النص المفهرس
صفحات 141-160
rX VAXYNG ـم الفصل الأول في بيان معنى (الخلق) و(الخالق) في اللغة اعلم : أن الخالق في اللغة مأخوذٌ من الخَلْقِ ، والخلقُ في اللغة له معنيان : 0000 أحدُهما : إنشاءُ الشيء واختراعُهُ وإحداثه من العدم إلى الوجود : وهذا لا يكونُ إلا من الله عزَّ وجلَّ عند أهل الحق . 00000 وعلى هذا الوجهِ: يحملُ قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]، وقولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]؛ أي : في إحداثه لهما ، وكذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا﴾ [الملك: ٣]، وقولُهُ أيضاً: ﴿ وَلَقَدْ جِثْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام : ٩٤] . وما أشبه ذلك في القرآن كثيرٌ ممَّا ذُكِرَ فيه الخلْقُ والمرادُ به الإحداثُ. والمعنى الثاني : الخَلْقُ بمعنى التقدير : والتصويرُ نوعٌ من التقدير ؛ قال الله عزَّ وجلَّ في عيسى عليه السلام : ﴿ وَإِذْتَّخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠]؛ أي: تُصَوِّرُ من الطين كهيئة الطير، ولم يُرِدْ به الإحداثَ ؛ لأن غيرَ الله عزَّ وجلَّ لا يكون محدِثاً . ٥0000 ١٤٠ 00000 وكذلك قولُهُ: ﴿أَحْسَنُ الْخَلِفِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] معناهُ: أحسنُ المصوِّرين تصويراً(١) . وقال عزَّ وجلَّ في تصوير الإنسان: ﴿تُخَلَّقَةٍ وَغَيْرٍ مُخَلّقَةٍ﴾ [الحج : ٥]؛ أي : لم تصوَّرْ بعدُ . وقال الفراء : مخلقة : تامّ الخَلْقِ في الصورة ، وغيرِ مخلقةٍ : السُّقْطِ الذي لم تتمّ صورته (٢) وفي الخَلْقِ بمعنى التقدير: جاءت تسميةُ الإسكاف خالِقاً (٣) وقيل في الأديم : فرَتْهُ أيدي الخوالق ، وإنما سُمَِّ صانعُ الأديم خالقاً لأنه يقدِّرُهُ ؛ قال زهير (٤): [من الكامل] ولأنتَ تفري ما خلقْتَ وبَعْـضُ القوم يخلقُ ثم لا يفري يقول : أنت إذا قدَّرْتَ شيئاً قطعته، وغيرُكَ يقدِّرُ ما لا يقطعه؛ لضعْفٍ عزمه . وقال الكميتُ(٥) : [من الوافر] أرادوا أنْ تزايلَ خالقاتٌ [أديمَهُمُ] يقسنَ ويفترينا (١) انظر ((الوسيط)) للواحدي (٢٨٦/٣). (٢) انظر ((معانى القرآن)) (٢١٥/٢)، و«الغريبين)) (٥٨٩/٢). (٣) قال الهروي في ((الغريبين)) (٢/ ٥٩٠): (ويسمُّون صانع الأديم ونحوه : الخالق ؛ لأنه يقدِّر ) . (٤) انظر (( ديوانه)) (ص١١٩)، و((غريب الحديث)) لابن سلام (٢/ ٥٧). (٥) انظر ((ديوانه)) (ص٤٢٧)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( أديميها ) ، وفي البيت تشبيه النسّابين الذين أرادوا التفريق بين ابني نزار .. بالنسوة اللاتي يقطعن الأديم . 00000 \8 \700000 وصفَ ابني نزار بن معدٍّ وهما مضرُ وربيعة ؛ أي: إذا سبرَهُما خالقاتُ الأديم، وأرادوا التفريقَ بينهما .. وجدوا أديمَهما واحداً(١)؛ يقال: زايلتُ بين الشيئينِ ، وزيَّلتُ بينهما ؛ إذا فرَّقتُ بينهما . قال الحجَّاجُ في خطبته : ( ما وعدتُ إلا وفيتُ، ولا خَلَقْتُ إلا فريتُ)(٢). فهذا كلُّهُ دليل على أن الخلق قد يكون بمعنى التقدير والتصوير . وأما تسميةُ الكذب خَلْقاً واختلاقاً (٣) : فمن أجل ما فيه من معنى التقدير والتصوير ؛ لأن الكاذب يقدِّرُ كذبه تقديرَ الصدْقِ ، ويخرجُهُ في صورة الصدق وصفتِهِ ؛ قال الله عزَّ وجلّ: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا أُخْتِلَقُ﴾ [ص: ٧] ؛ أي : زعموا أنه كذبٌ وتخرُصٌ (٤) وقال أيضاً: ﴿ وَتَّخْلُقُونَ إِفْكَّا﴾ [العنكبوت: ١٧]؛ أي: تقدِّرون كذباً(٥). وقوله : ﴿إِنْ هَذَآَ إِلَّا خَلْقُ اَلْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] اختلاقَهم، ومن قرأ: ﴿خُلُقُ اُلْأَوَّلِينَ﴾ بضم الخاء واللام .. أراد عادتهم (٦) (١) لو قال: (وأردْنَ ، وجدْنَ) لكان أليق بالسياق. (٢) انظر (( الصحاح )) ( خ ل ق ) . في (( تهذيب اللغة)» (١٧/٧): (والعرب تقول : حدثنا فلان بأحاديث الخَلْق ؛ وهي (٣) الخرافات من الأحاديث المفتعلة )، وفي ((الصحاح)) (خ ل ق): ( هذه قصيدة مخلوقة ؛ أي : منحولة إلى غير قائلها ) . (٤) انظر ((النهاية في غريب الحديث)) (٧١/٢)، و((شرح الأصول الخمسة)) (ص٥٤٧). انظر ((الغريبين)) (٥٨٩/٢ ) . (٥) (٦) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بفتح الخاء وسكون اللام ، وقرأ الباقون بضمتين . انظر (( الدر المصون)) (٥٤١/٨). 40 (COOOO OOOOO COO واختلفوا في تأويل قوله عزَّ وجلَّ: ﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]: فقال قومٌ : معناهُ : أنَّ ما خلقه الله عزَّ وجلَّ فلا يقدرُ أحدٌ على تغييره(١) وفي ذلك إبطالُ قول من زعم من القدريَّةِ : أن الله عزَّ وجلَّ قد يخلق عَرَضاً في جسم فيكون باقياً فيه ، ويُحدِثُ الإنسانُ في ذلك الجسم عَرَضاً هو ضدٌّ للعرض الأول الذي خلقَهُ الله فيه ، فيبطل وجودُ الأوَّلِ بوجود الثاني . وهذا على أصلنا محالٌ من وجهين : أحدُهما : أن بقاءَ العرض عندنا غيرُ صحيح . والثاني : أن الإنسان عندنا لا يصحُّ أن يفعل فعلاً في غيره(٢)، ولا يصحُّ أن يفعل الجسمُ فعلاً في جسم آخرَ بحال . 5 فلزمهم تبديلُ خَلْقِ الله على أصولهم ، ولم يلزمنا ذلك على أصولنا . وفي هذا التأويل فائدةٌ أخرى ؛ وهي قولنا : إن من خلقَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ للإيمان أو للكفر ، أو للسعادة أو للشقاوة .. فلا يقدرُ أحدٌ على تغييره عنه ، وذلك خلافُ قول القدرية في دعواهم أن العبد يقدرُ على أن يجعل نفسَهُ على خلاف ما قضاهُ الله عزَّ وجلَّ عليه . (١) وقوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿وَلَمُنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُكَ خَلْقَ اَللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] فسيأتي قريباً أن خلق الله هنا هو الدِّين ، ولو سُلِّمَ تغييرُ الصورة والعرضية فهذا أيضاً هو من خلق الله تعالى ، وإنما نسبة التغيير لمن دونه هي الكسب فقط . (٢) إذ لا يتصور في القدرة الحادثة إلا أن يقع التأثير في محلّها ، بخلاف القدرة القديمة التي يكون أثرها في غير ذاتها . DO000 ١٤٣ 00000 والكلامُ في ذلك يأتي بعد هذا(١) وقال آخرون في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: يعني: لا تبديل لدینه ، وبه قال الحسنُ ومجاهد(٢) وكذلك قولُهُ حكايةً عن إبليس: ﴿وَلَّمُرَّهُمْ فَلَيُغَيْرُكَ خَلْقَ اْللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]؛ أي: دينَهُ . وفي هذا التأويل : إشارةٌ إلى تأبيدٍ شريعة الإسلام ، ومنع ورود النسخ عليها ؛ لأن دينَ الله الإسلام ، وكذلك قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اَللَّهِ اَلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]. فإذا صحَّ أن الدين عنده الإسلامُ ، ولم يكن لدينه تبديلٌ .. دلَّ على أن دينَ الإِسلام لا يُنسَخُ أبداً . فقد ذكرنا معنى الخَلْقِ والخالقِ في اللغة . وأما معنى الخليقةِ المذكورة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في قوم: (( هم شرُّ الخَلْقِ والخليقةِ))(٣) .. فقد قال النضرُ بن شميل: (١) انظر (٣/ ٥٠١) . (٢) وسعيد بن المسيب والضحاك والسدي والنخعي وقتادة. انظر (( مفاتيح الغيب) (٤٩/١١)، وذكر أقوالاً أُخر؛ منها : التغيير لصورة خلق الله بالكسب؛ كالإخصاء ، والتخلُّث ، وكقطع الآذان ، وفقء العيون ، والتغيير لأحكامه ؛ من عبادة ما سواه تعالى ، وتحليلٍ ما حرَّم ، وتحريم ما أحلَّ ، وهذا كلُّهُ مؤوَّل كما لا يخفى . (٣) رواه مسلم (١٠٦٧) من حديث سيدنا أبي ذر رضي الله عنه ، والمراد بهم : الخوارج، وعند الحافظ ابن حجر في (( فتح الباري)) ( ٢٨٦/١٢): (وعند ابن أبي شيبة من طريق عمير بن إسحاق عن أبي هريرة: ((هم شرّ الخلق))) . ١٤٤٥٥٥ ( أراد بالخلقِ : الناسَ ، وبالخليقةِ : البهائمَ والدوابَ ) . وأما الخُلْقُ : - بضم الخاء وجزم اللام وضمها - ففيه آثارٌ كثيرة : منها : قولُ عائشة رضي الله عنها في رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كان خلقُهُ القرآنَ )(١) ، قال ابنُ الأعرابيّ: الخُلُقُ: العادةُ، والخُلُقُ : الدِّينُ ، والخُلُقُ : المروءةُ . وفي الحديث : أن عمرَ رضي الله عنه قال : ( مَنْ تخلَّقَ للناس بما يعلمُ الله أنه ليس من نفسه .. شانَهُ اللهُ)(٢) قال المبرد : ( قوله: ((تخلَّقَ))؛ أي: أظهرَ من خُلُقه خلافَ نيَتِهِ ؛ يقال : تخلَّقَ مثلُ تجمَّلَ وتجبَّرَ ؛ أي : أظهر جمالاً وتجبُّراً لا أصل لهما فيه )(٣)، قال الشاعر (٤): [من البسيط] يا أيُّها المتحلِّي غيرَ شیمتِهِ إِنَّ التخلُّقَ يأتي دونَهُ الخُلُقُ وأما الخَلَاقُ: فهو النصيبُ؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿أُوْلَكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، ومنه قولَهُ عزَّ وجلَّ ﴿فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلَفِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٩]؛ أي: انتفعوا بنصيبهم . والأخلقُ : الجبلُ المصمت ، والحجرُ المصمت الذي لا يؤثِّرُ فيه (١) رواه مسلم ( ٧٤٦). (٢) أورده المبرد في ((الكامل)) (١٧/١)، والهروي في ((الغريبين)) (٢ /٥٩١). انظر (( الكامل في اللغة والأدب)) (١/ ١٧). (٣) (٤) البيت هو صدر بيت وعجزُ ثانٍ من أبيات أوردها الجاحظ في ((البيان والتبيُّن )) (٢٣٣/١) وعزاها لسالم بن وابصة . 0 ١٤٥ pooo شيء ؛ يقال فيه : حجرٌ أخلقُ؛ أي: أملسُ، وصخرةٌ خلقاءُ(١) وفي حديث عمرَ : ( ليس الفقيرُ الذي لا مالَ له ، إنما الفقيرُ الأخلقُ الكسبِ)(٢) قال أبو عبيد : ( هذا مَثَلُ الرجل الذي لا يُرزاُ في ماله ، ولا يقدِّمُ من ماله شيئاً يثابُ عليه في الآخرة )(٣) محـ وفي الحديث: «وأما معاويةُ فرجلٌ أخلقُ مِنَّ المالِ))(٤) ؛ أي : هو [خِلْوٌ] من المال(٥) وفي حديث ابن الزبير : ( إن الموت قد تغشَّاكم سحابُهُ ، وأحدقَ ربابُهُ ، واخلولقَ بعد تفرُّقٍ)(٦)؛ أي: اجتمعَ بعد تفرُّقٍ . وخَلاقةُ السحاب : اجتماعُهُ ، والله أعلم . (١) انظر (( الصحاح)) ( خ ل ق ). أورده ابن سلام فى ((غريب الحديث)) (٤٠٩/٣). (٢) (٣) انظر ((غريب الحديث)) (٤١٠/٣)، وعبارته: ( جعله مثلاً للرجل الذي لا يرزأ في ماله ، ولا يُصاب بالمصائب )، ثم قال: ( فأراد عمر أن الفقرَ الأكبر إنما هو فقر الآخرة ؛ لمن لم يقدِّم لنفسه شيئاً يُثاب عليه هناك ، وهذا كنحو حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (( ليس الرَّقوبُ الذي لا يبقى له ولد، إنما الرَّقوب الذي لم يقدِّم من ولده شيئاً ))) . (٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٤١٤/٦) من حديث سيدتنا فاطمة بنت قيس رضي الله عنها. (٥) انظر ((الغريبين)) (٥٩١/٢)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: (خلق)، ولعله تصحيف . (٦) انظر (( غريب الحديث)) للخطابي (٥٦٦/٢)، و((الغريبين)) (٥٩٢/٢). 00000 ١٤٦ COO CO الفصل الثاني في بيان معنى (الخلق) و(الخالق) على مذاهب المتكلمين أجمعَ أصحابُنا : على أن الخَلْق والمخلوق بمعنىّ واحد ، وكذلك الفَعْلُ والمفعول ، والإحداثُ والمُحدَثُ ، والإنشاءُ والمنشَأُ ، والإبداعُ والمبدَعُ، والإيجادُ والمُوجَد ، والاختراعُ والمُخترَع ؛ كلُّ ههذه العباراتِ معناه واحدٌ ؛ وهو الحادثُ الكائن بعد أن لم يكن(١) وزعمت طائفةٌ من المعتزلة : أن خَلْقَ الشيء غيرُهُ(٢) ، وبه قال أبو الهذيل العلافُ ومعمرٌ وأبو هاشم بن الجبّائي، واختلفَ هؤلاء الثلاثة : فقال أبو الهذيل : الخَلْقُ : قولُ الله للشيء : (كُنْ) ، وإرادتُهُ لحدوثه ، وهذا القولُ وهذه الإرادةُ خَلْقان للمخلوق ، وهما عرضانِ حادثان لا في محلٌّ ، ويقال لكل واحد منهما : خَلْقٌ وإحداث وحدوثٌ كان بالله عزَّ وجلَّ بعد أن لم يكن(٣) (١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٨، ٩١)، و((أبكار الأفكار)) (٢٣٢/٢)، و((مفاتيح الغيب)) (١٩٧/٤)، ولكن على قواعد السادة الماتريدية: أن التكوين غير المكوَّن . (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦٣)، و((شرح الأصول الخمسة)) (ص٥٤٨). (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦٣). SrAp COO وقولُ أبي هاشم(١): إرادةُ الله [لحدوث] الشيء(٢): هي خَلْقُهُ له ، وهي عرضٌ حادث لا في محلٌّ ، فأما قوله للشيء : ( كن ) فإنه عرضٌ حادث في محلِّ كسائر كلامه الحادث عنده في بعض الأجسام . وفرَّقَ بين الخلق والفَعْلِ ، وبين المخلوق والمفعول ؛ فقال : الفَعْلُ والمفعول واحدٌ ، وليس الخلق والمخلوق واحداً ، بل الخَلْقُ غيرُ المخلوق . وقال معمرٌ : الخلقُ غيرُ المخلوق ، ولكلِّ مخلوق خلقٌ هو غيره ، وكذلك لكلِّ خلقٍ خلقٌ هو غيره ؛ لقوله بإثبات ما لا نهايةً له من (٣) الأعراض وزعمت الكراميَّةُ : أن خلَقْ الشيء غيرُهُ ؛ وهو قولُ الله عزَّ وجلَّ للشيء : ( كن ) وإرادتُهُ له . 000000 وزعموا : أن الخلق الحادثَ غيرُ مخلوق ولا محدَثٍ . [وقالوا](٤): ما خلقَ اللهُ عزَّ وجلَّ في العالم جسماً ولا عرضاً إلا بإحداثٍ ؛ حدثَ في ذات البارئ عزَّ وجلَّ إرادةٌ لحدوثه وقولُهُ له : ( كن ) ، وما عُدمَ من العالم شيءٌ إلا بعد أن حدثَ في ذات البارئ عزَّ وجلَّ إرادةٌ لعدمه [وقولُهُ] له: (افنَ) أو (كُنْ معدوماً)(٥) (١) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص٥٤٨)، و((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦٥). (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( بحدوث ) . (٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( وقال ) . (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٣٦٤). (٥) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( قوله ) من دون الواو . OOP١٤٨ ٠٠ 00000 وسمَّوُا القولَ والإرادةَ اللذينِ يُعدمُ بهما شيءٌ من العالم : إعدامينِ ، لا إيجادين . د وزعموا : أن قدرةَ الله عزَّ وجلَّ إنما تتعلَّقُ بما يحدثُ في ذاته من الإعدام والإيجاد والتسمُّع والتبصُّر ، ولا يُوصفُ بالقدرة على شيء من أجسام العالم وأعراضها ، وإنما يكونُ وجودُ الجسم بالخَلْقِ ، ووجودُ العرض بالخَلْقِ الحادث في ذات البارئ عزَّ وجلَّ . فالله سبحانه عندهم قادرٌ على الخَلْق ، وليس بقادرٍ على المخلوق ، وإنما يُوصفُ بالقدرة على الخلق قبلَ حدوث الخلق فيه ، فأما بعدَ حدوثه فلا يصحُّ كونه قادراً [عليه](١)؛ لأن القدرةَ على الموجود غيرُ صحيحة(٢) 00000000 هاذا مع قولهم : ( إن المعدوم لا يُوصفُ بأنه مقدورٌ) ، فإذا لم يكن المعدومُ مقدوراً ، واستحالَ أن يكون الموجودُ مقدوراً .. فليت شعري في أيَّةٍ حالة قَدَرَ البارئُ عزَّ وجلَّ على الخَلْقِ الذي زعموا أن قدرته متعلِّقةٌ به دون المخلوق ؟! 000000 00000 واختلفَ الذين قالوا : ( إن خَلْقَ الشيء غيرُهُ ) في حدوثه معَهُ أو قبلَهُ : فقال أبو الهذيل : إن خلق الشيء يحدثُ معه لا قبله ؛ لأنه لو حدثَ قبلَهُ كان قد وُجِدَ خلقٌ لا لمخلوق . (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( عليها ) . (٢) انظر أقوال الكرامية في ((الملل والنحل)) الشهرستاني (١/ ١١٠)، و((أبكار الأفكار)) (٢١/٢، ٢٤)، و((الفرق بين الفرق)) (ص٢١٧)، و((تلخيص الأدلة)) ( ص ٤٦٣ ) . CON 00000,١٤٩ وكذلك قال ابنُ الجبائيٌّ في الإرادة لحدوث المراد الذي هو فعلُهُ : إنها تحدثُ مع حدوث مراده ، لا يتقدَّمُ أحدُهما على الآخر (١) وقال بشرُ بن المعتمر: إن خلْقَ الشيء غيرُهُ ، ويجب حدوثُهُ قبله (٢) وقال معمرٌ : المحدَثُ يصير مخلوقاً محدثاً بحدوثٍ وخلْقٍ هو عرضٌ حادثٌ فيه مع حدوثه ، وكذلك حدوثُهُ حادثٌ لعرض هو حادثٌ معه ، وكذلك كلُّ حدوث متعلُّقٌ بحدوث آخرَ قد حدثَ معه لا إلى نهاية (٣) وزعمت الكراميَّةُ : أن الخلق لا بدَّ من أن يوجد قبل المخلوق بزمانٍ واحد ، وأحالوا وجودَ المخلوق مع الخُلقِ في حال حدوثٍ الخلق . O واختلفوا في محلِّ الخَلْقِ : فزعمت الكراميَّةُ : أنه ذاتُ البارئ عزَّ وجلَّ (٤) وقال العلافُ وأبو هاشم: إنه محدَثٌ لا في محلّ (٥) وقال معمرٌ : خَلْقُ الجسم، وخَلْقُ خلقِهِ، وخَلْقُ كلِّ عرض حادثٍ .. في الجسم، وزعم أن الأعراض القائمةَ بالجسم لا نهاية لها، وأنها من أفعال الجسم؛ لدعواه أن الله عزَّ وجلَّ ما خلقَ شيئاً من الأعراض ، وإنما خلقَ الأجسامَ، وأحدثت الأجسامُ الأعراضَ ؛ بعضُها بالاختيار ، وبعضُها بالطباع (٦) (١) انظر (( شرح الأصول الخمسة)) (ص٥٤٦). (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦٤)، و((الملل والنحل)) (١ /٦٤). (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦٤). انظر ((أبكار الأفكار)) (٢٩٩/١). (٤) (٥) انظر (١ / ٤٢١ - ٤٢٢) . (٦) انظر (١ / ٤٢١، ٦٢٦). 00000 COOOOD ١٥٠ 100000 فهذه مذاهبُ المتكلُّمينَ في معنى الخلق والمخلوق . وقد ذكرنا في هذا الكتاب فصلاً في الدلالة على أن الخلق والمخلوق بمعنىّ واحد، خلاف قول من فرَّقَ بينهما (١) ، وذكرنا أيضاً فصلاً في الدلالة على إبطال قول الكراميَّةِ بحلول الخَلْقِ في ذات البارئ عزَّ وجلَّ(٢) ، فأغنى ذلك عن إعادة الدلالة على هذين الفصلينِ في هذا الموضع . وأما الكلامُ على من زعم : أن الخلق قولٌ لا في محلٌّ (٣)، أو إرادةٌ حادثة لا في محلِّ (٤) . . فمبنيٌّ على إبطال حدوثٍ عرضٍ لا في محلٌّ ؛ إذ لو جاز حدوثُ عرضٍ لا في محلٌّ لجاز حدوثُ سائر الأعراض لا في محلٌّ ، ألا ترى أنه لما جازَ حدوثُ جوهر لا في محلٌّ جازَّ حدوثُ سائر الجواهر لا في محلِّ ؟! فإن قالوا : إن الإرادة مخالفةٌ لسائر الأعراض .. فجاز أن تخالفَها الحركةُ وسائرُ الأعراض في أحكام كثيرة ، وذلك لا يوجبُ مخالفتها لها في الاستغناء عن محلٌّ ، كذلك مخالفةُ الإرادة لسائر الأعراض لا توجبُ مخالفتَها لها في الاستغناء عن المحلِّ . وأيضاً : فإن إرادةَ الإنسان أيضاً مخالفةٌ لسائر أنواع الأعراض ؛ وهي من جنس إرادة الله عزَّ وجلَّ عند المعتزلة القائلين بحدوث إرادتِهِ لا في محلِّ ، XA (١) انظر (١ / ٤٢٤) . (٢) انظر (٤٣٥/١). (٣) وهو قول أبي الهذيل العلاف، وله في هذا تفصيل. انظر ((أبكار الأفكار)) (٣٥٤/١). (٤) وهو قول البهشمية كما نبه عليه المؤلف (٤٢٢/١)، وانظر (( شرح الأصول الخمسة)) ( ص ٤٤٠ ) . COOoOK 6 فإن وجبَ استغناؤها عن المحلِّ لمخالفتها سائرَ الأعراض التي ليست بإرادة .. وجبَ أن تكون إرادةُ الإنسان بمثابتها في الاستغناء عن المحل ؛ لأنها من جنسها ، وليسَتْ بخلافٍ لها ، وهي مخالفةٌ لكلِّ عرض خالفتها إرادةُ البارئ عزَّ وجلَّ . وفي هذا بطلانُ فَرْقِهِم بين إرادة الله عزَّ وجلَّ وبين سائرٍ الأعراض في الاستغناءِ عن المحلِّ . ويقال لأبي الهذيل : لو جاز وجودُ قولِهِ : (كُنْ) لا في محلٌّ .. لجاز وجودُ كلِّ قول له لا في محلّ ؛ لأن كلَّ قائل وُجِدَ له قولٌ على وجه [لا] في محلٌّ(١) .. جازَ وجودُ كلِّ قول له لا في محلٌّ . فأما أن يقال : بعضُ أقواله مفتقرٌ إلى محلِّ ، وبعضُها مستغنٍ عن محلٌّ .. فلا سبيلَ إليه(٢) وممَّا يدلُّ على إبطال وجود إرادةٍ وقولٍ لا في محلٌّ : أن الإرادةَ لها ضدٌ معروف ، والمتضادانِ إنما يتضادانِ على ما يتضادُّ عليه الكونانِ في جسمين(٣)؛ ألا ترى أن الضدّينِ على المحلِّ الواحد إنما تضادًا عليه لتضادٍّ الكونين عليه ؛ بدليل أنه كما يستحيلُ اجتماع السواد والبياض في محلّ واحد .. يستحيلُ اجتماع الكونينِ من جسمينِ في محلِّ واحد ؟! فلو كانت (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( أو ) . (٢) وذلك أن أبا الهذيل وأصحابه قالوا: قوله: ( كن) في محلِّ، والأمرُ والنهي والخبر والاستخبار .. لا في محلّ. انظر (( الملل والنحل)) (٥١/١)، و((أبكار الأفكار)) (٣٥٤/١ ) . (٣) في المحل الواحد . ١٥٢٠ 00000 OODY DY.YS إرادةُ البارئ لا في محلٌّ لكانت الكراهةُ المتعلقة بالمراد الذي أرادَهُ لو وُجِدَتْ موجودةً لا في محلٌّ، فكانت إرادتُهُ وكراهتُهُ متضادّتينِ لا على محلٌّ . ولو جاز تضادُّ شيئين لا على محلِّ لجاز تضادُ كون جسمينٍ لا على محلٌّ ، وأدَّى ذلك إلى استحالة وجود جسمينٍ لا في محلٌّ ولا في مكان . وفي صحَّةٍ وجود ذلك دليلٌ على بطلان ما يؤدي إلى فساده ، وبالله التوفيق . Oo 000000 COOOU ٥ CONST الفصل الثالث في بيان جواز وصف اسعز وجل بـ: (الخالق) و(الخلاق) أجمعَ سلف الأمة ومعظمُ خلفها : على أن الله عزَّ وجلَّ هو الخالقُ على الإطلاق(١)، وأجمعوا: على إطلاق هذا الاسم عليه ؛ وقد نطق القرآنُ بأنه الخالق والخلَّق(٢)، وورد هذان الاسمانِ في السنة المأثورة في تسعة وتسعين اسماً من أسمائه(٣) ، والخلافُ في ذلك مع ستِّ فِرَقٍ : .00 الفِرْقةُ الأولى : دهريةٌ أو ملحدةٌ : تدَّعي قدمَ العالم ، وتنكرُ وجود الصانع . والكلامُ معهم في تسمية الخالق فضلٌ، وإنما يجبُ أن يُناظرَ في إثباته دون اسمه . والفِرْقُ الثانيةُ: برقلسيةٌ: أثبتوا الصانعَ، وزعموا أن صنعَهُ قديم معه (٤) انظر (( الاقتصاد فى الاعتقاد)) (ص ٢١٢). (١) (٢) سبق ذكر تلك الايات ( ٢/ ١٤٠) وما بعدها . تقدم تخريجه (١ / ٤٤٧، ٤٤٩ ). (٣) نسبة إلى برقلس، ويقال له أيضاً: أبرقلس. انظر ((التبصير في الدين)) (ص ١٥٠)، (٤) وانظر ما تقدم (١/ ٧٥٢) . COO000 ٤ ١٥ 00000 SCO والكلامُ معهم في تحقيق معنى الفَعْل في وجودِهِ عن عدم ، وفي تحقيق معنى الخالقِ أنه الذي يخترعُ الفَعْلَ من العدم إلى الوجود ، لا في إطلاقٍ هذا الاسم عليه . والفِرْقةُ الثالثةُ: ثَنَوِيَّةٌ : أقرَّتْ باسم الصانع والخالق ، واذَّعَتْ للعالم صانعينِ : أحدُهما : يخلقُ الخير ، والآخرُ : يخلقُ الشر . والكلامُ معها في توحيد الصانع يأتي بعد هذا(١) والفِرْقةُ الرابعةُ : أهلُ الطبائع : الذين أضافوا الحوادثَ إلى أفعال الطباع ، وأنكروا وجودّ صانع يخلق ما يشاء باختياره ، وأنكروا تسميةً الطبائع خالقةً وإن سَمَّوها فاعلةٌ (٢) . والكلامُ عليها في إحالة وجود طبْعٍ يخالف الأجسامَ والأعراض(٣)، وفي إثباتِ حدوث الطبع إن كان موجوداً في العالم ، وفي إحالةِ إضافة الفعل إلى فاعلٍ لا اختيارَ له . 00000 والفِرْقُ الخامسةُ : قومٌ من القدرية يقال لهم : أصحابُ أحمد بن خابطٍ (٤) : أثبتوا لله اسمَ الخالق، غيرَ أنهم زعموا أن للخلق ربَّينِ وخالقينِ : (١) انظر (٣٠٨/٣). انظر (( التبصير في الدين)» ( ص١٥٠). (٢) (٣) في (ج) : (لخالق) بدل ( يخالف)، والمثبت أولى . (٤) في جميع النسخ: ( حائط)، وفي ((لب اللباب)) (ص٨٦): ( الخابطية بكسر الباء الموحدة: فرقة من المعتزلة، رأسهم أحمد بن خابط)، وانظر (( الملل والنحل )) للمصنف ( ص١١٥)، وذكر معهم الحدثية ، وذكر أنهما من تلامذة النظام ، وانظر ((الفرق بين الفرق)) ( ص ٢٧٧) . YO VAXY وم أحدُهما : قديمٌ ؛ وهو اللهُ عزَّ وجلَّ . والآخرُ : محدثٌ؛ وهو المسيحُ ، وهو الذي يتولّى محاسبةَ الخلق في القيامة . واستدلُّوا بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقالوا فى المسيح : إنه هو الذي عناهُ الله بقوله: ﴿وَجَءَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَفًّا صَفَّا ﴾ [الفجر: ٢٢]، وهو الذي يأتي في ظلل من الغمام. قالوا : وهو الذي عناهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: ((إنَّ اللهَ خلقَ آدمَ على صورتِهِ))(١)، فادَّعَوْا أن المسيح خلق آدمَ ، مع قولهم: إن المسيح ابنُ آدم ! فيا سُخْنةَ عينٍ مَنْ يظنُّ أن الابن يخلقُ أباه ، وأن الفاعلَ يكون وراءً لفعله ! والكلامُ على هذه الطائفة يأتي في باب توحيدِ الصانع ؛ إذا انتهينا إلى تفسير الواحد من أسمائه عزَّ وجلَّ(٢) والفِرْقةُ السادسةُ : قومٌ من القدرية : زعموا أن الله عزَّ وجلَّ يقال له : فاعلٌ ومحدِثٌ ، ولا يقالُ له : خالقٌ على الحقيقة . وهذا اختيارُ الملقب منهم بـ ( جُعَل ) في زماننا ، وكفاه خزياً نفيهُ عن الله عزَّ وجلَّ ما أثبتَهُ لنفسه ، وإثباتُهُ للناس من الأوصاف ما نفاهُ الله عزَّ وجلَّ عنهم . (١) تقدم تخريجه (١/ ٣٤٠). (٢) انظر (١٣٩/٣، ٢٨٨). 000 ١٥٦ 60000 DO00 والفِرْقةُ السابعةُ : جمهورُ القدرية : في دعواهم أن العبدَ والبهائم والحشراتِ كلَّهم خالقون مخترعون لأعمالِهِم ، وليس لله عزَّ وجلَّ في أكسابهم خَلْقٌ ولا تقدير . O oo CHO ١٥٧٦ 00000 الفصل الرابع في بيان وصف اله عز وجل بـ (الخالق) هل كان ثابتاً في الأزل أم عند وجود الخلق صار خالقاً زعمت الكراميَّةُ : أن الله عزَّ وجلَّ كان في الأزل خالقاً ورازقاً ، موصوفاً بالأوصاف المشتقَّةِ عند مخالفيهم من أفعاله ، مع إقرارها باستحالة وجودٍ تلك الأفعال في الأزل ! وزعمت : أنه كان في الأزل خالقاً بخالقيّةٍ، ورازقاً برازقيّة ، والخالقيّةُ : قدرتُهُ على الخلق ، والرازقيَّةُ : قدرتُهُ على الرَّزق ، والقدرة قديمةٌ ، والخَلْقُ والرَّزْقُ عرضانِ حادثان في ذات البارئ عزَّ وجلَّ بقدرته ، وكلُّ مخلوق يوجدُ في العالم فإنما يوجدُ بخَلْقٍ يحدثُ في ذات البارئ عزَّ وجلَّ ، ولا يكون وجودُ المخلوقات بقدرته . ولذلك زعموا : أن الله عزَّ وجلَّ لا يوصفُ بالقدرة على شيء من العالم ، وإنما كان قادراً على ما حدث في ذاته من الحوادث ، دون ما حدثَ في العالم من الأجسام وأعراضِها القائمة بها . وزعموا : أنه إنما أُطلقَ على الله عزَّ وجلَّ اسمُ الخالق والرازق والفاعل في الأزل على الإطلاق ، فأما على الإضافة فلا يُطلَقُ شيءٌ من ذلك عليه إلا عند وجود المخلوقات والمرزوقين ؛ فلا يقال : كان في الأزل خالقاً 5000 1 0 155000 CLO XY DO DO00 للعالم ، ولا رازقاً لمرزوق ، وإنما يقال : ( [كان] في الأزل خالقاً ورازقاً ) على الإطلاق من غير إضافة . وكذلك قالوا : ( إنه لم يزل مماسّاً ) بغير إضافة إلى العرش ، وإنما يقال : ( صار مماسّاً للعرش ) عند وجود العرش ، وكان في الأزل مماسّاً بمماسِّيَّةٍ هي قدرته على إحداث مماسَّةٍ في ذاته(١) ولهم في هذا الباب خرافاتٌ قد حكيناها في هذا الكتاب قبلَ هذا(٢) وقال أصحابُنا مع كلِّ موحِّد أقرَّ بالصانع القديم : إن الله عزَّ وجلَّ لم يزل غيرَ فاعلٍ ولا خالقٍ ولا رازقٍ ، وإنما صحَّ الوصفُ له بأنه خالق ورازق عند وجود المخلوقات والمرزوقين(٣) وقالوا : إن كلَّ اسم مشتقِّ عند أهل اللغة من فعلٍ فإن الفاعلَ لذلك الفعل لا يستحقُّ ذلك الاسم إلا عند وجود ذلك الفعل . ودليلُهُ : الاشتقاق ؛ وذلك أن اشتقاق الخالق من الخلق كاشتقاق المتحرِّكِ من الحركة ، والمتلوِّن من اللون ، والعالم من العلم ، والقادر من القدرة ، فكما أنه لا يكون المتحرِّكُ متحرِّكاً ، ولا المتلوِّنُ متلوِّناً ، ولا العالم عالماً ، ولا القادر قادراً؛ إلا عند وجودٍ الحركة واللون والعلم والقدرة .. كذلك لا يكون الخالقُ خالقاً إلا عند وجود الخَلْقِ . ولأنه لو جازَ إطلاقُ الوصف عليه في الأزل بأنه كان خالقاً .. لجاز (١) انظر أقوالهم في ((التبصير في الدين)) ( ص١١٣). (٢) انظر (٤١٧/١) وما بعدها . (٣) انظر ما ذهب إليه السادة الماتريدية في هذه المسألة تعليقاً (٤٣٣/١ - ٤٣٤). 00000 0900000