النص المفهرس

صفحات 301-320

2
ذكر معنى (الشاكر) و (الشكور)
من أسماء الله عز وجل
يقعُ في تفسير هذينِ الاسمينِ فصلانٍ :
أحدُهما : في بيان معناهما ، ومعنى ( الشكر ) في اللغة .
والثاني : في بيان معنى ( الشكرِ) [على مذاهب المتكلِّمين](١) ، وبيان
ما يقعُ عليه الشكرُ ، وبيان من يصحُّ على مذهبه شكرُ الله عزَّ وجلَّ .
وسنوضَّح كلَّ واحدٍ منهما بما يقتضيه شرطُهُ إن شاء الله عزَّ وجلَّ .
(١) ما بين المعقوفين زيادة من عنوان الفصل الثاني الآتي قريباً.
DLY

الفصل الأول
في بيان معنى (الشكر) و (الشاكر) في اللغة
قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾ [فاطر: ٣٤]؛ قال ابن
عرفةَ : يغفرُ السيِّئَات ويشكرُ الحسنات(١)
وقال غيرُهُ : الشَّكورُ في صفات الله عزَّ وجلَّ معناه : أنه يزكو عنده
القليلُ من أعمال العباد ، فيضاعِفُ لهم الجزاءَ(٢)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢]؛ [قال] الفرَّاء(٣):
( كلامُ العرب : شكرتُ لك وشكرتُكَ، ونصحتُ لك ونصحتُكَ ، والفصيحُ
هو الأوَّل )(٤)
0000000
000000
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَا نُرِيِّدُ مِنْكُمْ جَزَآءٍ وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]، والشُّكُور :
جمع شُكْر، وكذلك الكُفُور بضم الكاف والفاء : جمع كُفْر ، وقد يكونان
مصدرينٍ ، قاله الأخفش(٥)
(١) انظر ((الغريبين)) (١٠٢٣/٣)، وابن عرفة : هو المعروف بنفطويه.
(٢) انظر ((الغريبين)) (١٠٢٣/٣).
(٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( وقال ) بدل ( قال ) .
(٤) انظر ((معاني القرآن)) له (ص ٩٢ ).
(٥) انظر ( معاني القرآن)) له (٥٦٠/٢).
1210100000 . 1700000

Y.EGXY ax
والشُّكْرُ : هو الثناءُ باللسان للعارفة (١) ، ومعرفةُ الإحسان من المحسِنِ
بالقلب(٢)
وفي الحديث: (( مَنْ أَوليَ إليهِ نعمةٌ فليشكرْها)»(٣)؛ أي: فلينشرها (٤)
قال القُتَييُّ: ( الحمدُ: الثناءُ بالآلاء، والشكرُ : الثناء بالنعماء )(٥)
وقد يكون الشُّكرُ بمعنى: النموِّ والزيادةِ ، ومنه قولُ العرب في أمثالها :
( أشكرُ من بَرْوَقَةٍ ) ؛ وهي شجرةٌ تنمو وتخضرُ بالسحاب من غير مطر(٦)
والشَّكَرُ بفتح الشين والكاف: الامتلاءُ، وفي حديث يأجوج ومأجوجَ: ((وإنَّ
دواتَّ الأرضِ تسمنُ وتشْكَرُ شَكَراً مِنْ لحومِهم)»(٧) ؛ أي : تمتلئ من لحومهم ؛
يقال : شَكِرَتِ الدابَّةُ تَشْكَرُ شَكَراً؛ إذا امتلأ ضَرعُها لبناً ، وشاةٌ شَكْرى(٨)
والشكيرُ : النبْتُ الذي ينبتُ في أصلٍ نبتٍ قد زكا وأفرخ ؛ قال عمر بن
Y EcoCCOc CUECCECCO
(١) العارفة: المعروف؛ وهو كل ما تعرفه النفس من الخير وترتاح إليه. انظر ((تهذيب
اللغة)) (٢ / ٢٠٨) .
(٢) انظر ((الغريبين)) (١٠٢٣/٣)، وعبارته: ( الشكر : الثناء باللسان للعارفة مأتاها،
وقال غيره - يعني : غير ابن عرفة - : الشكر : معرفة الإحسان والتحدث به ) .
(٣) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٣٧٦) من حديث سيدنا عبد الله بن عمر
رضي الله عنهما، وفيه : ( أُزِلَّتْ ) بدل ( أولي ) ، ومعنى ( أزلت ) : أسديت إليه ،
واصطنعت عنده .
(٤) ومعنى (فلينشرها): فليتحدَّث بها. انظر ((الغريبين)) (١٠٢٣/٣).
(٥) انظر ((غريب القرآن)) له (ص١٩)، والآلاء : النعم المتوالية ، أو العظيمة ، وكأنه
أراد هنا العامة؛ ليصحَّ التفريق بين الحمد والشكر .
(٧) رواه الترمذي (٣١٥٣)، وابن ماجه (٤٠٨٠) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه.
(٦)
تقدم المثل (١ / ٥٦١ ) .
(٨) انظر ((الغريبين)) (١٠٢٣/٣).

K.NG
D
عبد العزيز لرجل : يا هلالُ ؛ أبقيَ من كهول بني مُجَّاعةَ أحدٌ ؟ قال :
نعم، وشكيرٌ كثيرٌ(١)؛ أي: ذُريَّةٌ صغارٌ(٢)، شبَّههم بشَكيرِ الزرع؛ وهو
ما ينبتُ صغاراً في أصوله .
والشَّكْرُ بفتح الشين وسكون الكاف : الفَرْجُ ؛ قال يحيى بنُ بَعْمَرَ لرجل طالبته
زوجتُهُ بالمهر: أنْ سألَتْكَ ثمنَ شَكْرِها وشَبْرِكَ أنشأتَ تَطُلُّها وتَضْهَلُها؟!(٣).
قال المبرّدُ: ( شَكْرُها: فرجُها ) (٤)، وأنشد(٥):
[من الطويل]
صَناعٌ بإشفاها حَصَانٌ بشَكْرِها جَوادٌ بقوتِ اليوم والعِرْقُ زاخِرُ
وقد يكون الحمدُ موضوعاً موضعَ الشُّكْر ، كما بيَّناه في تفسير
(الحميدِ ) من أسماء الله عزَّ وجلَّ (٦)
(١) رواه ابن زنجويه في ((الأموال)) (٦١٤/٢)، وأورده الأزهري في (تهذيب اللغة)) (١١/١٠).
(٢) وعبارة ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) (٥٨٦/٢): ( يريد: أن فيهم أحداثاً) ،
وانظر ((الغريبين)) (١٠٢٤/٣).
(٣) انظر ((غريب الحديث)) لابن قتيبة (٥٨١/٢)، و((الغريبين)) (١٠٢٤/٣)،
والشَّبْر : الجماع، وتَطُلُّها : تدافعها وتماطلها، وتَضْهَلُها: تعطيها نزراً قليلاً ،
ولا توفيها حقها من مهرها. انظر ((تهذيب اللغة)) (٦/ ٦٣).
(٤) انظر ((الكامل)) (٦٣/١).
(٥) انظر ((الغريبين)) (١٠٢٤/٣)، والبيت لأبي شهاب الهذلي كما في «شرح أشعار
الهذليين)) ( ص٦٩٥)، وقوله : ( صناع بإشفاها ) يعني: عينها ؛ أي : تصنع في
القلوب بلحظها صنيع الإشفئ ؛ وهي مثقب الإسكاف ، وقوله : ( والعرق زاخر )
يعني: تجود بقوتها عند الجوع وهيجان الدم والطبائع. انظر ((المخصص)
(١٦٤/١)، و(( لسان العرب)) (ج ود).
(٦) انظر (٢/ ٣٧).
ـد

AMC100
الفصل الثاني
في بيان معنى (الشكر) و (الشاكر) على مذاهب المتكلمين
وفي بيان من يسمح الشكر على مذهبه
حقيقةُ الشكرِ عند أصحابنا : الاعترافُ بنعمة المُنعِم على طريق
الخضوع(١) ، من قِبَلِ أنه إن اعترفَ بنعمة المُنعِم على طريق الاستهزاء ، أو
على وجه الاستحقارِ .. لم يكن شاكراً(٢)
C
(١) قال الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥٣٦): ( الشكر في الحقيقة: هو
الاعتراف بنعمة المنعم) ، وبهذا عرَّفه قاضي المعتزلة الهمذاني ، وزاد : ( مع ضرب
من التعظيم ، ولا بدَّ من اعتبار الوصفين جميعاً ؛ لأنه لو اعترف بنعمة المنعم ولم
يعظم ؛ فقال: هذا ثوب كسانيه فلان، وسكت .. لم يكن شاكراً ، ولو عظَّمَ من دون
الاعتراف ؛ فقال : فعل الله لفلان كذا وكذا ، ولم يذكر النعمة ولا اعترف بها .. لم
يكن شاكراً أيضاً ، وإنما يكون شاكراً إذا جمع بين الأمرين جميعاً فقال : هذا ثوب
كسانيه فلان جزاه الله عني خيراً، أو شكر له صنيعه وفعله). انظر ((شرح الأصول
الخمسة)) ( ص٨١ ).
(٢) وبهذا تعلم : أن الاعتراف بنعمة المنعم بأنه أنعم بها على المنعَم عليه .. هو عين
الشكر، وما زاد فهو تأكيد له؛ كالتحدّث الوارد في قوله سبحانه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ
فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، والعمل الوارد في قوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ ءَلَ دَاوُدَ شُكْرً﴾
[سبأ: ١٣]؛ بإتيان المأمورات، واجتناب المنهيات .
وما يؤكد أن الشكر الاعتراف بنعمة المنعم : أنه عمل القلب ؛ وقد سُئل عليه الصلاة
والسلام عن خير الحال، فقال: ((أفضلُهُ لسان ذاكر، وقلب شاكر)»، رواه الترمذي=
٤00000 ٣٠ 00000

فأما شكرُ الله عزَّ وجلَّ عبادَهُ: فإنما هو جزاؤُهُ إيَّهم على شكرهم(١)
ومتى كان الاعترافُ الذي ذكرناه باللسان كان شكراً بالقلب(٢)
وبيننا وبين القدريَّة في هذه المسألةِ خلافٌ في موضعينِ :
أحدُهما : أنَّا نقولُ : إن وجوبَ شكر المُنعِم من طريق الشرع ، فأما
العقلُ فلا يُوجِبُ على ترك الشكر عقاباً، ولا على فعله ثواباً(٣)
وزعمت القدريَّةُ : أن شكرَ المُنعِم من طريق العقل واجبٌ (٤) ، وفيهم
مَنِ ادَّعى العلمَ بوجوبه في بَدائِهِ العقول(٥)
(٣٠٩٤) من حديث سيدنا ثوبان رضي الله عنه ، ومع هذا فقد جعل الإمام الرازي التعظيم
من أركان الشكر في ((مفاتيح الغيب)) (٨٨/١٩) في أحد مواطن الحديث عن الشكر .
(١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص ٥٠).
(٢) قال العلامة العطار في ((حاشيته على شرح جمع الجوامع)) (١٢/١): ( المراد
بالتحدُّث بالنعمة هنا : الاعتراف بين يدي الحق بها ، فتكون من باب الشكر أيضاً ، وبه
يندفع ما يقال أيضاً : إن العبد مأمور بالتحدث بالنعمة مع غير الله ، لا مع الله تعالى ،
والخطاب هنا معه سبحانه ) .
(٣) بل هو مجوِّز لهما، وبه تعلم: أن المراد بالشكر هنا: ما يلزم من فعله الثواب، ومن
تركه العقاب ، والثواب والعقاب شرعيان عند أهل الحق ، عقليان محضان عند المعتزلة ،
وسيأتي تفصيل المسألة. انظر ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص٣٣٨)، ومن جملة ما قاله
(ص٣٣٩): ( نحن لا ننكر أن العاقل يستحقُّهُ طبعه على الاحتراز من الضرر موهوماً
ومعلوماً ، فلا يُمنع من إطلاق اسم الإيجاب على هذا الاستحثاث ؛ فإن الاصطلاحات
لا مشاحَّةً فيها ، ولكن الكلام في ترجيح جهة الفعل على جهة الترك في تقرير الثواب
والعقاب ، مع العلم بأن الشكر وتركه في حقِّ الله تعالى سيَّانِ، لا كالواحد منَّا ).
(٤) انظر (( شرح الأصول الخمسة)) ( ص ٧٧ ).
(٥) وهذه البداهة راجعة لما جُبلَتْ عليه القلوب من حبٍّ من أحسن إليها ، وهذا أمر
لا ينكره أهل السنة ، وللكن هذه المحبة وهذا الشكر الناشئ عنها لا يلزم منه وجود
الثواب ومن تركه العقاب .. إلا بخطاب شرعي ، والله يقضي ويحكم ما يريد .
COOOOO ٣٠ 0 00
حد

XTRAVOVAY
وتحقيقُ هذا القولِ يؤدّي إلى مذاهب البراهمة المنكرينَ للشرائع في
قولهم : إن التكليفَ كلّهَ من جهة العقل ، وليس للرُّسُلِ مدخلٌ في باب
التكليف على وجهٍ (١)
وكلُّ قولٍ يؤدِّي إلى موافقة البراهمة في تعطيل النبوَّات .. فذلك باطلٌ .
والخلافُ الثاني : أنَّا نقولُ : إن القدريَّةَ لا يصحُّ على أصولها شكرُ الله
عزَّ وجل على نِعَمِهِ ، ولا حمدُهُ على شيءٍ من أفعاله وصفاته ؛ لأنهم إن
شكروه على الإيمان والطاعاتِ .. فليست هي من أفعالِ الله تعالى، بل هي
من أفعالهم بزعمهم ، فليشكروا أنفسَهم عليها .
وإن قالوا : إن الله عزَّ وجلَّ قد أوجب الشكرَ عليها .. فقد زعموا أنه
أوجب على عباده أن يشكروه على ما لم يفعلْهُ(٢)
وقد ذمَّ الله قوماً أحبُّوا أن يُحمَدوا على ما لم يفعلوا ؛ فقال سبحانه
وتعالى: ﴿ وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾
[آل عمران: ١٨٨].
وإن زعموا : أنهم يشكرون الله عزَّ وجلَّ على ما أعطاهم من القدرة على
الإيمان والطاعاتِ ، والتمكينٍ منها بالآلات ، أو زعموا : أنهم إنما شكروه
على ثواب الإيمانِ والطاعةِ .
(١) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص١٢٦، ١٤٤).
(٢) وهذا ما يقرُّون به، ويمثِّلُون له بمن لم يطالب غريمه بالذَّين، فهو مستحقٌّ للشكر من
جهته من غير فعل ينصرف إليه الشكر. انظر (( شرح الأصول الخمسة)) ( ص٧٨) ،
على أن الشكر عندهم أصالةً لأجل خلق الإنسان وخلق الأسباب الداعية للإيمان ، وهي
باتفاق بصنعه سبحانه ، وللكن لن يفلتوا من حديث الإيجاب عليه تعالى الآتي ذكره .
٥٥٥٥٥ ,٣٠٦

0000
قيل : جميعُ ذلك عندكم واجبٌ عليه ؛ لأنكم أوجبتم عليه تكليفَ
العقلاءِ ، وأوجبتم [عليه] تمكينَ المُكلَّفينَ ممَّا كلَّفهم [به] بالقدرةِ والآلاتِ
الموصلة إليها ، وأوجبتم عليه ثوابَ المطيعينَ على طاعته(١) ، والواجبُ
أداؤه لا يُستحقُّ به الشكرُ ؛ ألا ترى أن من قضى ديناً واجباً عليه لم يستحقَّ
بذلك الشكرَ على من قضى دينه ؟!
ومن ذهب من القدريَّة إلى قول معمر : فلا يصحُّ على أصله وجوبُ
شكرِ الله على القدرةِ والحياةِ والتمكينٍ من الإيمان ؛ لأن من أصله : أن الله
عزَّ وجلَّ لم يَخلُقْ شيئاً من الأعراض ، فكيف يصحُّ شكرُهُ بما لم
يفعله ؟! (٢)
فبانَ من هذا الفصل : أن شكرَ الله عزَّ وجلَّ لا يصحُّ وجوبُهُ على أصول
القدريّة(٣)
0000000
COCoO
فأما على أصولنا : فيصحُّ وجوبُ شكره .
لأنَّا إن شكرناه على إيماننا وطاعتِنا وتوحيدِنا له ومعرفتِنا به .. فجميعُ
(١) انظر (٢١٥/١)، (٦٥/٢).
(٢)
انظر (( مقالات الإسلاميين)) (ص٥٤٨).
(٣) وهو أفحمُ في الردِّ عليهم، ومن جملة ما يُرَدُّ به عليهم : أن العقل إذا أوجب الشكر
الفائدة ترجع إليه تعالى ، أو مع الاعتراف بأن الشكر وعدمه في حقِّهِ سيان ؟ ويستحيل
أن يكون لفائدة ، ومن قضى بوجوب الشكر مع عدم الفائدة فذاك حكم الجهل ،
لا حكم العقل .
بقي أن ترجع الفائدة إلى العبد ، ولكنها في الحال تعب محض ، وفي المآل تحتاج إلى
مرجح ، وذاك هو خطاب الشرع ، فرجع وجوب الشكر للشرع لا للعقل . انظر
((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص٣٣٨).

DoO
ذلك عندنا من فعله ، فشكرناهُ على فعله بنا ، وإنعامِهِ علينا(١)
وإن شكرناه على ما خلق لنا من الحياة والقدرة وصحَّةٍ الأبدانِ والتمكينِ
من الطاعة .. فذلك كلُّهُ فعلٌ منه ، وهو متفضِّلٌ بفعله ، ولم يجب عليه فعلُ
شيء منه بنا ، ولو ترك فعلَ ذلك كلِّهِ كان بتركه عادلاً ، كما كان بفعله
متفضِّلاً ، والمتفضِّلُ بالنعمة مستحقٌّ للشكر عليها .
وكذلك إن شكرناه على ما يُظهِرُ في العاقبة من ثوابه للمطيعينَ على
طاعتهم .. فذلك أيضاً فضلٌ منه غيرُ واجب عليه، والتفضُّلُ مُوجِبٌ للشكر(٢)
فلذلك صحَّ شکرُهُ على أصلنا ، دون أصلٍ مخالفينا
O
(١) قال حجة الإسلام في ((إحياء علوم الدين)) (٧/ ٢٩٠): ( ليس في الوجود غيرُ الحي
القيوم ، وهو الواحد الصمد ، فإن نظرت من هذا المقام علمت أن الكل منه مصدره ،
وإليه مرجعه ، فهو الشاكر وهو المشكور ، وهو المحبُّ وهو المحبوب .
ومن ها هنا نظر حبيبُ بن أبي حبيب حيث قرأ قوله تعالى: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَهُ صَاِراً نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ:
أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]، فقال: وا عجباه! أعطى وأثنى.
أشار إلى أنه إذا أثنى على عطائه فعلى نفسه أثنى، فهو المثني وهو المثنى عليه ) .
(٢) ومع هذا: قلنا بوجوبه شرعاً لا عقلاً، فالوجوب في كلام المصنف اصطلاحيٍّ في
مجاراة خصومه ، على أن الشكر واجبٌ ، إلا أن مُذْرَكَهُ شرعي لا عقلي ، وقد قال
الإمام الغزالي في ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص٣٤١): ( ليس شرطُ الواجب أن
يكون وجوبه معلوماً ، بل أن يكون علمُهُ ممكناً لمن أراده ) ، وهذا الذي ينبَّهُ عليه
الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام ، فالوجوب في كلام المصنف راجع إلى الرجحان ،
والموجب على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى .
والخلاصة: ما قاله الحجة الغزالي في (( الاقتصاد)) (ص٣٤٣): ( الوجوب : هو
الرجحان ، والموجِبُ : هو الله تعالى : والمخبرُ : هو الرسول ، والمعرِّف للمحذور
وصدق الرسول : هو العقل ، والمستحثُّ على سلوك سبيل الخلاص : هو الطبع ) .
DO00 ٨ ٠ ٣ 00000

oVATO
.rx
40.
b
0
٥
ذكر ماجاء من أسماء الله عز وجل
مما في أول عرف منه الصاد
o
00000 ٩ 00000٣٠
00
000

ン
O
000000
000

3
coo
ذكر ما جاء من أسماء الله عز وجل
ما في أول حرف منه الصاد
قد ذُكِرَ مِنْ أسمائِهِ عزَّ وجلَّ : الصادقُ ، والصبورُ ، والصمدُ ، وجميعُ
ذلك مذكورٌ في الخبر المذكورِ في تسعة وتسعين اسماً(١)
وسنذكرُ شرح كلّ واحدٍ منها على انفراده إن شاء الله عزَّ وجلَّ .
(١) انظر (١ / ٤٤٧، ٤٤٩ ).

ذكر معنى (الصمد)
قد قيل في ( الصَّمد ) : ثلاثةُ أقوالٍ :
أحدُها: أنه الذي لا يَطْعَمُ(١)، رُوِيَ ذلك عن الأعمش(٢)، واستدَلَّ
بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤](٣)
وفي ذلك : إبطالُ قول من زعم من النصارى أن عيسى إلهٌ ، وقال الله
تعالى في عيسى وأمِّهِ عليهما الصلاةُ السلامُ: ﴿كَانَا يَأْكُلَانٍ
الطّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] (٤)، فبيَّنَ بذلك: أن الذي يأكلُ ويشربُ لا يكونُ
إلهاً .
وفي ذلك : دلالةٌ على أن كلَّ محتاج إلى شيءٍ فهو غيرُ إلله ، والإللهُ :
هو الغنيُّ عن كلِّ ما سواه .
والقولُ الثاني : أن الصَّمد : هو الذي لا جوفَ له ، قاله السُّدِّئُّ(٥)
(١) يقال: طَعِمَ يَطْعَمُ طُعْماً فهو طاعم؛ إذا أكل أو ذاق. انظر ((الصحاح)) (ط ع م).
(٢) انظر ((الزاهر)) (٨٢/١)، وروى الطبري في ((تفسيره)) (٦٩٠/٢٤) مثله عن
الشعبي
(٣) وقراءة الأعمش كما في ((الدر المصون)) (٤/ ٥٥٧): ( ولا يَطْعَم)، وهي قراءة
جمعٍ منهم أبو عمرو بن العلاء .
(٤)
انظر (( الزاهر)) (١ /٨٣).
(٥) وروى الطبري في ((تفسيره)) (٢٤/ ٦٩٠) مثله عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما ، =

OUx
ويقالُ لِما ارتفعَ من الأرض بغير تجويف فيه : صَمْدٌ ؛ بإسكان
الميم (١)، وبناءٌ مُصمَدٌ؛ أي: عالٍ غيرُ مجوَّف(٢)
وتكونُ فائدةُ هذا القول : إبطالَ قول المشبّهة من اليهود والهشاميَّةِ
والجواربيّةِ الذين زعموا : أن معبودَهم صورةٌ مجوَّفةٌ، وقالوا : نصفُهُ
الأعلى مجوَّفٌ، ونصفُهُ الأسفلُ مُصمَتٌ ، كما ذهب إليه هشامُ بن
سالم(٣)
فأخبر الله عزَّ وجلَّ أنه صمدٌ ليس له جوفٌ ولا تركيبٌ ولا صورةٌ ،
تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً .
والقولُ الثالثُ : ما ذهب إليه أهلُ اللغة بلا اختلافٍ بينهم أن الصمدَ :
السيدُ الذي قد انتهى إليه السؤدَهُ(٤) ، والمصمودُ في النوائب ؛ قال
[من الطويل]
الشاعر (٥) :
000
لقد بَكَّرَ الناعِي بخَيْرَيْ بني أسدْ بعمرِو بنِ مسعودٍ وبالسيِّدِ الصمدْ
وعن مجاهد ، والحسن البصري ، وسعيد بن جبير ، وابن المسيب ، والضحاك .
(٢) ويقال: بناء مصمَّدٌ؛ كمعظّم؛ أي: بناء مقصود. انظر (( لسان العرب)) ( ص م د).
(١)
انظر ((العين)) (١٠٤/٧)، و((الغريبين)) (٤ / ١٠٩٧).
(٣) هشام بن سالم : هو الجواليقي ، والهشامية فرقتان : الأولى: نسبة إلى هشام بن الحكم
الرافضي ، ويغلب عليها لقب الحكمية ، والثانية : نسبة إلى هشام بن سالم
الجواليقي، وانظر (٣٢٢/١)، (٢٠٠/٢).
(٤) روى ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٦٧٨) عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه
قال : ( الصمد : السيد الذي انتهى سؤدده ) ، والسؤدد : السيادة والشرف .
(٥) البيت متنازع النسبة؛ فقيل: هو لامرأة من بني أسد كما في ((البيان والتبيُّن))
(١٨٠/١)، ولسبرة بن عامر الأسدي كما في ((سمط اللآلي في شرح أمالي القالي)،
(٩٣٢/١ -٩٣٣)، وفي المصدرين: ( ألا) بدل (لقد ).
DOCOO ٣١٣ 00000

وقال عمرُو بن الأسلع ؛ يعني : حذيفةً بن بدر(١):
[من البسيط]
علوتُهُ بِحُسامِ ثمَّ قلتُ لهُ
خذْها حُذَيفُ فأنتَ السيِّدُ الصَّمدُ
أي : الذي يَصمُدُ إليك الناسُ في أمورهم .
وقيل : الصمدُ: السيدُ الذي صَمَدَ له كلُّ شيءٍ ؛ أي: قصدَ قصدَهُ(٢)
وتأويلُ صمودِ الأشياء لله عزَّ وجلَّ : دَلالةُ كلِّ شيءٍ عليه بأنه الصانعُ
الأحدُ ، القديمُ الماجدُ ، ومن عرفَهُ قصدَهُ بالرغبة إليه والرهبة منه ؛ يقال
من ذلك : صَمِدْتُ صَمْدَهُ ؛ أي : قصدتُ قصدَهُ(٣)
وفي حديث عمرَ رضي الله عنه : ( إياكم والطعنَ في الأنساب ، فوالذي
نفسُ عمرَ بيده ؛ لو قلتُ: لا يخرجُ من الباب إلا صمدٌ .. ما خرج [إلا]
أقلُّكُم )(٤)
وفي ذلك دليلٌ على أن معنى ( الصمدِ ) ما ذكرناه من السؤدَد(٥)
(١) انظر ((الزاهر)) (٨٤/١)، و((الأمالي)) (٢٨٨/٢).
(٢) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (١٥٢/٥).
(٣)
انظر ((العين)) (١٠٤/٧).
(٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( إلى)، والخبر أورده الأزهري في ((تهذيب
اللغة)) (١٠٦/١٢)، والهروي في ((الغريبين)) (١٠٩٧/٤) وزادا: ( قال شمر :
هو الذي انتهى في سؤدَدِهِ )، وروى بعضه في حديث طويل ابنُ شبة في (( تاريخ
المدينة )) ( ٧٩٧/٣) ، وليس فيه الشاهد .
(٥) وهو ما اختاره الإمام الغزالي في (( المقصد الأسنى)) ( ص ٢٦٥)؛ حيث قال :
( الصمد : هو الذي يُصمَدُ إليه في الحوائج ، ويقصد إليه في الرغائب ، إذ ينتهي إليه
منتهى السؤدد ) .
aCccce ٣١٤cccco

ولكنَّا إذا تأؤَلنا الصمدَ: على معنى [مَنْ يصمدُ] إليه في النوائب(١) ..
كان من صفاته الفعليّةِ .
وإذا قلنا : إن الصمدَ الذي لا جوفَ له، أو الذي لا يَطعَمُ .. كان من
صفاته الأزليّةِ التي استحقَّها لنفسه(٢) ، وكان في الأزل صمداً على هذا
التأويل ، وبالله التوفيقُ في كلِّ شيءٍ .
و
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (الصمد) .
(٢) وهي راجعة إلى صفة المخالفة للحوادث من صفات السلوب.

ذكر معنى (الصبور) من أسماءالله عزوجل
قال أبو العباس المعروف بالمبرِّد: ( الصبرُ ثلاثةُ أشياءً : الحبسُ ،
والإكراهُ، والجرأةُ)(١)
فالصبرُ بمعنى الحبس : كما روي في الحديث : ( أنه نهى عن قتلٍ شيءٍ
مِنَ الدوابِّ صبراً)(٢)
قال أبو عبيد: ( هو أن يُحبسَ من ذوات الروح [شيءٌ] حيّاً، ثم يُرمَى
حتى يُقتلَ )(٣)
وفي الحديث أيضاً : ( نهى عن المصبورة )(٤) ، و( نهى عن صبرِ ذي
الروحِ )(٥) ، وكلٌّ قد جاء في الحديث .
(١) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٠٦٠/٤)، و((الغريبين)) (١٠٦٠/٤) عن أبي العباس دون
لقب ، فيحتمل أن يكون ثعلباً ، والله أعلم .
(٢) رواه مسلم (١٩٥٩) من حديث سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما .
(٣)
انظر ((غريب الحديث)) (٢٥٤/١)، و((الغريبين)) (٤ / ١٠٦٠).
(٤) أورده عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٥٢٣/٤) عن مجاهد بلفظ: (نهى رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن أكل المصبورة ) ، وروى البخاري ( ٥٥١٣) عن سيدنا أنس
رضي الله عنه : ( نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهائم ) ، وروى الترمذي
(١٤٧٣) من حديث سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ( نهى رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن أكل المُجِثَّمةِ ؛ وهي التي تصبر بالنبل ) .
(٥) رواه أبو يعلى في (( مسنده)) (٢٤٩٧) من حديث سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما .
٠٣١٦ box
X

COVER
وفي الحديث الذي أمسكه رجلٌ وقتله آخرُ أنه قال: (( اقتلوا القاتلَ ،
واصبروا الصابرَ»(١)؛ يعني: احبسوا الذي حبسَهُ للموت حتى يموتَ كفعله
به (٢)
ومنه يقالُ للرجل يُقدَّمُ فتُضربَ عنقُهُ : قُتِلَ صَبْراً ؛ أي : محبوساً
مُمسَكاً(٣)
والإكراهِ(٤) : كقولهم : قُتِلَ صَبْراً ؛ أي : أكرِة على القتل.
والجرأةِ: كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]؛
أي : ما أجرأهم عليها !(٥) وقيل : ما أصبرَهم على أعمال أهل النار!(٦)
(١) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٥١/٨) عن إسماعيل بن أمية مرسلاً بلفظه هنا،
ورواه الدارقطني في (( سننه)) ( ٣٢٧٠) من حديث سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أمسك الرجلُ الرجلَ وقتلَهُ الآخر ..
يُقتَلُ الذي قَتل ، ويُحبسُ الذي أمسك )) .
انظر ((غريب الحديث)) لابن سلام (٢٥٥/١)، و((الغريبين؛ (١٠٦٠/٤).
(٢)
(٣) كقتل سيدنا خُبيب الأنصاري رضي الله عنه؛ وعند البخاري (٣٠٤٥): (فكان خُبيب
هو سنَّ الركعتين لكل امرئ قُتل صبراً)، وفي (( الغريبين)) (٤/ ١٠٦٠) زيادة :
( على القتل ) .
(٤) معطوف على ( الحبس ) في قوله قبلُ: ( فالصبرُ بمعنى الحبسِ ).
(٥) قاله قتادة والحسن البصري وغيرهما. انظر رواياتهم في ((تفسير الطبري))
( ٣٣١/٣) .
(٦) قاله مجاهد ؛ يعني : ما أجرأهم على النار بعملهم بأعمال أهل النار ، وتكون ( ما )
على هذا القول بمعنى التعجب ، وقال عطاء والسدي وغيرهما بأن ( ما ) للاستفهام ،
ومعنى الآية على هذا الوجه : ما الذي صبرهم ؟! وأي شيء صبرهم على النار حين
تركوا الحق واتبعوا الباطل؟! انظر ((تفسير الطبري)) (٣٣٣/٣)، و((الكشف
والبيان)) (٤٨/٢)، و((الغريبين)) (٤ / ١٠٦٠).
60000 ٣ \ V 00000

OO
ويقالُ في الصبر بمعنى الإكراه : أصبرَ الحاكمُ فلاناً على يمين ؛ إذا
أكرهَهُ(١)
وقال آخرون : الصبرُ: بمعنى الدوام على الشيء، وقولُهُ: ﴿فَمَاً
أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾؛ أي: ما أدومَهم [عليها]!(٢)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ﴾؛ أي : اثبتوا على
دينكم، ﴿وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؛ أي: صابروا أعداءَكم في الجهاد ،
واثبتوا في قتالهم (٣)
وقال آخرون : صبرُ المؤمنينَ على ثلاثة أقسام : صبرٌ على طاعة الله ،
وصبرٌ عن معاصيه، وصبرٌ على الصبر على طاعاته وتركِ معصيته(٤) ، وذلك
00000
أشدُّ وجوهِ الصبر ، ولذلك قال الشاعر(٥):
[من الطويل]
والصبرُ مثلُ اسمِهِ صَبْرُ
(١) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٢٢/١٢).
(٢) قاله الكسائي وقطرب. انظر ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص ٧٠)، و((الكشف
والبيان)) (٤٨/٢) ، يعني: ما أدومهم على أعمال أهل النار ، أو بمعنى الاستفهام:
ما الذي أصبرهم على النار ؟! ، وما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( فيها ) .
قاله الحسن البصري وقتادة وغيرهما . انظر روايته في (( تفسير الطبري)) ( ٥٠٢/٧ ).
(٣)
(٤)
هو قول الخلنجي. انظر ((تهذيب اللغة)) ( ١٢٢/١٢).
شطر بيت لأبى تمام فى ((ديوانه)) (٤ / ٥٧١)، والبيت بتمامه :
(٥)
عواقبَهُ والصيرُ مثلُ اسمِهِ صبرُ
وأشجيتُ أيامي بصبرٍ جلونَ لي
قال الجوهري في ((الصحاح)) ( ص ب ر): (والصَّبِرُ بكسر الباء: هذا الدواء المرُّ،
ولا يسكَّن إلا في ضرورة الشعر ) ، وكذا يقال في البيت الآتي.

coccacoccourc
وقال بعضُ أهل العصر :
[من الطويل]
وصبري على صبري أمرٌ مِنَ الصَّبْرِ
يقولون لي صَبْراً وقد ناء بي صبري
وقال قومٌ : الصبرُ : منع النفس عمَّا يَشينُها(١)
وعبَّرَ آخرون عنه بأن قالوا : الصبرُ حبسُ النفسِ عن شهواتها (٢)
واستدلَّ بتسميتهم لشهر رمضان : شهرَ الصبر ؛ لصبر [الصائمين] فيه
أنفسَهم عن شهواتهم (٣)
وهذا إنَّما يصحُّ في صفات الصابرين من العالَم ، ولا يليقُ بصفات الله
عزَّ وجلَّ؛ لأنه لا يجوزُ عليه إرادةُ ما يقالُ فيه: إنه اشتهاهُ(٤)
وأما قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ [البقرة: ٤٥] .. فقد
قيل : إنه أرادَ بالصبر الثباتَ على الدين(٥)
(١) انظر ((تفسير الطبري)) (١/ ١١).
(٢) قاله أبو عثمان الحيريُّ أو المغربيُّ. انظر ((حقائق التفسير)) (٣٩/٢)، و((الأمد
الأقصى )) ( ٢ / ١٣٤ ) .
(٣) انظر ((الغريبين)) (١٠٦٠/٤)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( العالمين ) ،
والمثبت من (( الغريبين)) .
(٤) قال القاضي الباقلاني في ((تمهيد الأوائل)) ( ص٤٨): ( إن قال قائل : فهل تجوز عليه
الشهوة ؟
قيل له : إن أراد السائل بوصفه بالشهوة الإرادةَ لأفعاله .. فذلك صحيح في المعنى ،
غير أنه قد أخطأ وخالف الأمة في وصفه القديمَ بالشهوة ؛ إذ لم يكن ذلك من أوصافه
وأسمائه ، وإن أراد بوصفه بالشهوة توقانَ النفس وميل الطبع إلى المنافع واللذات ..
فذلك محال ممتنعٌ عليه ) .
(٥) انظر (( الغريبين)) (٤ / ١٠٦٠).