النص المفهرس
صفحات 181-200
aTEGYO! فلزمَهُ ألا يكونَ لقوله : ﴿اَلْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] حقيقةٌ ، ولزمه ألا يصفَهُ بأنه موجودٌ ومعلوم ؛ لأن ذلك على وزن مفعول ومضروب ، وذلك لا يليقُ بالله عزَّ وجلّ ! وحكى ابنُ الراونديِّ عنه في كتاب (( فضائح المعتزلة)) (١) : أنه کان یزعمُ أن الله عزَّ وجلَّ ما أمر أبا لهبٍ وأبا جهل وفرعونَ بالإيمان . فإن أراد بذلك : إحالةَ وجود أمرٍ هو كلامٌ منه .. فقد شارك البراهمةَ في نفيها ورودَ الشرع والأمر والنهي بالقول ، واقتصارِها على التكليف بالعقل دونَ السمع ، وصار إلى إنكار الرسالةِ والنبوة . وإن أراد : أن الله لا يجوزُ أن يأمرَ بالإيمان مَنْ يعلمُ أنه لا يؤمنُ ، وأن ينهى عن المعصية مَنْ يعلمُ أنه لا ينتهي عنها .. لزمَهُ ألا يكون من مات على الكفر عاصياً لربِّهِ ؛ لأنه لم يخالفْ له أمراً . 000000 وأيُّ هذين الأصلين اختارَهُ وجبَ على قول الأمة تكفيرُهُ . وأما المنكرون منهم كلامَ الله عزَّ وجلَّ على الحقيقة : فقد صرفوا ما في القرآن من إضافة الكلام إلى الله عزَّ وجلَّ .. إلى المجاز ؛ كقول القائل: قالَ الحائطُ فمالَ، وقال فلانٌ برأسه كذا ؛ إذا أمالَهُ (٢) وتأوَّلوا قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ أَسْجُدُواْ لِأَّدَمَ ﴾ [البقرة: ٣٤] (١) ويعرف أيضاً بـ((فضيحة المعتزلة))، وقد ألَّفه بعد تحوُّلِهِ عن الاعتزال إلى الزندقة، وردّ فيه على الجاحظ الذي ألف كتاب (( فضيلة المعتزلة)). انظر ((مرآة الجنان)) ( ١٠٧/٢ ) . (٢) انظر ((تأويل مشكل القرآن)) (ص٧١). ١٨٠00000 XY.r على معنى أنه ألهمَ الملائكةَ ذلك؛ كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]؛ أي: ألهمَها(١) وقالوا في قوله عزَّ وجلَّ للسماء والأرض : ﴿ أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهاً قَالَآ أَنْنَا طَآئِمِينَ﴾ [فصلت: ١١]: إن الله عزَّ وجلَّ لم يقل ذلك لهما، ولم تقولا ذلك ، قالوا : وكيف يخاطبُ جماداً أو معدوماً ؟! وإنما أرادَ أنه كَوَّنَهُما [فكانتا](٢)؛ كما قال الشاعر حكايةً عن ناقته(٣): [من الوافر] أهذا دينُهُ أبداً وديني تقولُ إذا درأتُ لها وضيني أكلَّ الدهرِ حَلٌّ وارتحالٌ أما يُبقي عليَّ ولا يَقيني وهي لم تقل من هذا شيئاً ، ولكنَّهُ رآها في حال من الجَهْدِ والكَلال ، فقضى عليها بأنها لو كانَتْ ممَّنْ يقول لقالت ما حكى عنها (٤) 00 (١) انظر ((تأويل مشكل القرآن)) (ص٧١). (٢) انظر ((تأويل مشكل القرآن)) (ص٧١)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( فكانت ) . (٣) هو المُثَقِّبُ العبدي، والبيتان من قصيدة اختارها المفضَّلُ الضبي له في ((المفضليات)) ( ص ٢٨٧ ) ، ومطلعها : أفاطمُ قبل بينكٍ متعيني ومنعُكِ ما سألتُ كأن تبيني والبيتان هنا وقعا (ص٢٩٢) في صفة ناقته متوهِّماً خطابها حينما أراد استرحالها ، ودرأت : مددتُ ، والوضين : الحزام الذي يُشدُّ على وسطها لتثبيت الرحل ، وقوله : ( أهذا دينه أبداً وديني ) هو ما توقَّمه من خطاب ناقته ؛ حيث تقول على سبيل الاستفهام الإنكاري : أهذه عادته وعادتي ؛ الدهرَ كلَّهُ حَلٌّ وارتحال؟! أما يرأف بي فيبقيني أو يقيني ؟! (٤) انظر ((تأويل مشكل القرآن)) (ص٧١). ٥٥000 ١٨١ CONT Coo YOU [من مشطور الرجز] وكقول الآخر (١): شكا إليَّ جملي طولَ السُّرَى يا جملي ليسَ إليَّ المشتكى الدر همانٍ كلَّفاكَ ما ترى صبراً جُمَيْلي وكلانا مبتلى والجملُ لم يشكُ ، وإنما دلَّ حالُهُ على الشكاية المضمرة(٢). CON [من الكامل] وكقول عنترةً في فرسه(٣): فازورَّ مِنْ وقْعِ القنا بلَبانِهِ وشكا إليَّ بِعَبْرةٍ وتحمحم وقالوا أيضاً في قوله في صفة جهنمَ: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلّى﴾ [المعارج: ١٧]: إنه بمنزلة قول ذي الرُّمَّة (٤): [من الطويل] دَعَتْ ميَّةَ الأعدادُ واستبدلَتْ بها خناطيلَ آجالٍ مِنَ العِينِ خُذَّلِ والأعدادُ : المياهُ ، لما انتقلت ميَّةُ إليها صارَتْ كأنها دعَتْها إلى نفسها (٥) (١) أورد هذا الرجز العسكري في ((جمهرة الأمثال)) (١٠٨/١)، وقافيته هي الألف المقصورة . (٢) انظر ((تأويل مشكل القرآن)» (ص ٧١ - ٧٢ ). من معلقته المشهورة ، والازورار : الميل ، والتحمحم من صهيل الفرس : شبْهُ (٣) الحنين؛ ليرقَّ صاحبه له . انظر (( شرح المعلقات)) للزوزني (ص٢٦٣)، وانظر ((تأويل مشكل القرآن)) (ص ٧٢ ) . (٤) انظر ((ديوانه)) (١٤٥٥/٣)، والأعداد: جمع عِدِّ؛ البئر التي لا ينقطع ماؤها لمددٍ يأتيها ، والخناطيل : جمع خُنْطُولة ؛ الطائفة من الإبل والدوابُ وغيرهما ، وهنا أراد بقر الوحش ، والخُذَّل : القائمات على أولادها وقد تركت صواحبها . (٥) انظر ((تأويل مشكل القرآن )) (ص ٧٢). ٥٥٥٥٥ ١٨٢ AXC40 JAYOY ٢٠٧ [من الكامل] وكقول الآخر (١): ولقد هبطتُ الواديينِ ووادياً يدعو الأنيسَ بهِ العضيضُ الأبكمُ والعضيضُ الأبكم : الذبابُ ، أراد : أنه يَطِنُّ فيَدُلُّ بطنينه على النبات والماء ، فكأنه دعاهُ(٢) [من مشطور الرجز] وكذلك قولُ أبي النجم في النبات(٣): مستأسداً ذِيَّانُهُ في غيطلِ يقلنَ للرائدِ أعشبْتَ انزلِ ولم يقلِ الذبابُ ذلك ، وللكنه دلَّ على النبات بطنينِهِ ، فكأنه قال للرائد : هذا عشبٌ فانزل (٤) وكذلك قولُ الآخر في صفةِ الذئب(٥): [من مشطور الرجز] يستخبرُ الربحَ إذا لم يسمع بمثلٍ مِقْراعٍ صفا المُوقَّعِ 00000 (١) البيت في ((المعاني الكبير)) (٦٠٣/٢) من غير نسبة، والعضيض هو من العَضٌ، والظاهر أنها تصحّفت في بعض المصادر إلى الغضيض ، وليس الغضُّ من صفة الذباب . (٢) انظر ((تأويل مشكل القرآن)) (ص٧٢). (٣) انظر ((ديوانه)) (ص٣٤١)، والغيطلُ: جمع غيطلة؛ الشجر الكثيف الملتف، والذِّبان : جمع ذباب ، والذباب : جمع ذبابة . (٤) انظر ((تأويل مشكل القرآن)) (ص ٧٢ - ٧٣). (٥) البيت لأبي الرديني العكلي كما في ((البيان والتبيِّن)) (٨٢/١)، وفيه: (الصفا) بدل ( صفا)، والمقراع: الفأس التي يكسر بها الصخر ، والموقَّع : المحدَّد ، يقال: وقعت الحديدة ؛ إذا حدَّدْتها . LON 00000 ١٨٣ 00000 فجعل تشمُّمَهُ استخباراً(١). فيقال لهؤلاء المبتدعة : إنَّا لا ننكر إطلاقَ القول المجاز على ما لا يصحُ منه القول ؛ نحو قولهم : قالَ فلان برأسِهِ كذا ؛ أي : أماله ، وقال الحائطُ والبعير ونحوُ ذلك ، ولكن لا يقال فيما كان من ذلك مجازاً : قال قولاً ، ولا يقال في مثل ما كان منه مجازاً : تكلَّم ، ولا يعقلُ الكلامُ إلا على معنى النطقِ بعينه ، إلا إذا أريد به الوعظ ؛ كقول الشاعر (٢): [من مجزوء الكامل] وعظَتْكَ أحداثٌ صُمُتْ ونعتْكَ أزمنةٌ خُفُتْ تبلى وعن صُوَرِ سُبُتْ وتكلَّمَتْ عن أوجهٍ رٍ وأنتَ حيٌّ لم تَمُتْ وأرتْكَ قبرَكَ في القبو وممَّا يدلُّ على تأكيد ما قلناه : أن أفعالَ المجاز لا تخرجُ منها المصادر ، ولا تؤكّدُ بالتكرار(٣) واستدلَّ القُتَيْبِيُّ على ذلك : بأن العرب تقول : أراد الحائطُ أن يسقطَ ، ولا تقول : أراد أن يسقطَ إرادةً شديدة، وتقول : قالت الشجرةُ فمالَتْ ، ولا يقال : مالَتِ الشجرة فقالَتْ قولاً، والله عزَّ وجلَّ قال: ﴿وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، فوكَّدَ الكلام بالمصدر ؛ ليدلَّ بذلك على نفي المجاز عنه(٤) 0 (١) انظر ((تأويل مشكل القرآن)) (ص٧٣). (٢) هو أبو العتاهية، والأبيات في ((ديوانه)) (ص٧٨) مع اختلاف يسير. (٣) انظر ((تأويل مشكل القرآن)) (ص٧٣ -٧٤). (٤) انظر ((تأويل مشكل القرآن)) (ص٧٤). ٥٥٥٥٥ ١٨٤ عده وقال أيضاً : ﴿ ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِّشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [النحل: ٤٠]، فوكَّدَ القول بالتكرير، وبتقديم ذكْرِ المصدر على الخبر، وأكَّدَ معناه بـ ((إنما)) الموضوعةِ في اللغة لتحقيق المتصل بها)(١) وتأويلُهم كلَّ وحي في القرآن على معنى الإلهام .. خطأٌ ؛ لأنه لا يقال لمن ألهمَهُ الله شيئاً: كلَّمَهُ الله، والله سبحانه يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآبٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ﴾ [الشورى: ٥١]، ففسَّرَ الوحي بالكلام، ولا يقال للإلهام: كلامٌ(٢)، كما بيَّنَّاهُ قبلَ هذا(٣) 000000 ولو سَوَّغنا لهؤلاء المبتدعةِ تأويلَ الكلام والقول في بعض الآيات على م المجاز .. فما احتيالَهم في أكثر الآيات التي فيها [مِنْ] أوامر الله ونواهيه وقوله وكلامه ؟!(٤) فإن تأؤَلُوا جميعَ ذلك على المجاز ، وأنكروا شهادةَ الأيدي والأرجل والجلودِ على أصحابها بما اكتسبوه من المعاصي ، وأنكروا إخبارَ الأرض عند زلزلةِ الساعةِ أخبارَها ؛ كما [أنكروا] كلامَ جهنمَ وقولَ السماء والأرض(٥) .. (١) انظر ((تأويل مشكل القرآن)) (ص٧٤). (٢) انظر ((تأويل مشكل القرآن)) (ص ٧٥)، والإلهام من الوحي ، وكذا المنام ، والكلام منه أيضاً ؛ قال تعالى: ﴿فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُؤَى﴾ [طه: ١٣]، وسماع عين كلام الله تعالى مفادٌ من قوله تعالى: ﴿أَوْ مِن وَرَآٍ جِجَابٍ﴾. انظر ((مفاتيح الغيب)) (١٨٧/٢٧). (٣) انظر (٢ / ١٨٠ ). (٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( عن ) . (٥) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( أنكرت). CON صار الكلامُ معهم في صحّةٍ وصف الله عزَّ وجلَّ بالقول وكونه قائلاً آمراً ناهياً . واستدللنا حينئذٍ على ذلك : بأن الحيَّ السليم من الآفة والخرس والسكوت لا بدَّ من أن يكون متكلِّماً (١)، ومتى لم يكن متكلّماً كان موصوفاً بضدِّ الكلام ، وإذا استحال وصفُهُ بأضداد الكلام وجبَ أن يكون موصوفاً بالكلام ؛ كما أنه لمَّا استحال وصفه بأضداد العلم والقدرة كان قادراً عالماً ؛ لأن الحيَّ لا يخلو من العلم وضدِّهِ، ولا من القدرة وضدِّها(٢) وأما الذي ألجأَهم إلى إنكار كلامه لولا إضمارُهم الإلحادَ(٣). وإسرارُهم القولَ بتعطيل أوامرِهِ ونواهيه والأحكام الشرعية . وإنْ أثبتوا كلامَ الله عزَّ وجلَّ، وأنكروا قولَ جهنمَ ودعاءَها .. فما الذي أحالَ ذلك ؟ bo فإن قالوا : عدمُ الحياة فيها . قيل : هلَّا جاز أن يخلق فيها حياةً ونطقاً ، ويخلقَهما فيها يومَ القيامة . فإن قالوا: لو جاز ذلك لجاز أن يخلق الغيظَ؛ لقوله: ﴿تَكَادُ تَمَكَّرُ مِنَ اَلْفَيْظِ﴾ [الملك: ٨]. قيل : لا نأبى ذلك ؛ فقد استقصينا فضائحَ هؤلاء المبتدعة في هذه (١) يعني : بكلام نفسيٍّ. (٢) كما تقدم ( ٩٢/٢ - ٩٣ ). (٣) كذا العبارة في جميع النسخ، والأليق : ( فإضمارهم) بدل ( لولا إضمارهم ) . ٥٥٥٥٥ ١٨٦ COoC المسألة وغيرِها في كتابنا الموسوم بـ (( فضائح المعتزلة)). وفيما ذكرنا منها في هذا الموضع كفايةٌ في إثبات الدعاءِ من جهنمَ (١) وفي تفسير معنى الدعاءِ والداعي ، وبالله التوفيق . 000000 (١) أراد: قوله سبحانه: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَى﴾ [المعارج: ١٧]. 100000 1AV ZOO OOO الفصل الثالث في بيان أقسام الدعاء والدعاة قال بعضُ أهل الإشارة : إن الله عزَّ وجلَّ جعل دعوة الخلق ودعاءَهم على مراتبَ ؛ فبعثَ أوَّلاً رسولاً يدعو عبادَهُ على لسانه ، فمن أجابَ رضيَ وحَظِيَ . ومن أبى بعثَ إليه كتابَ الوعد والبشارة والدعوة؛ فقال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوّا إِلَى دَارِ السَّلَئِ﴾ [يونس: ٢٥]، فمن أجاب إليها نَعِمَ فيها. ومن أبى بعثَ إليه كتابَ الدعوة إلى نفسه ؛ بأن يعرف عظمتَهُ وتوحيده ؛ فقال: ﴿ وَأَنِيُوْ إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤]، فمن أجابَ إلى هذه الدعوة بالتوبة والإنابةِ وأسلمَ .. سَلِمَ ، وأداه التسليمُ إلى التَّسْنيم . ومن أبى بعثَ إليه كتابَ العتاب ؛ فقال: ﴿أَلَمْـ بَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، فمن أجابَ إلى هذه الدعوةِ واعترف .. هدمَ ما اقترف (١)، واستبدلَ بالسيئات حسناتٍ، وارتقى من الدركاتِ إلى الدرجات . ومن أبى بعثَ إليه كتابَ النذير ، ودعاه بالشيب إلى الحذر ممَّا فيه (١) انظر بيتينٍ للمصنف في هذا المعنى (٥٤/١). ١٨٨ 2. الخطر ؛ فقال: ﴿وَجَاءَ كُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] (١)، والمرادُ به الشيبُ عند أكثر المفسّرين(٢) فمن اتَّعظَ عند شيبه استدركَ في باقي عمره ما فاتَهُ في ماضيه ، ولذلك قيل : ( بقيةُ عُمُرِ المرء لا قيمةَ له ؛ يستدركُ فيه ما فاتَهُ، ويصلحُ فيه ما أفسده )(٣) وقال الشافعيُّ رحمه الله : ( اخترتُ من كلام الصوفيّة قولَهم : الوقتُ سيفٌ، وأفضلُ العصمة ألا تقدرَ )(٤) وتفسيرُ قولهم : ( الوقتُ سيفٌ ) أنك إن قطعتَ الوقتَ بالطاعة ، وإلا قطعَكَ الوقتُ عن مرادك . ومن أبى هذه الدعوةَ أيضاً بعثَ الله إليه كتاب الإشخاص ، ودعاهُ بالإشخاص على لسان ملكِ الموت ، وهو مشخصُهُ ، فأشخصَهُ إلى سجنه وهو القبرُ ، ومن كان مطيعاً فيما دُعِيَ إليه أشخصَهُ إلى دار الضيافة (١) الآية في (أ): (قد جاءكم النذير)، وفي (ب، ج): ( فقد جاءكم نذير). (٢) هو قول سيدنا ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وعكرمة وسفيان بن عيينة. انظر ((زاد المسير)) (٥١٤/٣)، و((الدر المنثور)) (٣٢/٧)، قال العلامة الزجاج في (((معاني القرآن)) (٢٧٢/٤): (والقول الأول أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم النذيرُ .. أكثرُ التفسير عليه ) ، وقيل في النذير أيضاً أنه سنُّ الأربعين ، وضعف الشيخوخة ، وسقوط السنِّ، وتقوُّس الظهر. انظر ((لطائف الإشارات)) (٢٠٨/٣). (٣) رواه مختصراً البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٧٧٩)، وقوله: ( لا قيمة له) أراد أنه لا يُقدَّر بقيمة ؛ لعزَّته وغلائه على صاحبه . (٤) رواه البيهقي في (( مناقب الشافعي) (٢٠٨/٢)، وقوله: ( ألا نقدر ) إشارة إلى التوفيق ؛ بعدم خلق القدرة على المعصية . ١٨٩/٥٥ TOPGY OOU والكرامة ، فإذا حصل في قبره ؛ فإن كان من المحبِّينَ جاءَهُ الملكان بالبشارة والتُّحفة، وإن كان من العُتَاةِ الطغاة جاءَهُ منكرٌ ونكير المستوفيان ، يستوفيان منه حسابَهُ كمَنْ يُحاسَبُ في السجن ويُقيّدُ ويُعذَّب ، ولا بدَّ هناك من إحدى خَلَّتينِ : إما كرامةٍ وسلامة ، وإما ندامةٍ وملامة ، إلى يوم القيامة . وقال بعضُهم : الدعاةُ إلى الحقِّ ثلاثةٌ : فالحبيبُ دعاك إلى الملة ، والخليلُ دعاك إلى القبلة ، والجليلُ دعاك إلى الجنة . فدعوةُ الخليل إلى يوم القيامة بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأَذِّن فِ النَّاسِ بِالْحَجْ يَأْتُوكَ رِجَالًا ... ) الآيةَ [الحج : ٢٧]، فدعا وأذَّنَ بالحجِّ ، وقال : عبادَ الله ؛ أجيبوا داعيَ الله ، ومن كرم الإله : [أنه] جعلَ الدعوةَ إلى الملَّةِ والقبلة بواسطةٍ ؛ لما فيها من المشقّة على الأبدان ، ودعا إلى الجنة بلا واسطة ؛ لأنه لا مشقَّةً فيها . وقال آخرون : الدعوةُ من الله عزَّ وجلَّ على خمس مراتبَ : منها : دعوةٌ إلى التوحيد، [ومنها] قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]. والثانيةُ: دعوةٌ من الحوبة إلى التوبة، ومنها قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [النور: ٣١]، و﴿تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ [التحريم : ٨]. والثالثةُ: دعوةٌ إلى التوكل والتسليم، ومنها قولُهُ: ﴿ وَأَنِيُوْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوْ لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤]، ومنها قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] . 00000 19. 00000 والرابعةُ : الدعوةُ إلى دار الضيافة والألطاف والكرامة ، ومنها قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَاَللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ﴾ [يونس: ٢٥]. والخامسةُ بعد الأربع المتقدمة : هي الدعوةُ إلى الحمد والشكر ؛ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوَكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢]. وقال آخرون في قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَِّ﴾: إن الله عزَّ وجلَّ وصف الدارَ الآخرة بأربعةِ أوصاف : أحدُها : دارُ القرار؛ فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا مَتَعُ وَإِنَّ اَلْأَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]. والثاني : دارُ المقامة ؛ فقال عزَّ وجلّ: ﴿ الَّذِىّ أَحَلَنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٥]. والثالثُ : دارُ الآخرة والعاقبة؛ وذلك في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿تِّكَ الدَّارُ اُلْأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُلُوًّا فِى الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]، ج وقال أيضاً: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]. والرابعُ : دارُ السلامة؛ وخصَّ نفسَهُ بالدعاء إلى دار السلام ؛ لأن لفظ المُقام والآخرةِ والقرار يشتملُ على أهل الطاعة وأهل المعصية ؛ لأن الجميع في الآخرة مقيمون ومستقرُّون في مقام ومستقرّ يليقُ بأحوالهم ، ودارُ السلام لا يسكنُها إلا مَنْ سلمَ من الآفات ؛ فلذلك قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوَا إِلَى دَارِ السَّلَمِ ﴾، ولم يقل: إلى الدار الآخرة ، ولا إلى دار الإقامة ونحوها 00000,١٩١ MOND وقال بعضُ المفسرين : (أراد بـ ((السلام)): نفسَهُ عزَّ وجلَّ ؛ لأن من أسمائه السلامَ المؤمنَ المهيمنَ )(١) فقوله: ﴿ إِلَى دَارِ السَّلَمِ﴾ يعني: إلى دار نفسه، فأضافَها إلى نفسه ، لا على معنى أنه يسكنُها ، وإنما أراد تشريفَها بإضافتها إلى نفسه ؛ كما قال: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا﴾ [الشمس: ١٣]، فأضافها إلى نفسه تشريفاً لها على سائر النُّوق ، لا على سبيل الحاجة إليها في ركوبٍ ولا غيره . فلمَّا أضاف الدارَ إلى نفسه يشرِّفُها(٢) .. دعا عبادَهُ إليها ليُعلَمَ أنه إنما خلقَها لنفْع عباده ، لا لنفْع نفسه بها ، تعالى الله عن اجتلابِ المنافع ودفع المضارِّ علوّاً كبيراً . وقال بعضُ أهل العلم : الدعاةُ أربعةٌ : اللهُ سبحانه ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم ، والنفسُ ، وإبليسُ اللعين . واللهُ يدعو إلى دار السلام كما نطقَ به القرآن . والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يدعو إلى المِلَّة؛ ولذلك قال فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَنَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]؛ أي: تدعو إليه، وقال فيه أيضاً: : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]. والنفسُ تدعو إلى الهوى والشهوات ؛ ولذلك قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالشُّوَءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، وقال أيضاً: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَىِّ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]. (١) انظر ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (٢٢٦/٢). (٢) يعني: الدار، وفي (أ): ( لشرفها) بدل ( يشرفها)، وفي (ج ): ( شرفها). CON ٢٠٧ AY وإبليسُ اللعين يدعو إلى النار والظلمات؛ ولذلك قال: ﴿إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظّلُمَتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. فمن أطاع النفسَ في الهوى استحقَّ عذاباً متقطّعاً ، ومن أطاع إبليسَ اللعين في الكفر استحقَّ عذاباً مؤتَّداً ، ومن عصاهما فمأواه الجنةُ ؛ وهي دارُ السلام ، وعلى ساكنيها السلامُ . وقال آخرون منهم : الدعوةُ من الله على أربعة أقسام : دعوةٌ إلى السبيل ، ودعوةٌ إلى الدليل ، ودعوةٌ إلى الجليل ، ودعوةٌ إلى الثواب الجزيل . فالدعوةُ إلى السبيل : كقوله : ﴿آدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]. والدعوةُ إلى الدليل : كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَفَلَا يَنَظُرُونَ﴾ [الغاشية: ١٧]، ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ [النساء: ٨٢]، ونحوَ ذلك. والدعوةُ إلى الجليل: كقوله عزَّ وجلّ: ﴿ وَأَنِبُوْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوْ لَهُ﴾ [الزمر : ٥٤] . والدعوةُ إلى الثواب الجزيل: في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوَاْ إِلَى دَارٍ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]. وقال آخرون : إن الله عزَّ وجلَّ دعانا من دارٍ أوَّلُها بكاء ، وأوسطُها عناء ، وآخرُها فناء ، إلى دارٍ أوَّلُها الرضاء ، وأوسطُها اللقاء ، وآخرُها البقاء . 6 ١٩٣٫٠٠٠٠٠ ALTON O وأشاروا بالبكاء في أول الدنيا : إلى بكاء الطفل عندَ ولادته ، ولذلك قال فيه ابنُ الرومي(١): [من الطويل] يكونُ بكاءُ الطفلِ ساعةَ يولدُ لِمَا تؤذنُ الدنیا بهِ مِنْ شرورها وإلَّا فما يبكيهِ منها وإنَّها لأوسعُ ممَّا كانَ فيهِ وأرغدُ وقد قال بعضُ المعتبرين : إن الإنسانَ خرجَ إلى الدنيا باكياً وأهلُهُ يضحكون ، فليجهدْ في أن يخرج من الدنيا ضاحكاً وأهلُهُ يبكون(٢) وهذا بابٌ يكثر الكلامُ فيه ، وفيما ذكرنا منه كفايةٌ لمن اختبرَ فاعتبر ، والله أعلم . (١) انظر ((ديوانه)) (٥٨٦/٢). (٢) نظمه الشاعر بقوله: (من الكامل ) ولدتكَ أمُّكَ يا بنَ آدمَ باكياً فاحرصْ على عملٍ تكونُ إذا بَكَوا والناسُ حولَكَ يضحكون سرورا في يومٍ موتِكّ ضاحكاً مسرورا انظر (( اللطائف والطرائف)) (ص٢٧١). OODD١٩٤ ٠, 00000 لغـ ذكر معنى (الدافع) من أسماءالن عزوجل قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ اَلْأَرْسُ﴾ [البقرة: ٢٥١]. وقال أصحابُنا : إن النِّعَمَ عندنا على ضربينِ : نعمةُ نفع ، ونعمةُ دفع . ونعمةُ الدفع : قد عمَّتِ المؤمنين والكافرين ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ قد دفعَ عنهم [وعن] الكفّارِ أنواعاً كثيرة من البلاء(١)؛ وهو وإن عذّبَهم في الآخرة فإنه يدفعُ عنهم ما هو أشدُّ من عذابهم ، وله أن يزيدهم عذاباً على عذاب ، فإذا اقتصرَ بهم على نوعٍ من العذاب فقد أنعمَ عليهم بما دفعَ عنهم من العذاب الذي هو أشدُّ من عذابهم (٢) وأما نعمةُ النفع فنوعان : أحدُهما : نعمةٌ دينية ؛ كالإيمانِ والمعرفة والطاعات ، والتوفيقِ لها والقدرةِ عليها . وهذا النوعُ منها قد خصَّ الله عزَّ وجلَّ به المؤمنين دونَ الكافرين (٣) (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( عن ) . (٢) قال جلَّ جلاله: ﴿ وَمَآ أَصَبَكُم مِّن ◌ُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال سبحانه: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَأَعْلَمْ أَنَّهَا يُرِبِدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة : ٤٩] . (٣) قال الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٣٤): ( لم يختلف أصحابنا= حدا ٥٥٥٥ ١٩٥ LONG OO والنوعُ الثاني من النفع: نِعَمٌ دنياوية ؛ كالحياة وصحّةٍ الأبدان والمال والأولاد ونحوِ هذا . وهذا النوعُ منها قد اختلفَ فيه أصحابُنا : فقال قومٌ منهم : إنها نِعَمٌ على من حصلَتْ له ؛ مؤمناً كان أو كافراً (١) وقال أبو الحسن الأشعريُّ : إن ذلك إنما يكون نعمةً على المؤمنين ، ولا يكون نعمةً على الكافرين، بل يكون استدراجاً لهم ؛ كما قال عزَّ وجلَّ : ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمَّلِ لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢-١٨٣]، وقال أيضاً: ﴿ إِنَّمَا نُعْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوّاْ إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] (٢). وفي هذه الجملةِ خلافٌ نذكرُهُ إذا انتهينا إلى تفسير المنعِم من أسماء الله عزَّ وجلّ (٣) في أن الله تعالى لم ينعم على الكافرين نعمةً الدين ولا وفَّقَهم ) . = 0000 (١) انظر (( مجرد مقالات الأشعري)) (ص٣٤)، وفيه: (وحكى أيضاً - يعني: الإمام الأشعري - في هذا الكتاب أن من أصحابنا من قال : إن ذلك قد يكون نعمة على الظاهر ، وإن لم يكن نعمة على الباطن ؛ لأن الله عز وجل قد عدَّ نعمَهُ على الكافرين في قوله: ﴿فَبِأَقِ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣]). (٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٣٤)، قال الأستاذ ابن فورك بعد إيراده لمذهب الشيخ الأشعري : ( فإذا قلنا بهذا القول ، وذهبنا هذا المذهب .. فإنا نقول : إن حياة الكافر وصحته وسلامته من الآفات استدراجٌ له وإملاء؛ ليزدادوا إثماً ، والصحيح هو هذا القول، وعليه دلَّ آَيُّ الكتاب في قوله: ﴿ أَخْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُ هُرِهِ، مِن قَالٍ وَبِنٌّ * ثَُارِعُ لَهُمْ فِ اَلْخَيْرَتِّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ -٥٦]، وقوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنّ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمَلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢ -١٨٣]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُعَلِ لَهُمْ لِيَزْدَادُوَاْ إِثْمًا﴾ ) . (٣) لم يذكر الإمام المصنف من أسمائه تعالى (المنعم) . 00000 19700000 000 ذكر معنى (الدائم) من أسماء الله عز وجل معناهُ : الباقي(١) وهو في اللغة : مفيدٌ للتأبيد (٢) وفي حديث عائشةَ رضي الله عنها : أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان عملُهُ [دِيمةٌ](٣) ؛ أي : دائماً ، والدِّيمةُ: المطرُ الدائم في سكونٍ ، فشَبَّهت عملَهُ في دوامه مع الاقتصاد بدِيمةِ المطر (٤) (١) انظر ما تقدم (١/ ٦٧٣). (٢) وعبارة العلامة الهروي في ((الغريبين)) (٦٥٨/٢): ( والعرب تضع هذه اللفظة موضعَ التأبيد والدوام ) . (٣) رواه البخاري (١٩٨٧)، ومسلم (٧٨٣)، قال الإمام النووي في (( شرح صحيح مسلم)) (٦/ ٧٢): ( قولها: ((كان عمله ديمة)) هو بكسر الدال وإسكان الياء ؛ أي : يدوم عليه)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( ديما)، وروى البخاري (٦٤٦٤)، ومسلم (٢١٨/٧٨٣) من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها أيضاً مرفوعاً: ((أحبُّ الأعمال إلى الله تعالى أدومُها وإن قلَّ))، وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته . (٤) كذا في (( غريب الحديث)) لابن سلام (٣١١/٤) عن الأصمعي ، وحكى بيت سيدنا ( من الكامل ) لبيد من (( معلقته)) : يُروِي الخمائلَ دائماً تَسجامُها باتَتْ وأسبلَ واكفٌ من دیمةٍ ثم قال : ( فأخبر أن الديمة الدائم ) . CON OVAT.NGYO وفي الحديث : أنه نهى أن يُبالَ في الماء الدائم (١)؛ يعني: الراكدً الساكن (٢) وقد يكون ( الدائمُ) في غير صفات الله عزَّ وجلَّ بمعنى السكون ، وكلُّ شيء سكَّنْتَهُ فقد أدمْتَهُ ؛ كفَوْرةِ القِدْرِ تديمُها ؛ [أي] : تسكّنُها ، وقد دامَ يدومُ دوماً ؛ إذا سكنَ(٣) قال ابنُ الأنباريِّ: ( الدائمُ : من حروف الأضداد ؛ يقال للساكنِ : دائمٌ، [وللدائرِ]: دائمٌ، ويقال: أصابَ فلاناً دُوَامٌ ؛ أي: دُوارٌ في رأسه ، وبه سُمِّيَتْ دُوَّامةُ الوليد ؛ لدورانها(٤) وقيل أيضاً : دَوَّمَ الطائرُ في الهواء ؛ إذا دارَ . وقال بعضهم : (( دوَّمَ)) من باب السكون ؛ وهو أن يبسط جناحيه ولا يضربَ بهما )(٥) وفي حديث جعفر بن محمد الصادقِ أنه قال ( كلُّ طير دوَّمَ حَرُمَ أكله ، وما دَفَّ حلَّ أكله ، وكلُّ بيضٍ استوى طرفاه فهو حرامٌ ، (١) رواه البخاري (٢٣٩)، ومسلم (٢٨٢) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه . (٢) كذا فى ((الغريبين)» (٦٥٩/٢) . كذا في ((الغريبين)) (٦٥٩/٢)، والمثبت ما بين المعقوفين منه. (٣) دُوَّامةُ - بوزان رُمَّانة - الوليد : فلكةٌ يُلَفُّ عليها خيط ، ثم تُرمى فتدور ، يلعب بها (٤) الصبيان. انظر ((تاج العروس)) ( دو م)، وتعرف اليوم بالبلبل والخذروف ، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: (وللدائم)، والتصحيح من (( الأضداد))، وفي ((الغريبين)): ( وللدائر ). (٥) انظر ((الأضداد)) لابن الأنباري (ص٨٣)، و((الغريبين)) (٦٥٩/٢). وكلُّ بيضٍ اختلف طرفاهُ فهو حلالٌ )(١) وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت لليهود : ( عليكم السامُ الدامُ ؛ أي : الموتُ الدائمُ)(٢) والعرب تُسمِّي الشجرةَ الضخمة : دَوْمةً؛ لدوامها وطولٍ عُمُرِها(٣) وفي الحديث : ( رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في ظلٌ دَوْمةٍ ) (٤) قال ابن الأعرابي : ( الدَّوْمةُ: ضِخامُ الشجر ما كان )(٥) وقال أبو منصور الأزهريُّ في كتابه المعروف بـ (( تهذيب اللغة)) : ( الدَّوْمةُ: شجرةٌ تشبهُ النخل، إلا أنه يثمر المُقْلَ، وله ليفٌ وخُوص )(٦). قال عبدُ القاهر : وصْفُ الله عزَّ وجلَّ بـ ( الدائم ) إنما يجوز على معنى الباقي ، وقد فسرنا معنى الباقي قبل هذا . ومـ (١) مرَّ معنى الدوم بشأن الطائر، والدَّفُّ: أن يضرب بجناحيه، فهو بخلاف بسط الجناحين. انظر (( المخصص)) (٣٢٩/٢). (٢) انظر ((الغريبين)) (٦٥٩/٢)، وحذفت الهمزة من ( الدام) مراعاة لـ (السام). (٣) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٢٤/٥). (٤) رواه أحمد في ((المسند)) (١٠٩/٤) من حديث سيدنا عبد الله بن حوالة رضي الله عنه . (٥) رواه عنه الحربي في ((غريب الحديث)) ( ١١٤٧/٣)، قال: وأنشدنا: [من الوافر] زجرْنَ الهرَّ تحت ظلالِ دَوْمِ ونقَّبْنَ العوارضَ بالعيونِ (٦) انظر ((تهذيب اللغة)) (١٥١/٩)، (١٤٩/١٤)، والعبارة هنا منقولة عن ((الغريبين)) (٦٥٩/٢). 00060 19900000 O