يدلُّ عليه ما ليس من فعله ، فلا يمكنُهُ أن يقولَ : كلَّفهم بالعقول ، مع قوله : بأن العقلَ ليس من فعله ! والبراهمةُ وإن أنكرت الشرائعَ والنبؤَّاتِ .. فقد أقرَّت بأن العقلَ من فعل الله عزَّ وجلَّ ؛ فإنه إنما خلقَهُ دَلالةً على توحيدِهِ وقدمِهِ وعدلِهِ وحكمتِهِ ، ومَعْمٌ خارجٌ عن هذا القولِ ، فقد خرج عن ملَّةِ الإسلام ، ولم يَلحقْ بالبراهمة! فإما أن يكونُ دهريّاً محضاً، وإما أن يكونَ متحيِّراً مبهوتاً . 00 على أنه لو كان قولُهُ كقول البراهمةِ في الاقتصار بالتكليف على العقول دون الشرائع .. لكان في ضمنه تعطيلُ النبوَّاتِ والشرائع ، وما أراه قصدَ غيرَهُ، وللكنه كنَّى عنه : بأن الله عزَّ وجلَّ ليس له قولٌ قائمٌ به ، ولا قولٌ هو فعلُهُ . (١) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص١٢٦، ١٤٤). وذهب الباقون من الأمَّة : إلى إثبات كلام الله ، وإثباتٍ كونِهِ صادقاً في خبره ، وإثباتِهِ آمراً ناهياً مُخبِراً صادقاً في إخباره عن جميع ما أخبرَ عنه ، إلا أنهم اختلفوا في قيام كلامِهِ به : [ اختلافُهم في قيامِ الكلامِ بذاتِهِ سبحانَهُ ] فقال أصحابنا : إن كلامَهُ صفةٌ قائمةٌ به أزليَّةٌ هي قولُهُ، وهي أمرُهُ ونهيُهُ وخبرُهُ(١) وزعمت الكراميَةُ : أن قولَهُ عرضٌ حادثٌ في ذاته ، مع قولهم : بأنه لم يزل قائلاً بقائليّةٍ هي قدرتُهُ على القول . 00000 وفرَّقت بين الكلام والقولِ فقالت : الكلامُ هو القدرةُ على القول ؛ كالقائليَّة(٢)، فالكلامُ أزليٌّ، والقولُ حادثٌ، والله سبحانه لم يزل مُتَكلِّماً قائلاً ، وكلامُهُ قديمٌ ، وقولُهُ حادثٌ في ذاته ، وهو محلٌّ للحوادث ؛ من القولِ ، والإرادةِ ، والمماسَّةِ ، والتسمُّع ، والتبصُّرِ ، كما حكيناه عنهم قبل هذا (٣) (١) انظر ((اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع)) (ص٤٣ - ٤٤)، و((مقالات الإسلاميين)) (ص٥٨٤ ) ، ثم صيغُ الاستخبار - وهو رابع أقسام الكلام عند قدماء المتكلمين - في كلامه سبحانه كلُّها متأوَّلة ؛ إذ حقيقة الاستخبار مستحيلة على القديم العليم . (٢) إذ الكلام عندهم ذاتٌ قابلة لإحداث القول فيها ، ولا تزال الحشوية تأخذ بهذا المذهب . (٣) انظر (٤١٧/١) وما بعدها . AYOTAC.Y وزعمت القدريَّةُ غيرَ مَعْمرٍ : أن كلامَ الله عزَّ وجلَّ حادثٌ ، وهو فعلٌ من أفعاله(١) واختلفوا في محلِّ كلامه(٢) ، بعد إجماعهم : على أنه لا يجوزُ أن يكونَ الإللهُ محلّاً لشيء من الحوادث : فزعم جمهورُهم : أن الله عزَّ وجلَّ أحدث كلامَهُ في جسمٍ ، فصار به مُتَكلِّماً آمراً ناهياً مُخبِراً مُخاطِباً ، ولم يَزد إلى ذلك الجسم الذي هو محلٌّ كلامِهِ شيئاً من أوصافه أكثرَ من كونه محلّاً لكلام الله عزَّ وجلَّ (٣) وزعم أبو الهذيل العلَّافُ: أنه خلق جميعَ كلامِهِ في جسمٍ ؛ إلا قولهُ للشيء ( كن ) فإنه خلقَهُ لا في محلّ (٤) وزعم النجَّارُ : أن كلامَ الله فعلُهُ ، فإذا خلقَهُ قراءةً لقاري كان عرضاً ، وإن أحدثَهُ كتابةً في جسم كان جسماً(٥) وكلُّ من قال بحدوث كلام الله عزَّ وجلَّ من القدريّة والنجَّارِيَّة .. فإنه لا يُثبِتُ له في الأزل خبراً صدقاً ولا كذباً . وأما أصحابنا فأجمعوا : على أن كلامَ الله عزَّ وجلَّ أزليٌّ ، وأنه لم يزل مُتَكلِّماً . انظر (١/ ٥١٦ ). (١) المختلفون هم القدرية المعتزلة هنا (٢) (٣) انظر (( شرح الأصول الخمسة)) (ص٥٤١). (٤) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٣٦٣). (٥) انظر (( مقالات الإسلاميين)) (ص٢٨٤). ٥ ٠٠٠٠٥٠٣٤:pobo MC100 ـ٢ 00000 OO [ هل الصدقُ صفةٌ أزليةٌ لهُ سبحانَهُ أو هى مِنْ صفاتِهِ الفعليّةِ ؟ ] واختلفوا في وصفه بالصدق : هل هو من صفاته الأزليّة ، أم مِنْ صفاته الفعليّة التي استحقّها عند وجود بعضٍ أفعالِهِ ؛ لاختلافهم في جواز خطاب المعدوم : فمن أجازه - وبه قال أبو الحسن الأشعريُّ - قال: إن الله عزَّ وجلَّ لم يزل مُخبِراً صادقاً(١) ومن لم يُجِزْ منهم خطابَ المعدوم قال : إن كلامَهُ لم يزل موجوداً ، ولم يزل هو مُتكلُّماً به ، إلا أن ذلك الكلامَ لم يكن في الأزل أمراً ولا نهياً ولا خبراً، وإنما صار أمراً نهياً خبراً عند وجودِ المُخاطَبينَ وإسماعِهِمُ الخطابَ ، وبه قال أبو العباس القلانسيُ(٢) 00 وليس يجوزُ على هذا المذهبِ أن يقالَ: إنَّ خبرَهُ حادثٌ ، ولا إنّ صدقَهُ حادثٌ ؛ لأن صدقَهُ وخبرَهُ كلامُهُ ، وكلامَهُ أزليٌّ ، ولكنه يقال : إن كلامَهُ صار خبراً وصدقاً عند وقوع الإسماع ، وصار هذا كما تقولُ : إن الله عزَّ وجلَّ صار خالقاً عند وجودِ الخلقِ(٣) ، ولا تقولُ: إن الخالقَ حادثٌ. (١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٦٥)، وتقدم (١٥٩/١) أنه تعالى لم يزل واصفاً لنفسه بكلامه وإخباره عن نفسه ، وأنه لم يزل مسمِّياً نفسه . (٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) ( ص٦٦ - ٦٧ ). (٣) أراد : على الحقيقة، وإلا فلا خلاف أنه تعالى خالقٌ في الأزل على معنى الوصف والتسمية لنفسه بذلك ، وتقدم للمصنف تقرير ذلك (١٥٩/١) . ٥٧٨TU [ استحالةُ الكذبِ في كلامِهِ سبحانَهُ ] وهذان الفريقانِ من أصحابنا : متفقانٍ على استحالة الكذب على الله عزَّ وجلَّ ، إلا أنهما اختلفا في طريقِ استحالتِهِ : فذهب القلانسيُّ إلى التقبيح والتحسينِ من جهة العقل ، وقال : الكذب نقصٌ من جهة العقول(١) ، والنقائصُ مستحيلةٌ على الله عزَّ وجلَّ ، كما أن الجهلَ نقصٌ والعلمَ مدحٌ ، والعجزَ نقصٌ والقدرةَ مدحٌ ، فإذا استحال وصفُهُ بالجهل والعجز، ووجب وصفُهُ بضدِّهما ؛ وهما العلمُ والقدرةُ .. كذلك لمَّا كان الصدقُ مدحاً والكذبُ ذمّاً وجب وصفُهُ بالصدق ، واستحال وصفُهُ بالكذب . وقال أبو الحسن الأشعريُّ : إن الكذبَ إنما استحالَ عليه من جهة أن الصدقَ من صفاته الأزليَّةِ ، وكلُّ صفةٍ أزليَّةٍ .. استحال وصفُهُ بأضدادها التي هي الجهلُ والعجزُ والموتُ(٢) 0 (١) لأن الكاذب إنما يكذب للضرورة، والضرورة في حقه تعالى محالةٌ ، أو يكذب لفائدة ، والفائدة بل تعليل أفعاله تعالى من المحال أيضاً ، أما المعتزلة فالكذب قبيحٌ لذاته عندهم ، وهو تعالى عالم بقبحه ، فيستحيل أن يفعله . انظر ((مفاتيح الغيب)) (١٥٣/٣)، وبقول الإمام القلانسي قالت الماتريدية من أهل السنة ، والفرق بين أهل السنة والمعتزلة : أن المعتزلة يقولون بقدرة الله تعالى على خلق كذب منسوب إليه ، إلا أنه لا يفعله لعلمه بقبحه ، وأهلَ السنة يقولون بأن الكلام صفة قائمة به تعالى ، وليس للقدرة عُلْقة به . (٢) يعني: لأنه إن اتَّصف بالصدق والكذب معاً، وصفاته تعالى أزلية الرتبة .. لزم اجتماع الضدين ، فلما ثبت وصفه بالصدق استحال بالضرورة وصفه بالكذب ، وقد تابع الإمام= وقال أيضاً : إن وصْفَ البارئ عزَّ وجلَّ بالقدرة على كذبٍ يصيرُ به كاذباً .. محالٌ، وإن كان هو الذي يخلقُ كذبَ الكاذبينَ ، كما أن وصفَهُ بالقدرة على موتٍ أو عجزٍ أو حركةٍ يصيرُ هو به ميّاً أو عاجزاً أو متحرِّكاً .. محالٌ ، وإن كان هو الذي يخلقُ موتَ الأموات وعجزَ العجزة وحركاتٍ المتحرِّكاتِ(١) والعلَّةُ في ذلك كلِّهِ: أن كلَّ صفةٍ أزليَّةٍ .. يستحيل وصفُهُ بضدها ، أو بالقدرة على أن يخلُقَ لنفسه ضدَّها(٢)، وإن قدر على خلق ضدِّها لغيره . وكلُّ ما استحال وصفُهُ بالقدرة عليه استحالَ وصفُهُ بالعجز عنه ؛ لأن ما يستحيلُ كونُهُ مقدوراً له استحال كونُهُ معجوزاً عنه . فهذا قولُ أصحابنا في وجوب صدق البارئ عزَّ وجلَّ في خبره ، وفي إحالة الكذب عليه (٣) 0000 = الباقلانيُّ الأشعريّ في هذا المسلك؛ فقال في (( تمهيد الأوائل)) (ص٣٨٦): ( أما الكذب فلا يجوز عليه ، لا لأنه يستقبح منه فحسب ، وللكن لأن الوصفَ له بأنه صادقٌ من صفات نفسه ، ومن كان صدقُهُ من صفات نفسه استحال عليه الكذب ) ، ثم قال : ( وليس وجه إحالة هذه الأمور عليه لأجل القبح فقط ، للكن لاستحالتها عليه بأدلة العقول ) . (١) انظر (( اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع)) (ص ٩٠، ١١٨). (٢) بل لا يتصور صفة له مخلوقة أصلاً؛ إذ المخلوق ممكن ، وهو سبحانه لا يوصف بالممكن في ذاته ، وإنما قوله هنا مجاراة للخصم . (٣) قال حجة الإسلام الغزالي في ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص ٣٥٠): ( الكذب مأمون عليه ؛ فإنه إنما يكون في الكلام ، وكلام الله تعالى ليس بصوت وحرف حتى يتطرّق إليه التلبيس ، بل هو معنىّ قائمٌ بنفسه تعالى، فكلُّ ما يعلمه الإنسان يقوم بذاته خبرٌ عن معلومه على وفق علمه ، ولا يتصور الكذب فيه ؛ فكذلك في حق الله تعالى ، وعلى= CHON [ اختلافُ القدريةِ في صفةٍ صدقِهِ سبحانَهُ وتعالى ] واختلفت القدريّةُ في وصف الله عزَّ وجلَّ بالصدق : فزعم جمهورُهم : أن صدقَهُ من صفات فعلِهِ ، وأنه لم يكن في الأزل صادقاً، وإنما صار صادقاً حين أحدث صدقَهُ(١) ، وهو قادرٌ على أن يفعل كذباً يصيرُ به كاذباً، إلا أنه لا يفعلُهُ؛ لعلمه بقبحه ، وغناهُ عنه، وعلمِهِ بغناهُ عنه (٢) وزعم قومٌ منهم : أن الله عزَّ وجلَّ لم يزل صادقاً ؛ على معنى نفي الكذب ، وهذا قولُ واحدٍ منهم يُعرَفُ بمحمد بن علي المكيِّ(٣) 00 وذهب النظّامُ منهم : إلى أن صدقه من صفات فعله ، غير أنه لا يوصف بالقدرة على ضده الذي هو الكذب(٤) ومن أجاز منهم أن يكون قادراً على كذبٍ يصيرُ به كاذباً .. يلزمُهُ على الجملة : الكذب في كلام النفس محال ) . = (١) وعزاه الإمام الأشعريُّ في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥٨٠) إلى المعتزلة وكثير من أهل الكلام . (٢) قال الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥٥٥) بعد نقله هذا القول عن أبي موسى المردار وأكثر المعتزلة : ( وهذا الكلام قبيحٌ لا يَحسنُ إطلاقُهُ في رجل من صلحاء المسلمين ، فكذلك لا يُطلَقُ في الله عزَّ وجلَّ ) . (٣) في مطبوع ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٥٨٠): ( وحُكيَ عن جعفر بن محمد بن علي رضوان الله عليهم أنه كان يزعم : أن الله لم يزل صادقاً بنفي الكذب ) ، وهذا القول يجعل الصدق من صفات السلوب . (٤) ووافقه على ذلك أبو علي الأسواريُّ والجاحظُ وغيرهما. انظر ((مقالات الإسلاميين)) ( ص٥٥٥ ) . ٣٤٩٠٥٥٥ ٥٠٠٠٥ io Oo 000 هذا المذهب : ألا يأمنَ من وقوع الكذب منه . وقولُهُ : (وإن قدرَ عليه فإنه لا يفعلُهُ ؛ لعلمه بقبحه ، وغناهُ عن فعله ) لا ينجيه من تجويز وقوعِهِ منه ؛ لأنه وإن كان عالماً غنيّاً فقد يكونُ غيرُهُ محتاجاً إليه ، فيلزمُهُ إجازةُ وقوعه منه لأجل حاجةٍ غيره إليه ؛ إذ قد تكونُ حاجةُ العبد إلى الشيء عندَهم علَّةً لحسن ذلك الشيء من الله عزَّ وجلَّ (١) ولأنه يصحُّ عندهم : أن يفعلَ الله عزَّ وجلَّ الإرادةَ ابتداءً من غير اختيار لها ، فما يؤمنُهم من أن يفعلَ الكذبَ ابتداءً من غير اختيار منه؟!(٢) وقد شرطوا : أنه لا يختارُ الكذبَ مع علمه به وغناهُ عنه ، فما أنكروا من أن يفعلَهُ ولا يختارَهُ ؛ كما فعل إرادةَ نفسه ولم يخترْها ؟! ولأنه إذا جاز منه أن يختارَ ما لا يقعُ لغيره فيه [نفعٌ] ، ولا يستحقُّ به مدحاً ؛ كعقاب أهل النار في غير دار التكليف إذا كان مقدوراً له .. يصحُّ أن يختارَهُ وإن لم يكن فيه مدحٌ ، ولا لغيره فيه نفعٌ . ولو كان لا يصحُّ منه أن يختارَ القبيحَ والكذبَ لعلمه بقبحه وغناهُ عنه .. لكان لا يصحُّ أن يختارَ ما لا يستحقُّ به مدحاً عليه ، ولا يكونُ فيه نفعٌ لغيره ، مع علمه بالحال فيه . ولأنه لو قَدَرَ على كذبٍ يصيرُ به كاذباً ، وكان إنَّما لا يفعلُهُ لعلمه بقبحه وغناهُ عنه .. لجرَتْ هذه العلَّةُ منه مَجْرى الإلجاء إلى تركه ؛ إذا علم ما استحقَّهُ على فعله من الذمِّ والسَّفهِ الذي يُوجِبُ خروجَهُ عن وصف (١) وهم قائلون بأن أفعال الله معللة بمصالح العباد. انظر (٢/ ٦٤). (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٤٢٠). 05000٣٥٠٫٠٠٠٠ الإلهيّةِ ، وكان يكونُ تركُهُ للكذب مخافةً الخروج من الإلهيّة ، وذلك يُوجِبُ أن يكونَ تاركاً لدفع الضرر عن نفسه ، أو لإبقاء صفة الإلهيّة على نفسه! وهذا في الحقيقة اجتلابُ نفع ودفعُ ضررٍ ، وكلاهما مستحيلٌ على الله تعالى . وفي ذلك دلالةٌ : على إيطال كونه قادراً على كذب يكونُ به كاذباً . ولأن كلَّ ما يكونُ وصفُهُ به يؤدِّي إلى عَوْدِ نقصٍ عليه .. فوصفُهُ بالقدرة عليه وبالعجز عنه محالٌ ؛ كالقدرة على جهلِ وحركةٍ يصيرُ بها جاهلاً متحرِّكاً . ولأنه لو كان الكذبُ مقدوراً له على وجهٍ يصيرُ به كاذباً، ولزمَهُ تركُهُ لعلمه بقبحه وغناهُ عنه، وكان هذا التركُ واجباً عليه لهذه العلّةِ .. لم يكن بتركه مستحقّاً لمدح ؛ لأنه حينئذٍ يكونُ بمنزلة الواحد منّا إذا ترك ما يقبحُ منه ، فلا يستحقُّ على غيره شكرَهُ على تركه ، [ولجاز] أن نستحقَّ نحن على ربّنا أن يشكرَنا إذا تركنا ما يقبحُ منًا!(١) وفي هذا كلَّهِ دَلالةٌ لذوي العقول : على أن وصفَ البارئ عزَّ وجلَّ بالصدق إنما يصحُّ على أصولنا ؛ في قولنا : إن صدقَهُ من صفاته الأزليّة التي يستحيلُ خلافُها عليه ، وعلى أنه لا يصحُّ وصفُهُ بذلك على أصول القدريّة ، كما بيَّنَّاهُ قبل هذا ، والله أعلم . (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( ولو جاز) . X الفصل الخامس في بيان أقسام الصادقين اعلمْ : أن الصادقينَ في القرآن والشريعة على خمسة أقسام : أحدُها : الصادقُ الأزليُّ ربُّ العالمينَ ، وهو الذي يستحيلُ عليه الكذبُ ؛ لأن صدقَهُ صفةٌ له أزليَّةٌ يستحيل عدمُها ، على ما بيَّنَاهُ قبل هذا(١) oo والقسمُ الثاني : الصادقون ؛ المرادُ به : جميعُ الأنبياء عليهم الصلاةُ والسلامُ؛ وذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لِسَسْئَلَ الصَّدِّقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨] ؛ قال مقاتلُ بن سليمان : معناه : أنه يسألُ النبيِّينَ عن صدقهم في أنهم بلَّغوا الرسالةَ إلى قومهم (٢) نظيرُهُ في سورة ( المائدة ) قولُهُ عزَّ وجلَّ : ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [الآية: ١١٩]؛ يعني: النبيِينَ(٣)، ولم يُرِدْ به كلَّ صادقٍ؛ لأن الكافرَ الذي يقول: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا﴾ [السجدة: ١٢]، وكلَّ من يعترفُ بذنبه في الآخرة .. يكونُ صادقاً في اعترافه ، (١) انظر (٣٤٦/٢). (٢) انظر ((تفسيره)) ( ٤٥٧/٣) . (٣) قال مقاتل في ((تفسيره)) (٥٢١/١): ( يعني: النبيين بما قالوا في الدنيا) . ٣٥٢,٠٠٠٥٥ 100000 CON a لا ينفعُهُ صدقُهُ إن كان في الدنيا كافراً . والقسمُ الثالثُ : ذكر الصادقينَ ، وأراد به : المهاجرين خاصَّةً ؛ وذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ في سورة ( الحشر ): ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾ [الآية: ٨]؛ معناه: أنهم صادقونَ في طاعاتهم وإيمانهم. والقسمُ الرابعُ : ذكرُ الصادقينَ في القرآن ، والمرادُ به : جميعُ المؤمنين ؛ وذلك قولَهُ عزَّ وجلَّ في سورة ( الأحزاب ): ﴿لِيَجْرِىَ اللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الآية: ٢٤]. ٥ والقسمُ الخامسُ : ذكرُ الصادقينَ في القرآن ، والمرادُ به : النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليّ [والمهاجرون] رضي الله عنهم أجمعين(١) ؛ وذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ في سورة ( براءة): ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾ [الآية: ١١٩]؛ يعني: مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم ومن تبعَهُ من أصحابه الأوَّلين . 0 [ عصمةُ الأنبياءِ والملائكةِ مِنَ الكذبِ ] ووصفُ النبيِّ بالصدق من الواجبِ في نبؤَّته . ومن مذهبنا : أن الله عزَّ وجلَّ قد عصم أنبياءَهُ عن الكذب ، وما أقدرَهم إلا على صدقٍ أو طاعةٍ أو فعلٍ مباح بعد ثبوت نبؤَّاتهم ، وكلَّ ما وقع من (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( المهاجرين ). واحد منهم من خطأ .. فإنما كان ذلك قبلَ النبوّةِ (١)، وقدرتَهم على المعصية والكذبِ محالٌ مع وجود قدرتهم على الطاعةِ والصدقِ(٢)، وهو تحقيقُ (٣) عصمتهم وكذلك القولُ في عصمة الملائكةِ عندنا ؛ لأنهم قادرون على الصدق والطاعة ، غيرُ قادرين على شيءٍ من المعاصي والكذب (٤) وزعمت القدريَّةُ : أن الأنبياءَ قدَرُوا على الكذب والظلم ، كما قَدَرُوا على الطاعة والصدق ، وبنوهُ على أصلهم : أن القدرةَ على الشيء قدرةٌ على جنس ضدِّهِ(٥)، وهذا يؤدِّي إلى إبطال كونهم معصومينَ(٦) فإن قالوا : معنى كونهم معصومينَ : ما وقع لهم من البيان والدعاء إلى الدِّين ، وما سمَّعوهُ من الزجرِ والوعدِ والوعيدِ ، وما رزقَهم اللهُ من الألطاف الداعية إلى الإيمان والطاعة . 000 قيل : هذا كلُّهُ لا تخصيصَ فيه على مذاهبكم ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ قد pO (١) وعبارة المصنف في (( أصول الدين)) (ص١٦٨): ( وأما السهو والخطأ فليسا من الذنوب ، فلذلك ساغا عليهم ) ، فلم يقيده هناك بما قبل النبوة ، ولعله حمل الخطأ هنا على الذنب ، هذا هو الظاهر ، والله أعلم . (٢) لاستحالة اجتماع الضدين ، فهم موفقون على الدوام. (٣) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٢٦، ١٥٨، ١٧٦). (٤) انظر (( مجرد مقالات الأشعري)) ( ص١٢٦ ). (٥) انظر (( شرح الأصول الخمسة)) (ص٣٩٦) وما بعدها . (٦) على سبيل الإلزام ، وإلا فهم مقرُّون بعصمة الأنبياء ، على تفصيل عندهم . انظر (( شرح الأصول الخمسة)) (ص ٥٧٤ - ٥٧٥)، و(( أصول الدين)) للمصنف ( ص ١٦٨) ، وبه تعلم : أن عصمة الأنبياء من الذنوب عند المعتزلة ليست من عند الله تعالى ، بل هم عصموا أنفسهم . DO000 ٤ ٣٥, 00000 فعل جميعَ ذلك بجميع المكلّفينَ ، فأين وجهُ التخصيص منهم بالعصمة عن الكذب مع قدرتهم عليه ؟! وفي هذا أيضاً : بيانُ وصفِ الأنبياء عليهمُ الصلاةُ والسلامُ بالصدق والعصمةِ عن الكذب .. إنما يصحُ على أصولنا دون أصول القدريَّة ، والحمدُ لله على ذلك . Or S OC 0 O PAY.rS DO OO000 Y 000 ذكر ما جاء من أسماء الله عز وجل في أوله الضاد أحمر ٥ ـر Coo O Tratoraro CAYO O 0 O OOOO OC ذكر معنى (الضار) من أسماءالله عزوجل ما وجدنا لله عزَّ وجلَّ في الكتاب والسنة تسميةً في أوَّلها ضادٌ غيرَ قوله : «الضارُّ النافعُ))(١) وهو من الأسماء المزدوجة التي لا تُفْرَدُ بالذكر ، بل يُقرَنُ بـ (النافع ) ؛ فيقال : ( الضارُّ النافعُ)، كما يقال : ( الخافضُ الرافعُ) على الجمع بينهما في الذكر ، وكذلك : ( المانعُ الجامعُ )(٢)، و(القابضُ الباسطُ )، ونحوُ ذلك(٣) و( الضارُّ ) في اللغة له معنيان : أحدُهما : على الضرر ، والله عزَّ وجلَّ هو الخالقُ لأنواع الضرر ، كما أنه سبحانَهُ هو الخالقُ لأنواع النفع ووجوهِ المنافع كلّها ، لا خالقَ غيرُهُ ، ولا مخترعَ سواه (٤) (١) انظر تخريجه (١ / ٤٤٧ -٤٤٨ ) . (٢) كذا في جميع النسخ، ولو قابله بـ ( المعطي) بدل ( الجامع) لحَسُنَ أيضاً . (٣) وقد تقدم الحديث عن ذلك تعليقاً (٦٦٤/١)، وانظر ((تفسير أسماء الله الحسنى)) للزجاج ( ص٦٣)، و(( شأن الدعاء)) (ص٩٤ ) . (٤) انظر ((المقصد الأسنى)) (ص ٢٩٠)، وقال: ( وكل ذلك منسوب إلى الله تعالى : إما بواسطة الملائكة والإنس والجمادات ، أو بغير واسطة ) . Doto ٣٥٩ coo00