النص المفهرس
صفحات 221-240
ArraTo STATO G DOO C 000 ذكر ماجاء من أسماء الن عز وجل متحاً بحرف الراء ورد الشرعُ بأن الله عزَّ وجلَّ : رؤوفٌ ، وربّ ، ورحمانٌ ، ورحيمٌ ، ورقيبٌ، ورازقٌ، ورزَّاقٌ، ورافعٌ ، ورفيعُ الدرجات . وواحدٌ من هذه الأسماءِ مذكورٌ في الحديث الذي ذُكِرَ فيه تسعةٌ وتسعونَ اسماً؛ وهو (الرافع)؛ لورود الخبرِ بأنه: (( الخافضُ الرافعُ)) (١) والباقي منها : مذكورٌ في القرآن والسنة جميعاً . وسنذكرُ تفسيرَ كلِّ واحدٍ منها على التفصيل إن شاء الله عزَّ وجلَّ . (١) انظر (١ / ٤٤٧). pooo ٢٢٧ CDODO AXY.rX ذكر معنى (الرؤوف) في أسمان عزوجل الرؤوفُ: الرحيمُ، وقد قُرِئْ ( رَؤُفٌ) على وزن رَعُف، و(رَؤُوفٌ) على وزن رَعُوف (١) والمصدرُ منه: رَافَةٌ ورَأْفةٌ ، على وزن رَعافةٍ ورَعْفةٍ ؛ وهو أرقُّ الرحمة (٢) وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] قد قُرِئٍّ على الوجهين جميعاً (٣) 000000 (١) بالأولى قرأ أبو عمرو بن العلاء وحمزة والكسائي وأبو بكر شعبة ، والباقون بالثانية . انظر ((الدر المصون)) (١٥٨/٢) قال: (وفي ((رؤوف)) لغتان أخريان لم تصل إلينا بهما قراءة؛ وهما : رَئِفٌ على وزن فَخِذ ، ورَأْف على وزن صَعْب ) . (٢) قال حجة الإسلام في ((المقصد الأسنى)) (ص٢٧٩): (والرأفة : شدّة الرحمة)، وقال الإمام ابن العربي المالكي في ((الأمد الأقصى)) (٧١/٢): (وحقيقتها : إرادة التخفيف بما على المرحوم فيه ثقلٌ ) . وقال الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) ( ص٥٦): ( وأما الرؤوف : فهو بمعنى الرحيم ، وهو مأخوذ من الرأفة ، والرأفة : الرحمة ) ، فلم يفرِّق بينهما ، بل جعلهما من باب الترادف . (٣) قرأ ابنُ جريج - وتروى أيضاً عن ابن كثير وعاصم - : ( رآفة ) بوزان سَحابة ، وقرأ ابن كثير: (رَأَفة) بفتح الهمزة، والعامة على سكون الهمزة. انظر ((الدر المصون )) (٣٨٠/٨)، ومعنى الآية: أنه أطلق السبب وأراد المسبب؛ إذ الرأفة سبب لترك الحدِّ ، غير أنها غير إرادية، فلا يتوجَّهُ نحوها تكليف ، فلذلك أَوِّلت بمسببها ؛ يعني : لا تكن الرأفة سبباً لإسقاط الحدِّ . 160000 ٢٢٢٠ boOX ء DATE والرَّؤُوفُ على ( فَعُولٍ ) أجودُ في أسماء الله عزَّ وجلَّ من الرَّؤُف على وزن ( فَعُلِ )؛ لأنه قد جاء كثيرٌ من أسمائه على وزن ( فَعُول ) ؛ مثل شَكُور وغَفُور وصَبُور ، وليس في أسمائه ما هو على وزن ( فَعُلِ ) غيرُ ههذا . ويقال في تصريفه : رَأَفَ به يَرْأَفُ رأفةً ، ورَؤُفَ يرُؤُفُ فهو رَؤُفٌ . وقد وصف اللهُ عزَّ وجلَّ نبيّهُ محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه رَؤُوف رحيم، وما وصفَ أحداً من أنبيائه بالرأفة غيرَهُ، وفضَّلَهُ في قوله : ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] على سائر الأنبياء عليهم السلام من وجهينِ : أحدُهما : أنه وصفَهُ بالرأفة دونَهم . والثاني : أنه جمعَ له بين صفتينٍ من صفات نفسِهِ دونَ غيرِه (١) 00 (١) إلا أنه سبحانه عمَّم رأفته ورحمته فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُ وفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وخصَّصَ رأفته صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين ، وإلا فهو صلى الله عليه وسلم رحمةٌ للعالمين . تنبيهٌ: قال العلامة السمين الحلبي في ((الدر المصون)) (١٥٩/٢): (وإنما قُدَّمَ على ((رحيم)) لأجل الفواصل)، ولا يُتصوَّر الألم مع الرأفة، وقد يتصوَّر مع الرحمة؛ قال ( من الكامل ) الشاعر : فقسا ليزدجروا ومن يكُ حازماً فليقسُ أحياناً على من يرحمُ فالرحيم : من يداوي بمُرِّ الدواء كالحنظل لحكمة ، والرؤوف : من يداوي بحلوه كالعسل لبالغ الرحمة . J ذكر معنى (الرب) في أسمان عزوجل اعلمْ : أن الربَّ في اللغة على وجوهٍ : أحدُها : الربُّ بمعنى السيِّدِ : قال أبو عبيدةَ معمرُ بن المثنى التيميُّ في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَيِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]؛ أي: عند سيِّدِك(١) وقال الخليلُ بن أحمد: ( الربّ: الرئيسُ)، وأنشد للأعشى(٢): [من الطويل] وأهلَكْنَ يومَ الربِّ كندةَ وابنَهُ ورَبَّ مَعَدٍّ بينَ خَبْتٍ وعَرْعَرٍ والوجهُ الثاني: الربُّ بمعنى الصاحِب (٣): كقول يوسف عليه الصلاة والسلام: مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَىَ﴾ [يوسف: ٢٣]، وقال طرفة (٤): [من الطويل] لتُكْتَنَفَنْ حتى تُشادَ بِقَرْمدٍ كقنطرةِ الروميِّ أقسمَ ربُّها (١) انظر ((مجاز القرآن)) (٣١١/١). (٢) البيت لسيدنا لبيد بن ربيعة العامري رضي الله عنه. انظر (( ديوانه)) (ص ٥٥)، وفيه : ( يوماً ربَّ)، وهو الصواب ، ورب كندة : أبو امرئ القيس واسمه حجر ، ورب معد : حذيفة بن بدر ، والخبت : ما استوى من الأرض ، وبلد بالشام وآخرُ بزبيد ، وعرعر : نواحٍ في بلاد نجد ، ووادٍ بنَعْمان قرب عرفة . (٣) الصاحب هنا : هو المالك للشيء (٤) انظر ((ديوانه)) (ص٣٣)، والبيت من معلقته، وفي البيت تشبيه الناقة بالقنطرة ؛ لانتفاخ جوفها ، والرومية أحكم صنعاً ، وربُّها هنا : مالكها وصاحبها ، وأكنافها : نواحيها ، وتشاد : ترفع ؛ يقال : أشاد بذكره ؛ إذا رفعه ، وقيل : تشاد بمعنى تطلئ بالشِّيد ؛ وهو الجصُّ، والقَرْمَد : سيأتي أنه الآجر . CLON والقَرْمَد : الصاروجُ والآجُرِ(١) والوجهُ الثالثُ : الربُّ بمعنى المولى : ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في [أشراطٍ] الساعة ومنها(٢): ((أن تلدَ الأَمَةُ ربََّها)) (٣)، وفي بعض الروايات ((ربَّها))(٤)؛ أي: مولاتَها ومولاها، وهي الأمةُ تلدُ من مولاها ابناً أو بنتاً فيكونان مواليها ؛ لأنهما في النسب كأبيهما ، وبهما أثبت عتقَها ؛ كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في ماريةَ القِبْطية: ((أعتقَها ولدُها)»(٥)، ولكنَّها إذا عَتَقَتْ عند موت سيِّدها ، أو بإعتاقه لها قبل موته .. كان ولاؤُها للسيد في قول أكثرِ الأُمّة . وفائدةُ هذا الخبر : إعلامُهُ إِيَّانا أن السبْيَ والغنائم يكثرانِ عند قيام الساعة. والوجهُ الرابعُ : الربّ بمعنى المصلح للشيء والمربِّ له والمربِّبِ أيضاً ، لغتان ؛ قال الشاعر (٦): [من الطويل] إذا فعلَ المعروفَ زادَ وتمَّما يَرُبُّ الذي يأتي مِنَ الخيرِ إِنَّهُ (١) الصاروج: لفظة فارسية معربة، وهو التُّورة بأخلاطها تُطلئ بها الحياض والحمامات. ومـ (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( اشتراط )، وأشراط الساعة : علاماتها . رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٨) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه . (٣) هي رواية البخاري، قال الحافظ القسطلاني في ((إرشاد الساري)) (٣١١/٤): (٤) ( أي : سيدَها؛ لأن ولدها من سيدها ينزل منزل سيدها؛ لمصير مال الإنسان إلى ولده ) ، وسيأتي معناه للمصنف . (٥) رواه ابن ماجه (٢٥١٦) من حديث سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما . (٦) البيت لأعرابي من بني ضِنَّةً قاله مادحاً عبد الملك بن مروان ، وبعده : تتبَّعَهُ بالنقضِ حتى تهدَّما وليس كبانٍ حين تمَّ بناؤه انظر «الأمالي)) للقالي (٢٨٣/٢). ٠٢٢٥٠٠٠٠ .. NO ـكده وقال آخرُ(١): [من المنسرح] يَرُبُّ معروفَهُ ويكملُهُ وإنَّما العُرْفُ بِالرَّباباتِ ومن هذا الوجهِ : سُمِّيَ الربَّانُّون ؛ لقيامِهِم بالكُتُبِ وإصلاحِهم لها (٢). وقيل : إنهم سُمُّوا بذلك لأنهم يربُّون المتعلِّمينَ(٣) ولمَّا مات ابنُ عباس رضي الله عنه قال محمدُ بن الحنفية رحمَهُ الله : مات ربَّانيُّ هذه الأمة(٤) وفي الحديث : ((أَلَّكَ نعمةٌ تربُها ؟!)»(٥)؛ أي: تصلحُها . O ومنه قيل لابن امرأةٍ الرجل : ربيبُهُ ، ولبنت المرأة : ربيبتُهُ ؛ لأنه يقومُ بأمورِهما ، فيكون فَعِيلاً بمعنى المفعول(٦) وإذا كان الربّ مأخوذاً من التربية والإصلاح .. كان في تصريفِ الفعل منه أربعُ لغات : إحداها : رَبَّ يَرْتُ رَبابةً . (١) انظر ((تعليق من أمالي ابن دريد)) (ص ١٧١ ). (٢) قاله الهروي فى ((الغريبين)) ( ٦٩٨/٣). (٣) انظر ((الغريبين)) (٦٩٨/٣)، وعبارته: ( كانوا يربون المتعلُّمين بصغار العلوم قبل کبارها ) . (٤) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٣٦٨/٢)، والخطيب في (( تاريخ بغداد )) (١٨٧/١ ) . (٥) رواه مسلم (٢٥٦٧) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه . (٦) انظر ((غريب الحديث)) لابن سلام (٤٢٠/٤)، وقال: ( وكان عمر بن أبي سلمة يُسمَّى ربيب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه ابن أم سلمة ) . ـحـ ON ٢٢٦٠ ٠٠٠٠٠ 000 [واللغةُ الثانيةُ] (١): رتَى يربِّي تربيةً، فهو مُرَبٌّ، والمفعول مُرَبّىّ؛ كقولهم : ينفسح مُرَبّىَ، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿أَلَمَّ نُرَبِّكَ فِيْنَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء : ١٨] . [واللغةُ الثالثةُ]: رَبَّبَ يربِّبُ تربيباً، فهو مربِّبٌ، قال طرفةُ(٢): [من المنسرح] ككلبٍ طسمٍ وقد ترتَبَهُ يَعُلُّهُ بالحليبِ في الغلسِ واللغةُ الرابعةُ : رَبَّتَ يُرَبِّتُ تَرْبيتاً فهو مُرَبِّتٌ، والمفعول مُرَبَّتٌ(٣) ، قال [من مشطور الرجز] الشاعرُ(٤): سمَّيْتُها إذْ وُلِدَتْ تموتُ والقبرُ صِهْرٌ ضامنٌ زِمِّيتُ ليسَ لمَنْ ضُمِّنَهُ تَرْبِيتُ يا بنةَ شيخٍ ما لهُ سُبْرُوتُ 00 0000 والزمِّيتُ : الساكتُ ، والسُّبْروتُ : الشيء القليل من الماء . (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( والثاني ) . (٢) انظر ((ديوانه)) (ص١٦٤)، وطسم: قبيلة من عادٍ منقرضة، وهذا الكلب كان قد عدا على صاحبه فقتله ، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( والثالث ) . (٣) يقال: رَبَتَّ الصبيّ ورَبَّتَهُ؛ ربَّاه؛ كتربَتَهُ. انظر (( تاج العروس)) (رب ت). (٤) انظر ((الألفاظ)) لابن السكيت (ص٣٥٣)، وتموتُ: علمٌ على ابنته المولودة ، كما سَمَّوا يموت أيضاً ، وجعل القبر صهراً كأنه قد زوَّجه إيَّها ؛ وهذا الشاعر لوَّح بأنه وأدّ ابنتَهُ كما نَّةَ على ذلك ابن سلام في ((غريب الحديث)) (٥٠/٢ )، والتربيت : التربية ، والسبروت : الأرض التي لا شيء فيها ، أو الشيء القليل ، أراد أنه ما له قليل ولا كثير كما قال ابن السكيت في ((الألفاظ)) (ص٣٥٤). 10 فهذه وجوهُ معنى الربّ في اللغة . واللهُ سبحانه وتعالى ربِّ العالمين بمعنى السيِّدِ والمصلح والمولى ، ولا يقال له : (ربّ ) بمعنى الرئيس والصاحب ؛ لأنه ليس الرئيسُ والصاحبُ من أسمائه . وجمع الربِّ على جميع الوجوه : أرباب ، واللهُ سبحانه وتعالى ربُّ الأرباب . وقد قال القُتَيئُّ : ( إن المخلوق لا يقالُ له: ((الرتُّ)) معرَّفاً بالألف واللام، وإنما يقال له : ربُّ كذا، والربُّ على الإطلاق: هو اللهُ عَزَّ وجلَّ ؛ لأنه هو المالكُ لجميع المخلوقات )(١) وقال الحسينُ بن الفضل في الربّ قولاً شاذاً ؛ وهو أن الربَّ بمعنى الثابتِ(٢)؛ من قولهم: رَبَّ بالمكانِ وأربّ به وألبَّ به ، وفي الحديث : أنه كان يتعوَّذُ بالله من فقرٍ مُرِبّ(٣) ؛ أي: مُلِبَّ، قال الشاعر(٤) : [من مشطور الرجز] o o رَبَّ بأرضٍ ما تخطَّاها غَتَمْ (١) انظر (( غريب القرآن)) (ص٩) بتصرُّف يسير. (٢) نقله الثعلبي في ((الكشف والبيان)) (٣٨/١)، وفيه: (اللبث) بدل (الثابت ) غير أن سقم هذه المطبوعة يدفعك عن الثقة بها ، ولا سيما أن عبارة المصنف هنا نقلها أيضاً الفاضل الهندي في ((اللآلئ العبقرية في شرح العينية الحميرية)) (ص٣٠٧) عن ((الكشف والبيان)) وفيه: ( وقال الحسين بن الفضل : الرب : الثابت من غير إثبات أحد ؛ يقال : ربّ بالمكان وأربَّ ولبّ وألبَّ ؛ إذا أقام ) . (٣) انظر ((الغريبين)) (٦٩٩/٣). (٤) انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٤٢/١٥)، والرواية عنده: (لبَّ) بدل (ربَّ). G قال عبدُ القاهر : هذا التأويلُ حسنٌ في أسماء الله عزَّ وجلَّ متى أطلق الربُّ غيرَ مضافٍ ؛ لأنه الثابتُ الدائم الباقي الذي لا يزولُ ولا يَحُولُ . وأما إذا أضيفَ ؛ فقيل : ربُّ العالمين .. فلا يصحُّ هذا التأويلُ فيه ؛ لأنَّهُ لا يُقالُ : ثابتُ العالمينَ ؛ لأن الثابتَ لازمٌ غيرُ مضاف ، والله أعلم . 00000 ood ٢٠٧ ذكر معنى (الرحمن الرحيم) فى أسماء الله عز وجل قال أبو عبيدةَ معمرُ بن المثنى في ( الرحمن الرحيم ): ( تقديرُهما تقديرُ نَدْمانٍ ونَدِيم؛ من المنادمة ؛ كذلك رحمانٌ ورحيم ؛ من الرحمة )(١) وأنشدَ في الندمان قولَ ابن مسهرٍ الطائيِّ وهو جاهليّ (٢): [من الوافر] ونَدْمانٍ يزيدُ الكأسَ طِيباً سَقَيْتُ وقد تغوَّرَتِ النجومُ [من الـ وأنشد أيضاً قولَ النعمان ابن نضْلةَ العدويٍّ من قريش(٣): 00000 00 ٢ ولا تسقني بالأصغرِ المُتَلَّم فإن كنتَ نَذْماني فبالأكبرِ اسقني (١) انظر ((مجاز القرآن)) (٢١/١) بتصرف، و((الأمد الأقصى)) (٨١/٢). (٢) انظر ((مجاز القرآن)) (٢١/١)، و((الأغاني)) (١٤/١٤)، وإنما زاد الكأس طيباً لحسن عشرته، وقد سقاه الشاعر وقد غارت النجوم. انظر (( شرح ديوان الحماسة)) للتبريزي (٨٦/٢)، وما ذهب إليه أبو عبيدة هو مذهب الإمام الأشعري. انظر (( مجرد مقالات الأشعري)) ( ص ٤٧) . (٣) انظر ((مجاز القرآن)) (٢١/١)، والنعمان بن عدي بن نضلة العدوي : صحابي من مهاجرة الحبشة ، وهذا بيت ضمن أبيات قالها في إسلامه وهو بريء مما فيها ، إلا أن حبَّ الشعر حمله على قولها ، وكان والياً لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ميسان، فما إن بلغه شعره هذا حتى عزله. انظر ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٤/ ١٤٠)، و(( المنتظم)) (٤ /١٣٨). ٢٣٠ 00000 [من الطويل] وقال بريقٌ الهذليُّ في النديم (١): وكانَ أبو زيدٍ أخي ونَدِيمي رُزِينا أبا زيدٍ ولا حيَّ مثلُهُ وهذا القولُ يؤدِّي إلى التسوية بينَهما في المعنى(٢) وقال الزجَّاجُ وأكثرُ النحويين: إن ( فعلانَ) من [أبنيةِ] المبالغة(٣)؛ يقال للشديدِ الامتلاءِ : ملآنُ ، وللشديدِ الغضب : غضبانُ ، والشديدِ الشبع : شبعانٌ(٤) والرحيمُ أيضاً مبالغةٌ من الراحم ، والرحمنُ أكثرُ مبالغةً منه ؛ كما أن العليم مبالغةٌ من العالم ، والعلَّام أكثرُ مبالغة منه . فهذا قولُ أهل اللغة في معنى ( الرحمن الرحيم )، وبقيَ بعدَ هذا فصلانِ : أحدُهما : في قولِ المفسرين وأصحاب المعاني في معنى الرحمان الرحيم ، وتقديم أحدهما على الآخر . والثاني : في بيان مذاهبٍ المتكلِّمين والمفسِّرينَ في معنى الرحمة . ونحن نذكرُ كلَّ واحد منهما على التفصيل إن شاء الله عزَّ وجلَّ . (١) انظر ((مجاز القرآن)) (٢٢/١). (٢) قال العلامة ابن العربي المالكي في ((الأمد الأقصى)) (٨٢/٢): وقد تجمع العرب بين لفظين مشتقين من أصل واحد وإن كان المعنى واحداً ؛ كقول الشاعر : [من الطويل] وإن أدنُ منهُ يناً عنِّي ويبعدٍ (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( ابناء)، والتصحيح من (( معاني القرآن)). (٤) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٤٣/١). COOOCO ٢٣١ pocco AY الفصل الأول في معنى (الرحمن الرحيم) وتقديم أحد عما على الآخر روى الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال : ( الرحمنُ الرحيمُ : اسمان رقيقانِ ، أحدُهما أرقُّ من الآخر)(١) قال الحسينُ بن الفضل البجليُّ : ( في هذه الرواية تصحيفٌ ؛ لأن الرقَّةَ ليست من صفات الله عزَّ وجلَّ، إنما [هما](٢): اسمان رفيقانِ، أحدُهما أرفقُ من الآخر )(٣) بيانُ ذلك: في قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ اللهَ رفيقٌ يحبُّ الرفْقَ ، ويعطي على الرفْقِ ما لا يعطي على العُنْفِ)) (٤) (١) رواه البيهقي في (( الأسماء والصفات)) (ص ١٧٥)، وسندُ الخبر واهٍ تالف؛ وهو السُّدِّيُّ الصغير عن الكلبي عن أبي صالح. انظر (( تدريب الراوي)) (١٩٨/١)، ورواه ابن أبي حاتم في (( تفسيره )) (٢١) عن خالد بن صفوان التميمي . (٢) ما بين المعقوفين في (أ، ب): (هو)، وسقط من (ج). (٣) رواه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) ( ص١٧٥)، وحكاه عنه القرطبي في ((تفسيره )) (١٠٦/١)، والسمين الحلبي في ((الدر المصون)) (٣١/١) بنحوه. (٤) رواه البخاري ( ٦٩٢٧)، ومسلم ( ٢٥٩٣) من حديث سيدتنا عائشة رضي الله عنها ، قال الحافظ البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص١٧٦): ( وقوله: (( إن الله رفيق )) معناه : ليس بعجول ، وإنما يَعْجَلُ من يخاف الفوتَ ، فأما من كانت الأشياء في قبضته= CON X واختلفَ الذين قالوا : ( رقيقان ) في الأرقُّ منهما : فقال سعيد بن جبير : هو الرحمنُ ؛ لأنه الذي تعمُّ رحمتُهُ المؤمن والكافرَ ؛ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَّيِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦]، والرحيمُ؛ الذي تختصُّ رحمته [بالمؤمنين](١) وقال وكيعُ بن الجراح : الرحيمُ أرقُّ الاسمين ؛ لأنه يعمُّ رحمة الدنيا ورحمةَ الآخرة . وقال مقاتلُ بن سليمان : الرحمنُ : العَطُوفُ على عباده بفضله ، والرحيمُ : الرفيقُ بهم ؛ بأنْ لم يكلفْهم ما يعجزون عنه . وقال عكرمةُ : الرحمنُ برحمة واحدة ، والرحيمُ بمئة رحمة ؛ لما رُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنَّ للهِ مئةَ رحمةٍ، وإِنَّهُ أنزلَ منها رحمةً واحدةً إلى الأرضِ ، فقسمَها بينَ خلقِهِ ؛ [فيها] يتعاطفونَ(٢) ، وبها يتراحمونَ، وأَخَّرَ تسعاً وتسعينَ لنفسِهِ يرحمُ بها عبادَهُ يومَ القيامةِ)»(٣) = وملكه فليس يعجل فيها، وأما قوله: (( يحب الرفق))؛ أي: يحب ترك العجلة في الأعمال والأمور ) . وقال الحافظ الخطابي في (( شأن الدعاء)) (ص٣٩) يوجِّهُ رواية (رقيقان): (وهذا مشكل ؛ لأن الرقة لا مدخل لها في شيء من صفات الله سبحانه ، ومعنى الرقيق ها هنا: اللطيف، يقال: أحدُهما ألطف من الآخر ، ومعنى اللطف في هذا : الغموض ، دون الصغر الذي هو نعتٌ في الأجسامِ ) . (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( للمؤمنين). (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( فيها ) . (٣) انظر ((الكشف والبيان)) (١٠٠/١)، والحديث رواه البخاري (٦٤٦٩)، ومسلم (٢٧٥٢) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، قال الحافظ القسطلاني في = ٠0000 ٢٣٣ وقال بكرُ بن عبدِ الله المزنيُّ : الرحمنُ : بنِعَمِ الدنيا ؛ من المال والأهل والولد ، والرحيمُ : بنِعَمِ الدينِ ؛ من المعرفة والإيمان والشهادة . وقال جعفر بن محمد الصادقُ : الرحمنُ : للمرادين ، والرحيمُ : للمريدين(١) X حو وقيلَ : الرحمنُ : بنعمه الباطنة ، والرحيمُ : بنعمه الظاهرة . وقيلَ : الرحمنُ : بالعصمة ، والرحيمُ : بالنعمة . وقيلَ : الرحمانُ : بالدفع ، والرحيمُ : بالنفع . واختلفوا في تقديم ( الرحمان ) على ( الرحيم ) في اللفظ والكتابة : فقال قومٌ : اللهُ: صفةُ ذات ، والرحمنُ : صفةٌ له يرجع معناها إلى الرحمةِ العامَّة ، والرحيمُ : صفةٌ له يرجعُ معناها إلى الرحمة الخاصَّة ، فضل باسم ((الله )) ما هو أعمُّ على ما هو أخصُّ (٢) 00000000 وقيل : إن العربَ عرفوا اللهَ بهذا الاسم(٣)، وعرفتْهُ اليهودُ بالرحمن، ((إرشاد الساري)) (١٩/٩): (ورحمةُ الله غير متناهية، لا منةٌ ولا مئتان ، لكنها عبارةٌ عن القدرة المتعلقة بإيصال الخير ، والقدرة صفة واحدة ، والتعلُّق غيرُ متناهٍ ، فحصرُهُ في مئة على سبيل التمثيل ؛ تسهيلاً للفهم ، وتقليلاً لما عندنا ، وتكثيراً لما عنده سبحانه ) . (١) انظر ((تفسير السلمي)) (٣٣/١). (٢) والمعنى : فقدم في البسملة ما فضلُهُ أعمُّ على ما هو أخصُّ . (٣) قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ تُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]، وروى الطبري في (( تفسيره)) (٢٠٣٩٨) عن مجاهد قال : قوله : ﴿ كَذَلِكَ أَزْسَلْنَكَ فِىْ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ ... ) الآية [الرعد: ٣٠]، قال: هذا لمَّا كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً في الحديبية .. كتب: ( بسم الله الرحمن = 00000 ,٢٣٤ 00000 ـجد والنصارى بالرحيم ، فقدَّم ذكر ما عرفتْهُ العربُ ؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم منهم ، والقرآنَ بلسانهم ، ثم قدَّمَ ما عرفه به اليهودُ على ما عرفَهُ به النصارى ؛ لأن اليهودَ قبل النصارى . وقيل : إن الله عزَّ وجلَّ خاطب ثلاثةَ أصناف : عبدةَ الأصنام ، واليهودَ ، والنصارى ، وعبدةُ الأصنام كانوا قبل اليهود ، واليهودُ قبل النصارى ، فبيَّنَ لعبدة الأصنام أنه هو الإلهُ وحدَهُ خلافَ قولهم : إن الأصنام آلهةٌ ، ثم اليهود عرفوهُ بالرحمن قبلَ معرفة النصارى بالرحيم ، فلذلك قيل : ( اللهُ) أولاً، ثم قيل: (الرحمنُ ) ثانياً ، ثم قيل : ( الرحيمُ ) ثالثاً ، والله أعلم بالصواب . OO 00000 00000 الرحيم)، قالوا: لا تكتب (الرحمان )، وما ندري ما الرحمن ، ولا تكتب إلا ( باسمك اللهم)، قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ قُلْ هُوَ رَبِّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [الرعد : ٣٠] . COO000 ٢٣٥000 OOOO الفصل الثاني في ذكر مذاهب المتكلمين والمصريين في معنى (الرحمة) اختلف أصحابُنا في معنى ( الرحمة ) : فقال أبو الحسن الأشعريُّ : برجوع معناها إلى الإرادة المخصوصة ؛ وهي إرادةُ الإنعام على من يريدُ الإنعامَ عليه(١) 00 وعلى هذا القولِ : تكون رحمةُ الله عزَّ وجلَّ صفةً أزليةً له ؛ لأن إرادته أزليةٌ ، ويكون الله عزَّ وجلَّ في الأزل راحماً رحيماً رحماناً ، كما أنه لم يزلْ مريداً للإنعام على مَنْ علمَ أنه ينعمُ عليه . ٥ ويجبُ على هذا القول : أن يكون الرحمنُ والرحيمُ معناهما واحدٌ في الحقيقة(٢)؛ لرجوع الرحمة إلى الإرادة المخصوصة، وإن كان الرحمانُ (١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٦٩)، وقال الأستاذ القشيري في ((رسالته) (ص٦٤٩): ( فالرحمة خاصٌّ من الإرادة ، والمحبة أخصُّ من الرحمة ، فإرادة الله أن يوصل إلى العبد الثواب والإنعام تسمّى رحمة، وإرادته لأن يخصَّهُ بالقربة والأحوال العلية تسمَّى محبة ، وإرادته سبحانه صفة واحدة ، فبحسب تفاوت متعلقاتها تختلف أسماؤها ؛ فإذا تعلقت بالعقوبة تسمى غضباً ، وإذا تعلقت بعموم النِّعَمِ تسمى رحمة ، وإذا تعلقت بخصوصها تُسمَّى محبة ) . (٢) وهو مذهب الإمام الأشعري كما في ((مجرد مقالات الأشعري)) ( ص ٤٧)، و((الأسماء والصفات)) للبيهقي (ص٣٢١). 00000 ٢٣٦ 00000 اسماً محظوراً على العباد ، والرحيمُ مأذوناً في تسمية العباد به(١) وهذا قولٌ صحيح على مذهبٍ أبي عبيدةَ معمرٍ بن المثنى وقولِهِ : ( إن الرحمن بمعنى الرحيم ؛ كما أن الندمان بمعنى النديم ، وكما أن اللهفان بمعنى اللهيف )(٢) وإلى مثل قولِ الأشعريِّ في هذه المسألة .. ذهب سليمانُ بن جرير ومن تبعَهُ من الشيعة(٣) وكان القلانسيُّ من أصحابنا : يردُّ الرحمة إلى معنى النعمة والإنعام ، دون الإرادة(٤) وعلى هذا الأصل : تكون الرحمةُ من صفات الفعل ؛ لأن نعمةَ الله على عباده من جملةِ أفعاله . OO 0 ولا يجوزُ على هذا القول أن يقال : إن الله لم يزلْ رحماناً ولا رحيماً . وعلى هذا القول : يجوزُ أن تكون فائدةُ الرحمن في الإنعام أبلغَ من فائدة الرحيم فيه ؛ لأن النعيمَ يحتمل الزيادةَ والنقصان ، وإرادةَ الله عزَّ وجلَّ لا تحتملُ زيادة ولا نقصاناً على مذهبٍ من يقول : إنها صفة أزلية . وقد قال أبو العباس القلانسيُّ في كتاب ((المقالات)): ( يحتملُ أن تكون الرحمةُ صفةً فعل ، وكذلك الجودُ ) . (١) قال حجة الإسلام في ((المقصد الأسنى)) (ص١٢٣): (الرحمن أخصُّ من الرحيم، ولذلك لا يُسمَّى به غير الله تعالى ) . (٢) تقدم (٥٣٦/١ ) . ويسمّون بالسليمانية، وهم من فرق الزيدية. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٦٨). (٣) (٤) نقله الصفار في ((تلخيص الأدلة)) (ص٤٧٨). 00000 ٢٣٧ ٢٠٣GY وإلى مثلٍ قوله : ( إنها الإنعام ) ذهب أكثرُ المفسّرين الذين قالوا : رحمةُ الله تعالى على أقسام نِعَمِهِ ، ورَوَوا فيه الخبرَ الذي ذُكِرَ فيه : أن لله عزَّ وجلَ مئةَ رحمةٍ ، وأنه أمسكَ تسعاً وتسعين منها يرحمُ بها عبادَهُ يوم القيامة(١) . وهذا الخلافُ الذي حكيناهُ عن أصحابنا إنما هو خلافُ العبارة دونَ المعنى؛ لأنّهم أجمعوا أن إرادتَهُ صفة أزليةٌ، وأن نِعَمَهُ أفعالٌ حادثة ، وإنما اختلفوا في أن الرحمة اسمٌ للصفة الأزلية ، أو للنعمةِ الحادثة . وقد رُوِيّ : عن شيخنا أبي محمد عبد الله بن سعيد القطان القولانِ معاً (٢). وافترقت المعتزلة في هذه المسألة فرقتين : فرقةٌ: زعمَتْ أن الرحمة راجعةٌ إلى الإنعام . والأخرى : زعمَتْ أن الرحمة تركُ عقوبةٍ من يستحقُّ العقوبة . فيقال للفرقة الأولى منهم : أليس عندَكم قد أنعم اللهُ عزَّ وجلَّ على الكفَّار ؟(٣) فهل رحمَهم؟ (١) تقدم (٢٣٣/٢) . (٢) هو الإمام ابنُ كُلَّاب رحمه الله تعالى. (٣) انظر (( شرح الأصول الخمسة)) (ص٧٨)، وليس الإشكال في كون الكفّار منعماً عليهم ؛ فنعمتانٍ لا ينفكُ موجودٌ عنهما؛ نعمةُ الإيجاد ، ونعمةُ الإمداد ، ولكن في كون هذه النعم رحمةً في حقُّهم ، ويمكن التخلّص من هذا الإشكال - ولا سيما أن الإمام القلانسي قائل بأن النعمة رحمة - بانقسام الرحمة إلى عامة وخاصة، وكون العامة مشتملةً على الكفار ، وهي نِعَمٌّ دنيوية ، أو على أن الرحمة من أفرادها الدفعُ كما مرَّ ؛ فيشمل الكفَّارَ بالآخرة أيضاً بدفع عذابٍ هو أشدُّ مما هم فيه ، وقد تقدم هذا المعنى (٢ /١٩٥ ) . COOOOO ٢٣٨ 00000 CY 00000 00000 فإن قالوا : ( لا ) نقضوا قولَهم : إن الرحمةَ هي الإنعام . وإن قالوا : ( نعم ) قيل لهم : فقولوا : قد رَحِمَ اللهُ عليهم ! ويقال للفرقة الثانيةِ منهم : إن كانت الرحمة تركَ عقوبةٍ من يستوجبُها .. وجبَ ألا يكون الله عزَّ وجلَّ راحماً للأنبياء والملائكة والأطفال ؛ لأنهم ما استوجبوا العقوبةَ فيكونَ الله عزَّ وجلَّ بترْكِها راحماً ! وإذا بطلَ هذا القولُ بطل مذهبُهم في معنى الرحمة ، وصحَّ قولنا : إنها راجعةٌ إلى إرادةِ الإنعام كما بيَّنَّاهُ(١) ، والله سبحانَهُ وتعالى أعلم (٢) ـر O o (١) انظر (٢٣٦/٢)، قال الإمام الغزالي في ((المقصد الأسنى)) (ص١٢٦): ( فغضبُهُ: إرادته للشرِّ، والشرُّ بإرادته، ورحمتُهُ: إرادتُهُ للخير ، والخير بإرادته ، ولكن أراد الخير للخير نفسه ، وأراد الشرّ لا لذاته ، ولكن لما في ضمنه من الخير ، فالخير مقضيٍّ بالذات ، والشرُّ مقضيٍّ بالعرض ، وكلٌّ بقَدَرٍ ، وليس في ذلك ما ينافي الرحمة أصلاً ) . (٢) فإن قيل : كيف يكون خالقُ العالمٍ رحيماً ونحن نرى من أنواع البلايا والشرور ما طفح العالم به ، والقادر المطلق لو أراد رفعها لفعل ؟! فالجواب : ما قال الحجة الغزالي في ((المقصد الأسنى)) (ص١٢٥): ( ليس في الوجود شرٌّ إلا وفي ضمنه خيرٌ، لو رُفعَ ذلك الشرّ لبطل الخير الذي في ضمنه ، وحصل ببطلانه شرٌّ أعظم من الشرِّ الذي يتضمَّنهُ)، ثم مثَّلَ باليد المتآكلة التي قطعها شرٌّ في الظاهر ، ورحمة في الباطن . وللكن قد يقال : ألا تتعلَّق قدرة الله بخَلْقٍ لا تعتورهم الآلام والشرور ؟ والجواب : بلى ، تعلقت تعلُّقاً تنجيزياً ؛ وذلك بخلق أهل الجنة من غير تكليف ؛ كالحور العين والولدان ، ولكن هذا الخَلْقُ فاته نعمة التعرُّف على الله تعالى بأسمائه الجلالية ، ولذلك كان هذا الصنف من جملة ما يتمتع به أهل العرفان ، وقبل هذا وبعده: ﴿لَا يُْثَلُ عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. ٢٨ 00000 ٢٣٩ 00000