النص المفهرس
صفحات 61-80
٥ الضاريَةِ والسموم القاتلةِ ، والبردِ والظلمةِ ، وكلِّ ما فيه نوعٌ من الأذى للناس أو لنوع من الحيوان ؛ فإن كلَّ ذلك ممَّا يتعلَّقُ به قومٌ من المُلحدة في طعنهم على التوحيد والحكمةِ به وبأمثاله . قيل لهم أيضاً : لو كان الأمرُ على موافقة اعتلالِكم .. لكان الأحسنُ في أفعالهم سلبَ الأسلحةِ والعُدَّةِ والتمكينِ من الفساد عند الاجتماع [للمقاتلة](١)، خصوصاً إذا عَلِمَ من عاقبتها أن الدائرةَ تكونُ على أهل الحقُّ دون أهلِ الإلحادِ . وفي هذا نقضٌ لجميع أصولِهم . ٢٨ (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( للمقابلة )، ويمكن حملُها على مقابلة العدو . 00000 , ٦٠ بيان أمثلة اختلفوا في وجد الحكمة فيها وأما الكلامُ عليهم في الوجه الثالث ؛ وهو بيانُ أمثلةٍ اختلفوا في وجه الحكمة فيها : [ اللطفُ لا يجبُ على اللهِ تعالى ] منها : أن أصحابَنا أجمعوا : على أن الله عزَّ وجلَّ قادرٌ على لطفٍ لو فعلَهُ بالكفَّار لآمنوا ، وعلى لطفٍ لو فعلَهُ بالمؤمن لازدادَ طاعةً واجتنب المعاصيَ كلَّها . ووجهُ الحكمة فيه عندهم : نفيُّ النقص عن الله عزَّ وجلَّ بنفي الحصر عن مقدوراته(١) وزعم جمهورُ القدريَّة : أن الله عزَّ وجلَّ لا يُوصفُ بالقدرة على ذلك . وزعموا : أن وجهَ الحكمةِ في نفي قدرته عليه .. نفْيُّ البخل عنه ؛ لأنه لو قَدَرَ عليه ثمَّ لم يفعلْهُ لكان قد بَخِلَ عليهم باللطف ، وقطعَهم عن (٢) منافعهم (١) إذ ما مُثِّلَ به هو من جملة الممكنات، وقدرته سبحانه متعلقة تعلُّقاً صُلُوحياً بكلُ ممكنٍ ، فمن هذه الحيثية لا حصر لمقدوراته . (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٤٧ - ٢٤٨)، وقال قاضي المعتزلة عبد الجبار في= O GNO وهذا خطأٌ منهم؛ لأن البخلَ: منعُ الواجب ، وفِعْلَ اللطف : تفضُّلٌ ؛ بدليل استحقاقِ الشكرِ عليه، وتركُ التفضُّل ليس ببخلٍ(١). وقد خرج من بين القدريَّة بشرُ بن المُعتَمِر ، فخالف أصحابَهُ في هذه المسألة(٢)، وأثبت قدرةً لله عزَّ وجلَّ على اللطف كما أثبتنا، إلا أنه خالفَنا في التعليل ، وزعم : أنه إنما منعَ اللطفَ ليكون ثوابُهم على طاعتهم من غير لطفٍ أجزلَ من ثوابهم عليها مع اللطف ، فعرّضَهم بمنع اللطف لأسنى المنزلتينِ وأعظمِ الثوابينِ (٣) وهذا الاعتلالُ لازم للقدريّة على اعتلالها في ترك الخَلْقِ في الجنة ابتداءً ، وفي إسقاطِ التكليفِ عن العباد ؛ حتى قالوا : إنما خلقَ العبادَ في دار الامتحانِ وكلَّفهم ما قد كلَّفهم .. تعريضاً منه لهم لأسنى المنزلتينِ ، = ٥ ((شرح الأصول الخمسة)) (ص ٥٢٠ - ٥٢١): ( اعلم : أن شيوخنا المتقدمين كانوا يطلقون القول بوجوب الألطاف إطلاقاً ، ولا وجه لذلك ، بل يجب أن يقسم الكلام فيه ويفصل ، فتقول : إن اللطف إما أن يكون متقدماً للتكليف ، أو مقارناً له ، أو متأخراً عنه ، ولا رابع) ، ثم ذكر أن اللطف لا يجب إذا كان متقدماً أو مقارناً للتكليف ، وإنما يجب إذا كان متأخراً عنه . (١) هذا على تسليم دعوى القدرية، وإلا فسيأتي (٦٠٣/٢) تعليقاً أن المولى سبحانه ما تعلَّقت إرادته وقدرته إلا بالأصلح والأكمل ، ولكن على ما يليق بالممكن وما هو عليه ، فليس ثَمَّ تركٌ للتفضُّل أصلاً . (٢) انظر (( المغني)) لقاضيهم عبد الجبار ( ٤/١٣). (٣) وذهب إلى قريب من ذلك من المعتزلة جعفرُ بن حرب، ونقل الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٤٧) قولاً برجوعه إلى مذهب أكثر أصحابه ، وحكى د القاضي عبد الجبار في (( المغني في أبواب التوحيد والعدل)) (٤/١٣ - ٥) قولاً برجوعه ورجوع بشر بن المعتمر إلى قول جمهور المعتزلة . 103000 7 250000 G فيلزمُهم حينئذٍ اعتلالُ بشرٍ في منع اللطف(١) وكذلك الخلافُ بين الفريقينِ في قدرة البارئ عزَّ وجلَّ على صلاح أصلحَ ممَّا فعلَهُ بعبده(٢) وعند أهل الحقِّ : أنه لا نهايةَ لِمَا في مقدورات الله عزَّ وجلَّ من الصلاح الذي يكونُ كلُّ واحدٍ [منها] أصلحَ ممَّا فعلَهُ(٣) واعتلالُهم فيه أيضاً : نفيُ التناهي عن مقدوراته ، ونفيُ النَّقْصِ عنه . (١) قال إمامنا الغزالي في ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص٣١٨): ( ليت شعري! كيف يستجيز العاقل أن يقول: ((للخلق في التكليف فائدة))، وإنما معنى الفائدة نفي الكلفة ، والتكليف في عينه إلزام كلفة ، وهو ألمٌ، وإن نظر إلى الثواب فهو الفائدة ، و كان قادراً على إيصاله إليهم بغير تكليف ؟! فإن قيل : الثواب إذا كان باستحقاق كان ألذَّ وأرفع من أن يكون بالامتنان والابتداء ، والجواب : أن الاستعاذة بالله تعالى من عقل ينتهي إلى التكتُّرِ على الله عز وجل ، والترفُّع عن احتمال مِنِّهِ ، وتقديرِ اللذة في الخروج من نعمته .. أولى من الاستعاذة من الشيطان الرجيم ) . (٢) فذهب عامة البصريين من المعتزلة : إلى عدم جواز ذلك ؛ لقولهم بوجوب اللطف على الله تعالى ، وعدم تفريقهم بين معنى الواجب والأصلح ؛ إذ غاية الصلاح عندهم واجبة على الله تعالى . وذهب عامة البغداديين من المعتزلة : إلى جواز ذلك ؛ لتفريقهم بين الواجب والأصلح. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٤٦ - ٢٤٨)، و(( المغني في أبواب التوحيد والعدل )) (١٤ / ٥٥ - ٥٦) . (٣) أما عدمُ نهاية المقدورات التقديرية عند أهل الحق .. فمسلَّمٌ، لكن بعض أهل السنة جزم بأن التعلُّق بالأصلح قد وقع؛ كالإمام الغزالي حينما قال: ( وليس في الإمكان أصلاً أحسنُ منه ولا أتمُّ ولا أكملُ ) ، ولم يمنع من تعلق القدرة بالمفروضات الوهمية ، وأن قدرة الله لو شاء لتعلَّقت بها ، وما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( منهما) . OOO ٦٣ وعند القائلينَ بالأصلح: أنه ليس في قدرته أصلحُ ممَّا فعلَهُ بعباده(١) ، ولذلك زعموا : أن خلقَهُ إيّاهم في دار المحنةِ ، مع علمه بهلاكهم في العاقبة، وعصيانِهم في الحال .. أصلحُ من أن يخلُّقَهم ابتداءً في الجنّة ، مع إزالة التكليفِ عنهم ، وإدامةِ النعمة عليهم ، ومن أن يخلقَ فيهم العلمَ به ضرورةٌ (٢) . فلزمَهم على هذا القول : أن يكونَ إنما خلقَ الأصلحَ لكي يحفظ الحكمةَ على نفسه ؛ إذ لو فعلَ غيره لم يكن عند أصحاب الأصلح حكيماً بحالٍ ، فكأنه دفع السفة عن نفسه بفعله للأصلح . ومن احتاج إلى حفظ الحكمةِ على نفسه .. كان محتاجاً منتفعاً ، وذلك من علامات الحدوثِ ؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً(٣) (١) قال الإمام الأشعري في ((مقالات الأشعري)) (ص٢٤٦) حاكياً قول بشر بن المعتمر: ( وليس على الله سبحانه أن يفعلَ بعباده أصلح الأشياء، بل ذلك محالٌ ؛ لأنه لا غايةً ولا نهايةَ لِمَا يَقدرُ عليه من الصلاح ، وإنما عليه أن يفعلَ بهم ما هو أصلحُ لهم في دينهم، وأن يزيحَ عللهم فيما يحتاجون إليه )، وينظر قول الإمام المصنف في (( الفرق بين الفرق)» ( ص ١٥٦ ) . (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٤٨). وحينما يحكم أهل الحق بأن فعلاً لا يجب على الله تعالى .. لا يريدون عدم وقوعه ، أو (٣) أنه يلزم تخلُّف وقوعه ليتحقَّق نفْيُ الوجوب ، وقد ذهب أعيانٌ من أهل السنة إلى أن الأصلح وإن لم يجب على الله فعلُهُ هو سِمَةُ جميع مخلوقاته ؛ حتى قال الحجة الغزالي في ((إحياء علوم الدين)) (٢٤٤/٨): (وكلُّ ما قسمَ الله تعالى بين عباده ؛ من رزق وأجل ، وسرور وفرح ، وعجز وقدرة ، وإيمان وكفر ، وطاعة ومعصية .. فكلُّهُ عدلٌ محضٌ لا جورَ فيه ، وحُّ صِرْف لا ظلمَ فيه ، بل هو على الترتيب الواجب الحق على ما ينبغي ، وكما ينبغي ، وبالقدر الذي ينبغي ، وليس في الإمكان أصلاً أحسنُ منه ولا أنمُّ ولا أکملُ ، ولو کان وادخره مع القدرة ولم يفعله لکان بخلاً یناقض الجود ، = 00000 , ٦٤ [ بيانُ أنَّهُ لا يجبُ عليهِ تعالى ثوابٌ ولا عقابٌ ] 10 ومنها : الكلامُ في وجوب الثوابِ والعقابِ على الله عزَّ وجلَّ : أوجبت القدريَّةُ كلُّها الثوابَ، وأوجب أكثرُها العقابَ من طريق العقول(١) وزعموا : أن وجهَ الحكمةِ في وجوبهما عليه : أنه لو كان لا يجبُ عليه الثوابُ والعقابُ .. لم يُؤْمَن منه الخلافُ! وقلنا : الثوابُ فضلٌ منه ، والعقابُ عدلٌ منه ، ولولا ورودُ الشرع بأنه يوقعُهما .. لكان جائزاً له تركُهما جميعاً (٢) 0000 ووجهُ الحكمة فيه : نفيُ الحاجة عنه باستحقاقه ثواباً إذا فعلَ واجباً عليه ، ونفيُ الضرر عنه باستحقاقه عقاباً إذا ترك واجباً عليه (٣) 00000 وليس الوجوبُ مُوقِعاً للأمن من الخلاف ؛ لأن الواحدَ منَّا قد يجبُ عليه ما يُخالِفُ فيه ولا يفي به ، وإنما أمنُنَا الخلافَ من الله عزَّ وجلَّ .. باستحالة الكذب عليه . = وظلماً يناقض العدل ، ولو لم يكن قادراً لكان عجزاً يناقض الإلهية ) . (١) قال القاضي عبد الجبار في ((شرح الأصول الخمسة)) (ص٦٤٤-٦٤٥): (اعلم : أن البغدادية من أصحابنا أوجبت على الله تعالى أن يفعل بالعصاة ما يستحقونه لا محالة ، وقالت : لا يجوز أن يعفوَ عنهم ، فصار العقابُ عندهم أعلى حالاً في الوجوب من الثواب ؛ فإن الثوابَ عندهم لا يجب إلا من حيث الجود ، وليس هذا قولهم في العقاب ، فإنه يجب فعله بكل حال ) ، ثم استدلَّ على فساد مذهب البغدادية ، وصحة مذهب البصرية . (٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٩٩). (٣) انظر ((الاقتصاد في الاعتقاد)) (ص٣٢٧). COR XO [ بيانُ أنَّ لهُ تعالى إماتةَ الكافرِ ولو علمَ إيمانَهُ إنْ أبقاهُ ] ومنها : إماتةُ من يعلمُ الله عزَّ وجلَّ أنه لو بقَّاه لآمن إن كان كافراً (١) . وازداد طاعةً إن كان في الأصل مؤمناً (٢) فقال أصحابُ الأصلح : إن ذلك غيرُ جائز في حكمةِ البارئ عزَّ وجلَّ ، وتبعَهم على ذلك معظمُ البصريينَ (٣)، غير أنهم ناقضوا فزعموا : أنه لو خلقَ الله عزَّ وجلَّ فِرَقاً .. جاز منه أن يُميتَ فريقاً يعلمُ أنهم يؤمنونَ ، ويُحيِيَ فريقاً يعلمُ أنهم يكفرونَ، وهذا بعينه إجازةُ ما منعوا منه، ومنعٌ ممَّا أجازوه(٤). (١) هذا كالذي قبله؛ من حيث النظرُ العقلي، وتعلُّقُ القدرة الأزلية الصُّلُوحي، وهو كما سبق لا يقتضي الوقوعَ ، بل من حيث النظرُّ الشرعي لا يقعُ مثل هذا أصلاً ؛ لقوله تعالى: ﴿بَّ بَدَالَهُم ◌َّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْرُدُواْ لَعَادُواْلِمَانُهُواْ عَنْهُ وَإِنَهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ويمكن حَمْلُ كلام أهل السنة على القضاء الأزلي المبرم ؛ إذ أخبر أنه تعالى قضى عليهم بالشرك أزلاً ، ولم تكن المعاينة بنافعةٍ لهم ؛ إذ إنهم لو وقعت لهم الرجعة وعاد التكليف لعادوا إلى الشرك ، عافانا المولى وتلطّف بنا . (٢) وهذا واقعٌ، ولله تعالى حِكَمٌ أجلُّ من أن يُحاط بها، وقد روى أحمد في ((المسند » (١٦٢/١) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال : نزل رجلانٍ من أهل اليمن على طلحة بن عبيد الله ، فقُتل أحدهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم مكث الآخر بعدَهُ سنةً ، ثم مات على فراشه ، فأُرِيَ طلحة بن عبيد الله : أن الذي مات على فراشه دخل الجنة قبل الآخر بحين ، فذكر ذلك طلحةُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كم مكثَ بعده؟))، قال: حَوْلاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلَّى ألفاً وثمان مئة صلاة، وصام رمضان)). (٣) سيأتي بعدُ أن أكثر البصريين مع أهل السنة في التجويز . (٤) والقائل بذلك بعض أصحاب الأصلح كما نبه عليه الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) ( ص ٢٥٠) . ٦٦ وعلَّلَ أصحابنا مع أكثر البصريينَ من المعتزلة بإجازة ذلك . ووجهُ الحكمة فيه عندنا : أنه لو أوجبنا عليه ذلك لأبطلنا كونَهُ متفضِّلاً بإحياءِ من يعلمُ أنه يؤمنُ ، وإماتةٍ من يعلمُ أنه يكفر قبل كفرِهِ ، وإذا كان متفضِّلاً بذلك لم يَجزْ إيجابُهُ عليه . وكلُّ مسألة من مسائل التعديلِ والتجويرِ لها تعلَّقٌ بباب الحكمةِ والسفهِ ، وسنذكرُ في خلال تفسير الأسماء بعد هذا جُمَلاً منها إن شاء الله عزَّ وجلَّ. C OLY ٦٧٠٠ XAD 000 ذكر معنى (الحليم) من أسمان عزوجل اعلمْ : أن الحليمَ في اللغة : الذي لا يَعجَلُ بالعقوبة، ولا يستفزُّهُ غضبٌ ، ولا يستحقُّهُ عصيانُ من يعصيه(١) والله عزَّ وجلَّ هو الحليمُ الذي إذا تعدَّى المُتعدِّي طورَهُ وأفرط في طغيانه .. أمهلَهُ إلى انتهاء مدَّته، ولذلك لم يُسْرِعِ الإجابةَ في دعوة كلِّ مظلوم على ظالمه . والعربُ تقول: حَلُمَ الرجلُ يَحِلُمُ حِلْماً؛ بضمِّ اللام من الماضي والمستقبل ، وهو حَليمٌ ؛ قال جرير (٢): [من الوافر] حَلُمْتُ عنِ الأراقمِ فاستجاشُوا فلا بَرِحَتْ قدورُهُمُ تفورُ يقالُ : حَلَمَ الرجلُ في النوم بفتح اللام ، يحلُم بضمِّ اللام ، حُلْماً بضمٌ الحاء وسكون اللام، وحُلُماً أيضاً بضمِّ الحاء واللام معاً، فهو حالمٌ ؛ قال الشاعر (٣): [من الطويل] حَلَمْتُ بِكُمْ في نومتِي فغضبتُمُ فلا ذنبَ لي إنْ كانَتِ العينُ تَحلُمُ (١) قال سبحانه: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة﴾ [النحل: ٦١]. (٢) أورده الأنباري فى ((الزاهر)) (٩١/١) ونسبه إلى جرير، وليس في ((ديوانه)). (٣) هو المؤمل بن أميل المحاربي. انظر ((الزاهر)) (٩١/١)، و((الأغاني)) (٢٢ /٢٥٢) . 00000 A 00000 وحَلِمَ الأديمُ بفتح الحاء وكسر اللام، يحلَمُ بفتح اللام ، حَلَماً بفتح الحاء واللام ؛ إذا انثقب وفسَدَ(١)؛ قال الوليدُ بن عقبةَ لمعاويةَ بن أبي سفيانَ [في عثمانَ](٢) بن عفان يومَ الدار وكان [أخاه] من أمه (٣): [من الوافر] فإِنَّكَ والكتابَ إلى عَليٍّ كدابغةٍ وقد حَلِمَ الأديمُ فإذا تقرَّر معنى ( الحليم ) في اللغة على ما بيَّناه : فالله عزَّ وجلَّ ( حليمٌ ) على معنى : نفي الحِدَّةِ والعجلةِ والطيشِ عنه . و( حليمٌ) على معنى : إمهالِ أهلِ العذاب ، وتأخيرِ عقوبتهم إلى الوقت المقدَّر ، وقد قيل في المَثل : إنما يُعجِّلُ العقوبةَ من يخاف الفوتَ(٤) ، فأما من لا يُعْوِزُهُ طلبٌ، ولا يُعجِزُهُ هربٌ .. فالحِلمُ من صفات مدحِهِ . والله عزَّ وجلَّ ( حليمٌ) على معنىٌّ آخرَ : وهو حلمُهُ على أهل طاعتِهِ بقَبوله عنهم ما هو دون حقُّهِ ، مع مجازاته إيَّهم بأكثرَ من جزائهم(٥) 00 (١) الأديمُ الحَلِمُ: هو الجلد الذي أفسده القُرَّاد قبل أن يسلخ ؛ يقال للقراد الكبير: الحَلِم. انظر ((العين)) (٢٤٧/٣). (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( لعثمان ) . (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( أخوه)، والخبر أورده أبو زيد في ((النوادر في اللغة)) (ص٥٥٦) بلا نسبة، وابن سلام في (( الغريب المصنف)) (٤٤٤/٢) الوليد بن عقبة، وانظر ((جمهرة الأمثال)) (١٥٨/٢). (٤) وهو من قول سيدتنا عائشة في رسالة كتبتها إلى سيدنا معاوية في مقتل سيدنا حجر بن عدي رضي الله عنهم أجمعين. انظر ( أنساب الأشراف)) ( ٤١/٥) . (٥) مع إجلال الحق سبحانه عن أن يقوم حادثٌ بحقُّهِ جلَّ وعزَّ، وأن يكون لحادثٍ حقٍّ على الله تعالى إن هو أطاعه، فالأكثرية هنا على التوهُّم، أو أن العبد يرضى بجزاءٍ فيجدُ= ٦٩ فإذا تأؤَلنا ( الحليمَ ) على معنى: قَبوله ما دون حقَّهِ ، ومجازاته إيَّاهم بأكثر من جزائهم .. كان هذا الاسمُ من جملة الصفاتِ التي استحقَّها بفعله ، ولا فائدةَ لهذا الاسم في أزله(١) وقالت المعتزلةُ : إن هذا الاسمَ من صفاته التي استحقُّها بفعله ، ولا فائدةَ لهذا الاسم على أصولهم . لأنهم إنْ تأؤَلوه : على حِلْمِهِ عن العصاة الذين ذنوبُهم صغائرُ .. فالعقابُ عليها غيرُ جائز على أصولهم ؛ فأيُّ فائدة في الحِلم عنها مع امتناع العقاب عليها ؟! وإن أرادوا به : حِلْمَهُ عن أصحاب الكبائر .. فلا يجوزُ عندهم غفرانُ ذنوبهم ، فأين موضعُ الحِلْم من معاملته معهم ؟! وإن قالوا : إنما يصحُّ حِلْمُهُ عنهم بتأخير عقوبتهم إلى الآخرة . قيل : هذا الجوابُ فاسدٌ على قول أصحاب الأصلح منكم (٢) ؛ لأنهم زعموا : أنه كان لا يجوزُ له تعجيلُ عقوبتهم ، بل كان واجباً عليه تأخيرُ العقوبة إلى الوقت الذي [أخَّرَها] إليه(٣)، ولا حِلْمَ في الحال التي لا يجوزُ عند الله ما لم يكن له بحسبان من جزيل العطاء ؛ كالذي رضي بالحسنة ، فضاعفها له الله = إلى سبع مئة ضعف ، ويقال مثل هذا فيما رواه البخاري (٢٨٥٦ ) من حديث سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً: ((فإن حقَّ الله على العباد : أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ، وحقَّ العباد على الله: ألا يعذُّبَ من لا يشرك به شيئاً )). (١) يعني: التسمِّي به في الأزل على سبيل المجاز، لا الحقيقة، فهو كتسمية الماء الذي في الكوز : مُزوِياً . (٢) وهم بغدادية المعتزلة . انظر (٥١٨/١ - ٥١٩). (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( أخره ) . CON ـر فيها العقوبةُ ، ولا حِلْمَ في حال وقوع العقوبة مع وقوع العقوبة . وكذلك المدَّعونَ لوجوب فعل اللطف منهم إذا قالوا (١) : إن في تأخير العقوبةِ نوعاً من اللطف .. يلزمُهم : إبطالُ فائدةِ وصفه بالحِلْم متى كان فعلٌ اللطف واجباً عليه عندهم . وقد بطلَ بما ذكرناه : فائدةُ وصفِهِ بـ ( الحليم ) على أصول القدريّة ، مع عِظَمِ التمدُّحِ باسم ( الحليم ) وبصفةِ ( الحِلْم ) عند العربِ والعجمِ ؛ حتى ضربت العربُ الأمثالَ في الحِلْم فقالت: أحلمُ من الأحنف (٢) وأرادوا به : الأحنفَ بن قيس التميميَّ ؛ الذي سارَ في قبائل العربِ بحِلْمِه المثلُ ؛ كان يقول : إني تعلَّمتُ الحِلمَ من قيس بن عاصم المِنْقَرِيِّ ، حضرتُهُ يوماً وهو مُحْتَبٍ يحدِّثنا ؛ إذ جاؤوا بابنٍ له قتيلاً ، وابنِ عمَّ له كَتِيفاً ، فقالوا : إن هذا قتل ابنكَ هذا ، فلم يقطعْ بنا حديثَهُ ، ولا نقض حبوتَهُ ، حتى إذا فرغ من الحديث قال : أين ابني فلان ؟ فجاءه ، فقال : يا بنيَّ ؛ قمْ إلى ابن عمِّك فأطلقْهُ، وإلى أخيك فادفنه ، وإلى أمِّ القتيل فأعطها مئةً من الإبل ؛ فإنها غريبةٌ ، لعلها تسلو عنه(٣) فضربت العربُ المثلَ بحِلْم هذينِ الرجلينِ . ومن شدَّة ولوع العربِ بمدح صفةِ الحلمِ [قالت] في أمثالها (٤) : أحلمٌ وهم بصرية المعتزلة . انظر ( ٢/ ٦٢ ). (١) (٢) انظر ((جمهرة الأمثال)) (٤٠٧/١). انظر ((عيون الأخبار)) (٢٨٦/١). (٣) (٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( فقالت ) . 7000 CON من دعيٍّ؛ لأن الدعيَّ حليمٌ؛ يحلُمُ خوفاً من أن يُعيَّرَ بالدِّعوة(١) وقالت العربُ أيضاً: أحلمُ من فرخ عُقابٍ(٢)؛ لأنه يخرجُ من بيضةٍ على رأس نيقة(٣)، ولا يتحرَّكُ حتى يكمُلَ ريشُهُ، ولو تحرَّكَ لسقط، فشبَّهت العربُ الرجلَ الحليمَ به ؛ في شدَّةٍ تثبُتُه وعدم طيشه . فبانَ بذلك: أن صفةَ الحِلْم مدحٌ عند العربِ والعجمٍ ، وكلَّ من وُصِفَ به فهو ممدوحٌ ، ولذلك وَصفَ الله عزَّ وجلَّ إبراهيمَ الخليل عليه السلامُ به فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. فأما قولُهُ عزَّ وجلَّ (٤): ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] .. فقد قيل في التفسير : إنهم أرادوا بذلك : السفيهَ الجاهلَ(٥) ، وقيل : أرادوا به : إنك لأنت الحليمُ الرشيدُ عند نفسك(٦) (١) ويقالُ في المثل أيضاً: أعلم من دعيٍّ. انظر ((جمهرة الأمثال)» (٣٤/٢)، و((مجمع الأمثال)) (٥٤/٢)، والدِّعوة - بكسر الدال ـ: الادِّعاءُ في النسب. (٢) انظر ((جمهرة الأمثال)) (٤٠٦/١). (٣) النيقة : أرفع موضع في الجبل . حكايةً لقول قوم سيدنا شعيب على نبينا وعليه الصلاة والسلام . (٤) (٥) وهو قول سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال الزجاج. انظر ((الكشف والبيان )) (١٨٦/٥)، و((معاني القرآن)) (٧٣/٣). (٦) قاله ابن عرفة المعروف بنفطويه. انظر ((الغريبين)) (٤٨٨/٢)، ونقل الثعلبي في ((الكشف والبيان)) (١٨٦/٥) عن ابن كيسان أنه قال: (هو على الصحة؛ أي : إنك يا شعيب لنا حليمٌ رشيدٌ ، فليس يجملُ بك شقُّ عصا قومك ، ولا مخالفةُ دينهم ؛ كقول قوم صالح له : ﴿يَصَلِحُ قَدْ كُنْتَ فِنَا مَرْجُوًا﴾ [هود: ٦٢]) ، وبه قال ابن بحر . انظر ((النكت والعيون)) (٤٩٧/٢). ونظيرُهُ قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]؛ أي : بزعمك(١) وإذا ثبتَ أن صفةَ ( الحلم) مدحٌ في القديم والمُحدَثِ .. خسرت القدريَُّ ؛ إذ لم يصحَّ على أصولها فائدةُ هذا الاسم لمعبودها ، وكذلك يفعلُ الله بأهل الضلال . (١) انظر ((معاني القرآن)) (٣٦١/٢)، و((تفسير الطبري)» (٤٩/٢٢). ٧٣ ذكر معنى (احسان) في أسماءالله عز وجل اختلفوا في تخفيفِ النون من ( الحنَّان ) وتشديدِها : فقال أبو الهيثم الرازيُّ : الحنَانُ بتخفيف النون : اسمٌ من أسماء الله عزَّ وجلَّ، وهو أيضاً اسمٌ للرحمة ، والحنَّانُ بتشديد النون : هو الذي يحِنُّ إلى الشيء، وهو السهمُ الذي يصوّتُ إذا نَفَّزْتَهُ بين [إصبعيك](١)، وأنشد [من البسبط] 000 للكميت (٢): فاستلَّ أهزَعَ حتَّاناً يُعلِّلُهُ عندَ الإدامةِ حتى يَرْنَوَ الطَّرِبُ ٩ أراد بـ ( إدامته ) : تنفيزَهُ . وقولُهُ : ( يُعلِّلُهُ) ؛ أي : يغنِّيه بصوته . وقولُهُ : ( يرنوَ الطربُ) ؛ أي : يستمعَ إليه . وروى ثعلبٌ عن ابن الأعرابيِّ أنه قال: ( الحنَّانُ في أسماء الله عزَّ وجلَّ بتشديد النون : [هو] الرحيم (٣)، والحنَانُ بتخفيف النون: الرحمةُ ، ومنه (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( إصبعك ) (٢) انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٨٦/٣)، و((ديوان الكميت)) (ص٣٩). (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( من)، والمثبت من ((غريب الحديث)) لابن الجوزي (٢٤٨/١)، وفي ((تهذيب اللغة)) (٢٨٦/٣): (بمعنى). ٧٤ DOO TAYOV قولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَحَنَانًا مِن لَّهُنَّا﴾ [مريم: ١٣]؛ أي: آتيناه رحمةً من عندنا )(١) وهذا هو القولُ الصحيح ، وبه قال الخليلُ والفرَّاء(٢) ولم نسمعْ أحداً يخفِّفُ النونَ من ( حنَّانٍ ) في أسماء الله عزَّ وجلَّ غيرَ أبي الهيثم الرازيٌ(٣) والحنَانُ بتخفيف النون أيضاً : الرزقُ والبركةُ ، والمشهورُ من معناه : الرحمةُ(٤) 00 وقولهم : ( حَنانيكَ ) تذكيرُ الرحمة . وقال الشاعر (٥) : [من الطويل] O أبا مُنذرٍ أفنيتَ فاستبقِ بعضَنا حنانيكَ بعضُ الشرِّ أهونُ مِنْ بعضٍ وفي الحديث : أن ورقةَ بن نوفلٍ مَّ على بلالٍ وهو يعذَّبُ ، فقال : ( والله؛ لئن قتلتموه لأتخذنَّهُ حنَاناً)(٦)؛ أي: رحمةً أتمسَّحُ بها انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٨٦/٣). (١) انظر (( العين)) (٢٩/٣)، و((معاني القرآن)) (١٦٣/٢). (٢) قال أبو منصور الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (٢٨٦/٣): (والحنَّان من أسماء الله (٣) تعالى، جاء على ((فعَّال)) بتشديد النون، صحيحٌ ، وكان بعضُ مشايخنا أنكر التشديدَ فيه ؛ لأنه ذهب به إلى الحنين ، فاستوحش أن يكونَ الحنينُ من صفات الله تعالى ، وإنما معنى الحثَّان : الرحيم ، من الحنَان : وهو الرحمة ) . (٤) انظر (( تهذيب اللغة)) ( ٢٨٦/٣). هو طرفة بن العبد. انظر ((ديوانه)) (١٦٩/١ ). (٦) رواه أحمد في (( فضائل الصحابة)) (١١٨/١) من حديث عروة بن الزبير رحمه الله (٥) تعالى، وقد نعته الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) (٤٧٦/٦) بأنه مرسل جيد ، = AC1010100000 0 0000 وأترخَّمُ عليه ؛ لأنه من أهل الجنَّة . وفي الحديث : ذكرُ الأسطوانةِ الحنَّانة التي حنَّتْ لمَّا فارقَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى التزمها(١) والأصلُ في الحنين : ترجيعُ الناقةِ صوتَها إثرَ ولِدِها (٢) ومنه قولُهم في المثل : حرِّك لها حُوارها تحنَّ(٣) وقد تمثَّل به عمرو بن العاص بصفِّينَ حين بعث معاويةً على إخراج قميصٍ عثمانَ إلى الناس ورفعِهِ على رؤوس الرماح (٤) وقالوا أيضاً في المثل : لا يَعدَمُ الخُوارُ من أُمَّهِ حَنَّةٌ (٥). وما في ((صحيح البخاري)) (٣) من حديث سيدتنا عائشة رضي الله عنها: ( ثم لم = ينشبْ ورقةُ أن توفي) .. فقد قال الحافظ في ((الإصابة)) (٤٧٦/٦): ( قوله: ((ولم ينشب ورقة أن توفي))؛ أي: قبل أن يشتهر الإسلام ، ويؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بالجهاد ) . 00 (١) حديث حنين الجذع رواه البخاري (٣٥٨٣) من حديث سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما . (٢) انظر (( تهذيب اللغة)) (٢٦٨/٣)، و((تاج العروس)) (ح ن ن). (٣) انظر ((الأمثال)) لابن سلام (ص ٢٥٥)، والمثل من مشطور الرجز، والحُوار : فصيل الناقة أول ما ينتج، قال العسكري في ((جمهرة الأمثال )) (١٠٠/١): (ومعناه : أن تذكِّرَ الرجلَ بعضَ أشجانه فيهتاج ) ، وقوله : ( تحِنَّ ) يجوز فيه كسر النون أيضاً ، ويمتنع الضم . (٤) انظر (( الأمثال)) لابن سلام (ص ٢٥٥). (٥) انظر ((الأمثال)) لابن سلام (ص ١٤٠)، ومعناه كما في ((جمهرة الأمثال)) (٣٨١/٢): ( لا يعدم الرجل شبهاً من قريبه ، ويجوز أن يكون معناه : أن القريب لا يعدم محبة من قريبه ) . وفي هذا المعنى: أحنُّ من شارف(١) وفي أمثال المولَّدينَ : أحثُّ من الخليع إلى التصابي (٢) وقالوا أيضاً : حنَّ قِدْحٌ ليس منها (٣) ، وهذا المثلُ يُضرَبُ للرجل ينتمي إلى نسبٍ ليس منه ، أو يدَّعي ما ليس فيه شيءٌ منه . والقِذْحُ : أحدُ قِداح المَيسِرِ ، فإذا كان من غير جوهرِ أخواتِهِ ، ثم جَلجَلها المفيضُ بها .. خرج له صوتٌ يخالفُ أصواتَها يُعرَفُ به . وفي الحديث : (( أنا وسفعاءُ الخدَّينِ الحانيةُ على ولدِها كهاتينِ يومَ القيامةِ))(٤) . والحانيةُ : التي تقيمُ على ولدها لا تتزوَّجُ ؛ يقال : حنَّت عليهم ، فإن تزوَّجت فليست بحانيةٍ . وفي حديث آخرَ : (( أحناهُ على ولدٍ ))(٥) ؛ أي: أشفقُهُ ؛ يقال : حَنا عليه يَحْنُو ، وأحْنَى يُخْنِي، وحَنَى يَحْنِي ؛ إذا أشفقَ عليه وعطَفَ . (١) انظر « جمهرة الأمثال)) (٣٤٣/١)، والشارفُ: الناقة المسنّة الهرمة. انظر ((تاج العروس » ( ش رف ) . (٢) وأصله: شطر بيت لكشاجم. انظر ((ديوانه)) (ص٣١)، وصدره : ( من الوافر ) وشافعةٍ صواحبَها بناي (٣) انظر ((الأمثال)) لابن سلام (ص ٢٨٥) . (٤) رواه أبو داود (٥١٤٩) من حديث سيدنا عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه ، وليس فيه: (الحانية على ولدها). انظر ((الغريبين)) (٥٠٤/٢)، والفعُ: السواد . (٥) رواه البخاري (٥٠٨٢)، ومسلم (٢٥٢٧) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه ، في صفة النساء القرشيات . ٧٧ وفي حديث آخرَ: ( فإذا قبورٌ [بمحنيَّةٍ])(١)؛ يعني: بحيث ينعطفُ الوادي . وفي الحديث أيضاً : ( إيّاكَ والحَنْوةَ)(٢)؛ يعني: في الصلاة ؛ وهي طأطأةُ الرأس وتقويسُ الظهر . وكلُّ هذا دليلٌ على أن ( الحنانَ) بتخفيف النون : هو التعطَّفُ والرحمةُ ، وبتشديد النون : هو الرحيم ، والله عزَّ وجلَّ هو الرحيمُ ، فهو الحَّانُ ، بتشديد النون . [ اختلافُهم في رحمةِ اللهِ تعالى ] واختلف أصحابنا في رحمة الله عزَّ وجلَّ : فمنهم : من تأوّلَها على أنواع نِعمِهِ (٣) وعلى هذا القول : يكونُ ( الحثَّانُ ) من صفاته المستحقَّةِ بالفعل ، ولا يكونُ من جملة صفاتِهِ الأزليَّةِ . (١) رواه ابن شبّة في ((تاريخ المدينة)) (ص١٣٣) من كلام سيدنا طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه ، وما بين المعقوفين في ( أ): ( محنية)، وغير واضحة في ( ب)، وفي (ج) : ( مجنية ) ، ومحنيَّةُ الوادي : منعرجُهُ حيث ينعطف منخفضاً عن السند ، والمحنية : كلُّ ما انحنى من الأرض ، رملاً كان أو غيره . انظر (( تاج العروس )) ( ح ن و ). (٢) رواه الخطابي في ((غريب الحديث)) (٤٣٣/٢-٤٣٤) موقوفاً على سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، وعبد الرزاق في (( المصنف)) (٣٠٢٦) موقوفاً عليه أيضاً بلفظ : ( وحبوة الكلب ) بدل و( الحنوة ) . (٣) وهو قول الإمام القلانسي وابن كلاب. انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) ( ص٤٥) ، و (( تلخيص الأدلة)) ( ص٤٧٨ ) . VA 7 00000 CLON ومنهم من قال : الرحمةُ : إرادةُ الإنعام ، وبه قال أبو الحسن الأشعريُّ رحمه الله (١) X وعلى هذا القول : يكونُ ( الحنَّانُ ) من أسمائه الأزليَّةِ ؛ لأنه بمعنى ( الرحيم ) ؛ ورحمتُهُ: إرادتُهُ، وإرادتُهُ أزليَّةٌ عند أهل السنّة والجماعة. والكلامُ في صفة ( الرحيم ) يأتي بعد هذا إن شاء الله عزَّ وجلَّ (٢) 1 600000 00000000000 (١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٤٥). (٢) انظر (٢ / ٢٣٠). CO000 9 00000