النص المفهرس
صفحات 41-60
ذكر معنى (الحكم) و(الحاكم) في أسمان عزوجل اعلمْ : أن الحَكَمَ في اللغة : هو الحاكم ؛ ومنه المثلُ السائرُ : في بيته يُؤتى الحَكَمُ(١) ووَصْفُ الله سبحانَهُ بـ (الحَكَم) و(الحاكم ) قد ورد به الشرع . فأما الحَكَمُ : فقد ذُكِرَ في السنَّة التي ذُكِرَ فيها أسماؤه(٢) 00 وذَكرَ اللهُ أيضاً في القرآن لنفسه اسمَ الحاكم بقوله : ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَحَكَمٍ اَلْحَكِمِينَ﴾ [التين: ٨]، فهو حاكمٌ وأحكم الحاكمينَ، كما أنه لمَّا قال : ﴿أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١] كان رحيماً وراحماً، وكما أنه [لمَّا] قال: ﴿أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] كان خالقاً وإنما قيل للحاكم : حاكمٌ وحَكَمٌ ؛ لمنعه الناسَ من المظالم ؛ يقال منه : حَكَمْتُ فلاناً عن سوء أدبه ؛ إذا منعتُهُ، وكذلك حَكَّمتُهُ و[أحكمتُهُ](٣)، ومنه قول لبيد (٤): [من الرمل] كلُّ حِزْباءٍ إذا أكرِهَ صَلْ أَحكمَ الجُنْشِيَّ مِنْ عَوْراتِها (١) انظر ((الأمثال)) لابن سلام (ص٥٤)، و((جمهرة الأمثال)) (٣٦٨/١). (٢) انظر (١ / ٤٤٧ ) . (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( حكمته ) . (٤) انظر ((ديوانه)) ( ص ١٩٢). 100050 8. 00000 Oo x وصفَ درعاً، والجُنثيُّ: السيفُ، وعوراتُها: خَلَلُها(١) ، والحرباءُ: مساميرُ الدروع ، فأخبر أن مساميرَها تمنعُ السيفَ من أن يحيكَ فيها(٢) ومن رواه : ( أحكمَ الجنثيُّ) بالرفع، ونصبٍ (كلَّ) .. أراد بالجننيِّ: الزرَّاد (٣)؛ أراد: أحكم مساميرَ هذه الدروع ، ومنعها من أن يحيكَ فيها شيءٌ . ومن هذا سُمِّتْ حَكَمةُ الدابّةِ في اللجام ؛ لمنعها الدابَّةَ عن تمرُّدها إذا ركبها فارسُها . ومن هذا أيضاً قولُ الشاعرِ جرير (٤) : [من الكامل] أَبَنِي حنيفةَ أحكِمُوا سفهاءَكم إِنِّي أخافُ عليكُمُ أنْ أغضَبا أي : امنعوا سفهاءكم (٥) ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، سمَّاهما حَكمين : لأن كلَّ واحدٍ منهما يحكمُ ويمنعُ صاحبَهُ من الظلم . (١) الخَلَلُ: منفرج ما بين الشيئين، وفي ((المعاني الكبير)) (١٠٣٠/٢): ( العورات: الفتوق ، واحدها عورة ) . (٢) ثم هذا المسمار الجامع لحلق الدرع إذا أُكره على الدخول فيها لجمعها .. سُمِعَ له صليل ، فقوله : (صَل) هو فعلٌ ماضٍ أصله: (صَلَّ) . (٣) يعني: الحدَّاد. انظر (( المعاني الكبير)) (١٠٣٠/٢). (٤) انظر (( ديوانه )) (ص ٤٧ ) . وقالوا : بناء محكم ؛ أي : وثيقٌ يمنع من تعرَّض له، وسُمِّيتِ الحِكْمةُ حكمةً لأنها (٥) تمنع الموصوف بها عما لا ينبغي ، والمحكم في كتابه سبحانه : ما كان نصّاً أو ظاهراً . انظر ((تأسيس التقديس)) (ص٢٢٥ - ٢٢٦) . ٤١ وفي حديث النَّخَعيِّ أنه قال: ( حكِّم اليتيمَ كما تُحكِّمُ ولدَكَ )(١) ؛ أي : امنعْهُ من الفسادِ كما تمنعُ ولدكَ منه . وفي الحديث : ( في رأسٍ كلِّ عبدٍ حَكَمةٌ ؛ إذا همَّ بالسيّئة فإن شاءَ الله أن يقدعَهُ بها قدعَهُ )(٢) ومنه قيل : فرسٌ محكومةٌ؛ في رأسها حَكَمةٌ (٣) وإذا ثبت أن ( الحَكَمَ ) و(الحاكم) مأخوذان من ( المنع ) ، والله عزَّ وجلَّ هو المانعُ من الفساد بالتوفيقِ لأهلِ التوفيقِ ، وهو المانعُ لجميع الناسِ عن الفساد ؛ بالنهي والزجر والوعد والوعيد ، وكان من أسمائِهِ ( المانعُ ) كما قيل له : ( الجامعُ المانعُ) .. استحقَّ أن يُسمَّى: حَكَماً وحاكماً. 00 هذا في مقتضى اللغة من التسوية بين ( الحَكَم) و(الحاكم) (٤) 000000 [ الفرقُ بينَ ( الحاكم) و( الحكمِ ) شرعاً ] فأما أهلُ الشرع : فإنهم فرَّقوا بين ( الحاكم) و( الحَكم ) ، وأجازوا تسميةَ غيرِ الله عزَّ وجلَّ حاكماً ، ولم يجيزوا تسميةً غيره حَكَماً . (١) رواه أبو عبيد في ((غريب الحديث)) (٤٧٤/٥). (٢) أورده الهرويُّ في ((الغريبين)) (٤٧٩/٢) من غير نسبة، والعبد هنا: الآدمي ؛ ففي ((النهاية في غريب الحديث)) (١/ ٤٢٠): ( ما من آدمي إلا وفي رأسه ... ). (٣) انظر ((العين)) (٦٧/٣)، والحَكَمَةُ: حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحنكه ، تمنعه عن مخالفة راكبه. انظر ((النهاية في غريب الحديث)) (٤٢٠/١). (٤) قال العلامة السمين الحلبي في ((الدر المصون)) (١٢٣/٥): (والحَكّمُ أبلغ من الحاكم ؛ قيل: لأن الحَكّم من تكرَّر منه الحكم ، بخلاف الحاكم ؛ فإنه يصدِّق غيره ، وقيل : لأن الحَكّم لا يحكم إلا بالعدل ، والحاكم قد يجور ) . ٤٢ xx.r. وقال الخليلُ في كتاب ((العين)): ( إنه نُهيَ أن يُسمَّى الرجلُ حَكَماً)(١) ، فإن صحَّت هذه الروايةُ: فالحكمُ هو الله عزَّ وجلَّ وحدَهُ ، ويجوز تسميةُ غيره حاكماً . ويكونُ تحقيقُ معنى الحَكَم : الذي يُشرِّعُ الحُكْمَ ، ويفعلُ ما يشاءُ ، ويَحكُمُ ما يريدُ . والحاكم : الذي يَحكمُ بالمشروع ، سواءٌ كان هو شارعاً أو غيرَ شارع . وليس لغير الله عزَّ وجلَّ أن يُشرِّعَ حُكماً ، وإنما لغيره أن يَحكُمَ بشرع ربِّهِ . وفي هذا الفصل خلافٌ بيننا وبينَ ربِّنا من وجوه : Coo أحدُها : أن الله عزَّ وجلَّ هو المختصُّ عندنا بأن يُشرِّعَ ما شاء من الحُكم ، وليس لغيره أن يُشرِّعَ حُكماً ، إلا ما نبَّهَ الله عزَّ وجلَّ عليه بنصٍّ أو ظاهرٍ أو معنیّ يدُّ عليه . وزعم قومٌ من معتزلةِ البصرةِ : أن الله عزَّ وجلَّ كان قد جعلَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في الحوادث التي لا يكونُ فيها عندَهُ نصٌّ من الله عزَّ وجلَّ .. أن يَحكُمَ فيها بما شاء، وجعل ذلك للعلماءِ من أمَّتِهِ(٢) (١) أورده الخليل في ((العين)) (٦٧/٣) بصيغة التضعيف من غير نسبة. قال العلامة الصفار في ((تلخيص الأدلة)) ( ص٤٤٨): ( ويجوز إطلاق اسم ((الحكم)) على غير الله؛ كما قال: ﴿فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، وقال بعضهم: لا يجوز إطلاق اسم (( الحكم)) على غير الله، وظاهرٌ القرآن على خلاف ما قالوا ) . (٢) هذا القول على التحقيق ليس المعتزلة البصرة وحدهم ، بل يشاركهم فيه جمهور أهل= 00000 100000 ٤٣ وهذا تصريحٌ منهم بجواز الحُكم في دين الله عزَّ وجلَّ بالهوى من غير دَلالة(١). والخلافُ الثاني : أنَّا لا نَحدُّ في أحكام الله عزَّ وجلَّ بحدٍّ ، بل نقول : له أن يفعل ما يشاءُ ، ويحكم ما يريد . واعتبرت القدريَّةُ أحكامَهُ تعالى بأحكام العقلاءِ في الشاهد ، وقالت : ما كان منَّا حِكْمةً فهو منه حكمةٌ ، وما كان منَّا سَفَهاً فهو منه سفهٌ ! وبيانُ فضائحهم في هذه المسألة يأتي في شرح معنى ( الحكيم ) بعد هذا إن شاء الله عزَّ وجلَّ (٢) السنة ، والإمام المصنف اختار عدم جواز الاجتهاد من قبله صلى الله عليه وسلم عندما لا يكون في المسألة نصٌّ، وعلى أي حال فالرأيان سنِّيَّان. انظر (( الفصول)) للجصاص (٢٣٩/٣)، و((اللمع)) الشيرازي (ص٢٦٦). (١) لأن النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الرأي مأمور بانتظار الوحي، ولعل شدَّة هذه العبارة جاءت في مقابلة قول المعتزلة ، وإلا فلا يتصور الهوى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بحالٍ ؛ ولو تُصوّرَ ذلك لكان في مرضاة الله وحده ؛ روى البخاري ( ٤٧٨٨ ) من كلام السيدة عائشة رضي الله عنها : ( ما أُرَى ربَّكَ إلا يُسارعُ في هواك ) ، قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (٥٢٦/٨): (أي: ما أرى الله إلا مُوجِداً لما تريد بلا تأخير ، مُنْزِلاً لما تحبُّ وتختار) ، أما أصل الهوى الذي هو مطلق الميل لمحبوبات النفس دون مراعاة نظر الحق .. فقلبه ولسانه صلى الله عليه وسلم معصومان منه ؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]. (٢) انظر (٢/ ٥١) وما بعدها . 00000 ٤٤ ذكر معنى (الحكيم) من أسماءالله عزوجل اعلمْ : أن الكلامَ في معنى هذا الاسم من ثلاثة أوجه : أحدُها : في بيانِ معنى الحكمةِ والحكيمٍ في اللغة . والوجهُ الثاني : بيانُ معنى الحكمةِ والسَّفَهِ والحكيمِ والسفيهِ على مذهب المتكلِّمينَ . والوجهُ الثالثُ : بيانُ اعتبارِ أصولِ الحكمةِ والسَّفَهِ والتعليلِ فيهما . 0000 10940 ٤٥ معنى (الحكمة) و(الحكيم) في اللغة فأما معنى ( الحكمة ) و( الحكيم ) في اللغة .. فقد اختلفوا في ذلك : فقال ابنُ الأعرابيِّ: ( الحكيمُ : العالمُ ، والحكمةُ : العِلمُ ؛ ومنه قولُهم : قد حكمَ الرجلُ يحكمُ ؛ إذا تناهى في علمه وعقله ، وإنما قيل للقاضي : حَكَمٌ وحكيمٌ وحاكمٌ؛ لعلمه وعقله ، والحكمةُ : اسمُ العلم والعقل، وجمعُها: حِكَمٌ)(١) وقال آخرون : إن الحكيمَ : هو المُحْكِمُ للشيء ، قد صُرِفَ عن ( مُفْعِل) إلى (فَعِيل)، كما قيل: ﴿عَذَابٌ أَلٌِ﴾ [البقرة: ١٠]، ومعناه : مؤلِمٍ، فصُرِفَ إلى أليم(٢)، ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿الَرَّ تِلْكَ مَايَتُ اُلْكِنَبِ اَلْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]؛ أي: المُحكِم ؛ بكسر الكاف. (١) انظر ((تهذيب اللغة)) (٧١/٤)، وإلى كون الحكمة بمعنى العلم ذهب حجة الإسلام الغزالي؛ إذ قال في ((المقصد الأسنى)) (ص٢٣٤): ( الحكيم : ذو الحكمة ، والحكمة : عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم ، وأجلُّ الأشياء هو الله سبحانه وتعالى ، وقد سبق أنه لا يعرفه كنه معرفته غيرُهُ، وقدرُ جلال العلم بقدر جلال المعلوم ؛ فهو الحكيم الحقُّ؛ لأنه يعلم أجلَّ الأشياء بأجلٌ العلوم ؛ إذ أجلُّ العلوم هو العلم الأزلي الدائم الذي لا يتصور زواله ، المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرّقُ إليه خفاء ولا شبهة ، فلا يتَّصف بذلك إلا علم الله تعالى) . (٢) وبه قال الزجَّاج والزجَّاجي والخطَّبي، وهو أحد قولي الإمام الأشعري. انظر ((تفسير أسماء الله الحسنى)) (ص٥٢)، و((اشتقاق أسماء الله)) (ص ٦٠)، و((شأن الدعاء)) (ص٧٣)، و((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٤٨). CON Do COOOOD ٤٦ وقيل : المُحكَم ؛ بفتح الكاف ، فيكونُ حينئذ ( فَعِيلٌ ) بمعنى ( مُفْعَلٍ ) ؛ بنصب العين ؛ دليلٌ ذلك: قولُهُ عزَّ وجلَّ: في موضع آخرَ : ﴿الَّرِ كِتَبُ أُحْكِمَتْ ءَتُهُ﴾ [هود: ١] (١). وقال آخرون : الحكيمُ : هو الذي يردُّ نفسَهُ ويمنعُها من هواها ؛ مأخوذٌ من قولهم : قد أحكمتُ الرجلَ ؛ إذا رددتُهُ عن رأيه، وإنما سُمِّيت حَكَمةُ الفرس حَكَمةٌ لأنها تردُّ من غَرْبِه (٢) ويقالُ منه : أحكمتُ الفرس فهو مُحكَمٌّ ؛ إذا جعلت له حَكَمةً ، والكلامُ الجيد أن يقالَ: حَكمتُ الفرسَ فهو محكومٌ (٣). فإذا صحَّ ما قلناه في معنى ( الحِكمةِ ) : فإن قلنا : إن الحكمةَ : بمعنى العلم ، وإن الحكيمَ : هو العالمُ بالمستور الخفيِّ على غيرِهِ .. فوصفُ الله عزَّ وجلَّ بأنه ( حكيمٌ) من الأوصافِ الثابتةِ له في الأزل ؛ لأنه كان في الأزل عالماً بجميع المعلومات على التفصيل . وإن قلنا : إن الحكمةَ : إتقانُ الفعلِ وإحكامُهُ، والحكيمَ : هو المُحكِمُ لأفعاله على إتقانها ، أو قلنا : إن الحكمةَ : هي المنعُ ، والحكيمَ : هو الممتَنِعُ عن الفساد .. فوصفُ الله عزَّ وجلَّ بأنه ( حكيمٌ) إذاً من الأوصاف (١) انظر ((تهذيب اللغة)) (٧٠/٤). (٢) انظر ((تهذيب اللغة)) (٦٩/٤)، والغَرْبُ: الحِدَّةُ، وغَرْبُ الفرس: حِدَّتُهُ وأوَّلُ جريه. انظر ((تاج العروس)) ( ٤٥٧/٣). (٣) انظر ((تهذيب اللغة)) (٤ /٧١). Oj ٤٧ 00000 التي استحقَّها بفعله ، ولا يكونُ حينئذٍ من أوصافه الأزليّةِ ؛ لأنه لم يكن في الأزل فاعلاً فقد صحَّ أن هذا الاسمَ يحتملُ معنيينِ : يكونُ على أحدهما : من أوصافه الأزليّة . وعلى المعنى الآخر : من أوصافه المشتقَّةِ من أفعاله . وقد ضربت العربُ الأمثالَ من الحُكم والحِكْمَةِ فقالت : ( أرسلْ حكيماً ولا توصِهِ)(١)، ومنهم من قال: (أرسلْ حكيماً وأوصِهِ)(٢) وقالوا أيضاً : ( في بيته يُؤتى الحَكَم )(٣) وقالوا في التعجُب: ( أحكمُ من هَرِمٍ بنٍ قُطْبَةً!)، وأرادوا: الحُكْمَ دون الحِكمة؛ لأن هَرِماً كان حكيماً في العرب (٤) وقالوا : ( هذا أحكمُ من لقمانَ! )، و(أحكمُ من زرقاءِ اليمامةِ ! ) ، وهذان المثلانِ مأخوذانٍ من الحكمة دون الحُكْم(٥) ؛ أما لقمانُ : فلأنه (١) المثل للزبير بن عبد المطلب في أبيات له أولها : ( من المتقارب ) إذا كنتَ في حاجة مرسلاً فأرسل حكيماً ولا توصه انظر (( جمهرة الأمثال)) (٩٨/١)، والبيت من قصيدة متنازعة النسبة. (٢) انظر ((جمهرة الأمثال)) (٩٨/١). (٣) تقدم (٢/ ٤٠ ) . (٤) انظر ((جمهرة الأمثال)) (٤٠٦/١)، وفيه: ( كان حَكَمَ العرب ) بدل ( كان حكيماً في العرب)، فالأليق أن يقال: ( كان حَكّماً في العرب )، وانظر ((مجمع الأمثال » (٢٢٣/١ ) . (٥) انظر ((جمهرة الأمثال)) (٤٠٥/١). C/10 ٤٨ OOOOO 40 حد COOo 00 المضروبُ بحكمته المثلُ ، وأما زرقاءُ اليمامة : فلسرعة فهمها وجودةٍ حَدْسِها ضَربَتِ العربُ بها المثلَ ؛ حتى قال فيها النابغةُ يخاطب النعمانَ(١): [من البسيط] واحكمْ كحكمٍ فتاةِ الحيِّ إذْ نظرَتْ إلى حَمامِ سِراعٍ واردِ الثَّمَدِ ومعنى قولِهِ : ( احكم ) ؛ أي : كن حكيماً ، وكانت الزرقاءُ قد نظرت إلى سِربٍ من حَمام طائرٍ فيه ستٌّ وستونَ حمامةً ، وعندها حمامةٌ واحدةٌ . . فقالت(٢): ليتَ الحَمامَ لِيَهْ ، إلى حَمامَتِيَةْ، ونصفَهُ قَدِيَهْ، تمَّ الحَمامُ مِيَهْ . ولمَّا أراد النابغةُ مدحَ هذه الزرقاءِ بسرعة حسابها وفهمِها .. جعلَهُ حَزْرَ طير ؛ إذ كان الطير أخفَّ ما يتحرَّكُ، ثم جعلَهُ حَماماً ؛ إذ كان الحمامُ أسرعَ الطير ، ثم كثَّرَ العددَ ؛ إذ كانت المسابقةُ مقرونةً بها ، ثم ذكر أنها صارت بين نِيقين(٣)؛ لأن طيرانَها في المضيق أسرعُ من طيرانها في الفضاء ، ثم جعلها واردةً الماءَ ؛ لأنها إلى الماء عند العطش أسرعُ منها إلى غيره ، وجعل حِكْمَتَها في سرعةِ فهمِها وجودةِ حَدْسِها ، والله أعلم . OC 0 000 (١) البيت النابغة الذبياني، وهو من معلقته. انظر ((ديوانه)) (ص٢٣)، وفيه: (شراع) بدل ( سراع ) ؛ يعني : التي شرعت في الماء . (٢) يعني : سجعاً، فبعيدٌ أن يكون شعراً، فإن أرادته شعراً فهو بيت من البسيط . انظر («الأغاني)) (٣٨/١١)، وقديه : يكفيني. (٣) التيقُ : أرفع موضع في الجبل . booa ٤٩ MC10 معنى (الحكمة) و(السفه) عند المتكلمين وأما الكلامُ في الوجه الثاني ؛ وهو بيانُ معنى الحِكمَةِ والسَّفَهِ والحكيم والسَّفيهِ على مذهب المتكلمينَ .. فقد اختلفَ المتكلمونَ في معنى الحكمة : O فمنهم من قال : هي إتقانُ الصَّنعةِ مع تحصيل البُغية . ومنهم من قال : هي اجتماعُ العلم والحِلم . وإذا انخرم أحدُ الشرطينِ لم يكن الآخرُ حِكمةً . وحكى الإسكندرُ في كتبه : أن الحكمةَ : هي العلمُ بأوائل الأشياء وأواخرها . OC وزعم آخرونَ من الفلاسفة : أن الحكمةَ العلميَّةَ : ما ذكره الإسكندر ، وأما الحكمةُ العمليّةُ : فهي الإتقانُ المانعُ من فساد العمل(١) ، ثُمَّ قالوا: إن علومَ الحكمةِ أربعةُ أقسام : أوَلُها : العلومُ الرياضيَّةُ ؛ كعلم الحساب ، والهندسة ، والنجوم . وثانيها : علمُ الطبِّ . (١) قال الإمام الشهرستاني في ((الملل والنحل)) (١١٦/٢): (ثم إن الفلاسفة اختلفوا في الحكمة القوليّة العقليّ اختلافاً لا يُحصى كثرةً، والمتأخرونَ منهم خالفوا الأوائل في أكثر المسائل ، وكانت مسائل الأولين محصورة في الطبيعيات والإللهيات ؛ وذلك هو الكلامُ في البارئ تعالى والعالم ، ثم زادوا فيها الرياضيات ) . ٨ ٥٠ وثالثُها : علمُ الحِيَلِ ؛ كرفع الأشياء الثقيلة ، والإحراقِ بالمرايا ، ونحوِها من الحيل . ورابعُها : العلمُ الإلهيُّ ، ويدخل في ضمنها العلمُ بالجواهر العقليّة ، ولهم في هذا الباب تفصيلٌ ظاهرُهُ مُوثَّقٌ، وباطنُهُ بلا طائل(١) وزعمت القدريَّةُ : أن الحكمةَ : ما كان موضوعاً لطلب منفعةٍ أو لدفع مضرَّةٍ ، والسَّفَهَ : ما تعرَّى عن هذينِ المقصودينِ . وزعمت الكراميَّةُ : أن الفعلَ لا يكونُ حكمةً إلا إذا كان المقصودُ منه منفعةً ؛ إما للفاعل ، وإما لغيره ، والسَّفَهَ : ما خلا عن الوجهينِ . وزعمت هذه الطائفةُ مع القائلينَ بالأصلح من القدريَّةِ : أن الله عزَّ وجلَّ لو خلقَ الجماداتِ بلا إحياءٍ ولم يَخلقْ حيّاً .. لم يكن حكيماً؛ لعدم الانتفاع بما خَلقَ(٢) DO (١) قال حجة الإسلام الغزالي في (( المنقذ من الضلال)) (ص ٦٩): (فكلام الأوائل في الرياضيات برهاني، وفي الإلهيات تخميني ، لا يعرف ذلك إلا من جرَّبه وخاض فيه ). (٢) وأصحاب الأصلح من القدرية هم معتزلة بغداد. انظر (( شرح الأصول الخمسة)) (ص١٣٧)، وما تقدم تعليقاً (٥١٨/١ -٥١٩)، وفي (ج): (مؤنّق) بدل ( موثق) . قال الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٥١): (وأجمعت المعتزلة : على أن الله سبحانه خلق عباده لينفعهم لا ليضرهم ، وأن ما كان من الخلق غير مكلف فإنما خلقه لينتفع به المكلف ممن خلق ، وليكون عبرة لمن يخلقه ودليلاً . واختلفوا في خلق الشيء لا ليعتبر به على مقالتين : فقال أكثرهم : لن يجوز أن يخلق الله سبحانه الأشياء إلا ليعتبر بها العباد وينتفعوا بها ، ولا يجوز أن يخلق شيئاً لا يراه أحد ، ولا يحقُّ به أحد من المكلفين . وقال بعضهم ؛ ممن ذهب إلى أن الله عز وجل لم يأمر بالمعرفة : إن جميع ما خلقه الله فلم يخلقه ليعتبر به أحد ويستدل به أحد ، وهذا قولُ ثمامة بن أشرس فيما أظن ) . ٥١ وزاد بعضُ الكراميّة على هذا فزعم : أنه كان لا يجوزُ في حكمة الله عزَّ وجلَّ أن يكونَ أوَّلُ شيءٍ يَخلقُهُ جماداً ، ثمَّ يَخلقَ بعده حيّاً يعتبرُ بذلك الجماد ، بل يجبُ أن يكونَ أوَّلُ مَنْ خُلِقَ حيّاً يصحُ منه الانتفاعُ(١) ثم إن القدريَّةَ والكراميَّةَ افترقتا : فقالت القدريَّةُ: إن الله عزَّ وجلَّ لم يَخلقْ شيئاً من أعمال العباد (٢) وقالت الكراميّةُ : قد خلقَ الله أعمالَ العباد ، وحكمتُهُ في خلق كفرٍ الكافرينَ ومعصيةِ العصاة : أن المؤمنَ إذا تفكَّرَ في ذلك عرفَ عِظْمَ المِنَّةِ عليه ، ولولا هذه المنفعةُ من جهة هذا الاعتبار .. لم يكن فاعلُ الكفر والمعاصي حكيماً . 000 وقال أصحابُنا : إن الحكمةَ في الفعل : وقوعُهُ على قصد فاعِلِهِ ، والسّفهَ فيه : وقوعُهُ على خلاف قصده (٣) وقد يجتمع الوصفانِ في الفعل الواحد ؛ فيكونُ حكمةً من جهةٍ موافقته قصدَ فاعله ، وسفهاً من جهةِ الخطأ أو المعصية فيه ؛ كأصناف الملحدين ؛ هم حكماءُ في طلبهم المنافعَ بوجوهِ استدلالِهم واعتقاداتِهم ، وسفهاءُ في وقوع أفعالهم على خلاف مقاصدِهم بها . (١) الإشكالات في هذه الأقوال وفيما سيأتي أيضاً .. ليست في إمكانها أو وقوعها، بل في إيجابها على الله سبحانه . (٢) انظر (١ / ٥١١). (٣) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص ٩٧). CLON 00000 , ٥٢ ـد OC 00 [ معنى (الحكيم) و(السفيهِ) عندَ المتكلمين ] واختلفوا أيضاً في معنى الحكيم والسفيه ؛ لاختلافهم في معنى الحكمةِ والسفهِ : فزعمت القدريَّةُ والكراميَّةُ : أن الحكيمَ : من كان في فعله منفعةٌ له أو لغيره ، والسفيهَ : من عَرِيَ فعلُهُ من الوجهينِ . وقال أصحابُنا : الحكيمُ في فعله : من أصاب مرادَهُ على حسب قصدِهِ ، وإن جاز أن يكونَ سفيهاً فيه بالخطأ والمعصيةِ . فالحكيمُ في الأصل قبلَ إضافة الفعل إليه : هو العالِمُ، والسفيهُ المطلقُ : هو الجاهلُ بما يلزمُهُ اعتقادُهُ وفعلُهُ . oo 200000 فأما من جهل شيئاً لا يلزمُهُ اعتقادُهُ وفعلُهُ ؛ كمن جهل شيئاً لا يلزمُهُ فيه فَرْضٌ .. فلا يُسمَّى على الإطلاق جاهلاً، ولهذا لم يُسمَّ الأنبياءُ عليهم السلامُ جُهَّالاً ، وإن لم يعلموا جميعَ المعلومات ؛ لأنهم وإن جهلوا بعضَ الأشياء فهم غيرُ جاهلينَ بما يلزمُهم فيه فَرْضٌ ، ومن جهلَ ما لا فرضَ عليه فيه فإنما يقالُ فيه : جاهلٌ بكذا ، على سبيل الإضافة ، دون إطلاقٍ اسم الجاهل عليه على الوجه الذي يُطلَقُ على من جهلَ ما يلزمُهُ فيه الفَرْضُ ، وكلُّ من علمَ شيئاً على وصفٍ ما .. كان حكيماً في ذلك المقدار . ٥٣ DATC10 ـر [ بيانُ أحكميّةِ حدِّ (الحكمةِ) عندَ أهل السنَّةِ وردِّ تعاريفِ الفِرَقِ المبتدعةِ ] والذي يدلُّ على صحّة ما ذهبنا إليه في معنى الحكمةِ ، وفسادِ قولٍ من اعتبر الحكمةَ بطلب المنفعةِ : أن المعاندَ من أهل الإلحاد سفيهٌ في الفعل وإنْ طلبَ المنفعةَ في الحال ؛ إذا لم يُرد خالقُهُ عقوبتَهُ عليه ، فلو كانت الحكمةُ معلّقةً بطلب المنفعة .. لكان المعاندُ حكيماً في كفره ؛ لأنه طلبَ به منفعةً نفسه ، وسَلِمَ بالعفو عنه من مضرَّته . فإن قيل : إنه وإن عُفيَ عنه .. فإنما يكونُ سفيهاً لاقتصاره على أذونِ المنفعتينِ ، مع قدرته على طلب الأرفع منهما والتوصُّلِ إليها . 0000 قيل : لو كان كذلك لكان المقتصِرُ من فعله على ما يُسقِطَ عنه العقوبةَ ، ويَبلغُ به أقلَّ درجات المؤمنينَ .. سفيهاً، وكان فعلُهُ سَفَهاً ؛ لأنه اقتصر على منفعةٍ كان يمكنُهُ طلبُ ما هو أعلى [منها](١) ، على أن المجتهدينَ في الكفر يطلبونَ في الاجتهادِ أعلى ما يكونُ من النفع ، فلو كان الحكيمُ من طلبَ أعلى المنازلِ .. لكانوا داخلينَ في هذه الجملة ، ولم يَجُزْ وصفُهم بالسفه ، ولمَّا جاز وصفُهم بالسفه لوقوع أفعالِهم على خلاف قُصُودِهم ، وانقطاعِهم عن مطلوبهم .. دلَّ على أن السفهَ: يرجعُ إلى ما يغلطُ فيه الفاعلُ، والحكمةَ : إصابةُ المقصود ، كما بيَّناه قبلَ هذا . (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( منه ). 0 OC ويقالُ لأصحاب الأصلح من القدريَّة : أليس من قولكم : إن الخلقَ في الجنَّة ابتداءً سفهٌ ؟! فمِنْ قولِهم : بلى(١) فيقالُ لهم : لو كانت الحِكمةُ مقرونةً بطلب المنفعةِ .. لكان ابتداءُ الخَلْق في الجنَّةَ - وفيه أعظمُ المنافع، بل فيه المنفعةُ التي ليس في ضمنها ضررٌ بحال ـ أولى بالحِكمة من الخَلْقِ في دار الامتحان مع ما في ضمنه من الضررِ وخوفِهِ . فإن أوردوا عليه : سؤالَ الاقتصار على أدونِ المنزلتينِ .. فالجواب عنه .(٢) كما تقدم (٢) وكذلك الاستدلالُ عليهم بخَلْقِ العبيد في الدنيا وإسقاطِ التكليف عنهم مع تمكينهم من اللذَّات ؛ إذا أراد فاعلُ ذلك لهم إيصالُهم إلى المنافع التي لا یشوبها ضررٌ . وممَّا يدلُّ عليه : أن الحكمةَ لو كانت تجبُ لله عزَّ وجلَّ بفعله إذا قصد به نفعَ غيره .. لوجب أن يكونَ بهذا الفعل دافعاً عن نفسه السفهَ ، ولا يصحُ أن يكونَ القديمُ على الوصف الذي يَحتاجُ معه إلى دفع الضررِ عن نفسه ، فبطلَ أن تكونَ حكمتُهُ من أجل نفع غيره ، وإنما كانت حكمتُهُ من جهة وقوع فعلِهِ موافقاً لقصده ، ولذلك قلنا : يستحيلُ أن يقعَ منه فِعلٌ بخلاف قصده . هذا في حكمة أفعاله . (١) وهو قول أكثر المعتزلة، وخالف في ذلك الجبائي ومن تبعه. انظر ((مقالات الإسلاميين )) (ص٢٤٨ - ٢٤٩). (٢) بأن الحكمة: إصابةُ المقصود بحسب العلم ، وليست طلبَ أعلى المنازل . ٥٥ 00000 [ حكمتُهُ تعالى لعلمِهِ ] فأما حكمتُهُ لعلمه : فهي صفةٌ أزليَّةٌ غيرُ متعلِّقةٍ بالفعل . واستدلَّ أصحابُنا قديماً على فساد قولِ القدريَّةِ في هذا الباب بأن قالوا : لو كانت الحكمةُ متعلّقةً بطلب المنفعةِ على وجهٍ .. لَمَا صحَّتْ حكمةُ القديم في تكليفِ مَنْ يعلمُ أنه يعصي ، ونفع من يعلمُ أنه لا يصلُ إلى النفع ، وشبَّهوه : بالرجل يريد منفعةً أولاده ، فيبعثُ بهم إلى البلاد الشاسعةِ ، ويأمرُهم بركوب البحر ، مع علمِهِ بهلاكهم قبل الوصولِ إلى مقصودِهم ، مع جوازِ السلامةِ في الإمكان ، فلا يكونُ حينئذٍ ناظراً لهم . والذي يُشْبِهُ التكليفَ من الشاهد : توجيهُ الرجل أولادَهُ إلى مكانٍ إذا وصلوا إليه نالوا المنافعَ العظيمةَ ، ودلَّهُم عليه، وعلمَ أنهم إذا بلغوا موضعاً من الطريق افترقَتْ بهم الطرقُ ، واختلفوا في مآخذهم ، ودعا كلُّ واحد منهم صاحبَهُ إلى طريقه شفقةً منه عليه ، وضلَّ بعضُهم المقصودَ وهلك في طريقه ، ووقع القتالُ بينهم عند اختلافهم في الطرق ؛ حتى أتى بعضُهم على بعض ، [فيكون] الباعثُ لهم مع هذا العلم سفيهاً غيرَ حكيم ولا ناظرٍ لهم في ذلك(١) ، ولم يكن حكيماً من جهة طلبِ المنفعة لهم بالتكليف الذي كلّفهم متى علم انقطاعَهم عنه ، فبطل أن تكونَ الحكمةُ لأجل ما ذكروه . واستدلُّوا أيضاً : بأنه لو كانت الحكمةُ لأجل طلب منفعةِ الغير بالفعل لكان من يبني داراً أو عقاراً لولده لكي ينتفعَ به ولدُهُ ، وعلمَ أن عدوَّهُ يخربه (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( أو يكون ) . 00000 ٥٦ 2 قبل انتفاع ولده به .. حكيماً، ولمَّا عدَّهُ الحكماءُ سفيهاً بطلَ أن يكونَ وجهُ الحكمةِ طلبَ منفعةٍ للفاعلِ أو لغيره (١) واستدلُّوا : بأنه لو كانت الحكمةُ في الفعل لأجل طلبِ المنفعةِ أو دفع المضرَّةِ .. لوجب أن تكونَ العقوبةُ في الآخرة سَفهاً ؛ لأن القديمَ لا يطلبُ بها حينئذٍ نفعاً لغيره ، ولا دفعَ ضررٍ عن غيره ولا عن نفسه ، [فبطل] أن يكونَ مرجعُ الحكمة إلى ما ذكروه(٢) وممَّا يدلُّ عليه : أن القصدَ بالفعل إلى ما علمَ الفاعلُ أنه لا يكونُ .. تمنِّ من الطالب ، فلو كانت الحِكمةُ من الحكيم طلبَ منفعةِ نفسه أو منفعةٍ غيره من جهةٍ فعله .. لوجب أن يكونَ مُتمنّاً إذا طلب بفعله نفعَ من علمَ أنه لا يصلُ إلى النفعِ . ولأنه لو كانت الحكمةُ في أفعال الله عزَّ وجلَّ إيصالَ العباد إلى منافعهم لوجب إذا لم يُوصِلْهم إليها بما في قدرته من إلجائهم إليها أو غيرِ ذلك .. أن يكونَ خارجاً عن الحكمة ، فلمَّا لم يجب السفهُ بترك الإلجاء دلَّ على أنه لم تکن الحکمةُ في فعله من الوجه الذي ذكروه . ثم يقالُ للمعتزلة : خبِّرونا عن قراءة النائم وتلاوتِهِ آياتٍ من القرآن أو أبياتاً من الشعر ؛ أهي حكمةٌ أو سفهٌ ؟ فإن زعموا : أنها حِكمةٌ . قيل : فقد صحَّت الحكمةُ ممَّن لم يطلبْ بها منفعةً لنفسه ولا دفعَ ضررٍ (١) في (أ): (الفاعل لغيره ) بدل ( للفاعل أو لغيره ) . (٢) ما بين المعقوفين في (أ، ج): (بطل)، وفي ( ب): ( بطلب ). CON AONY عنها ، ولا منفعةٌ لغيره ولا دفعَ ضررٍ عن غيره . فإن قالوا : [إنها] سفةٌ مع كونها فعلاً مُحكماً مُتقناً غيرَ معصية(١) .. لزمَهم : أن يكونَ النائمُ منهيّاً عنها ، وذلك خلافُ قولهم . وإن زعموا : أن ذلك ليس بفعلٍ للنائم .. تركوا قولَهم : إن المتكلِّمَ بالكلام هو الفاعلُ للكلام ، ولزمَهم القولُ : بأن أفعال العباد من خَلقِ الله عزَّ وجلَّ خلافَ أصلهم . وكذلك السؤالُ عليهم في أفعال الساهي ، وأفعالِ الأطفالِ والبهائم ؛ إذا وقعت على وجوهٍ يكونُ فيها نفعُ العقلاء من غير أن يكونَ أصحابُها موصوفينَ بالحكمةِ ، من غير قصدٍ منهم إلى حصول النفع لهم أو لغيرهم ، أو دفع ضررٍ عنهم أو عن غيرِهم (٢) فإن قلبوا القولَ علينا في دعوانا الحكمةَ بموافقة العلمِ والقصدِ .. التزمنا الإلزامَ ؛ لأن النائمَ عندنا لا فعلَ له على الحقيقة ، ومُحدِثُ أفعالِ البهائم والأطفالِ عندنا قد حصلت تلك الأفعالُ منهم موافقةً لقصدِهِ وعلمِهِ ، فكان حكيماً فيها كلِّها . واستدلَّت القدريَّةُ على فساد قولنا - بزعمها - بأن قالت : إذا كان اعتبارُ الحكمةِ بموافقة القصدِ والعلوم(٣)، واستوى النفعُ والضرُّ عند الحكيم القادر عليهما .. كانت الحكمةُ منه تحصيلَ المنفعةِ للعبيد(٤) (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( إنه ) . (٢) انظر ((المغني)) لقاضيهم عبد الجبار (٤٩/٦). (٣) كذا في جميع النسخ، ولو قال : ( العلم ) لم يبعد . (٤) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص٣٠٢ - ٣٠٣). CO 700000 ٥٨ 00000 ـحدة وصوَّروه : في رجلٍ له أولادٌ وعبيدٌ لا يتعذَّرُ عليه فعلُ ما يريده بهم من الصلاح والفساد ، واستوى الأمرانِ في الضررِ والنفع عنده ، كانت الحكمةُ تخصيصَهم بما يؤدِّي إلى صلاحهم . فيقالُ لهم : إن الذي ذكر تموه صحيحٌ إذا كان معلوماً من العبيد والأولادِ موالاتُهُ ، ووصولُهم بما يفعلُهُ بهم إلى الصلاح ، فأما إذا علمَ من حالهم أنهم يتوصَّلونَ بما يفعلُّهُ بهم إلى ما فيه فسادُهم .. كانت الحكمةُ في تخصيصهم بالمذلَّةِ ، مع إتباع أفعالِهِم بالعقوبة ، والقصدِ إلى ذلك . واستدلُّوا أيضاً بأن قالوا : لو كانت الأفعالُ كلُّها لا تحصلُ إلا موافقةً لقصد الحكيم القديم .. لكانت الحكمةُ منه أن يختارَ الأحسنَ في نفسه منها ؛ وهو مدحُ عبيدِهِ له ، وطاعتُهم له ، وتركُ ما يجدُ الملحدُ به سبيلاً إلى الطعن في الدين والتوحيد(١) فيقالُ لهم : لو كان الأمرُ على موافقة اعتلالِكم .. لكانت المجوسيَّةُ أصحَّ الأديان ، وما نراكم تنزعونَ إلا إليها ؛ لأنهم قالوا بمثل هذا الاعتلالِ في المنع من أن يَخلقَ الله عزَّ وجلَّ شيئاً من الأعراضِ والآلامِ ، والسباعِ (١) وهذا الاعتلالُ منهم مؤسسٌ على الجهل بأسمائه تعالى وصفاته ، ومجالي تعرُّفاته ، فكأن هؤلاء يمنعون تعرُّف الله عز وجل إلى عباده بنحو اسمه الحليم والمنتقم والعفوِ والضارِّ ، وغيرها من أسماء الجمال والجلال؛ قال سبحانه: ﴿وَإِذْقَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ إِنِ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَّجْعُلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفُِكُ الذِّمَآءَ وَحْنُ نُسَبْحُ بِحَمْدَِ وَنُقَدِسُ لَكُّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فحكمة الله تعالى إنما ترجع على التحقيق للإرادة والعلم، وللقدرة على إحكام الصنعة وإتقانها ، وتعالى مولانا عن الغرضية والتعليل، وانظر (( شرح العقيدة الكبرى)) (ص٥٣٣). 0